Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 41–50 of 286

41

وَءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا۟ أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا وَإِيَّٰىَ فَٱتَّقُونِ

And believe in what I have sent down confirming that which is [already] with you, and be not the first to disbelieve in it. And do not exchange My signs for a small price, and fear [only] Me.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وآمِنُوا﴾ هم بَنُو إسْرائِيلَ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ.

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِما أنْزَلْتُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ، الأقْوى أنَّهُ القُرْآنُ وعَلَيْهِ دَلِيلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا وذَلِكَ هو القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] .

والثّانِي: وصْفُهُ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم مِنَ الكُتُبِ وذَلِكَ هو القُرْآنُ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ﴾ مِن كِتابٍ ورَسُولٍ تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ فَفِيهِ تَفْسِيرانِ:

أحَدُهُما: أنَّ في القُرْآنِ أنَّ مُوسى وعِيسى حَقٌّ، وأنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ حَقٌّ، وأنَّ التَّوْراةَ أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى، والإنْجِيلَ عَلى عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَكانَ الإيمانُ بِالقُرْآنِ مُؤَكِّدًا لِلْإيمانِ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ المُبالَغَةَ في الإيمانِ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَآمِنُوا بِالقُرْآنِ، فَإنَّ الإيمانَ بِهِ يُؤَكِّدُ الإيمانَ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ.

والثّانِي: أنَّهُ حَصَلَتِ البِشارَةُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِالقُرْآنِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَكَأنَّ الإيمانَ بِمُحَمَّدٍ وبِالقُرْآنِ تَصْدِيقٌ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وتَكْذِيبَ مُحَمَّدٍ والقُرْآنِ تَكْذِيبٌ

صفحة ٣٩

لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وهَذا التَّفْسِيرُ أوْلى؛ لِأنَّ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لا يَلْزَمُ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مُخْبِرًا عَنْ كَوْنِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ حَقًّا لا يَجِبُ الإيمانُ بِنُبُوَّتِهِ؛ أمّا عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي يَلْزَمُ الإيمانُ بِهِ لِأنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ إذا اشْتَمَلا عَلى كَوْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ صادِقًا، فالإيمانُ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ يُوجِبُ الإيمانَ بِكَوْنِ مُحَمَّدٍ صادِقًا لا مَحالَةَ، ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ لِيَكُونَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ في وُجُوبِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ أوْلى.

واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ الثّانِيَ يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ شَهادَةَ كُتُبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا تَكُونُ إلّا حَقًّا.

والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْبَرَ عَنْ كُتُبِهِمْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِذَلِكَ إلّا مِن قِبَلِ الوَحْيِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ فَمَعْناهُ أوَّلَ مَن كَفَرَ بِهِ أوْ أوَّلَ فَرِيقٍ أوْ فَوْجٍ كافِرٍ بِهِ أوْ ولا يَكُنْ كُلُّ واحِدٍ مِنكم أوَّلَ كافِرٍ بِهِ. ثُمَّ فِيهِ سُؤْلانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ جُعِلُوا أوَّلَ مَن كَفَرَ بِهِ وقَدْ سَبَقَهم إلى الكُفْرِ بِهِ مُشْرِكُو العَرَبِ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ هَذا تَعْرِيفٌ بِأنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا أوَّلَ مَن يُؤْمِنُ بِهِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ …

Al-Baqara 2:41Listen in Qur'an →
42

وَلَا تَلْبِسُوا۟ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُوا۟ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

And do not mix the truth with falsehood or conceal the truth while you know [it].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ﴾ أمْرٌ بِتَرْكِ الكُفْرِ والضَّلالِ، وقَوْلَهُ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ أمْرٌ بِتَرْكِ الإغْراءِ والإضْلالِ، واعْلَمْ أنَّ إضْلالَ الغَيْرِ لا يَحْصُلُ إلّا بِطَرِيقَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ إنْ كانَ قَدْ سَمِعَ دَلائِلَ الحَقِّ فَإضْلالُهُ لا يُمْكِنُ إلّا بِتَشْوِيشِ تِلْكَ الدَّلائِلِ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ ما سَمِعَها فَإضْلالُهُ إنَّما يُمْكِنُ بِإخْفاءِ تِلْكَ الدَّلائِلِ عَنْهُ ومَنعِهِ مِنَ الوُصُولِ إلَيْها، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ إشارَةٌ إلى القِسْمِ الأوَّلِ وهو تَشْوِيشُ الدَّلائِلِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ إشارَةٌ إلى القِسْمِ الثّانِي، وهو مَنعُهُ مِنَ الوُصُولِ إلى الدَّلائِلِ.

واعْلَمْ أنَّ الأظْهَرَ في الباءِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿بِالباطِلِ﴾ أنَّها باءُ الِاسْتِعانَةِ كالَّتِي في قَوْلِكَ: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ، والمَعْنى ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِسَبَبِ الشُّبُهاتِ الَّتِي تُورِدُونَها عَلى السّامِعِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ النُّصُوصَ الوارِدَةَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ في أمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْكم كانَتْ نُصُوصًا خَفِيَّةً يُحْتاجُ في مَعْرِفَتِها إلى الِاسْتِدْلالِ، ثُمَّ إنَّهم

صفحة ٤١

كانُوا يُجادِلُونَ فِيها ويُشَوِّشُونَ وجْهَ الدَّلالَةِ عَلى المُتَأمِّلِينَ فِيها بِسَبَبِ إلْقاءِ الشُّبُهاتِ، فَهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ فَهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ [غافر: ٥] . أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ تَعْلَمُونَ ما في إضْلالِ الخَلْقِ مِنَ الضَّرَرِ العَظِيمِ العائِدِ عَلَيْكم يَوْمَ القِيامَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ التَّلْبِيسَ صارَ صارِفًا لِلْخَلْقِ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وداعِيًا لَهم إلى الِاسْتِمْرارِ عَلى الباطِلِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولا شَكَّ في أنَّ مَوْقِعَهُ عَظِيمٌ، وهَذا الخِطابُ وإنْ ورَدَ فِيهِمْ، فَهو تَنْبِيهٌ لِسائِرِ الخَلْقِ وتَحْذِيرٌ مِن مِثْلِهِ، فَصارَ الخِطابُ وإنْ كانَ خاصًّا في الصُّورَةِ لَكِنَّهُ عامٌّ في المَعْنى، ثُمَّ هَهُنا بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ جَزْمٌ داخِلٌ تَحْتَ حُكْمِ النَّهْيِ بِمَعْنى ولا تَكْتُمُوا أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أنْ.

