Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji

Ayahs 41–50 of 286

41

وَءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا۟ أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا وَإِيَّٰىَ فَٱتَّقُونِ

And believe in what I have sent down confirming that which is [already] with you, and be not the first to disbelieve in it. And do not exchange My signs for a small price, and fear [only] Me.

(وآمنوا بما أنزلت) يعني القرآن (مصدقاً لما معكم) أي لما في التوراة من التوحيد والنبوة والأخبار ونعت النبي - صلى الله عليه وسلم - (ولا تكونوا أول كافر به) المراد أهل الكتاب لأنهم العارفون بما يجب للأنبياء وما يلزم من التصديق، أي لا تكونوا يا معشر اليهود أول كافر بهذا النبي - صلى الله عليه وسلم - مع كونكم قد وجدتموه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل، مبشراً به في الكتب المنزلة عليكم.

وقد حكى الرازي في تفسيره في هذا الوضع ما وقف عليه من البشارات برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكتب السابقة، وقيل الضمير في " به " عائد إلى القرآن المدلول عليه بقوله " بما أنزلت " وقيل عائد إلى التوراة المدلول عليها بقوله لما معكم، والخطاب لجماعة، والكافر لفظه واحد وهو في معنى الجمع أي أول الكفار أو أول فريق كافر، ومفهوم الصفة غير مراد هنا فلا يرد أن المعنى بل آخر كافر، وإنما ذكرت الأولية لأنها أفحش لما فيها من الابتداء بالكفر، بل يجب أن تكونوا أول فريق مؤمن به لأنكم أهل نظر في معجزاته والعلم بشأنه وصفاته.

(ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً) أي لا تستبدلوا ببيان صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - التي في التوراة عوضاً يسيراً من الدنيا لأن الدنيا بالنسبة إلى الآخرة كالشيء اليسير الحقير الذي لا قيمة له والذي كانوا يأخذونه من الدنيا كالشيء اليسير بالنسبة إلى جميعها فهو قليل القليل، وهذه الآية وإن كانت خطاباً لبني اسرائيل ونهياً لهم، فهي متناولة لهذه الأمة بفحوى الخطاب أو بلحنه، فمن أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به أو إثبات باطل نهى الله عنه، أو امتنع من تعليم ما علمه الله وكتم البيان الذي أخذ الله عليه ميثاقه به فقد اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً (وإياي فاتقون) بالإيمان واتباع الحق والإعراض عن حطام الدنيا.

ولما كانت الآية السابقة مشتملة على ما هو كالمبادىء لما في الآية الثانية فصلت بالرهبة التي هي من مقدمات التقوى، أو لأن الخطاب بها لما عم العالم والمقلد أمر فيها بالرهبة المتناولة للفريقين، وأما الخطاب بالثانية فحيث خص بالعلماء أمر فيها بالتقوى الذي هو المنتهى وباقي الكلام فيه كالكلام في قوله (وإياي فارهبون) وقد تقدم قريباً.

Al-Baqara 2:41Listen in Qur'an →
42

وَلَا تَلْبِسُوا۟ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُوا۟ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

And do not mix the truth with falsehood or conceal the truth while you know [it].

(ولا تلبسوا الحق بالباطل) أي ولا تكتبوا في التوراة ما ليس فيها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم، وقيل لا تخلطوا الحق من صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - بالباطل من تغيير صفته، واللبس الخلط، وقيل هو مأخوذ من التغطية أي لا تغطوا الحق بالباطل، والأول أولى، والباء للإلصاق على الأول وقيل للاستعانة واستبعده أبو حيان، وقال فيه صرف عن الظاهر من غير ضرورة، قال السمين ولا أدري ما هذا الاستبعاد مع وضوح هذا المعنى الحسن، والباطل في كلام العرب الزائل، والباطل الشيطان والمراد به هنا خلاف الحق والمراد النهي عن كتم حجج الله التي أوجب عليهم تبليغها وأخذ عليهم بيانها، ومن فسر اللبس أو الكتمان بشيء معين ومعنى خاص كما تقدم فلم يصب إن أراد أن ذلك هو المراد دون غيره لا إن أراد أنه مما يصدق عليه.

