Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 41–50 of 286

41

وَءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا۟ أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا وَإِيَّٰىَ فَٱتَّقُونِ

And believe in what I have sent down confirming that which is [already] with you, and be not the first to disbelieve in it. And do not exchange My signs for a small price, and fear [only] Me.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ﴾ يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ أوِ الإنْجِيلَ، فَإنَّ القُرْآَنَ يُصَدِّقُهُما أنَّهُما مِن عِنْدِ اللَّهِ، ويُوافِقُهُما في صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ .

﴿وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ .

إنَّما قالَ: أوَّلُ كافِرٍ، لِأنَّ المُتَقَدِّمَ إلى الكُفْرِ أعْظَمُ مِنَ الكُفْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، إذِ المُبادِرُ لَمْ يَتَأمَّلِ الحُجَّةَ، وإنَّما بادَرَ بِالعِنادِ، فَحالُهُ أشَدُّ. وقِيلَ: وتَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ بَعْدَ أنْ آَمَنَ، والخِطابُ لِرُؤَساءِ اليَهُودِ.

وَفِي هائِهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى المَنزِلِ، قالَهُ ابْنُ مسُعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها تَعُودُ عَلى ما مَعَهم، لِأنَّهم إذا كَتَمُوا وصْفَ النَّبِيِّ ﷺ وهو مَعَهم، فَقَدْ كَفَرُوا بِهِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

**

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ .

أيْ: لا تَسْتَبْدِلُوا [بِآَياتِي ] ثَمَنًا قَلِيلًا. وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ ما كانُوا يَأْخُذُونَ مِن عَرَضِ الدُّنْيا. والثّانِي: بَقاءُ رِئاسَتِهِمْ عَلَيْهِمْ. والثّالِثُ: أخْذُ الأُجْرَةِ عَلى تَعْلِيمِ الدِّينِ.

Al-Baqara 2:41Listen in Qur'an →
42

وَلَا تَلْبِسُوا۟ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُوا۟ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

And do not mix the truth with falsehood or conceal the truth while you know [it].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .

تَلْبِسُوا: بِمَعْنى تَخْلِطُوا. يُقالُ: لَبَّسْتُ الأمْرَ عَلَيْهِمْ، أُلْبِسُهُ: إذا عَمَيْتُهُ عَلَيْهِمْ، وتَخْلِيطُهُمْ: أنَّهم قالُوا: إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا أنْ نُؤْمِنَ بِالنَّبِيِّ الأُمِّيِّ، ولَمْ يُذْكَرْ أنَّهُ مِنَ العَرَبِ.

وَفِي المُرادِ بِالحَقِّ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُ الإسْلامُ، قالَهُ الحَسَنُ.

Al-Baqara 2:42Listen in Qur'an →
43

وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرْكَعُوا۟ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ

And establish prayer and give zakah and bow with those who bow [in worship and obedience].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ .

يُرِيدُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ، وهي هاهُنا اسْمُ جِنْسٍ، والزَّكاةُ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الزَّكاءِ، وهو النَّماءُ، والزِّيادَةُ. يُقالُ: زَكا الزَّرْعُ يَزْكُو زُكاءً. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الزَّكاةِ في كَلامِ العَرَبِ: الزِّيادَةُ والنَّماءُ، فَسُمِّيَتْ زَكاةً، لِأنَّها تَزِيدُ في المالِ الَّذِي تَخْرُجُ مِنهُ، وتُوَفِّرُهُ، وتَقِيهِ مِنَ الآَفاتِ. ويُقالُ: هَذا أزْكى مِن ذاكَ، أيْ: أزْيَدُ فَضْلًا مِنهُ.

**

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ .

أيْ: صَلُّوا مَعَ المُصَلِّينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مُحَمَّدًا ﷺ، والصَّحابَةَ رِضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وقِيلَ: إنَّما ذَكَرَ الرُّكُوعَ، لِأنَّهُ لَيْسَ في صَلاتِهِمْ رُكُوعٌ، والخِطابُ لِلْيَهُودِ. وفي هَذِهِ الآَيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ، وهي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

Al-Baqara 2:43Listen in Qur'an →
44

۞ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

Do you order righteousness of the people and forget yourselves while you recite the Scripture? Then will you not reason?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِقَرابَتِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ في السِّرِّ: اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ فَإنَّهُ حَقٌّ. والألِفُ في "أتَأْمُرُونَّ" ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ التَّوْبِيخُ.

