Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 1–10 of 286

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓ

Alif, Lam, Meem.

سُورَةُ البَقَرَةِ

جَمِيعُها مَدَنِيٌّ بِلا خِلافٍ. وآيَها مِائَتانِ وسِتٌّ وثَمانُونَ. وقَدْ صَحَّ في فَضْلِها عِدَّةُ أخْبارٍ: مِنها ما في مُسْنَدِ أحْمَدَ وصَحِيحِ مُسْلِمٍ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكم قُبُورًا، فَإنَّ البَيْتَ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ لا يَدْخُلُهُ الشَّيْطانُ»» .

وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

ورَوى ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. ««إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَنامًا، وإنَّ سَنامَ القُرْآنِ البَقَرَةُ، وإنَّ مَن قَرَأها في بَيْتِهِ لَيْلَةً لَمْ يَدْخُلْهُ الشَّيْطانُ ثَلاثَ لَيالٍ، ومَن قَرَأها في بَيْتِهِ نَهارًا لَمْ يَدْخُلْهُ الشَّيْطانُ ثَلاثَةَ أيّامٍ»» .

ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««اقْرَأُوا القُرْآنَ فَإنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ شَفِيعًا لِأصْحابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْراوَيْنِ: البَقَرَةَ وسُورَةَ آلِ عِمْرانَ فَإنَّهُما يَأْتِيانِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ غَيايَتانِ أوْ كَأنَّهُما فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوافٍّ تُحاجّانِ عَنْ أصْحابِهِما، اقْرَءُوا سُورَةَ البَقَرَةِ، فَإنَّ أخْذَها بَرَكَةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا تَسْتَطِيعُها البَطَلَةُ»» .

(وقَوْلُهُ الزَّهْراوَيْنِ: أيِ المُنِيرَتَيْنِ- في الإعْجازِ أوْ في وفْرَةِ الأحْكامِ- والغَيايَةُ: ما أظَلَّكَ مِن فَوْقِكَ. والفِرْقُ: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ. والصَّوافُّ: المُصْطَفَّةُ. والبَطَلَةُ: السَّحَرَةُ. ومَعْنى لا تَسْتَطِيعُها: لا تَسْتَطِيعُ النُّفُوذَ في قارِئِها، أوْ لا يُمْكِنُهم حِفْظُها. واللَّهُ أعْلَمُ) .

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [١ ] ﴿الم﴾

اعْلَمْ أنَّ لِلنّاسِ في هَذا وما يَجْرِي مَجْراهُ مِنَ الفَواتِحِ مَذْهَبَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا عِلْمٌ مَسْتُورٌ، وسِرٌّ مَحْجُوبٌ، اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ؛ فَهو مِنَ المُتَشابِهِ. ولَمْ يَرْتَضِ هَذا كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ وقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يَرِدَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ما لا يَكُونُ مَفْهُومًا لِلْخَلْقِ، واحْتَجُّوا بِأدِلَّةٍ عَقْلِيَّةٍ ونَقْلِيَّةٍ، بَسَطَها العَلّامَةُ الفَخْرُ.

(المَذْهَبُ الثّانِي) مَذْهَبُ مَن فَسَّرَها، وتَكَلَّمَ فِيما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُرادًا مِنها، وهو ما لِلْجُمْهُورِ. وفِيهِ وجْهانِ:

(الأوَّلُ): وعَلَيْهِ الأكْثَرُ: أنَّها أسْماءٌ لِلسُّوَرِ.