(وتكتموا الحق) لما فيه من الضرر والفساد، وفيه أن العالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه، وفيه تنبه لسائر الخلق وتحذير من مثله فصار هذا الخطاب وإن كان خاصاً في الصورة عاماً في المعنى، فعلى كل أحد أن لا يلبس الحق بالباطل ولا يكتم الحق (وأنتم تعلمون) فيه أن كفرهم كفر عناد لا كفر جهل، وذلك أغلظ للذنب وأوجب للعقوبة، وهذا التقييد لا يفيد جواز اللبس والكتمان مع الجهل لأن الجاهل يجب عليه أن لا يقدم على شيء حتى يعلم بحكمه خصوصاً في أمور الدين، فإن التكلم فيها والتصديق للإصدار والإيراد في أبوابها إنما أذن الله به لمن كان رأساً في العلم فرداً في الفهم، وما للجهال والدخول فيما ليس من شأنهم، والقعود في غير مقاعدهم.

وأعلم أن كثيراً من المفسرين جاؤوا بعلم متكلف وخاضوا في بحر لم يكلفوا سباحته، واستغرقوا أوقاتهم في فن لا يعود عليهم بفائدة، بل أوقعوا أنفسهم في التكلم بمحض الرأي المنهى عنه في الأمور المتعلقة بكتاب الله سبحانه، وذلك أنهم أرادوا أن يذكروا المناسبة بين الآيات القرآنية المسرودة على هذا الترتيب الموجود في المصاحف. فجاؤا بتكلفات وتعسفات يتبرأ منها الأنصاف، ويتنزه عنها كلام البلغاء فضلاً عن كلام الرب سبحانه، حتى أفردوا ذلك بالتصنيف وجعلوه المقصد الأهم من التأليف، كما فعله البقاعي في تفسيره ومن تقدمه ومن تأخره.

وإن هذا لمن أعجب ما يسمعه من يعرف أن هذا القرآن ما زال ينزل مفرقاً على حسب الحوادث المقتضية لنزوله منذ نزل الوحي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن قبضه الله عز وجل إليه، وكل عاقل فضلاً عن عالم لا يشك أن هذه الحوادث المقتضية لنزول القرآن متخالفة باعتبار نفسها بل قد تكون متناقضة كتحريم أمر كان حلالاً وتحليل أمر كان حراماً، وإثبات أمر لشخص أو أشخاص يناقض ما كان قد ثبت لهم قبله، وتارة يكون الكلام مع المسلمين، وتارة مع الكافرين، وتارة مع من مضى، وتارة مع من حضر، وحيناً في عبادة، وحيناً في معاملة، ووقتاً في ترغيب، ووقتاً في ترهيب، وآونة في بشارة وآونة في نذارة، وطوراً في أمر دنيا، وطوراً في أمر آخرة، ومرة في تكاليف آتية، ومرة في أقاصيص ماضية.

وإذا كانت أسباب النزول مختلفة هذا الإختلاف، ومتباينة هذا التباين الذي لا يتيسر معه الإئتلاف، فالقرآن النازل فيها هو باعتبار نفسه مختلف كاختلافها فكيف يطلب العاقل المناسبة بين الضب والنون، والماء والنار، والملاح والحادي، وهل هذا إلا من فتح أبواب الشك وتوسيع دائرة الريب على من في قلبه مرض، أو كان مرضه مجرد الجهل والقصور، فإنه إذا وجد أهل العلم يتكلمون في التناسب بين جميع آي القرآن ويفردون ذلك بالتصنيف تقرر عنده أن هذا أمر لابد منه، وأنه لا يكون القرآن بليغاً معجزاً إلا إذا ظهر الوجه المقتضى للمناسبة؛ وتبين الأمر الموجب للإرتباط؛ فإن وجد الإختلاف بين الآيات رجع إلى ما قاله المتكلمون في ذلك فوجده تكلفاً محضاً وتعسفاً بيناً، انقدح في قلبه ما كان عنه في عافية وسلامة.

هذا على فرض أن نزول القرآن كان مترتباً على هذا الترتيب …

Al-Baqara 2:42Listen in Qur'an →
43

وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرْكَعُوا۟ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ

And establish prayer and give zakah and bow with those who bow [in worship and obedience].

(وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) المراد هنا الصلاة المعهودة وهي صلاة المسلمين، يعني الصلوات الخمس بمواقيتها وحدودها وجميع أركانها، على أن التعريف للعهد، ويجوز أن يكون للجنس ومثلها الزكاة، والإيتاء الإعطاء، والزكاة مأخوذة من الزكاء وهو النماء، وسمي إخراج جزء من المال زكاة أي زيادة مع أنه نقص منه لأنها تكثر بركته أو يكثر أجر صاحبه، وقيل الزكاة مأخوذة من التطهير، كما يقال زكى فلان أي طهر.

والظاهر أن الصلاة والزكاة والحج والصوم ونحوها قد نقلها الشرع إلى معان شرعية، هي المرادة بما هو مذكوره في الكتاب والسنة منها، وقد تكلم أهل العلم على ذلك بما لا يتسع المقام لبسطه، وقد اختلف أهل العلم في المراد بالزكاة هنا فقيل المفروضة لاقترانها بالصلاة، وقيل صدقة الفطر، والظاهر أن المراد ما هو أعم من ذلك.

(واركعوا مع الراكعين) أي صلوا مع المصلين يعني محمداً - صلى الله عليه وسلم -، والركوع في اللغة الانحناء وكل منحن راكع، ويستعار الركوع أيضاً للانحطاط في المنزلة، وإنما خص الركوع بالذكر هنا لأن اليهود لا ركوع في صلاتهم، وقيل لكونه كان ثقيلاً على أهل الجاهلية، وقيل أنه أراد بالركوع جميع أركان الصلاة، والركوع الشرعي هو أن ينحني الرجل ويمد ظهره وعنقه، ويفتح أصابع يديه ويقبض بها على ركبتيه ثم يطمئن راكعاً ذاكراً بالذكر المشروع.

وقد ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما ما هو معروف.

وفي الآية حث على إقامة الصلاة في الجماعة وقد أوجب حضور الجماعة بعض أهل العلم على خلاف بينهم في كون ذلك عيناً أو كفاية، وذهب الجمهور إلى أنه سنة مؤكدة مرغب فيها وليس بواجب وهو الحق للأحاديث الصحيحة الثابتة عن جماعة من الصحابة من أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة أو سبع وعشرين درجة، وثبت في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - الذي يصلي مع الإمام أفضل من الذي يصلي وحده ثم ينام، والبحث طويل الذيول كثير النقول، استوفاه الشوكاني رحمه الله تعالى في شرحه للمنتقى.

Al-Baqara 2:43Listen in Qur'an →
44

۞ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

Do you order righteousness of the people and forget yourselves while you recite the Scripture? Then will you not reason?

(اتأمرون الناس بالبر) الهمزة للاستفهام مع التوبيخ للمخاطبين، وليس المراد توبيخهم على نفس الأمر بالبر فإنه فعل حسن مندوب إليه، بل سبب ترك فعل البر المستفاد من قوله (وتنسون أنفسكم) تتركونها فلا تأمرونها به مع تزكية النفس والقيام في مقام دعاة الخلق إلى الحق إيهاماً للناس وتلبيساً عليهم، نزلت في علماء اليهود، والبر: الطاعة والعمل الصالح وسعة الخير والمعروف والصدق.

فالبر: اسم جامع لجميع أعمال الخير والطاعات، والنسيان هو هنا بمعنى الترك، وفي الأصل خلاف الذكر والحفظ أي زوال الصورة التي كانت محفوظة عن المدركة والحافظة، وإنما عبر عن الترك بالنسيان لأن نسيان الشيء يلزمه تركه فهو من استعمال الملزوم في اللازم أو السبب في المسبب، وسر هذا التجوز الإشارة إلى أن ترك ما ذكر لا ينبغي أن يصدر عن العاقل إلا نسياناً، والنفس: الروح، ومنه قوله تعالى (الله يتوفى الأنفس حين موتها) يريد الأرواح والنفس الجسد، والمعنى وتعدلون عما لها فيه نفع.

(وأنتم تتلون الكتاب) جملة حالية مشتملة على أعظم تقريع وأشد توبيخ وأبلغ تبكيت، أي كيف تتركون البر الذي تأمرون الناس به وأنتم من أهل العلم العارفين بقبح هذا الفعل، وشدة الوعيد عليه كما ترونه في الكتاب الذي تتلونه وتدرسونه، والآيات التي تقرؤنها من التوراة، والتلاوة: القراءة وهي المراد هنا وأصلها الاتباع.