البَحْثُ الثّانِي: أنَّ النَّهْيَ عَنِ اللَّبْسِ والكِتْمانِ وإنْ تَقَيَّدَ بِالعِلْمِ فَلا يَدُلُّ عَلى جَوازِهِما حالَ عَدَمِ العِلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا لَمْ يُعْلَمْ حالُ الشَّيْءِ لَمْ يُعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ اللَّبْسَ والكِتْمانَ حَقٌّ أوْ باطِلٌ، وما لا يُعْرَفُ كَوْنُهُ حَقًّا أوْ باطِلًا لا يَجُوزُ الإقْدامُ عَلَيْهِ بِالنَّفْيِ ولا بِالإثْباتِ، بَلْ يَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ، وسَبَبُ ذَلِكَ التَّقْيِيدِ أنَّ الإقْدامَ عَلى الفِعْلِ الضّارِّ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ ضارًّا أفْحَشُ مِنَ الإقْدامِ عَلَيْهِ عِنْدَ الجَهْلِ بِكَوْنِهِ ضارًّا، فَلَمّا كانُوا عالِمِينَ بِما في التَّلْبِيسِ مِنَ المَفاسِدِ كانَ إقْدامُهم عَلَيْهِ أقْبَحَ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ العالِمَ بِالحَقِّ يَجِبُ عَلَيْهِ إظْهارُهُ ويَحْرُمُ عَلَيْهِ كِتْمانُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-Baqara 2:42Listen in Qur'an →
43

وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرْكَعُوا۟ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ

And establish prayer and give zakah and bow with those who bow [in worship and obedience].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أمَرَهم بِالإيمانِ أوَّلًا ثُمَّ نَهاهم عَنْ لَبْسِ الحَقِّ بِالباطِلِ وكِتْمانِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ ثانِيًا، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيانَ ما لَزِمَهم مِنَ الشَّرائِعِ، وذَكَرَ مِن جُمْلَةِ الشَّرائِعِ ما كانَ كالمُقَدَّمِ، والأصْلُ فِيها وهو الصَّلاةُ الَّتِي هي أعْظَمُ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والزَّكاةُ الَّتِي هي أعْظَمُ العِباداتِ المالِيَّةِ وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيانِ المُجْمَلِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ قالُوا: إنَّما جاءَ الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ بَعْدَ أنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ وصَفَ لَهم أرْكانَ الصَّلاةِ وشَرائِطَها فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وأقِيمُوا الصَّلاةَ الَّتِي عَرَفْتُمُوها والقائِلُونَ بِجَوازِ التَّأْخِيرِ قالُوا: يَجُوزُ أنْ يُرادَ الأمْرُ بِالصَّلاةِ وإنْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ أنَّ الصَّلاةَ ما هي ويَكُونُ المَقْصُودُ أنْ يُوَطِّنَ السّامِعُ نَفْسَهُ عَلى الِامْتِثالِ، وإنْ كانَ لا يَعْلَمُ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ ما هو كَما أنَّهُ لا نِزاعَ في أنْ يَحْسُنَ مِنَ السَّيِّدِ أنْ يَقُولَ لِعَبْدِهِ: إنِّي آمُرُكَ غَدًا بِشَيْءٍ فَلا بُدَّ وأنْ تَفْعَلَهُ ويَكُونُ غَرَضُهُ مِنهُ بِأنْ يَعْزِمَ العَبْدُ في الحالِ عَلى أدائِهِ في الوَقْتِ الثّانِي.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الصَّلاةُ مِنَ الأسْماءِ الشَّرْعِيَّةِ قالُوا: لِأنَّها أمْرٌ حَدَثَ في الشَّرْعِ فاسْتَحالَ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ المَوْضُوعُ قَدْ كانَ حاصِلًا قَبْلَ الشَّرْعِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في وجْهِ التَّشْبِيهِ فَقالَ بَعْضُهم: أصْلُها في اللُّغَةِ الدُّعاءُ. قالَ الأعْشى:

صفحة ٤٢

عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فاعْتَصِمِي عَيْنًا فَإنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجِعا

وقالَ آخَرُ:

وقابَلَها الرِّيحُ في دَنِّها ∗∗∗ وصَلّى عَلى دَنِّها وارْتَسَمَ

وقالَ بَعْضُهم: الأصْلُ فِيها اللُّزُومُ قالَ الشّاعِرُ:

لَمْ أكُنْ مِن جُناتِها عَلِمَ اللَّهُ ∗∗∗ وإنِّي بَحْرَها اليَوْمَ صالِي

أيْ مُلازِمٌ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هي مَأْخُوذَةٌ مِنَ المُصَلِّي وهو الفَرَسُ الَّذِي يَتْبَعُ غَيْرَهُ. والأقْرَبُ أنَّها مَأْخُوذَةٌ مِنَ الدُّعاءِ؛ إذْ لا صَلاةَ إلّا ويَقَعُ فِيها الدُّعاءُ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ، وقَدْ تَكُونُ صَلاةً ولا يَحْصُلُ فِيها مُتابَعَةُ الغَيْرِ، وإذا حَصَلَ في وجْهِ التَّشْبِيهِ ما عَمَّ كُلَّ الصُّوَرِ كانَ أوْلى أنْ يُجْعَلَ وجْهُ التَّشْبِيهِ شَيْئًا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الصُّوَرِ. وقالَ أصْحابُنا مِنَ المَجازاتِ المَشْهُورَةِ في اللُّغَةِ إطْلاقُ اسْمِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ، ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ الشَّرْعِيَّةُ مُشْتَمِلَةً عَلى الدُّعاءِ لا جَرَمَ أُطْلِقَ اسْمُ الدُّعاءِ عَلَيْها عَلى سَبِيلِ المَجازِ، فَإنْ كانَ مُرادُ المُعْتَزِلَةِ مِن كَوْنِها اسْمًا شَرْعِيًّا هَذا. فَذَلِكَ حَقٌّ، وإنْ كانَ المُرادَ أنَّ الشَّرْعَ ارْتَجَلَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ ابْتِداءً لِهَذا المُسَمّى فَهو باطِلٌ وإلّا لَما كانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَرَبِيَّةً، وذَلِكَ يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢٠] أمّا الزَّكاةُ فَهي في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ النَّماءِ، يُقالُ: زَكا الزَّرْعُ إذا نَما، وعَنِ التَّطْهِيرِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤] أيْ طاهِرَةً. وقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] أيْ تَطَهَّرَ، وقالَ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا …

Al-Baqara 2:43Listen in Qur'an →
44

۞ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

Do you order righteousness of the people and forget yourselves while you recite the Scripture? Then will you not reason?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ الهَمْزَةَ في أتَأْمَرُونَ النّاسَ بِالبَرِّ لِلتَّقْرِيرِ مَعَ التَّقْرِيعِ والتَّعَجُّبِ مِن حالِهِمْ، وأمّا البِرُّ فَهو اسْمٌ جامِعٌ لِأعْمالِ الخَيْرِ، ومِنهُ بِرُّ الوالِدَيْنِ وهو طاعَتُهُما، ومِنهُ عَمَلٌ مَبْرُورٌ أيْ قَدْ رَضِيَهُ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الصِّدْقِ كَما يُقالُ: بَرَّ في يَمِينِهِ أيْ صَدَقَ ولَمْ يَحْنَثْ، ويُقالُ: صَدَقْتَ وبَرَرْتَ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى﴾ [البقرة: ١٨٩] فَأخْبَرَ أنَّ البِرَّ جامِعٌ لِلتَّقْوى، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أمَرَ بِالإيمانِ والشَّرائِعِ بِناءً عَلى ما خَصَّهم بِهِ مِنَ النِّعَمِ ورَغَّبَهم في ذَلِكَ بَناهُ عَلى مَأْخَذٍ آخَرَ، وهو أنَّ التَّغافُلَ عَنْ أعْمالِ البِرِّ مَعَ حَثِّ النّاسِ عَلَيْها مُسْتَقْبَحٌ في العُقُولِ، إذِ المَقْصُودُ مِن أمْرِ النّاسِ بِذَلِكَ إمّا النَّصِيحَةُ أوِ الشَّفَقَةُ، ولَيْسَ مِنَ العَقْلِ أنْ يُشْفِقَ الإنْسانُ عَلى غَيْرِهِ أوْ أنْ يَنْصَحَ غَيْرَهُ ويُهْمِلَ نَفْسَهُ، فَحَذَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ بِأنْ قَرَّعَهم بِهَذا الكَلامِ. واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالبَرِّ في هَذا المَوْضِعِ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ أنَّهم كانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِطاعَةِ اللَّهِ ويَنْهَوْنَهم عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وهم كانُوا يَتْرُكُونَ الطّاعَةَ ويُقْدِمُونَ عَلى المَعْصِيَةِ.

وثانِيها: قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهم كانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ وهم كانُوا يَتْرُكُونَهُما.

وثالِثُها: أنَّهُ إذا جاءَهم أحَدٌ في الخُفْيَةِ لِاسْتِعْلامِ أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: هو صادِقٌ فِيما يَقُولُ، وأمْرُهُ حَقٌّ فاتَّبِعُوهُ، وهم كانُوا لا يَتَّبِعُونَهُ لِطَعِمِهِمْ في الهَدايا والصِّلاتِ الَّتِي كانَتْ تَصِلُ إلَيْهِمْ مِن أتْباعِهِمْ.

ورابِعُها: أنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ كانُوا قَبْلَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ ﷺ يُخْبِرُونَ مُشْرِكِي العَرَبِ أنَّ رَسُولًا سَيَظْهَرُ مِنكم ويَدْعُو إلى الحَقِّ، وكانُوا يَأْمُرُونَ بِاتِّباعِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ، فَلَمّا ظَهَرَ تَرَكُوهُ وأعْرَضُوا عَنْ دِينِهِ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ.

وخامِسُها: هو قَوْلُ الزَّجّاجِ كانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِبَذْلِ الصَّدَقَةِ وكانُوا يَشِحُّونَ بِها؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهم بِقَساوَةِ القُلُوبِ وأكْلِ الرِّبا والسُّحْتِ.

صفحة ٤٤

وسادِسُها: لَعَلَّ المُنافِقِينَ مِنَ اليَهُودِ كانُوا يَأْمُرُونَ بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ في الظّاهِرِ، ثُمَّ إنَّهم كانُوا في قُلُوبِهِمْ مُنْكِرِينَ لَهُ فَوَبَّخَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ.