(الثّانِي): أنْ يَكُونَ وُرُودُ الأسْماءِ هَكَذا مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ: كالإيقاظِ وقَرْعِ العَصا لِمَن تُحُدِّيَ بِالقُرْآنِ وبِغَرابَةِ نَظْمِهِ، وكالتَّحْرِيكِ لِلْنَظَرِ في أنَّ هَذا المَتْلُوَّ عَلَيْهِمْ - وقَدْ عَجَزُوا عَنْهُ عَنْ آخِرِهِمْ - كَلامٌ مَنظُومٌ مِن عَيْنِ ما يَنْظِمُونَ مِنهُ كَلامَهم، لِيُؤَدِّيَهُمُ النَّظَرُ إلى أنْ يَسْتَيْقِنُوا أنْ لَمْ تَتَساقَطْ مَقْدِرَتُهم دُونَهُ، ولَمْ تَظْهَرْ مُعْجِزَتُهم عَنْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ - بَعْدَ المُراجَعاتِ المُتَطاوِلَةِ - وهم أُمَراءُ الكَلامِ، وزُعَماءُ الحِوارِ، وهُمُ الحُرّاصُ عَلى التَّساجُلِ في اقْتِضابِ الخُطَبِ، والمُتَهالِكُونَ عَلى الِاقْتِنانِ في القَصِيدِ والرَّجْزِ، ولَمْ يَبْلُغْ مِنَ الجَزالَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ المَبالِغَ الَّتِي بَزَّتْ بَلاغَةَ كُلِّ ناطِقٍ، وشَقَّتْ غُبارَ كُلِّ سابِقٍ، ولَمْ يَتَجاوَزِ الحَدَّ الخارِجَ مِن قُوى الفُصَحاءِ، ولَمْ يَقَعْ وراءَ مَطامِحِ أعْيُنِ البُصَراءِ إلّا لِأنَّهُ …

2

ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًۭى لِّلْمُتَّقِينَ

This is the Book about which there is no doubt, a guidance for those conscious of Allah -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢ ] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾

أيْ: هَذا القُرْآنُ لا شَكَّ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ تَعالى في السَّجْدَةِ: ﴿الم﴾ [السجدة: ١] ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [السجدة: ٢] قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: اخْتِصاصُ ذَلِكَ بِالإشارَةِ لِلْبَعِيدِ حُكْمٌ عُرْفِيٌّ لا وضْعِيٌّ، فَإنَّ العَرَبَ تُعارِضُ بَيْنَ اسْمَيِ الإشارَةِ. فَيَسْتَعْمِلُونَ كُلًّا مِنهُما مَكانَ الآخَرِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في كَلامِهِمْ. وفي التَّنْزِيلِ مِن ذَلِكَ آياتٌ كَثِيرَةٌ، ومَن جَرى عَلى أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ لِلْبَعِيدِ يَقُولُ: إنَّما صَحَّتِ الإشارَةُ بِذَلِكَ هُنا إلى ما لَيْسَ بِبَعِيدٍ، لِتَعْظِيمِ المُشارِ إلَيْهِ، ذَهابًا إلى بُعْدِ دَرَجَتِهِ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ ومَنزِلَتِهِ في الهِدايَةِ والشَّرَفِ.

والرَّيْبُ في الأصْلِ: مَصْدَرُ رابَنِي إذا حَصَلَ فِيكَ الرِّيبَةُ. وحَقِيقَتُها: قَلَقُ النَّفْسِ واضْطِرابُها. ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مَعْنى الشَّكِّ مُطْلَقًا، أوْ مَعَ تُهْمَةٍ. لِأنَّهُ يُقْلِقُ النَّفْسَ ويُزِيلُ الطُّمَأْنِينَةَ.

وفِي الحَدِيثِ: ««دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ»» .

ومَعْنى نَفْيِهِ عَنِ الكِتابِ، أنَّهُ في عُلُوِّ الشَّأْنِ، وسُطُوعِ البُرْهانِ، بِحَيْثُ لَيْسَ فِيهِ مَظِنَّةُ أنْ يُرْتابَ في حَقِيقَتِهِ، وكَوْنِهِ وحْيًا مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى. والأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّ العَرَبَ، مَعَ بُلُوغِهِمْ في الفَصاحَةِ إلى النِّهايَةِ، عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَةِ أقْصَرِ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ. وذَلِكَ يَشْهَدُ بِأنَّهُ بَلَغَتْ هَذِهِ الحُجَّةُ في الظُّهُورِ إلى حَيْثُ لا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَرْتابَ فِيهِ، لا أنَّهُ لا يَرْتابُ فِيهِ أحَدٌ أصْلًا.

" هُدًى لِلْمُتَّقِينَ" أيْ: هادٍ لَهم ودالٌّ عَلى الدِّينِ القَوِيمِ المُفْضِي إلى سَعادَتَيِ الدّارَيْنِ.

