Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 31–40 of 286

31

وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

And He taught Adam the names - all of them. Then He showed them to the angels and said, "Inform Me of the names of these, if you are truthful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ .

كانَ أبُو عُبَيْدَةَ يَقُولُ: "إذْ" مُلْغاةٌ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: وقالَ رَبُّكَ، وتابَعَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وعابَ ذَلِكَ عَلَيْهِما الزَّجّاجُ وابْنُ القاسِمِ. وقالَ الزَّجّاجُ: إذْ مَعْناها: الوَقْتُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ابْتِداءُ خَلْقِكم إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ.

والمَلائِكَةُ: مِنَ الأُلُوكِ، وهي الرِّسالَةُ، قالَ لَبِيَدُ:

؎ وغُلامٌ أرْسَلَتْهُ أُمُّهُ بِألُوكٍ فَبَذَلْنا ما سَألَ

وَواحِدُ المَلائِكَةِ: مَلَكٌ، والأصْلُ فِيهِ: مَلْأكُ. وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:

؎ فَلَسْتُ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلْأكٍ ∗∗∗ تَنْزِلُ مِن جَوِّ السَّماءِ يَصُوبُ

قالَ أبُو إسْحاقَ: ومَعْنى مَلْأكِ: صاحِبُ رِسالَةٍ، يُقالُ: مَأْلَكَةٌ ومَأْلُكَةٌ ومَلْأكَةٌ. ومَآَلُكٌ: جَمْعُ مَأْلُكَةٍ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ أبْلِغِ النُّعْمانَ عَنِّي مَأْلُكًا ∗∗∗ أنَّهُ قَدْ طالَ حَبْسِي وانْتِظارِي

وَفِي هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم جَمِيعُ المَلائِكَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ. والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَ إبْلِيسَ حِينَ أُهْبِطَ إلى الأرْضِ، ذَكَرَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَنُقِلَ أنَّهُ كانَ في الأرْضِ قَبْلَ آَدَمَ خَلْقٌ، فَأفْسَدُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ إبْلِيسَ في جَماعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَأهْلَكُوهم.

واخْتَلَفُوا ما المَقْصُودُ في إخْبارِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ المَلائِكَةَ بِخَلْقِ آَدَمَ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ في نَفْسِ إبْلِيسَ كِبْرًا، فَأحَبَّ أنْ يُطْلِعَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِ، وأنْ يُظْهِرَ ما سَبَقَ عَلَيْهِ في عِلْمِهِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ أنْ يَبْلُوَ طاعَةَ المَلائِكَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ النّارَ خافَتِ المَلائِكَةُ، فَقالُوا: رَبُّنا لِمَن خَلَقْتَ هَذِهِ؟ قالَ: لِمَن عَصانِي، فَخافُوا وُجُودَ المَعْصِيَةِ مِنهم، وهم لا يَعْلَمُونَ بِوُجُودِ خَلْقٍ سِواهم، فَقالَ لَهُمْ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [ البَقَرَةِ: ٣٠ ] قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ إظْهارَ عَجْزِهِمْ عَنِ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ، فَأخْبَرَهم حَتّى قالُوا: أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها؟ فَأجابَهُمْ: إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ.

والخامِسُ: أنَّهُ أرادَ تَعْظِيمَ آَدَمَ بِذِكْرِهِ بِالخِلافَةِ قَبْلَ وُجُودِهِ، لِيَكُونُوا مُعَظِّمِينَ لَهُ إنْ أوْجَدَهُ. والسّادِسُ: أنَّهُ أرادَ إعْلامَهم بِأنَّهُ خَلَقَهُ لِيُسْكِنَهُ الأرْضَ، وإنْ كانَتِ ابْتِداءَ خَلْقِهِ في السَّماءِ.

والخَلِيفَةُ: هو القائِمُ مَقامَ غَيْرِهِ، يُقالُ: هَذا خَلْفُ فُلانٍ وخَلِيفَتُهُ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والأصْلُ في الخَلِيفَةِ خَلِيفٌ، بِغَيْرِ هاءٍ، فَدَخَلَتِ الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ في مَدْحِهِ بِهَذا الوَصْفِ، كَما قالُوا: عَلّامَةٌ ونَسّابَةٌ وراوِيَةٌ. وفي مَعْنى خِلافَةِ آَدَمَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خَلِيفَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى في إقامَةِ شَرْعِهِ، ودَلائِلِ تَوْحِيدِهِ، والحُكْمِ في خَلْقِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ خَلَفُ مَن سَلَفَ في الأرْضِ قَبْلَهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ.