(أفلا تعقلون) استفهام للإنكار عليهم والتقريع لهم، وهو أشد من الأول وأشد، ولشد ما قرع الله في هذا الموضع من يأمر بالخير ولا يفعله من العلماء الذين هم غير عاملين بالعلم، فاستنكر عليهم أولاً أمرهم للناس بالبر مع نسيان أنفسهم من ذلك الأمر الذي قاموا به في المجامع، ونادوا به في المجالس إيهاماً للناس بأنهم مبلغون عن الله ما تحملوه من حججه، ومبينون لعباده ما أمرهم ببيانه وموصلون إلى خلقه ما استودعهم وأئتمنهم عليه، وهم اترك الناس لذلك وأبعدهم من نفعه وأزهدهم فيه.

ثم ربط هذه الجملة بجملة أخرى جعلها مبينة لحالهم وكاشفة لعوارهم وهاتكة لأستارهم، وهي أنهم فعلوا هذه الفعلة الشنيعة، والخصلة الفظيعة، على علم منهم ومعرفة بالكتاب الذي أنزل عاجهم وملازمة لتلاوته وهم في ذلك كما قال المعري:

وإنما حمل التوراة قارئها ... كسب الفوائد لا حب التلاوات

ثم انتقل معهم من تقريع إلى تقريع، ومن توبيخ إلى توبيخ، فقال أنكم لو لم تكونوا من أهل العلم وحملة الحجة وأهل الدّراسة لكتب الله لكان مجرد كونكم ممن يعقل حائلاً بينكم وبين ذلك ذائداً لكم عنه، زاجراً لكم منه، فكيف أهملتم ما يقتضيه العقل بعد إهمالكم لما يوجبه العلم؟ والعقل في أصل اللغة المنع ومنع عقال البعير لأنه يمنعه عن الحركة ومنه العقل في الدية لأنه يمنع الولي عن قتل الجاني، والعقل نقيض الجهل.

ويصح تفسير ما في الآية هنا بما هو أصل معنى العقل عند أهل اللغة أي أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المزرية، ويصح أن يكون معنى الآية أفلا تنظرون بعقولكم التي رزقكم الله إياها حيث لم تنتفعوا بما لديكم من العلم، والعقل قوة تهيء قبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة العقل.

وأخرج أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية وابن حبان وابن مردويه والبيهقي عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأيت ليلة أسرى بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت رجعت فقلت لجبريل من هؤلاء قال هؤلاء خطباء من أمتك كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون.

وثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق به أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار برحاه فيطيف به أهل النار فيقولون يا فلان مالك؟ ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول كنت …

Al-Baqara 2:44Listen in Qur'an →
45

وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ

And seek help through patience and prayer, and indeed, it is difficult except for the humbly submissive [to Allah]

(واستعينوا بالصبر والصلاة) قيل إن المخاطبين بهذا هم المؤمنون وقيل اليهود لما عاقهم عن الإيمان الشره وحب الرياسة فأمروا بالصبر، وهو الصوم لأنه يكسر الشهوة، والصلاة لأنها تورث الخشوع وتنفي الكبر، وأفرد الصلاة بالذى تعظيماً لشأنها، والمعنى استعينوا على حوائجكم إلى الله وقيل على ما يشغلكم من أنواع البلايا، وقيل على طلب الآخرة بالصبر.

والصبر في اللغة الحبس والمراد هنا استعينوا بحبس أنفسكم عن الشهوات وقصرها على الطاعات، على دفع ما يرد عليكم من المكروهات، وقيل الصبر هنا هو خاص بالصبر على تكاليف الصلاة وأداء الفرائض، واستدل هذا القائل بقوله تعالى (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) وليس في هذا الصبر الخاص بهذه الآية ما ينفي ما يفيده الألف واللام الداخلة على الصبر من الشمول، كما أن المراد بالصلاة هنا جميع ما يصدق عليه الصلاة الشرعية من غير فرق بين فريضة ونافلة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.

وعن ابن عباس أنه نعى له أخوه قثم وهو في سفر فاسترجع ثم تنحى عن الطريق فصلى ركعتين أطال فيهما السجود ثم قام إلى راحلته وهو يقول (واستعينوا بالصبر والصلاة) وقد وردت أحاديث كثيرة في مدح الصبر والترغيب فيه والجزاء للصابرين، ولم نذكرها ههنا لأنها ليست بخاصة بهذه الآية، بل هي واردة في مطلق الصبر، وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور ههنا منها شطراً صالحاً، وفي الكتاب العزيز من الثناء على ذلك والترغيب فيه الكثير الطيب.

وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير عن حذيفة قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وأخرج أحمد والنسائي وابن حبان عن صهيب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال كانوا يعني الأنبياء يفزعون إذا فزعوا إلى الصلاة، وعن ابن عباس أنه كان في مسير له فنعى إليه ابن له فنزل فصلى ركعتين ثم استرجع فقال فعلنا كما أمرنا الله تعالى (واستعينوا بالصبر والصلاة) وقد روي نحو ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين.

واختلف المفسرون في مرجع للضمير في قوله (وإنها لكبيرة) فقيل إنه راجع إلى الصلاة وإن كان التقدم هو الصبر والصلاة فقد يجوز إرجاع الضمير إلى أحد الأمرين المتقدم ذكرهما، كما قال تعالى (والله ورسوله أحق أن يرضوه) إذا كان أحدهما داخلاً تحت الآخر بوجه من الوجوه، وقيل إنه عائد إلى الصلاة من دون اعتبار دخول الصبر تحتها لأن الصبر هو عليها كما قيل سابقاً، وقيل أن الضمير راجع إلى الصلاة وإن كان الصبر مراداً منها لكن لما كانت آكد وأعم تكليفاً وأكثر ثواباً كانت الكناية بالضمير عنها، ومنه قوله تعالى (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) كذا قيل، وقيل إن الضمير راجع إلى الأشياء المكنوزة ومثل ذلك قوله (وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها) رجع الضمير هنا إلى الفضة والتجارة لما كانت أعم نفعاً وأكثر وجوداً والتجارة هي الحاملة على الإنفضاض.

والفرق بين هذا الوجه والوجه الأول الصبر هناك جعل داخلاً تحت الصلاة وهنا لم يكن داخلاً وإن كان مراداً، وقيل إن الراد الصبر والصلاة ولكن ارجع الضمير إلى أحدهما استغناء به عن الآخر، ومنه قوله تعالى (وجعلنا ابن مريم وأمه آية) أي ابن مريم آية وأمه آية، وقيل رجع الضمير إليهما بعد تأويلهما بالعبادة، وقيل رجع إلى المصدر المفهوم من قوله (واستعينوا) وهو الاستعانة وقيل رجع إلى جميع الأمور التي نهى عنها بنو إسرائيل، والأول هو الظاهر الجاري على قاعدة كون الضمير للأقرب، والكبيرة التي يكبر أمرها ويتعاظم شأنها على حاملها لما يجده عند تحملها والقيام بها من المشقة ومنه (كبر على المشركين ما تدعوهم إليه).

(إلا) استثناء مفرغ وشرطه أن يسبق بنفي فيؤول الكلام هنا بالنفي أي أنها لا تخف ولا تسهل إلا.

(على الخاشعين) يعني المؤمنين، وقيل الخائقين، وقيل المطيعين المتواضعين لله، والخاشع هو المتواضع، قال في …

Al-Baqara 2:45Listen in Qur'an →
46

ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ

Who are certain that they will meet their Lord and that they will return to Him.

(الذين يظنون) أي يستيقنون وقيل يعلمون، والظن هنا عند الجمهور بمعنى اليقين ومنه قوله تعالى (إني ظننت أني ملاق حسابيهْ) وقوله (وظنوا أنهم مواقعوها) وقيل أن الظن في الآية على بابه ويضمر في الكلام بذنوبهم فكأنهم توقعوا لقاءه مذنبين، ذكره الماوردي والأول أولى، وأصل الظن الشك مع الميل إلى أحد الطرفين، وقد يقع موقع اليقين في مواضع منها هذه الآية.

ومعنى (أنهم ملاقوا ربهم) ملاقوا جزاءه، والمفاعلة هنا ليست على بابها، ولا أرى في حمله على أصل معناه من دون تقدير المضاف بأساً أي يوقنون أنهم يرونه، وفي هذا مع ما بعده من قوله (وأنهم إليه راجعون). إقرار بالبعث وما وعد الله به في اليوم الآخر، وفيه دليل على ثبوت رؤية الله تعالى في الآخرة.

Al-Baqara 2:46Listen in Qur'an →
47

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

O Children of Israel, remember My favor that I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.