قالَ النّاصِرُ في الِانْتِصافِ: الهُدى يُطْلَقُ في القُرْآنِ عَلى مَعْنَيَيْنِ: (أحَدُهُما) الإرْشادُ وإيضاحُ سَبِيلِ الحَقِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] وعَلى هَذا يَكُونُ الهُدى لِلضّالِّ بِاعْتِبارِ أنَّهُ رَشَدٌ إلى الحَقِّ، سَواءٌ حَصَلَ لَهُ الِاهْتِداءُ أوْ لا.

و(الآخَرُ): خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الِاهْتِداءَ في قَلْبِ العَبْدِ، ومِنهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] فَإذا ثَبَتَ وُرُودُهُ عَلى المَعْنَيَيْنِ فَهو في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَعْنَيانِ جَمِيعًا. وعَلى الأوَّلِ، فَتَخْصِيصُ الهُدى بِالمُتَّقِينَ لِلتَّنْوِيهِ بِمَدْحِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا وانْتَفَعُوا بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] وقالَ: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١١] وقَدْ كانَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، مُنْذِرًا لِكُلِّ النّاسِ، فَذَكَرَ هَؤُلاءِ لِأجْلِ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِإنْذارِهِ. وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ آيَةِ: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] ﴿ونُنَـزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] …

3

ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ

Who believe in the unseen, establish prayer, and spend out of what We have provided for them,

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣ ] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾

" الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ" أيْ يُصَدِّقُونَ "بِالغَيْبِ" الغَيْبُ في الأصْلِ مَصْدَرُ غابَ. بِمَعْنى اسْتَتَرَ واحْتَجَبَ وخَفِيَ، وهو بِمَعْنى الفاعِلِ - كالزُّورِ لِلزّائِرِ - أُطْلِقَ عَلَيْهِ مُبالَغَةً، والمُرادُ بِهِ ما لا يَقَعُ تَحْتَ الحَواسِّ، ولا تَقْتَضِيهِ بَداهَةُ العُقُولِ، وإنَّما يَعْلَمُ بِخَبَرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمَعْنى يُؤْمِنُونَ بِما لا يَتَناوَلُهُ حِسُّهم. كَذاتِهِ تَعالى، ومَلائِكَتِهِ، والجَنَّةِ، والنّارِ، والعَرْشِ، والكُرْسِيِّ، واللَّوْحِ، ونَحْوِها.

" ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ"، أيْ: يُؤَدُّونَها بِحُدُودِها وفُرُوضِها الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ. كالخُشُوعِ والمُراقَبَةِ وتَدَبُّرِ المَتْلُوِّ والمَقْرُوءِ.

قالَ الرّاغِبُ: إقامَةُ الصَّلاةِ تَوْفِيَةُ حُدُودِها، وإدامَتُها. وتَخْصِيصُ الإقامَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ إيقاعَها فَقَطْ، ولِهَذا لَمْ يَأْمُرْ بِالصَّلاةِ ولَمْ يَمْدَحْ بِها إلّا بِلَفْظِ الإقامَةِ نَحْوَ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقَوْلِهِ: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٦٢] و: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال: ٣] ولَمْ يَقُلِ: المُصَلِّي، إلّا في المُنافِقِينَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُصَلِّينَ كَثِيرٌ والمُقِيمِينَ لَها قَلِيلٌ - كَما قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الحاجُّ قَلِيلٌ والرَّكْبُ كَثِيرٌ - ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ««مَن صَلّى رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ عَلى رَبِّهِ خَرَجَ مِن ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ»» . فَذَكَرَ مَعَ قَوْلِهِ: «صَلّى» الإقْبالَ بِقَلْبِهِ عَلى اللَّهِ تَنْبِيهًا عَلى مَعْنى الإقامَةِ، وبِذَلِكَ عَظُمَ ثَوابُهُ، وكَثِيرٌ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي حَثَّ تَعالى عَلى تَوْفِيَةِ حَقِّهِ، ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الإقامَةِ، نَحْوَ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٦] ونَحْوَ: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩] تَنْبِيهًا عَلى المُحافَظَةِ عَلى تَعْدِيلِهِ. انْتَهى.

فالإقامَةُ مِن أقامَ العُودَ إذا قَوَّمَهُ. و"الصَّلَوةَ" فِعْلَةٌ مِن صَلّى إذا دَعا، كَـ "الزَّكَوةِ" مِن زَكى - وإنَّما كُتِبَتا بِالواوِ مُراعاةً لِلَّفْظِ المُفَخَّمِ - وإنَّما سُمِّيَ الفِعْلُ المَخْصُوصُ بِها لِاشْتِمالِهِ عَلى الدُّعاءِ.

" ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ" أيْ: يُؤْتُونَ مِمّا رَزَقْناهم مِنَ الأمْوالِ مَن شُرِعَ لَهم إيتاؤُهُ والإنْفاقُ عَلَيْهِ مِنَ الفُقَراءِ والمَساكِينِ وذَوِي القُرْبى واليَتامى وأمْثالِهِمْ، عَلى ما بَيَّنَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ.

4

وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ

And who believe in what has been revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you, and of the Hereafter they are certain [in faith].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤ ] ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾

" والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ" والمُرادُ "بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ" الكِتابُ المُنَزَّلُ كُلُّهُ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الماضِي - وإنْ كانَ بَعْضُهُ مُتَرَقِّبًا - تَغْلِيبًا لِلْمَوْجُودِ عَلى ما لَمْ يُوجَدْ. كَما أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: "وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ" الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ السّالِفَةُ كُلُّها. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَـزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْـزَلَ مِن قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦] الآيَةَ. والإنْزالُ النَّقْلُ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ. فَنُزُولُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ إلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يَتَلَقّاها جِبْرِيلُ مِن جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ فَيَنْزِلُ بِها إلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ولِهَذا يُقالُ: القُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، مِنهُ بَدَأ.

قالَ الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ: وإلَيْهِ يَعُودُ أيْ هو المُتَكَلِّمُ بِهِ. قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَـزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤] وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ نَـزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] وقالَ تَعالى: ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]

" وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ الآخِرَةُ في الأصْلِ: تَأْنِيثُ الآخِرِ الَّذِي هو نَقِيضُ الأوَّلِ وهي صِفَةُ الدّارِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ [القصص: ٨٣] سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُتَأخِّرَةٌ عَنِ الدُّنْيا. وقِيلَ لِلدُّنْيا: دُنْيا، لِأنَّها أدْنى مِنَ الآخِرَةِ. وهُما مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ. ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ جَرَيا مَجْرى الأسْماءِ؛ إذْ قَدْ غَلَبَ تَرْكُ ذِكْرِ اسْمِ مَوْصُوفِهِما مَعَهُما، كَأنَّهُما لَيْسا مِنَ الصِّفاتِ.

والإيقانُ إتْقانُ العِلْمِ بِانْتِفاءِ الشَّكِّ والشُّبْهَةِ عَنْهُ، وفي تَقْدِيمِ "الآخِرَةُ" وبِناءُ "يُوقِنُونَ" عَلى "هُمْ" تَعْرِيضٌ بِأهْلِ الكِتابِ، وبِما كانُوا عَلَيْهِ مِن إثْباتِ أمْرِ الآخِرَةِ عَلى خِلافِ حَقِيقَتِهِ. كَزَعْمِهِمْ أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى؛ وأنَّ النّارَ لَنْ تَمَسَّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً؛ واخْتِلافُهم في أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ هَلْ هو مِن قَبِيلِ نَعِيمِ الدُّنْيا أوْ لا ؟ وهَلْ هو دائِمٌ أوْ لا ؟ فاعْتِقادُهم في أُمُورِ الآخِرَةِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الصِّحَّةِ، فَضْلًا عَنِ الوُصُولِ إلى مَرْتَبَةِ اليَقِينِ ! .

5

أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًۭى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

Those are upon [right] guidance from their Lord, and it is those who are the successful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥ ] ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾

" أُولَئِكَ" أيِ: المُتَّصِفُونَ بِما تَقَدَّمَ. عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ" أيْ عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِمْ، وبُرْهانٍ، واسْتِقامَةٍ، وسَدادٍ - بِتَسْدِيدِهِ إيّاهم وتَوْفِيقِهِ لَهُمْ- . "وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ" أيِ المُنْجَحُونَ، المُدْرِكُونَ ما طَلَبُوا عِنْدَ اللَّهِ -بِإيمانِهِمْ - مِنَ الفَوْزِ بِالثَّوابِ، والخُلُودِ في الجَنّاتِ، والنَّجاةِ مِمّا أعَدَّ اللَّهُ لِأعْدائِهِ مِنَ العِقابِ.