**

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ .

فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ ظاهِرَ الألِفِ الِاسْتِفْهامُ، دَخَلَ عَلى مَعْنى العِلْمِ لِيَقَعَ بِهِ تَحْقِيقٌ قالَ جَرِيرٌ:

؎ ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ

مَعْناهُ: أنْتُمْ خَيْرُ مَن …

Al-Baqara 2:31Listen in Qur'an →
32

قَالُوا۟ سُبْحَٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ

They said, "Exalted are You; we have no knowledge except what You have taught us. Indeed, it is You who is the Knowing, the Wise."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: لا اخْتِلافَ بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ التَّسْبِيحَ هُوَ: التَّنْزِيهُ لِلَّهِ تَعالى عَنْ كُلِّ سُوءٍ. والعَلِيمُ بِمَعْنى: العالِمِ، جاءَ عَلى بِناءِ "فَعِيلٍ" لِلْمُبالَغَةِ. وفي الحَكِيمِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الحاكِمِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: المُحْكِمُ لِلْأشْياءِ، قالَهُ الخَطّابِيُّ.

Al-Baqara 2:32Listen in Qur'an →
33

قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ ۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ

He said, "O Adam, inform them of their names." And when he had informed them of their names, He said, "Did I not tell you that I know the unseen [aspects] of the heavens and the earth? And I know what you reveal and what you have concealed."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهُمْ﴾ أيْ: أخْبَرَهم، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنْبِئْهِمْ بِكَسْرِ الهاءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: قِراءَةُ الجُمْهُورِ عَلى الأصْلِ، لِأنَّ أصْلَ هَذا الضَّمِيرِ أنْ تَكُونَ الهاءُ مَضْمُومَةً فِيهِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: ضَرْبَهم وأبْناءَهم، وهَذا لَهم. ومَن كَسَرَ أتْبَعَ كَسْرَ الهاءِ الَّتِي قَبْلَها وهي كَسْرَةُ الباءِ. والهاءُ والمِيمُ تَعُودُ عَلى المَلائِكَةِ. وفي الهاءِ والمِيمِ مِن "أسْمائِهِمْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى المَخْلُوقاتِ الَّتِي عَرَضَها، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّها تَعُودُ عَلى المَلائِكَةِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

وَفِي الَّذِي أبْدُوهُ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾، ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ. والثّانِي: أنَّهُ ما أظْهَرُوهُ مِنَ السَّمْعِ والطّاعَةِ لِلَّهِ حَيْثُ مَرُّوا عَلى جَسَدِ آَدَمَ، فَقالَ إبْلِيسُ: إنَّ فَضْلَ هَذا عَلَيْكم ما تَصْنَعُونَ؟ فَقالُوا: نُطِيعُ رَبَّنا، فَقالَ إبْلِيسُ في نَفْسِهِ: لَئِنْ فُضِّلْتُ عَلَيْهِ لَأُهْلِكْنَهُ، ولَئِنْ فُضِّلَ عَلَيَّ لَأعْصِيَنَّهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي الَّذِي كَتَمُوهُ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ اعْتِقادُ المَلائِكَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَخْلُقُ خَلْقًا أكْرَمَ مِنهم، قالَهُ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ ما أسَرَّهُ إبْلِيسُ مِنَ الكِبَرِ والعِصْيانِ، رَواهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٌ.

Al-Baqara 2:33Listen in Qur'an →
34

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِءَادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate before Adam"; so they prostrated, except for Iblees. He refused and was arrogant and became of the disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ .

عامَّةُ القُرّاءِ عَلى كَسْرِ التّاءِ مِنَ المَلائِكَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ بِضَمِّها في الوَصْلِ، قالَ الكِسائِيُّ: هي لُغَةٌ أزْدَشَنُوءَةَ.