وسابِعُها: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَأْمُرُونَ غَيْرَهم بِاتِّباعِ التَّوْراةِ ثُمَّ إنَّهم خالَفُوهُ؛ لِأنَّهم وجَدُوا فِيها ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إنَّهم ما آمَنُوا بِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ فالنِّسْيانُ عِبارَةٌ عَنِ السَّهْوِ الحادِثِ بَعْدَ حُصُولِ العِلْمِ والنّاسِي غَيْرُ مُكَلَّفٍ، ومَن لا يَكُونُ مُكَلَّفًا لا يَجُوزُ أنْ يَذُمَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ما صَدَرَ مِنهُ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ أنَّكم تَغْفُلُونَ عَنْ حَقِّ أنْفُسِكم وتَعْدِلُونَ عَمّا لَها فِيهِ مِنَ النَّفْعِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ﴾ فَمَعْناهُ تَقْرَأُونَ التَّوْراةَ وتَدْرُسُونَها وتَعْلَمُونَ بِما فِيها مِنَ الحَثِّ عَلى أفْعالِ البِرِّ والإعْراضِ عَنْ أفْعالِ الإثْمِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: …

Al-Baqara 2:44Listen in Qur'an →
45

وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ

And seek help through patience and prayer, and indeed, it is difficult except for the humbly submissive [to Allah]

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ فَقالَ قَوْمٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، قالَ: لِأنَّ مَن يُنْكِرُ الصَّلاةَ أصْلًا والصَّبْرَ عَلى دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ لا يَكادُ يُقالُ لَهُ: اسْتَعِنْ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ، فَلا جَرَمَ وجَبَ صَرْفُهُ إلى مَن صَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ أوَّلًا في بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، والأقْرَبُ أنَّ المُخاطَبِينَ هم بَنُو إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ صَرْفَ الخِطابِ إلى غَيْرِهِمْ يُوجِبُ تَفْكِيكَ النَّظْمِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُؤْمَرُونَ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُنْكِرِينَ لَهُما ؟ قُلْنا: لا نُسَلِّمُ كَوْنَهم مُنْكِرِينَ لَهُما؛ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ الصَّبْرَ عَلى ما يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ حَسَنٌ، وأنَّ الصَّلاةَ الَّتِي هي تَواضُعٌ لِلْخالِقِ والِاشْتِغالُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى يُسَلِّي عَنْ مِحَنِ الدُّنْيا وآفاتِها، وإنَّما الِاخْتِلافُ في الكَيْفِيَّةِ فَإنَّ صَلاةَ اليَهُودِ واقِعَةٌ عَلى كَيْفِيَّةٍ، وصَلاةَ المُسْلِمِينَ عَلى كَيْفِيَّةٍ أُخْرى. وإذا كانَ مُتَعَلِّقُ الأمْرِ هو الماهِيَّةَ الَّتِي هي القَدْرُ المُشْتَرَكُ زالَ الإشْكالُ المَذْكُورُ، وعَلى هَذا نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالإيمانِ وبِتَرْكِ الإضْلالِ وبِالتِزامِ الشَّرائِعِ وهي الصَّلاةُ والزَّكاةُ، وكانَ ذَلِكَ شاقًّا عَلَيْهِمْ لِما فِيهِ مِن تَرْكِ الرِّياساتِ والإعْراضِ عَنِ المالِ والجاهِ لا جَرَمَ عالَجَ اللَّهُ تَعالى هَذا المَرَضَ فَقالَ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ .

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في الصَّبْرِ والصَّلاةِ وُجُوهًا:

أحَدُها: كَأنَّهُ قِيلَ واسْتَعِينُوا عَلى تَرْكِ ما تُحِبُّونَ مِنَ الدُّنْيا والدُّخُولِ فِيما تَسْتَثْقِلُهُ طِباعُكم مِن قَبُولِ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالصَّبْرِ، أيْ بِحَبْسِ النَّفْسِ عَنِ اللَّذّاتِ فَإنَّكم إذا كَلَّفْتُمْ أنْفُسَكم ذَلِكَ مُرِّنَتْ عَلَيْهِ وخَفَّ عَلَيْها، ثُمَّ إذا ضَمَمْتُمُ الصَّلاةَ إلى ذَلِكَ تَمَّ الأمْرُ؛ لِأنَّ المُشْتَغِلَ بِالصَّلاةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وذِكْرِ جَلالِهِ وقَهْرِهِ وذِكْرِ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، فَإذا تَذَكَّرَ رَحْمَتَهُ صارَ مائِلًا إلى طاعَتِهِ، وإذا تَذَكَّرَ عِقابَهُ تَرَكَ مَعْصِيَتَهُ، فَيَسْهُلُ عِنْدَ ذَلِكَ اشْتِغالُهُ بِالطّاعَةِ وتَرْكُهُ لِلْمَعْصِيَةِ.

وثانِيها: المُرادُ مِنَ الصَّبْرِ هَهُنا هو الصَّوْمُ؛ لِأنَّ الصّائِمَ صابِرٌ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، ومَن حَبَسَ نَفْسَهُ عَنْ قَضاءِ شَهْوَةِ البَطْنِ والفَرْجِ زالَتْ عَنْهُ كُدُوراتُ حُبِّ الدُّنْيا، فَإذا انْضافَ إلَيْهِ الصَّلاةُ اسْتَنارَ القَلْبُ بِأنْوارِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما قَدَّمَ الصَّوْمَ عَلى الصَّلاةِ؛ لِأنَّ تَأْثِيرَ الصَّوْمِ في إزالَةِ ما لا يَنْبَغِي وتَأْثِيرَ الصَّلاةِ في حُصُولِ ما يَنْبَغِي، والنَّفْيُ مُقَدَّمٌ عَلى الإثْباتِ، ولِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النّارِ» “ وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] لِأنَّ الصَّلاةَ تَمْنَعُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالدُّنْيا، وتُخَشِّعُ القَلْبَ، ويَحْصُلُ …

Al-Baqara 2:45Listen in Qur'an →
46

ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ

Who are certain that they will meet their Lord and that they will return to Him.