6

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Indeed, those who disbelieve - it is all the same for them whether you warn them or do not warn them - they will not believe.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾

لَمّا بَيَّنَ تَعالى نُعُوتَ المُؤْمِنِينَ قَبْلُ، شَرَحَ أحْوالَ مُقابِلِيهِمْ وهُمُ الكَفَرَةُ المَرَدَةُ بِأنَّهم: تَناهَوْا في الغَوايَةِ والضَّلالِ إلى حَيْثُ لا يُجْدِيهُمُ الإنْذارُ والتَّذْكِيرُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ﴾ [يونس: ٩٧] وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ في المُعانِدِينَ الكِتابِيِّينَ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] الآيَةَ.

و"سَواءٌ" اسْمٌ بِمَعْنى: الِاسْتِواءِ، وُصِفَ بِهِ، كَما يُوصَفُ بِالمَصادِرِ، مُبالَغَةً؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] بِمَعْنى: مُسْتَوِيَةٍ.

و(الإنْذارُ): الإعْلامُ مَعَ تَخْوِيفٍ، والمُرادُ هُنا: التَّخْوِيفُ مِن عَذابِهِ تَعالى، وانْتِقامِهِ، والِاقْتِصارِ عَلَيْهِ لِما أنَّهم لَيْسُوا أهْلًا لِلْبِشارَةِ، ولِأنَّ الإنْذارَ أوْقَعُ في القُلُوبِ؛ ومَن لَمْ يَتَأثَّرْ بِهِ فَلَأنْ لا يَرْفَعَ لِلْبِشارَةِ رَأْسًا - أوْلى.

وقَوْلُهُ "لا يُؤْمِنُونَ" جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها، مُبَيِّنَةٌ لِما فِيهِ مِن إجْمالِ ما فِيهِ الِاسْتِواءُ.

7

خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰٓ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَٰوَةٌۭ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

Allah has set a seal upon their hearts and upon their hearing, and over their vision is a veil. And for them is a great punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧ ] ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾

اسْتِنْئافٌ مُعَلِّلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الحُكْمِ، أوْ بَيانٌ وتَأْكِيدٌ لَهُ. والخَتْمُ عَلى الشَّيْءِ: الِاسْتِيثاقُ مِنهُ بِضَرْبِ الخاتَمِ عَلَيْهِ. والمُرادُ: إحْداثُ حالَةٍ تَجْعَلُها -بِسَبَبِ تَمادِيهِمْ في الغَيِّ، وانْهِماكِهِمْ في التَّقْلِيدِ، وإعْراضِهِمْ عَنْ مِنهاجِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ - بِحَيْثُ لا يُؤَثِّرُ فِيها الإنْذارُ، ولا يَنْفُذُ فِيها الحَقُّ أصْلًا.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وإسْنادُ إحْداثِ تِلْكَ الحالَةِ في قُلُوبِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى، لِاسْتِنادِ جَمِيعِ الحَوادِثِ عِنْدَنا -مِن حَيْثُ الخَلْقُ- إلَيْهِ سُبْحانَهُ. ووُرُودُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ناعِيَةً عَلَيْهِمْ سُوءَ صَنِيعِهِمْ، ووَخامَةَ عاقِبَتِهِمْ، لِكَوْنِ أفْعالِهِمْ - مِن حَيْثُ الكَسْبُ - مُسْتَنِدَةً إلَيْهِمْ، فَإنَّ خَلْقَها مِنهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الجَبْرِ، بَلْ بِطَرِيقِ التَّرْتِيبِ - عَلى ما اقْتَرَفُوهُ مِنَ القَبائِحِ - كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] ونَحْوَ ذَلِكَ، يَعْنِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]

وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ سَلَكُوا مَسْلَكَ التَّأْوِيلِ، وذَكَرُوا في ذَلِكَ عِدَّةً مِنَ الأقاوِيلِ.

مِنها: أنَّ القَوْمَ لَمّا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ، وتَمَكَّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ، حَتّى صارَ كالطَّبِيعَةِ لَهم، شُبِّهَ بِالوَصْفِ الخُلْقِيِّ المَجْبُولِ عَلَيْهِ.