وَفِي "البَرِّ" هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ التَّمَسُّكُ بِكِتابِهِمْ، كانُوا يَأْمُرُونَ بِاتِّباعِهِ ولا يَقُومُونَ بِهِ. والثّانِي: اتِّباعُ مُحَمَّدٍ ﷺ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: الصَّدَقَةُ، كانُوا يَأْمُرُونَ بِها، ويَبْخَلُونَ. ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَنْسَوْنَ﴾ أيْ: تَتْرُكُونَ. وفي "الكِتابِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْراةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّهُ القُرْآَنُ، فَلا يَكُونُ الخِطابُ عَلى هَذا القَوْلِ لِلْيَهُودِ.

Al-Baqara 2:44Listen in Qur'an →
45

وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ

And seek help through patience and prayer, and indeed, it is difficult except for the humbly submissive [to Allah]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾ الأصْلُ في الصَّبْرِ: الحَبْسُ، فالصّابِرُ حابِسٌ لِنَفْسِهِ عَنِ الجَزَعِ. وسُمِّيَ الصّائِمُ صابِرًا لِحَبْسِهِ نَفْسَهُ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ والجِماعِ، والمَصْبُورَةُ: البَهِيمَةُ تُتَّخَذُ غَرَضًا. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّبْرُ هاهُنا: الصَّوْمُ.

وَفِيما أُمِرُوا بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ أداءُ الفَرائِضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُ تَرْكُ المَعاصِي، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: عَدَمُ الرِّئاسَةِ، وهو خِطابٌ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ، ووَجْهُ الِاسْتِعانَةِ بِالصَّلاةِ أنَّهُ يُتْلى فِيها ما يُرَغِّبُ في الآَخِرَةِ، ويُزَهِّدُ في الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّها﴾ في المُكَنّى عَنْها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الصَّلاةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أنَّها الكَعْبَةُ والقِبْلَةُ، لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الصَّلاةَ، دَلَّتْ عَلى القِبْلَةِ، ذَكَرَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّها الِاسْتِعانَةُ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿واسْتَعِينُوا﴾ دَلَّ عَلى الِاسْتِعانَةِ، ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ النَّحْوِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ قالَ الحَسَنُ والضَّحّاكُ: الكَبِيرَةُ: الثَّقِيلَةُ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [ الشُّورى: ١٣ ] أيْ: ثِقَلٌ، والخُشُوعُ في اللُّغَةِ: التَّطامُنُ والتَّواضُعُ، وقِيلَ: السُّكُونُ.

Al-Baqara 2:45Listen in Qur'an →
46

ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ

Who are certain that they will meet their Lord and that they will return to Him.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ .

الظَّنُّ هاهُنا: بِمَعْنى اليَقِينِ، ولَهُ وُجُوهٌ قَدْ ذَكَرْناها في كِتابِ "الوُجُوهِ والنَّظائِرِ" .

Al-Baqara 2:46Listen in Qur'an →
47

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

O Children of Israel, remember My favor that I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ يَعْنِي: عَلى عالِمِي زَمانِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ.

Al-Baqara 2:47Listen in Qur'an →
48

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌۭ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

And fear a Day when no soul will suffice for another soul at all, nor will intercession be accepted from it, nor will compensation be taken from it, nor will they be aided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: كانَتِ اليَهُودُ تَزْعُمُ أنَّ آَباءَها الأنْبِياءَ تَشْفَعُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَآَيَسَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآَيَةِ مِن ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ [فِيهِ ] إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: اتَّقُوا عَذابَ يَوْمٍ، أوْ ما في يَوْمٍ. والمُرادُ بِاليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ و"تَجْزِي" بِمَعْنى تَقْضِي. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: جَزى الأمْرَ عَنِّي يَجْزِي، بِغَيْرِ هَمْزٍ، أيْ: قَضى عَنِّي، وأجْزَأنِي بُجْزِئُنِي، مَهْمُوزٌ، أيْ: كَفانِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ﴾ قالُوا المُرادُ بِالنَّفْسِ هاهُنا: النَّفْسُ الكافِرَةُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ( ولا تَقْبَلُ مِنها شَفاعَة ) .