وَفِي هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم جَمِيعُ المَلائِكَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ. والثّانِي: أنَّهم طائِفَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والأوَّلُ أصَحُّ.

والسُّجُودُ في اللُّغَةِ: التَّواضُعُ والخُضُوعُ، وأنْشَدُوا:

؎ ساجِدُ المَنخَرِ ما يَرْفَعُهُ خاشِعُ الطَّرْفِ أصَمُّ المُسْتَمِعِ

وَفِي صِفَةِ سُجُودِهِمْ لِآَدَمَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى صِفَةِ سُجُودِ الصَّلاةِ، وهو الأظْهَرُ.

والثّانِي: أنَّهُ الِانْحِناءُ والمَيْلُ المُساوِي لِلرُّكُوعِ.

**

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا إبْلِيسَ﴾ .

فِي هَذا الِاسْتِثْناءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ الجِنْسِ، فَهو عَلى هَذا القَوْلِ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ في رِوايَةٍ، وابْنُ عَبّاسٍ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، ثُمَّ مَسَخَهُ اللَّهُ تَعالى شَيْطانًا. والثّانِي: أنَّهُ مِن غَيْرِ الجِنْسِ، فَهو مِنَ الجِنِّ، قالَهُ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ إبْلِيسُ مِن خُزّانِ الجَنَّةِ، وكانَ يُدِيرُ أمْرَ السَّماءِ الدُّنْيا. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتُثْنِيَ ولَيْسَ مِنَ الجِنْسِ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ مَعَهم، فاسْتُثْنِيَ مِنهم، لِأنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، وهَذا كَما تَقُولُ: أمَرْتُ عَبْدِي وإخْوَتِي فَأطاعُونِي إلّا عَبْدِي، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

وَفِي إبْلِيسَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لَيْسَ بِمُشْتَقٍّ، ولِذَلِكَ لا يُصْرَفُ، هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجِ وابْنِ الأنْبارِيِّ. والثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الإبْلاسِ، وهُوَ: اليَأْسُ، رُوِيَ عَنْ أبِي صالِحٍ، وذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وقالَ: إنَّهُ لَمْ يُصْرَفْ، لِأنَّهُ لا سَمِيَّ لَهُ، فاسْتُثْقِلَ. قالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: والأوَّلُ أصَحُّ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ الإبْلاسِ لَصُرِفَ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ سَمَّيْتَ رَجُلًا: بِإخْرِيطٍ وإجْفِيلٍ؛ لِصُرِفَ في المَعْرِفَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبى﴾ مَعْناهُ: امْتَنَعَ، ﴿واسْتَكْبَرَ﴾ اسْتَفْعَلَ مِنَ: الكِبْرِ، وفي " وكانَ " قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى: صارَ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى الماضِي، فَمَعْناهُ: كانَ في عِلْمِ اللَّهِ كافِرًا، قالَهُ مُقاتِلٌ، وابْنُ الأنْبارِيِّ.

Al-Baqara 2:34Listen in Qur'an →
35

وَقُلْنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And We said, "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat therefrom in [ease and] abundance from wherever you will. But do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ زَوْجُهُ: حَوّاءُ، قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ لِامْرَأةِ الرَّجُلِ: زَوْجٌ، ويَجْمَعُونَها: الأزْواجَ. وتَمِيمٌ وكَثِيرٌ مِن قِيسٍ وأهْلِ نَجْدٍ يَقُولُونَ: زَوْجَةٌ، ويَجْمَعُونَها: زَوْجاتٌ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ فَإنَّ الَّذِي يَسْعى يُحِرِّشُ زَوْجَتِي كَماشٍ إلى أسَدِ الشَّرى يَسْتَبِيلُها

وَأنْشَدَنِي أبُو الجَرّاحِ:

؎ يا صاحِ بَلِّغْ ذَوِي الزَّوْجاتِ كُلِّهِمُ ∗∗∗ أنْ لَيْسَ وصْلٌ إذا انْحَلَّتْ عُرى الذَّنَبِ

وَفِي الجَنَّةِ الَّتِي أسْكَنَها آَدَمَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: جَنَّةُ عَدْنٍ. والثّانِي: جَنَّةُ الخُلْدِ.