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ فَقالَ قَوْمٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، قالَ: لِأنَّ مَن يُنْكِرُ الصَّلاةَ أصْلًا والصَّبْرَ عَلى دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ لا يَكادُ يُقالُ لَهُ: اسْتَعِنْ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ، فَلا جَرَمَ وجَبَ صَرْفُهُ إلى مَن صَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ أوَّلًا في بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، والأقْرَبُ أنَّ المُخاطَبِينَ هم بَنُو إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ صَرْفَ الخِطابِ إلى غَيْرِهِمْ يُوجِبُ تَفْكِيكَ النَّظْمِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُؤْمَرُونَ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُنْكِرِينَ لَهُما ؟ قُلْنا: لا نُسَلِّمُ كَوْنَهم مُنْكِرِينَ لَهُما؛ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ الصَّبْرَ عَلى ما يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ حَسَنٌ، وأنَّ الصَّلاةَ الَّتِي هي تَواضُعٌ لِلْخالِقِ والِاشْتِغالُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى يُسَلِّي عَنْ مِحَنِ الدُّنْيا وآفاتِها، وإنَّما الِاخْتِلافُ في الكَيْفِيَّةِ فَإنَّ صَلاةَ اليَهُودِ واقِعَةٌ عَلى كَيْفِيَّةٍ، وصَلاةَ المُسْلِمِينَ عَلى كَيْفِيَّةٍ أُخْرى. وإذا كانَ مُتَعَلِّقُ الأمْرِ هو الماهِيَّةَ الَّتِي هي القَدْرُ المُشْتَرَكُ زالَ الإشْكالُ المَذْكُورُ، وعَلى هَذا نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالإيمانِ وبِتَرْكِ الإضْلالِ وبِالتِزامِ الشَّرائِعِ وهي الصَّلاةُ والزَّكاةُ، وكانَ ذَلِكَ شاقًّا عَلَيْهِمْ لِما فِيهِ مِن تَرْكِ الرِّياساتِ والإعْراضِ عَنِ المالِ والجاهِ لا جَرَمَ عالَجَ اللَّهُ تَعالى هَذا المَرَضَ فَقالَ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ .

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في الصَّبْرِ والصَّلاةِ وُجُوهًا:

أحَدُها: كَأنَّهُ قِيلَ واسْتَعِينُوا عَلى تَرْكِ ما تُحِبُّونَ مِنَ الدُّنْيا والدُّخُولِ فِيما تَسْتَثْقِلُهُ طِباعُكم مِن قَبُولِ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالصَّبْرِ، أيْ بِحَبْسِ النَّفْسِ عَنِ اللَّذّاتِ فَإنَّكم إذا كَلَّفْتُمْ أنْفُسَكم ذَلِكَ مُرِّنَتْ عَلَيْهِ وخَفَّ عَلَيْها، ثُمَّ إذا ضَمَمْتُمُ الصَّلاةَ إلى ذَلِكَ تَمَّ الأمْرُ؛ لِأنَّ المُشْتَغِلَ بِالصَّلاةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وذِكْرِ جَلالِهِ وقَهْرِهِ وذِكْرِ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ، فَإذا تَذَكَّرَ رَحْمَتَهُ صارَ مائِلًا إلى طاعَتِهِ، وإذا تَذَكَّرَ عِقابَهُ تَرَكَ مَعْصِيَتَهُ، فَيَسْهُلُ عِنْدَ ذَلِكَ اشْتِغالُهُ بِالطّاعَةِ وتَرْكُهُ لِلْمَعْصِيَةِ.

وثانِيها: المُرادُ مِنَ الصَّبْرِ هَهُنا هو الصَّوْمُ؛ لِأنَّ الصّائِمَ صابِرٌ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، ومَن حَبَسَ نَفْسَهُ عَنْ قَضاءِ شَهْوَةِ البَطْنِ والفَرْجِ زالَتْ عَنْهُ كُدُوراتُ حُبِّ الدُّنْيا، فَإذا انْضافَ إلَيْهِ الصَّلاةُ اسْتَنارَ القَلْبُ بِأنْوارِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما قَدَّمَ الصَّوْمَ عَلى الصَّلاةِ؛ لِأنَّ تَأْثِيرَ الصَّوْمِ في إزالَةِ ما لا يَنْبَغِي وتَأْثِيرَ الصَّلاةِ في حُصُولِ ما يَنْبَغِي، والنَّفْيُ مُقَدَّمٌ عَلى الإثْباتِ، ولِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النّارِ» “ وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] لِأنَّ الصَّلاةَ تَمْنَعُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالدُّنْيا، وتُخَشِّعُ القَلْبَ، ويَحْصُلُ …

Al-Baqara 2:46Listen in Qur'an →
47

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

O Children of Israel, remember My favor that I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.

قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى إنَّما أعادَ هَذا الكَلامَ مَرَّةً أُخْرى تَوْكِيدًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وتَحْذِيرًا مِن تَرْكِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ قَرَنَهُ بِالوَعِيدِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ [البقرة: ٤٨] كَأنَّهُ قالَ: إنْ لَمْ تُطِيعُونِي لِأجْلِ سَوالِفِ نِعْمَتِي عَلَيْكم فَأطِيعُونِي لِلْخَوْفِ مِن عِقابِي في المُسْتَقْبَلِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ، والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: قالَ قَوْمٌ: العالَمُ عِبارَةٌ عَنِ الجَمْعِ الكَثِيرِ مِنَ النّاسِ كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ عالَمًا مِنَ النّاسِ، والمُرادُ مِنهُ الكَثِيرُ لا الكُلُّ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ العالَمِ مُشْتَقٌّ مِنَ العَلَمِ، وهو الدَّلِيلُ فَكُلُّ ما كانَ دَلِيلًا عَلى اللَّهِ تَعالى كانَ عالَمًا فَكانَ مِنَ العالَمِ، وهَذا تَحْقِيقُ قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ: العالَمُ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ، وعَلى هَذا لا يُمْكِنُ تَخْصِيصُ لَفْظٍ بِبَعْضِ المُحْدَثاتِ.