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، إلّا أنَّ قَتادَةَ فَتَحَ الياءَ، ونَصَبَ الشَّفاعَةَ، لِيَكُونَ الفِعْلُ لِلَّهِ تَعالى. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالتّاءِ، فَلِأنَّ الِاسْمَ الَّذِي أُسْنِدَ إلَيْهِ هَذا الفِعْلَ مُؤَنَّثٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يُلْحِقَ المُسْنَدَ أيْضًا عَلامَةُ التَّأْنِيثِ، ومَن قَرَأ بِالياءِ، فَلِأنَّ التَّأْنِيثَ في الِاسْمِ الَّذِي أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، فَحُمِلَ عَلى المَعْنى، كَما أنَّ الوَعْظَ والمَوْعِظَةَ بِمَعْنًى واحِدٍ. وفي الآَيَةِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: لا يُقْبَلُ مِنها فِيهِ شَفاعَةٌ. والشَّفاعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشَّفْعِ الَّذِي يُخالِفُ الوِتْرَ، وذَلِكَ أنَّ سُؤالَ الشَّفِيعِ يَشْفَعُ سُؤالُ المَشْفُوعِ لَهُ.

فَأمّا "العَدْلُ" فَهو الفِداءُ، وسُمِّيَ عَدْلًا، لِأنَّهُ يُعادِلُ المُفَدّى. واخْتَلَفَ اللُّغَوِيُّونَ: هَلِ "العَدْلُ" و"العِدْلُ" بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِها، يَخْتَلِفانِ، أمْ لا؟ فَقالَ الفَرّاءُ: العَدْلُ بِفَتْحِ العَيْنِ: ما عادَلَ الشَّيْءَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، والعِدْلُ بِكَسْرِها: ما عادَلَ الشَّيْءَ مِن جِنْسِهِ، فَهو المَثَلُ، تَقُولُ: عِنْدِي عَدْلُ غُلامِكَ، بِفَتْحِ العَيْنِ: إذا أرَدْتَ قِيمَتَهُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، وعِنْدِي عِدْلُ غُلامِكَ، بِكَسْرِ العَيْنِ: إذا كانَ غُلامٌ يَعْدِلُ غُلامًا. وحَكى الزَّجّاجُ عَنِ البَصْرِيِّينَ أنَّ العَدْلَ والعِدْلَ في مَعْنى المَثَلِ، وأنَّ المَعْنى واحِدٌ، سَواءٌ كانَ المَثَلُ مِنَ الجِنْسِ أوْ مِن غَيْرِ الجِنْسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ: يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ.

Al-Baqara 2:48Listen in Qur'an →
49

وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ

And [recall] when We saved your forefathers from the people of Pharaoh, who afflicted you with the worst torment, slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرُوا إذْ نَجَّيْناكم، وهَذِهِ النِّعَمُ عَلى آَبائِهِمْ كانَتْ. وفي آَلِ فِرْعَوْنَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهم أهْلُ مِصْرَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: أهْلُ بَيْتِهِ خاصَّةً، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّالِثُ: أتْباعُهُ عَلى دِينِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وهَلِ الآَلُ والأهْلُ بِمَعْنًى، أوْ يَخْتَلِفانِ؟ فِيهِ قَوْلانِ: وقَدْ شَرَحْتُ مَعْنى الآَلِ في كِتابِ "النَّظائِرِ" وفِرْعَوْنُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وقِيلَ: هو لَقَبُهُ. وفي اسْمِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: فَيَطُوسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: مُصْعَبُ بْنُ الرَّيّانِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ. والرّابِعُ: مُغِيثٌ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ أيْ: يُوَلُّونَكم. يُقالُ: فَلانٌ يَسُومُكَ خَسْفًا، أيْ: يُوَلِّيكَ ذُلًّا واسْتِخْفافًا. وسُوءُ العَذابِ: شَدِيدُهُ. وكانَ الزَّجّاجُ يَرى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾، وأبى هَذا بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، فَقالَ: قَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُما في مَوْضِعٍ آَخَرَ، فَقالَ: ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ [ إبْراهِيمَ: ٦ ] وإنَّما سُوءُ العَذابِ: اسْتِخْدامُهم في أصْعَبِ الأعْمالِ، وقالَ: الفَرّاءُ: المَوْضِعُ الَّذِي طُرِحَتْ فِيهِ الواوُ، تَفْسِيرٌ لِصِفاتِ العَذابِ، والمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ الواوُ، يُبَيِّنُ أنَّهُ قَدْ مَسَّهم مِنَ العَذابِ غَيْرُ الذَّبْحِ، فَكَأنَّهُ قالَ: يُعَذِّبُونَكم بِغَيْرِ الذَّبْحِ وبِالذَّبْحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ أيْ: يَسْتَبِقُونَ نِساءَكم، أيْ: بَناتَكم. وإنَّما اسْتَبَقُوا نِساءَهم لِلِاسْتِذْلالِ والخِدْمَةِ.