والرَّغَدُ: الرِّزْقُ الواسِعُ الكَثِيرُ، يُقالُ: أرْغَدَ فُلانٌ: إذا صارَ في خِصْبٍ وسِعَةٍ.

**

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ أيْ: بِالأكْلِ لا بِالدُّنُوِّ مِنها.

فِي الشَّجَرَةِ سِتَّةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها السُّنْبُلَةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وكَعْبِ الأحْبارِ، ووَهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وقَتادَةَ، وعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ، ومُحارِبِ بْنِ دِثارٍ، ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنَّها الكَرَمُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وجَعْدَةَ وبْنِ هُبَيْرَةَ.

والثّالِثُ: أنَّها التِّينُ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والرّابِعُ: أنَّها شَجَرَةٌ يُقالُ: لَها شَجَرَةُ العِلْمِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: أنَّها شَجَرَةُ الكافُورِ، نُقِلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.

والسّادِسُ: أنَّها النَّخْلَةُ، رُوِيَ عَنْ أبِي مالِكٍ.

وَقَدْ ذَكَرُوا وجْهًا سابِعًا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ قالَ: هي شَجَرَةُ الخُلْدِ، وإنَّما الكَلامُ عَلى جِنْسِها.

**

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ .

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الظُّلْمُ: وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ويُقالُ: ظَلَمَ الرَّجُلُ سِقاءَهُ إذا سَقاهُ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ زُبْدُهُ وقالَ الشّاعِرُ:

؎ وصاحِبُ صِدْقٍ لَمْ تَرِبْنِي شَكاتُهُ ظَلَمْتُ وفي ظُلْمِي لَهُ عامِدًا أجْرُ

أرادَ بِالصّاحِبِ: وطْبُ اللَّبَنِ، وظُلْمُهُ إيّاهُ: أنْ يَسْقِيَهُ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ زُبْدُهُ.

والعَرَبُ تَقُولُ: هو أظْلَمُ مِن حَيَّةٍ، لِأنَّها تَأْتِي الحَفْرَ الَّذِي لَمْ تَحْفِرْهُ فَتَسْكُنُهُ، ويُقالُ: قَدْ ظَلَمَ الماءُ الوادِي: إذا وصَلَ مِنهُ إلى مَكانٍ لَمْ يَكُنْ يَصِلُ إلَيْهِ فِيما مَضى. فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ الحِكْمَةِ في تَخْصِيصِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ بِالنَّهْيِ؟ فالجَوابُ أنَّهُ ابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِما أرادَ.

وَقالَ أبُو العالِيَةِ: كانَ لَها ثِقَلٌ مِن بَيْنِ أشْجارِ الجَنَّةِ، فَلَمّا أكَلَ مِنها، قِيلَ: اخْرُجْ إلى الدّارِ الَّتِي تَصْلُحُ لِما يَكُونُ مِنكَ.

Al-Baqara 2:35Listen in Qur'an →
36

فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّۭ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍۢ

But Satan caused them to slip out of it and removed them from that [condition] in which they had been. And We said, "Go down, [all of you], as enemies to one another, and you will have upon the earth a place of settlement and provision for a time."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ .

أزَلَّهُما بِمَعْنى: اسْتَزَلَّهُما، وقَرَأ حَمْزَةُ: (فَأزالُهُما)، أرادَ: نَحّاهُما. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَمّا كانَ مَعْنى ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ اثْبُتا فِيها، فَثَبَتا؛ قابَلَ حَمْزَةُ الثَّباتَ بِالزَّوالِ الَّذِي يُخالِفُهُ، ويُقَوِّي قِراءَتَهُ: ﴿فَأخْرَجَهُما﴾ .

والشَّيْطانُ: إبْلِيسُ، وأُضِيفَ الفِعْلُ إلَيْهِ، لِأنَّهُ السَّبَبُ. وفي هاءِ (عَنْها) ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تَعُودُ إلى الجَنَّةِ. والثّانِي: تَرْجِعُ إلى الطّاعَةِ. والثّالِثُ: تَرْجِعُ إلى الشَّجَرَةِ. فَمَعْناهُ: فَأزَلَّهُما بِزِلَّةٍ صَدَرَتْ عَنِ الشَّجَرَةِ.