ثانِيها: المُرادُ فَضَّلْتُكم عَلى عالَمِي زَمانِكم؛ وذَلِكَ لِأنَّ الشَّخْصَ الَّذِي سَيُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ وهو الآنَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الشَّخْصُ مِن جُمْلَةِ العالَمِينَ حالَ عَدَمِهِ؛ لِأنَّ شَرْطَ العالَمِ أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا والشَّيْءُ حالَ عَدَمِهِ لا يَكُونُ مَوْجُودًا، فالشَّيْءُ حالَ عَدَمِهِ لا يَكُونُ مِنَ العالَمِينَ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ مَوْجُودًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَما كانَ ذَلِكَ الوَقْتُ مِنَ العالَمِينَ فَلا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ بَنِي إسْرائِيلَ أفْضَلَ العالَمِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، كَوْنُهم أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وهَذا هو الجَوابُ أيْضًا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] وقالَ: ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] وأرادَ بِهِ عالَمِي ذَلِكَ الزَّمانِ، وإنَّما كانُوا أفْضَلَ مِن غَيْرِهِمْ بِما أُعْطَوْا مِنَ المُلْكِ والرِّسالَةِ والكُتُبِ الإلَهِيَّةِ.

صفحة ٥٠

وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ عامٌّ في العالَمِينَ لَكِنَّهُ مُطْلَقٌ في الفَضْلِ والمُطْلَقُ يَكْفِي في صِدْقِهِ واحِدَةٌ، فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ فُضِّلُوا عَلى العالَمِينَ في أمْرِها، وهَذا لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ مَن كُلِّ العالَمِينَ في كُلِّ الأُمُورِ، بَلْ لَعَلَّهم وإنْ كانُوا أفْضَلَ مِن غَيْرِهِمْ في أمْرٍ واحِدٍ فَغَيْرُهم يَكُونُ أفْضَلَ مِنهم فِيما عَدا ذَلِكَ الأمْرَ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّهُ لا يَصْلُحُ الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] عَلى أنَّ الأنْبِياءَ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ. بَقِيَ هَهُنا أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادَ بِهِ: المُؤْمِنُونَ مِنهم؛ لِأنَّ عُصاتَهم مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ [المائدة: ٦٠] وقالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [المائدة: ٧٨] .

البَحْثُ الثّانِي: أنَّ جَمِيعَ ما خاطَبَ اللَّهُ تَعالى بِهِ بَنِي إسْرائِيلَ تَنْبِيهٌ لِلْعَرَبِ؛ …

Al-Baqara 2:47Listen in Qur'an →
48

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌۭ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

And fear a Day when no soul will suffice for another soul at all, nor will intercession be accepted from it, nor will compensation be taken from it, nor will they be aided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ اتِّقاءَ اليَوْمِ اتِّقاءٌ لِما يَحْصُلُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ العِقابِ والشَّدائِدِ؛ لِأنَّ نَفْسَ اليَوْمِ لا يُتَّقى ولا بُدَّ مِن أنْ يَرِدَهُ أهْلُ الجَنَّةِ والنّارِ جَمِيعًا. فالمُرادُ ما ذَكَرْناهُ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ اليَوْمَ بِأشَدِّ الصِّفاتِ وأعْظَمِها تَهْوِيلًا، وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ إذا دُفِعَ أحَدُهم إلى كَرِيهَةٍ وحاوَلَتْ أعْوانُهُ دِفاعَ ذَلِكَ عَنْهُ بَذَلَتْ ما في نُفُوسِها الأبِيَّةِ مِن مُقْتَضى الحَمِيَّةِ، فَذَبَّتْ عَنْهُ كَما يَذُبُّ الوالِدُ عَنْ ولَدِهِ بِغايَةِ قُوَّتِهِ، فَإنْ رَأى مَن لا طاقَةَ لَهُ بِمُمانَعَتِهِ عادَ بِوُجُوهِ الضَّراعَةِ وصُنُوفِ الشَّفاعَةِ فَحاوَلَ بِالمُلايَنَةِ ما قَصَّرَ عَنْهُ بِالمُخاشَنَةِ، فَإنْ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ الحالَتانِ مِنَ الخُشُونَةِ واللِّيانِ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ إلّا فِداءُ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ إمّا مالٌ أوْ غَيْرُهُ، وإنْ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ هَذِهِ الثَّلاثَةُ تَعَلَّلَ بِما يَرْجُوهُ مِن نَصْرِ الأخِلّاءِ والإخْوانِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يُغْنِي شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأُمُورِ عَنِ المُجْرِمِينَ في الآخِرَةِ. بَقِيَ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: الفائِدَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ هي الفائِدَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ فَما المَقْصُودُ مِن هَذا التَّكْرارِ ؟ والجَوابُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أنَّهُ لا يَتَحَمَّلُ عَنْهُ غَيْرُهُ ما يَلْزَمُهُ مِنَ الجَزاءِ، وأمّا النُّصْرَةُ فَهي أنْ يُحاوِلَ تَخْلِيصَهُ عَنْ حُكْمِ المُعاقَبِ، وسَنَذْكُرُ فَرْقًا آخَرَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ قَبُولَ الشَّفاعَةِ عَلى أخْذِ الفِدْيَةِ، وذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ العِشْرِينَ والمِائَةِ وقَدَّمَ قَبُولَ الفِدْيَةِ عَلى ذِكْرِ الشَّفاعَةِ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ الجَوابُ: أنَّ مَن كانَ مَيْلُهُ إلى حُبِّ المالِ أشَدَّ مِن مَيْلِهِ إلى عُلُوِّ النَّفْسِ فَإنَّهُ يُقَدِّمُ التَّمَسُّكَ بِالشّافِعِينَ عَلى إعْطاءِ الفِدْيَةِ، ومَن كانَ بِالعَكْسِ يُقَدِّمُ الفِدْيَةَ عَلى الشَّفاعَةِ، فَفائِدَةُ تَغْيِيرِ التَّرْتِيبِ، الإشارَةُ إلى هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ: ولْنَذْكُرِ الآنَ تَفْسِيرَ الألْفاظِ: أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ فَقالَ القَفّالُ: الأصْلُ في جَزى هَذا عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ قَضى، ومِنهُ الحَدِيثُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأبِي بُرْدَةَ بْنِ يَسارٍ: ”تَجْزِيكَ ولا تَجْزِي أحَدًا بَعْدَكَ» “، هَكَذا يَرْوِيهِ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: ”تَجْزِيكَ“ بِفَتْحِ التّاءِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ أيْ تَقْضِي عَنْ أُضْحِيَّتِكَ وتَنُوبُ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لا تَنُوبُ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا تَحْمِلُ عَنْها شَيْئًا مِمّا أصابَها، بَلْ يَفِرُّ المَرْءُ فِيهِ مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ، ومَعْنى هَذِهِ النِّيابَةِ أنَّ طاعَةَ المُطِيعِ لا تَقْضِي عَلى العاصِي ما كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَعُ هَذِهِ النِّيابَةُ في الدُّنْيا كالرَّجُلِ يَقْضِي عَنْ قَرِيبِهِ وصَدِيقِهِ دَيْنَهُ ويَتَحَمَّلُ عَنْهُ، فَأمّا يَوْمُ القِيامَةِ فَإنَّ قَضاءَ الحُقُوقِ إنَّما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الحَسَناتِ. رَوى أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كانَ …