(يا بني إسرائيل أذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) إنما كرر ذلك سبحانه توكيداً للحجة عليهم وتحذيراً لهم من ترك اتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -، ثم قرنه بالوعيد وهو قوله

Al-Baqara 2:47Listen in Qur'an →
48

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌۭ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

And fear a Day when no soul will suffice for another soul at all, nor will intercession be accepted from it, nor will compensation be taken from it, nor will they be aided.

(واتقوا يوماً) قيل المراد بالنعمة أيادي الله عندهم وأيامه، قاله سفيان بن عيينة، وعن مجاهد التي أنعم بها على بني إسرائيل فيما سمى وفيما سوى ذلك، فجّر لهم الحجر وأنزل عليهم المن والسلوى وأنجاهم من عبودية آل فرعون، وكان عمر بن الخطاب إذا تلا هذه الآية قال مضى القوم وإنما يعني أنتم.

(وأني فضلتكم على العالمين) يعني على عالمي زمانكم، فلا يتناول من مضى ولا من يوجد بعدهم، وهذا التفضيل وإن كان في حق الآباء ولكن يحصل به الشرف للأبناء، قيل فيه ورود العام المراد به الخصوص، لأن المراد بالعالمين عالمو زمانهم، وقيل على جميع العالمين بما جعل فيهم الأنبياء، وقال في الكشاف على الجم الغفير من الناس كقوله (باركنا فيها للعالمين) يقال رأيت عالماً من الناس يراد الكثرة انتهى، قال الرازي في تفسيره وهذا ضعيف لأن لفظ العالم مشتق من العلم وهو الدليل، وكلما كان دليلاً على الله كان علماً وكان من العالم، وهذا تحقيق قول المتكلمين: العالم كل موجود سوى الله، وعلى هذا لا يمكن تخصيص لفظ العالم ببعض المحدثات، انتهى.

أقول هذا الاعتراض ساقط أما أولاً فدعوى اشتقاقه من العلم لا برهان عليه، وأما ثانياً فلو سلمنا صحة هذا الاشتقاق كان المعنى موجوداً بما يتحصل معه مفهوم الدليل على الله الذي يصح إطلاق اسم العلم عليه، وهو كائن في كل فرد من أفراد المخلوقات التي يستدل بها على الخالق، وغايته أن جمع العالم يستلزم أن يكونوا مفضلين على أفراد كثيرة من المحدثات، وأما إنهم مفضلون على كل المحدثات في كل زمان، فليس في اللفظ ما يفيد هذا ولا في اشتقاقه ما يدل عليه، وأما من جعل العالم أهل العصر فغايته أن يكونوا مفضلين على أهل عصور، لا على أهل كل عصر، فلا يستلزم ذلك تفضيلهم على أهل العصر الذين فيهم نبينا - صلى الله عليه وسلم - ولا على ما بعده من العصور.

ومثل هذا الكلام ينبغي استحضاره عند تفسير قوله تعالى (وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين) وعند قوله تعالى (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) وعند قوله تعالى (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين).

فإن قيل أن التعريف في العالمين يدل على شموله لكل عالم.

قلت لو كان الأمر هكذا لم يكن ذلك مستلزماً لكونهم أفضل من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس) فإن هذه الآية ونحوها تكون مخصصة لتلك الآيات.

(واتقوا يوماً) أي واخشوا عذاب يوم، أمر معناه الوعيد والمراد باليوم يوم القيامة أي عذابه.

(لا تجزي) لا تكفي ولا تقضي.

(نفس عن نفس شيئاً) يعني حقاً لزمها، وقيل معناه لا تنوب نفس عن نفس يوم القيامة ولا ترد عنها شيئاً مما أصابها، بل يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه، وقيل أن طاعة المطيع لا تقضي عن العاصي ما كان واجباً عليه، والنفس الأولى هي المؤمنة والثانية هي الكافرة ومعنى التنكير التحقير أي شيئاً يسيراً حقيراً (ولا يقبل منها شفاعة) أي في ذلك اليوم، وذلك أن اليهود قالوا يشفع لنا آباؤنا فرد الله عليهم ذلك، والشفاعة مأخوذة من الشفع وهو الإثنان تقول استشفعته أي سألته أن يشفع لي أي يضم جاهه إلا جاهك عند المشفوع إليه ليصل النفع إلى الشفوع له، وضمير (منها) يرجع إلى النفس المذكورة ثانياً أي إن جاءت بشفاعة شفيع، ويجوز أن يرجع إلى النفس المذكورة أولاً أي إذا شفعت لم يقبل منها.