وَفِي البَلاءِ هَهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى النِّعْمَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ. والثّانِي: أنَّهُ النِّقْمَةُ، رَواهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ. فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ "ذا" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ عائِدًا عَلى سَوْمِهِمْ سُوءَ العَذابِ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ واسْتِحْياءِ نِسائِهِمْ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يُعُودُ عَلى النَّجاةِ مِن آَلِ فِرْعَوْنَ. قالَ أبُو العالِيَةِ: وكانَ السَّبَبُ في ذَبْحِ الأبْناءِ، أنَّ الكَهَنَةَ قالَتْ لِفِرْعَوْنَ: سَيُولَدُ العامُ بِمِصْرَ غُلامٌ يَكُونُ هَلاكُكَ عَلى يَدَيْهِ، فَقَتَلَ الأبْناءَ. قالَ الزَّجّاجُ: فالعَجَبُ مِن حُمْقِ فِرْعَوْنَ، إنْ كانَ الكاهِنُ عِنْدَهُ صادِقًا، فَما يَنْفَعُ القَتْلُ؟! وإنْ كانَ كاذِبًا؛ فَما مَعْنى القَتْلِ؟!

Al-Baqara 2:49Listen in Qur'an →
50

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

And [recall] when We parted the sea for you and saved you and drowned the people of Pharaoh while you were looking on.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ الفَرَقُ الفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ و"بِكُمْ" بِمَعْنى "لَكُمْ" . وإنَّما ذَكَرَ آَلَ فِرْعَوْنَ دُونَهُ، لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ كَوْنَهُ فِيهِمْ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ مِن نَظَرِ العَيْنِ، مَعْناهُ: وأنْتُمْ تَرَوْنَهم يَغْرَقُونَ. والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى: العِلْمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [ الفَرْقانُ: ٤٥ ] قالَهُ الفَرّاءُ.

الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ.

رَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وألْقى عَلى القِبْطِ المَوْتُ، فَماتَ بِكْرُ كُلِّ رَجُلٍ مِنهم، فَأصْبَحُوا يَدْفِنُونَهُ، فَشُغِلُوا عَنْ طَلَبِهِمْ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونَ: فَلَمّا خَرَجَ مُوسى بَلَغَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ، فَقالَ: لا تَتْبَعُوهم حَتّى يَصِيحَ الدِّيكُ، لِيَلْتَئِذٍ. قالَ أبُو السَّلِيلِ: لَمّا انْتَهى مُوسى إلى البَحْرِ قالَ: هِيهِ أبا خالِدٍ، فَأخَذَهُ أفْكَلُ، يَعْنِي: رِعْدَةٌ، قالَ مُقاتِلٌ: تَفَرَّقَ الماءُ يَمِينًا وشِمالًا كالجَبَلَيْنِ المُتَقابِلَيْنِ، وفِيهِما كُوًى يَنْظُرُ كُلُّ سِبْطٍ إلى الآَخِرِ. قالَ السُّدِّيُّ: فَلَمّا رَآَهُ فِرْعَوْنُ مُتَفَرِّقًا قالَ: ألا تَرَوْنَ البَحْرَ فَرَقَ مِنِّي، فانْفَتَحَ لِي؟! فَأتَتْ خَيْلُ فِرْعَوْنَ فَأبَتْ أنْ تَقْتَحِمَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى ماذِيانَةَ، فَتَشامَتَ الحِصْنُ رِيحُ الماذَيانَةِ، فاقْتَحَمَتْ في إثْرِها، حَتّى إذا هَمَّ أوَّلُهم أنْ يَخْرُجَ، ودَخَلَ آَخِرُهم أمَرَ البَحْرَ أنْ يَأْخُذَهم، فالتَطَمَ عَلَيْهِمْ.

Al-Baqara 2:50Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.