Al-Baqara 2:48Listen in Qur'an →
49

وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ

And [recall] when We saved your forefathers from the people of Pharaoh, who afflicted you with the worst torment, slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ نِعَمِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ إجْمالًا بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أقْسامَ تِلْكَ النِّعَمِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ لِيَكُونَ أبْلَغَ في التَّذْكِيرِ وأعْظَمَ في الحُجَّةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اذْكُرُوا نِعْمَتِي، واذْكُرُوا إذْ نَجَّيْناكم، واذْكُرُوا إذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ، وهي إنْعاماتٌ، والمَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ هو الإنْعامُ الأوَّلُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذْ نَجَّيْناكُمْ﴾ فَقُرِئَ أيْضًا أنْجَيْناكم ونَجَّيْتُكم، قالَ القَفّالُ: أصْلُ الإنْجاءِ والتَّنْجِيَةِ التَّخْلِيصُ، وأنَّ بَيانَ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ حَتّى لا يَتَّصِلا وهُما لُغَتانِ نَجّى وأنْجى ونَجا بِنَفْسِهِ، وقالُوا لِلْمَكانِ العالِي: نَجْوَةٌ؛ لِأنَّ مَن صارَ إلَيْهِ نَجا، أيْ تَخَلَّصَ؛ ولِأنَّ المَوْضِعَ المُرْتَفِعَ بائِنٌ عَمّا انْحَطَّ عَنْهُ فَكَأنَّهُ مُتَخَلِّصٌ مِنهُ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أصْلُ آلٍ أهْلٌ، ولِذَلِكَ يُصَغَّرُ بِأُهَيْلٍ، فَأُبْدِلَتْ هاؤُهُ ألِفًا وخُصَّ اسْتِعْمالُهُ بِأُولِي الخَطَرِ والشَّأْنِ، كالمُلُوكِ وأشْباهِهِمْ ولا يُقالُ: آلُ الحَجّامِ والإسْكافِ، قالَ عِيسى: الأهْلُ أعَمُّ مِنَ الآلِ، يُقالُ: أهْلُ الكُوفَةِ وأهْلُ البَلَدِ وأهْلُ العِلْمِ ولا يُقالُ: آلُ الكُوفَةِ وآلُ البَلَدِ وآلُ العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: الأهْلُ هم خاصَّةُ الشَّيْءِ مِن جِهَةِ تَغْلِيبِهِ عَلَيْهِمْ، والآلُ خاصَّةُ الرَّجُلِ مِن جِهَةِ قَرابَةٍ أوْ صُحْبَةٍ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ سَمِعَ فَصِيحًا يَقُولُ: أهْلُ مَكَّةَ آلُ اللَّهِ. أمّا فِرْعَوْنُ فَهو عَلَمٌ لِمَن مَلَكَ مِصْرَ مِنَ العَمالِقَةِ كَقَيْصَرَ، وهِرَقْلَ لِمَلِكِ الرُّومِ، وكِسْرى لِمَلِكِ الفُرْسِ، وتُبَّعٍ لِمَلِكِ اليَمَنِ، وخاقانَ لِمَلِكِ التُّرْكِ، واخْتَلَفُوا في فِرْعَوْنَ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في اسْمِهِ فَحَكى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: مُصْعَبُ بْنُ رَيّانَ، وقالَ ابْنُ إسْحَقَ: هو الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، ولَمْ يَكُنْ مِنَ الفَراعِنَةِ أحَدٌ أشَدَّ غِلْظَةً ولا أقْسى قَلْبًا مِنهُ، وذَكَرَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أنَّ أهْلَ الكِتابَيْنِ قالُوا: إنَّ اسْمَ فِرْعَوْنَ كانَ قابُوسَ وكانَ مِنَ القِبْطِ.

الثّانِي: قالَ ابْنُ وهْبٍ: إنَّ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو فِرْعَوْنُ مُوسى وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ، إذْ كانَ بَيْنَ دُخُولِ يُوسُفَ مِصْرَ وبَيْنَ أنْ دَخَلَها مُوسى أكْثَرُ مِن أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَقَ: هو غَيْرُ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ، وأنَّ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ كانَ اسْمُهُ الرَّيّانَ بْنَ الوَلِيدِ، أمّا آلُ فِرْعَوْنَ فَلا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِنهُ هَهُنا مَن كانَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وهُمُ الَّذِينَ عَزَمُوا عَلى إهْلاكِ بَنِي إسْرائِيلَ لِيَكُونَ تَعالى مُنْجِيًا لَهم مِنهم بِما تَفَضَّلَ بِهِ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي تُوجِبُ بَقاءَهم وهَلاكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ فَهو مَن سامَهُ خَسْفًا إذا أوْلاهُ ظُلْمًا، قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:

إذا ما المَلِكُ سامَ النّاسَ خَسْفًا أبَيْنا أنْ نُقِرَّ الخَسْفَ فِينا

وأصْلُهُ مِن سامَ السِّلْعَةَ إذا طَلَبَها، كَأنَّهُ بِمَعْنى يَبْغُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُرِيدُونَهُ بِكم، والسُّوءُ مَصْدَرُ ساءَ بِمَعْنى السَّيِّئِ، يُقالُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِن سُوءِ الخُلُقِ وسُوءِ الفِعْلِ يُرادُ قُبْحُهُما، ومَعْنى …

Al-Baqara 2:49Listen in Qur'an →
50

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

And [recall] when We parted the sea for you and saved you and drowned the people of Pharaoh while you were looking on.