ْ (ولا يؤخذ منها عدل) أي فدية وهو مماثلة الشيء بالشيء، والعدل بفتح العين الفداء وبكسرها المثل، وقيل بالفتح المساوي للشيء قيمة وقدراً وبالكسر المساوي له في جنسه وجرمه، وأما العدل واحد الأعدال فهو بالكسر لا غير قاله السمين، والضمير يرجع إلى النفوس المدلول عليها بالنكرة في سياق النفي، والنفس تذكر وتؤنث والمعنى كما قال السدي لا تغني نفس مؤمنة عن نفس كافرة من المنفعة شيئاً.

(ولا هم ينصرون) أي لا يمنعون من العذاب، والنصر العون والأنصار الأعوان ومنه (من …

Al-Baqara 2:48Listen in Qur'an →
49

وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ

And [recall] when We saved your forefathers from the people of Pharaoh, who afflicted you with the worst torment, slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.

(وإذ نجيناكم من آل فرعون) أي واذكروا إذ خلصنا أسلافكم وأجدادكم، فاعتده نعمة ومنة عليهم، لأنهم نجوا بنجاة أسلافهم، وهذا شروع في تفصيل نعم الله عليهم، وفصلت بعشرة أمور تنتهي بقوله: (وإذ استسقى موسى) والنجاة النجوة من الأرض وهي ما ارتفع منها، ثم سمى كل فائز وخارج من ضيق إلى سعة ناجياً وإن لم يلق على نجوة " وآل فرعون " قومه والآل يضاف إلى ذوي الخطر ولا يضاف إلى البلدان فلا يقال من آل المدينة، وجوزه الأخفش، واختلفوا هل يضاف إلى المضمر أم لا فمنعه قوم وسوغه آخرون وهو الحق.

وفرعون قيل هو اسم ذلك الملك بعينه، وقيل إنه اسم لكل ملك من ملوك العمالقة أولاد عمليق بن لاوز بن أرم بن سام بن نوح كما يسمى من ملك الفرس كسرى، ومن ملك الروم قيصر، ومن ملك الحبشة النجاشي، وقيل فرعون اسم علم لمن كان يملك مصر من القبط والعماليق، واسم فرعون موسى المذكور هنا قابوس في قول أهل الكتاب، وقال وهب اسمه الوليد بن مصعب بن الريان، وعَمّر أكثر من أربعمائة سنة، وعاش موسى مائة وعشرين سنة، قال السعودي لا يعرف لفرعون تفسير بالعربية، وقال الجوهري إن كل عات يقال له فرعون، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة أي دهاء ومكر، وقال في الكشاف تفرعن فلان إذا عتى وتجبر.

(يسومونكم) أي يكلفونكم ويولونكم قاله أبو عبيدة، وقيل يذوقونكم ويلزمونكم إياه، وأصل السوم الدوام، ومنه سائمة الغنم لمداومتها الرعي، وفي الكشاف أصله في سام السلعة إذا طلبها كأنه بمعنى يبيعونكم سوء العذاب ويريدونكم عليه، انتهى.

(سوء العذاب) أي أشده وأسوأه وأفظعه، وإن كان كله سيئاً، والسوء كل ما يغم الإنسان من أمر دنيوي أو أخروي.

(يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم) الذبح في الأصل الشق وهو فري أوداج المذبوح، قيل ذبحوا منهم أثني عشر ألفا، وقيل سبعين ألفا، وهل نساء جمع نسوة أو جمع امرأة من حيث المعنى قولان، والمراد يتركون نساءكم أحياء ليستخدموهن ويمتهنوهن، وأنما أمر بذبح الأبناء واستحياء النساء لأن الكهنة أخبروه بأنه يولد مولود يكون هلاكه على يده، وعبر عن البنات باسم النساء لأنه جنس يصدق عليهن، وقالت طائفة أنه أمر بذبح الرجال واستدلوا بقوله نساءكم والأول أصح بشهادة السبب، ولا يخفى ما في قتل الأبناء واستحياء البنات للخدمة ونحوها من انزال الذل بهم وإلصاق الإهانة الشديدة بجميعهم لما في ذلك من العار.