ومِنها: أنَّ المُرادَ بِهِ تَمْثِيلُ قُلُوبِهِمْ بِقُلُوبِ البَهائِمِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ تَعالى خالِيَةً عَنِ الفَطِنِ، أوْ بِقُلُوبٍ قُدِّرَ خَتْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْها. كَما في: سالَ بِهِ الوادِي - إذا هَلَكَ - وطارَتْ بِهِ العَنْقاءُ - إذا طالَتْ غَيْبَتُهُ - .

ومِنها: أنَّ أعْراقَهم لَمّا رَسَخَتْ في الكُفْرِ، واسْتَحْكَمَتْ، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ إلى تَحْصِيلِ إيمانِهِمْ طَرِيقٌ سِوى الإلْجاءِ والقَسْرِ؛ ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُحافَظَةً عَلى حِكْمَةِ التَّكْلِيفِ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالخَتْمِ، لِأنَّهُ سَدٌّ لِطَرِيقِ إيمانِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ. وفِيهِ إشْعارٌ بِتَرامِي أمْرِهِمْ في الغَيِّ والعِنادِ.

ومِنها: أنَّ ذَلِكَ حِكايَةٌ لِما كانَتِ الكَفَرَةُ يَقُولُونَهُ. مِثْلَ قَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ، وفي آذانِنا وقْرٌ، ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ. تَهَكُّمًا بِهِمْ.

ومِنها: أنَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وإنَّما أخْبَرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ. ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا﴾ [الإسراء: ٩٧] انْتَهى مُلَخَّصًا

(فائِدَةٌ): قالَ الرّاغِبُ: المُرادُ بِالقَلْبِ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ العَقْلُ والمَعْرِفَةُ اهـ.

8

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ

And of the people are some who say, "We believe in Allah and the Last Day," but they are not believers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨ ] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾

أصْلُ ناسٍ أُناسٌ، حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ تَخْفِيفًا، وحَذْفُها مَعَ لامِ التَّعْرِيفِ كاللّازِمِ. ويَشْهَدُ لِأصْلِهِ إنْسانٌ، وأُناسٌ، وأناسِيٌّ، وإنْسٌ، وسُمُّوا لِظُهُورِهِمْ وأنَّهم يُؤْنِسُونَ أيْ: يُبْصِرُونَ - كَما سُمِّيَ الجِنُّ لِاجْتِنانِهِمْ - ولِذَلِكَ سُمُّوا بَشَرًا. وقِيلَ: اشْتِقاقُهُ مِنَ الأُنْسِ - ضِدِّ الوَحْشَةِ - لِأنَّ الإنْساْنَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ. والأوَّلُ أظْهَرُ.

واعْلَمْ أنَّ صِفاتِ المُنافِقِينَ إنَّما نَزَلَتْ في السُّوَرِ المَدَنِيَّةِ. لِأنَّ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ فِيها نِفاقٌ، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ، وكانَ بِها الأنْصارُ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، وكانُوا في جاهِلِيَّتِهِمْ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ عَلى طَرِيقَةِ مُشْرِكِي العَرَبِ. وبِها اليَهُودُ - مِن أهْلِ الكِتابِ- وهم ثَلاثُ قَبائِلَ: بَنُو قَيْنُقاعٍ - حُلَفاءُ الخَزْرَجِ - وبَنُو النَّضِيرِ وبَنُو قُرَيْظَةَ - حُلَفاءُ الأوْسِ - فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، وأسْلَمَ مَن أسْلَمَ مِنَ الأنْصارِ مِن قَبِيلَتَيِ الأوْسِ والخَزْرَجِ، وقَلَّ مَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ -إلّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ولَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ نِفاقٌ أيْضًا، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدُ شَوْكَةٌ تُخافُ؛ بَلْ قَدْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وادَعَ اليَهُودَ وقَبائِلَ كَثِيرَةً -مِن أحْياءِ العَرَبِ حَوالَيِ المَدِينَةِ- فَلَمّا كانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ العُظْمى، وأظْهَرَ اللَّهُ كَلِمَتَهُ، وأعَزَّ الإسْلامَ وأهْلَهُ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ -وكانَ رَأْسًا في المَدِينَةِ، وهو مَنَ الخَزْرَجِ، وكانَ ابْنَ سَيِّدِ الطّائِفَتَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ؛ وكانُوا قَدْ عَزَمُوا عَلى أنْ يُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ، فَجاءَهُمُ الخَبَرُ، وأسْلَمُوا، واشْتَغَلُوا عَنْهُ، فَبَقِيَ في نَفْسِهِ مِنَ الإسْلامِ وأهْلِهِ، فَلَمّا كانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ، قالَ: هَذا أمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ. فَأظْهَرَ الدُّخُولَ في الإسْلامِ، ودَخَلَ مَعَهُ طَوائِفُ - مِمَّنْ هو عَلى طَرِيقَتِهِ ونِحْلَتِهِ - وآخَرُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَمِن ثَمَّ وُجِدَ النِّفاقُ في أهْلِ المَدِينَةِ، ومَن حَوْلَها مِنَ الأعْرابِ.