هَذا هو النِّعْمَةُ الثّانِيَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَرَقْنا﴾ أيْ فَصَلْنا بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ حَتّى صارَتْ فِيهِ مَسالِكُ لَكم وقُرى: ﴿فَرَقْنا﴾ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى فَصَّلْنا. يُقالُ: فَرَّقَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وفَرَّقَ بَيْنَ الأشْياءِ؛ لِأنَّ المَسالِكَ كانَتِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَلى عَدَدِ الأسْباطِ، فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى: ”بِكم“ ؟ قُلْنا: فِيها وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَسْلُكُونَهُ ويَتَفَرَّقُ الماءُ عِنْدَ سُلُوكِهِمْ فَكَأنَّما فَرَّقَ بِهِمْ كَما يُفَرَّقُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بِما تَوَسَّطَ بَيْنَهُما.

الثّانِي: فَرَّقْناهُ بِسَبَبِكم وبِسَبَبِ إنْجائِكم ثُمَّ هاهُنا أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: رُوِيَ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ إغْراقَ فِرْعَوْنَ والقِبْطِ وبَلَغَ بِهِمُ الحالُ في مَعْلُومِ اللَّهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ أحَدٌ مِنهم أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَسْتَعِيرُوا حُلِيَّ القِبْطِ، وذَلِكَ لِغَرَضَيْنِ:

أحَدُهُما: لِيَخْرُجُوا خَلْفَهم لِأجْلِ المالِ.

والثّانِي: أنْ تَبْقى أمْوالُهم في أيْدِيهِمْ ثُمَّ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعَشِيِّ وقالَ لِمُوسى: أخْرِجْ قَوْمَكَ لَيْلًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ [الشُّعَراءِ: ٥٢ ] وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفِ نَفْسٍ لِأنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا كُلُّ سِبْطٍ خَمْسُونَ ألْفًا، فَلَمّا خَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَنِي إسْرائِيلَ بَلَغَ ذَلِكَ فِرْعَوْنَ، فَقالَ: لا تَتَّبِعُوهم حَتّى يَصِيحَ الدِّيكُ. قالَ الرّاوِي: فَواللَّهِ ما صاحَ لَيْلَتَهُ دِيكٌ فَلَمّا أصْبَحُوا دَعا فِرْعَوْنُ بِشاةٍ فَذُبِحَتْ ثُمَّ قالَ: لا أفْرَغُ مِن تَناوُلِ كَبِدِ هَذِهِ الشّاةِ حَتّى يَجْتَمِعَ إلَيَّ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِنَ القِبْطِ، وقالَ قَتادَةُ: اجْتَمَعَ إلَيْهِ ألْفُ ألْفٍ ومِائَتا ألْفِ نَفْسٍ كُلُّ واحِدٍ مِنهم عَلى فَرَسٍ حِصانٍ فَتَبِعُوهم نَهارًا. وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٦٠] أيْ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ﴾

صفحة ٦٧

﴿أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٦١] فَقالَ مُوسى: ﴿كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٦٢] فَلَمّا سارَ بِهِمْ مُوسى وأتى البَحْرَ قالَ لَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونَ: أيْنَ أمَرَكَ رَبُّكَ ؟ فَقالَ مُوسى: إلى أمامِكَ وأشارَ إلى البَحْرِ فَأقْحَمَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ فَرَسَهُ في البَحْرِ فَكانَ يَمْشِي في الماءِ حَتّى بَلَغَ الغَمْرَ، فَسَبَحَ الفَرَسُ وهو عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ وقالَ لَهُ: يا مُوسى أيْنَ أمَرَكَ رَبُّكَ ؟ فَقالَ: البَحْرَ، فَقالَ: واللَّهِ ما كَذَبْتَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٦٧]، فانْشَقَّ البَحْرُ اثْنَيْ عَشَرَ جَبَلًا في كُلِّ واحِدٍ مِنها طَرِيقٌ، فَقالَ لَهُ: ادْخُلْ فَكانَ فِيهِ وحْلٌ فَهَبَّتِ الصَّبا فَجَفَّ البَحْرُ، وكُلُّ طَرِيقٍ فِيهِ حَتّى صارَ طَرِيقًا يابِسًا كَما قالَ تَعالى: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ [طَهَ: ٧٧]، فَأخَذَ كُلُّ سِبْطٍ مِنهم طَرِيقًا ودَخَلُوا فِيهِ فَقالُوا لِمُوسى: إنَّ بَعْضَنا لا يَرى صاحِبَهُ، فَضَرَبَ مُوسى عَصاهُ عَلى البَحْرِ فَصارَ بَيْنَ الطُّرُقِ مَنافِذُ وكُوًى فَرَأى بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ أتْبَعَهم فِرْعَوْنُ، فَلَمّا بَلَغَ شاطِئَ البَحْرِ رَأى إبْلِيسَ واقِفًا فَنَهاهُ عَنِ الدُّخُولِ فَهَمَّ بِأنْ لا يَدْخُلَ البَحْرَ فَجاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى حَجْرَةٍ …

Al-Baqara 2:50Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.