والإشارة بقوله (وفي ذلكم) إلى جملة الأمر من الإنجاء والذبح، قاله ابن عطية.

(بلاء من ربكم عظيم) أي اختيار وامتحان، والبلاء يطلق تارة على الخير وتارة على الشر، فإن أريد به هنا الشر، كانت الإشارة إلى ما حل بهم من النقمة بالذبح ونحوه، وإن أريد به الخير كانت الإشارة إلى النعمة التي أنعم الله عليهم بالإنجاء وما هو مذكور قبله من تفضيلهم على العالمين، وقد اختلف السلف ومن بعدهم في مرجع الإشارة فرجح الجمهور الأول ورجح الآخرون الآخر، قال ابن كيسان أبلاه وبلاه في الخير والشر، وقيل الأكثر في الخير أبليته وفي الشر بلوته، وفي الاختبار ابتليته وبلوته قاله النحاس، استدل به بعض من يقول بالتناسخ وقال إن القوم كانوا هم بأعيانهم، فلما تطاولت عليهم مدة التلاشي والبلى نسوا فذكروا، قال الكرماني وهذا محال وجهل بكلام العرب، فإن العرب تخاطب بمثل هذا وتعني الجد الأعلى والأب الأبعد.

Al-Baqara 2:49Listen in Qur'an →
50

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

And [recall] when We parted the sea for you and saved you and drowned the people of Pharaoh while you were looking on.

(وإذ فرقنا بكم البحر) أي فلقنا، وأصل الفلق الفرق والفصل، ومنه فرق الشعر، ومنه (وقرآنا فرقناه) أي فصلناه، والباء في (بكم) بمعنى اللام أو السببية والمراد أن فرق البحر كان بسبب دخولهم فيه لما صاروا بين المائين صار الفرق بهم، وأصل البحر في اللغة الإتساع أطلق على البحر الذي هو مقابل البر لما فيه من الاتساع بالنسبة إلى النهر والخليج ويطلق على الماء المالح، وقال السيوطي في مفحمات الأقران البحر هو القلزم وكنيته أبو خالد كما روي عن قيس بن عباد، قال ابن عساكر كأنه كني بذلك لطول بقائه، وروى أبو يعلى بسند ضعيف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " فلق البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء " انتهى.

(فأنجيناكم) أي أخرجناكم منه.

(وأغرقنا آل فرعون) فيه، ووافق ذلك يوم عاشوراء فصام موسى ذلك اليوم شكراً لله عز وجل، والمراد بآل فرعون هنا هو وقومه وأتباعه، والغرق الرسوب في الماء وتجوز به عن المداخلة في الشيء، تقول غرق فلان في اللهو فهو غرق، قاله السمين.

(وأنتم تنظرون) يعني إلى إهلاكهم، وقيل إلى مصارعهم أي حال كونكم ناظرين إليهم بأبصاركم أو المعنى ينظر بعضكم إلى بعض آخر من السالكين في البحر، وقيل نظروا إلى أنفسهم ينجون وإلى آل فرعون يغرقون، قيل أن البحر قذفهم حتى نظروا إليهم.

وهذه الواقعة كما أنها لموسى معجزة عظيمة تخر لها أطم الجبال، ونعمة عظيمة لأوائل بني إسرائيل موجبة عليهم شكرها باللسان والبال، كذلك اقتصاصها على ما هي عليه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معجزة جليلة تطمئن بها القلوب الأبية، وتنقاد لها النفوس الغبية، موجبة لأعقابهم أن يتلقوها بالاذعان ويقبلوها بصميم الجنان، فلا تأثرت أوائلهم بمشاهدتها ورؤيتها، ولا تذكرت أواخرهم بتذكيرها وروايتها، فيالها من عصابة ما أعصاها، وطائفة ما أطغاها وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس. قال: " قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء فقال ما هذا اليوم؟ قالوا هذا يوم صالح نجى الله فيه بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " نحن أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصومه [[صحيح مسلم/1130؛ -[168]- وفي يوم عاشوراء أحاديث كثيرة نورد منها:

عن حميد بن عبد الرحمن، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان، خطيباً بالمدينة خطبهم يوم عاشوراء فقال أين علماؤكم يا أهل المدينة؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هذا يوم عاشوراء. ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم فمن أحب منكم أن يصوم فليصم ومن أحب أن يُفطر فليفطر.]] ".

Al-Baqara 2:50Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.