9

يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

They [think to] deceive Allah and those who believe, but they deceive not except themselves and perceive [it] not.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩ ] ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾

قالَ القاشانِيُّ: المُخادَعَةُ اسْتِعْمالُ الخُدَعِ مِنَ الجانِبَيْنِ، وهو إظْهارُ الخَيْرِ، واسْتِبْطانُ الشَّرِّ، ومُخادَعَةُ اللَّهِ مُخادَعَةُ رَسُولِهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] فَخِداعُهم لِلَّهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ إظْهارُ الإيمانِ والمَحَبَّةِ، واسْتِبْطانُ الكُفْرِ والعَداوَةِ. وخِداعُ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ إيّاهم مُسالَمَتُهم، وإجْراءُ أحْكامِ الإسْلامِ عَلَيْهِمْ. بِحَقْنِ الدِّماءِ وحَصْنِ الأمْوالِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وادِّخارِ العَذابِ الألِيمِ، والمَآلِ الوَخِيمِ، وسُوءِ المَغِبَّةِ لَهم، وخِزْيِهِمْ في الدُّنْيا لِافْتِضاحِهِمْ بِإخْبارِهِ تَعالى وبِالوَحْيِ عَنْ حالِهِمْ. لَكِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الخَدّاعِينَ: أنَّ خِداعَهم لا يَنْجَحُ إلّا في أنْفُسِهِمْ. بِإهْلاكِها، و تَحْسِيرِها، وإيراثِها الوَبالَ والنَّكالَ- بِازْدِيادِ الظُّلْمَةِ، والكُفْرِ، والنِّفاقِ، واجْتِماعِ أسْبابِ الهَلَكَةِ، والبُعْدِ والشَّقاءِ، عَلَيْها -وخِداعُ اللَّهِ يُؤَثِّرُ فِيهِمْ أبْلَغَ تَأْثِيرٍ، ويُوبِقُهم أشَدَّ إيباقٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] وهم - مِن غايَةِ تَعَمُّقِهِمْ في جَهْلِهِمْ - لا يُحِسُّونَ بِذَلِكَ الأمْرِ الظّاهِرِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "وما يُخادِعُونَ" بِالألِفِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: نَبَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى صِفاتِ المُنافِقِينَ، لِئَلّا يَغْتَرَّ بِظاهِرِ أمْرِهِمُ المُؤْمِنُونَ، فَيَقَعَ بِذَلِكَ فَسادٌ عَرِيضٌ - مِن عَدَمِ الِاحْتِرازِ مِنهم، ومِنِ اعْتِقادِ إيمانِهِمْ، وهم كُفّارٌ في نَفْسِ الأمْرِ - وهَذا مِنَ المَحْذُوراتِ: أنْ يُظَنَّ بِأهْلِ الفُجُورِ خَيْرٌ. ثُمَّ إنَّ قَوْلَ مَن قالَ: كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْلَمُ أعْيانَ بَعْضِ المُنافِقِينَ -إنَّما مُسْتَنَدُهُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ في تَسْمِيَةِ أُولَئِكَ الأرْبَعَةَ عَشَرَ مُنافِقًا - في غَزْوَةِ تَبُوكَ - الَّذِينَ هَمُّوا أنْ يَفْتِكُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ظَلْماءِ اللَّيْلِ عِنْدَ عَقَبَةٍ هُناكَ، عَزَمُوا عَلى أنْ يُنَفِّرُوا بِهِ النّاقَةَ، لِيَسْقُطَ عَنْها، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أمْرَهم، فَأطْلَعَ عَلى ذَلِكَ حُذَيْفَةَ.

فَأمّا غَيْرُ هَؤُلاءِ، فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] الآيَةَ. وقالَ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٠] فَفِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُغْرَ بِهِمْ ولَمْ يُدْرَكْ عَلى أعْيانِهِمْ، وإنَّما كانَ تُذْكَرُ لَهُ صِفاتُهم، فَيَتَوَسَّمُها في بَعْضِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهم ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٠] وقَدْ كانَ مِن أشْهَرِهِمْ بِالنِّفاقِ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ.

واسْتَنَدَ - غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ - في الحِكْمَةِ عَنْ كَفِّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ المُنافِقِينَ، بِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّهُ ﷺ قالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ««أكْرَهُ أنْ يَتَحَدَّثَ العَرَبُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ»» . ومَعْناهُ خَشْيَةَ أنْ يَقَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ …

10

فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًۭا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ

In their hearts is disease, so Allah has increased their disease; and for them is a painful punishment because they [habitually] used to lie.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠ ] ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾

المَرَضُ: السَّقَمُ، وهو نَقِيضُ الصِّحَّةِ، بِسَبَبِ ما يَعْرِضُ لِلْبَدَنِ، فَيُخْرِجُهُ عَنْ الِاعْتِدالِ اللّائِقِ بِهِ، ويُوجِبُ الخَلَلَ في أفاعِيلِهِ، اُسْتُعِيرَ هاهُنا لِعَدَمِ صِحَّةِ يَقِينِهِمْ، وضَعْفِ دِينِهِمْ - وكَذا تُوصَفُ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ بِالسَّلامَةِ الَّتِي هي صِحَّةُ اليَقِينِ، وعَدَمُ ضَعْفِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إلا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] أيْ: غَيْرُ مَرِيضٍ بِما ذَكَرْنا - أوِ اُسْتُعِيرَ لِشَكِّهِمْ، لِأنَّ الشَّكَّ تَرَدُّدٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، والمُنافِقُ مُتَرَدِّدٌ، كَما في الحَدِيثِ ««مَثَلُ المُنافِقِ كَمَثَلِ الشّاةِ العائِرَةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ»» والمَرِيضُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ.

" فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا" بِأنْ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، لِعِلْمِهِ تَعالى بِأنَّهُ لا يُؤَثِّرُ فِيها التَّذْكِيرُ والإنْذارُ.

وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: مَرَضًا آخَرَ - حِقْدًا وحَسَدًا وغِلًّا - بِإعْلاءِ كَلِمَةِ الدِّينِ، ونُصْرَةِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ - ثُمَّ قالَ: والرَّذائِلُ كُلُّها أمْراضُ القُلُوبِ، لِأنَّها أسْبابُ ضَعْفِها وآفَتِها في أفْعالِها الخاصَّةِ، وهَلاكِها في العاقِبَةِ.

" ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ" أيْ: مُؤْلِمٌ - بِكَسْرِ اللّامِ - فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ - كَسَمِيعٍ وبَصِيرٍ -

قالَ في المُحْكَمِ: الألِيمُ مِنَ العَذابِ الَّذِي يَبْلُغُ إيجاعُهُ غايَةَ البُلُوغِ. ومِنهُ يُعْلَمُ وجْهُ إيثارِهِ في عَذابِ المُنافِقِينَ -عَلى "العِظَمِ" المُتَقَدِّمِ في وصْفِ عَذابِ الكافِرِينَ- ويُؤَيِّدُهُ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥]

"بِما كانُوا يَكْذِبُونَ" الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْمُقابَلَةِ -أيْ: بِسَبَبِ كَذِبِهِمْ أوْ بِمُقابَلَتِهِ- وهو قَوْلُهم: آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، وهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. وفِيهِ رَمْزٌ إلى قُبْحِ الكَذِبِ، وسَماجَتِهِ، وتَخْيِيلِ أنَّ العَذابَ الألِيمَ لاحِقٌ بِهِمْ مِن أجْلِ كَذِبِهِمْ- مَعَ إحاطَةِ عِلْمِ السّامِعِ بِأنَّ لُحُوقَ العَذابِ بِهِمْ مِن جِهاتٍ شَتّى- ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥] - والقَوْمُ كَفَرَةٌ - وإنَّما خَصَّتِ الخَطِيئاتِ اسْتِعْظامًا لَها، وتَنْفِيرًا عَنِ ارْتِكابِها.

Al-Baqara 2:10Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.