وَفِي كَيْفِيَّةِ إزْلالِهِ لَهُما، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ احْتالَ حَتّى دَخَلَ إلَيْهِما الجَنَّةَ، وكانَ الَّذِي أدْخَلَهُ الحَيَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: أنَّهُ وقَفَ عَلى بابِ الجَنَّةِ، وناداهُما، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: أنَّهُ وسْوَسَ إلَيْهِما، وأوْقَعَ في نُفُوسِهِما مِن غَيْرِ مُخاطِبَةٍ وَلا مُشاهَدَةٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وفِيهِ بَعْدُ. قالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ: أنْ يَكُونَ خاطَبَها، لِقَوْلِهِ: ﴿وَقاسَمَهُما﴾

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْصِيَةِ آَدَمَ بِالأكْلِ، فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ نُهِيَ عَنْ شَجَرَةٍ بِعَيْنِها، فَأكَلَ مِن جِنْسِها. وقالَ آخَرُونَ: تَأوَّلَ الكَراهَةَ في النَّهْيِ دُونَ التَّحْرِيمِ.

**

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ الهُبُوطُ بِضَمِّ الهاءِ: الِانْحِدارُ مِن عُلُوٍّ، وبِفَتْحِ الهاءِ: المَكانُ الَّذِي يَهْبِطُ فِيهِ، وإلى مَنِ انْصَرَفَ هَذا الخِطابُ؟ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ انْصَرَفَ إلى آَدَمَ وحَوّاءَ والحَيَّةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: إلى آَدَمَ وحَوّاءَ وإبْلِيسَ والحَيَّةِ، حَكاهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: إلى آَدَمَ وإبْلِيسَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: إلى آَدَمَ وحَوّاءَ وإبْلِيسَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والخامِسُ: إلى آَدَمَ وحَوّاءَ وذُرِّيَّتِهِما، قالَهُ الفَرّاءُ. والسّادِسُ: إلى آَدَمَ وحَوّاءَ فَحَسْبُ، ويَكُونُ لَفْظُ الجَمْعِ واقِعًا عَلى التَّثْنِيَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [ الأنْبِياءِ: ٧٨ ] ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وهو العِلَّةُ في قَوْلِ مُجاهِدٍ أيْضًا.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ أُهْبِطُوا جُمْلَةً أوْ مُتَفَرِّقِينَ؟ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهم أُهْبِطُوا جُمْلَةً، لَكِنَّهم نَزَلُوا في بِلادٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قالَهُ كَعْبٌ، ووَهْبٌ.

والثّانِي: أنَّهم أُهْبِطُوا مُتَفَرِّقِينَ، فَهَبَطَ إبْلِيسُ قَبْلَ آَدَمَ، وهَبَطَ آَدَمُ بِالهِنْدِ، وحَوّاءُ بِجَدَّةٍ، وإبْلِيسُ بِالأبُلَّةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أُهْبِطَتِ الحَيَّةُ بِنَصِيبَيْنِ، قالَ: وأمَرَ اللَّهِ تَعالى جِبْرِيلُ بِإخْراجِ آَدَمَ، فَقَبَضَ عَلى ناصِيَتِهِ وخَلَّصَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي قَبَضَتْ عَلَيْهِ، فَقالَ: أيُّها المَلِكُ ارْفُقْ بِي. قالَ جِبْرِيلُ: إنِّي لا أرْفُقُ بِمَن عَصى اللَّهَ، فارْتَعَدَ آَدَمُ واضْطَرَبَ، وذَهَبَ كَلامُهُ، وجِبْرِيلُ يُعاتِبُهُ في مَعْصِيَتِهِ، ويُعَدِّدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، قالَ: وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ ضَحْوَةً، واخْرُجْ مِنها بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ، فَمَكَثَ فِيها نِصْفَ يَوْمٍ، خَمْسَمِائَةِ عامٍ مِمّا يَعُدُّ أهْلُ الدُّنْيا.

وَفِي العَداوَةِ المَذْكُورَةِ هاهُنا ثَلاثَةُ …

Al-Baqara 2:36Listen in Qur'an →
37

فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٍۢ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Then Adam received from his Lord [some] words, and He accepted his repentance. Indeed, it is He who is the Accepting of repentance, the Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ .

تَلَقّى: بِمَعْنى أخَذَ، وقَبِلَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِ أنْ يَسْتَغْفِرَهُ [وَسَيَتَقْبِلَهُ ] بِكَلامٍ مِن عِنْدِهِ، فَفَعَلَ [ذَلِكَ آَدَمُ ] فَتابَ عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: " فَتَلَقّى آدَمَ " بِالنَّصْبِ، " كَلِماتٌ ": بِالرَّفْعِ؛ عَلى أنَّ الكَلِماتِ هي الفاعِلَةُ.

وَفِي الكَلِماتِ أقْوالٌ.

أحَدُها: أنَّها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا، وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [ الأعْرافِ: ٢٣ ] . قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ: أيْ: رَبِّ؛ ألَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ؟ قالَ: بَلى. قالَ: ألَمْ تَنْفُخْ فِيَّ مِن رُوحِكَ؟ قالَ: بَلى، قالَ: ألَمْ تَسْبِقْ رَحْمَتُكَ إلَيَّ قَبْلَ غَضَبِكَ؟ قالَ: بَلى. قالَ: ألَمْ تُسْجِدْ لِي مَلائِكَتَكَ، وتُسْكِنِّي جَنَّتَكَ؟ قالَ: بَلى. قالَ: أيْ: رَبِّ [أرَأيْتَ ] إنْ تُبْتُ وأصْلَحْتُ، أراجِعِي أنْتَ إلى الجَنَّةِ؟ قالَ: نَعَمْ. حَكاهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ، رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي، إنَّكَ خَيْرُ الغافِرِينَ، اللَّهُمَّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ، رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فارْحَمْنِي، فَأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ، [اللَّهُمَّ ] لا إلَهَ إلّا أنْتَ، سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ، رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَتُبْ عَلَيَّ، إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ. رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ وقَدْ ذُكِرَتْ أقْوالٌ مِن كَلِماتِ الِاعْتِذارِ تُقارِبُ هَذا المَعْنى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ .

أصْلُ التَّوْبَةِ: الرُّجُوعُ، فالتَّوْبَةُ مِن آَدَمَ: رُجُوعُهُ عَنِ المَعْصِيَةِ، وهي مِنَ اللَّهِ تَعالى: رُجُوعُهُ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ، والثَّوابُ الَّذِي كُلَّما تَكَرَّرَتْ تَوْبَةُ العَبْدِ تَكَرَّرَ قَبُولُهُ، وإنَّما لَمْ تُذْكَرْ حَوّاءُ في التَّوْبَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يَجِرْ لَها ذِكْرٌ، لا أنَّ تَوْبَتَها لَمْ تُقْبَلْ. وقالَ قَوْمٌ: إذا كانَ مَعْنى فِعْلِ الِاثْنَيْنِ واحِدًا؛ جازَ أنْ يُذْكَرَ أحَدُهُما ويَكُونُ المَعْنى لَهُما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [ التَّوْبَةِ: ٦٣ ] وقَوْلُهُ: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [ طه: ١١٧ ] .

Al-Baqara 2:37Listen in Qur'an →
38

قُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ مِنْهَا جَمِيعًۭا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًۭى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

We said, "Go down from it, all of you. And when guidance comes to you from Me, whoever follows My guidance - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾:

فِي إعادَةِ ذِكْرِ الهُبُوطِ- وقَدْ تَقَدَّمَ- قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أُعِيدَ لِأنَّ آَدَمَ أُهْبِطَ إهْباطَيْنِ، أحَدُهُما مِنَ الجَنَّةِ إلى السَّماءِ، والثّانِي مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ. وأيُّهُما الإهْباطُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآَيَةِ؟ فِيهِ قَوْلانِ.

والثّانِي: أنَّهُ إنَّما كَرَّرَ الهُبُوطَ تَوْكِيدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمّا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ "إنَّ" الَّتِي لِلْجَزاءِ، ضُمَّتْ إلَيْها "ما" والأصْلُ في اللَّفْظِ "إنَّ ما" مَفْصُولَةٌ، ولَكِنَّها مُدْغَمَةٌ، وكُتِبَتْ عَلى الإدْغامِ، فَإذا ضُمَّتْ "ما" إلى "إنْ" لَزِمَ الفِعْلُ النُّونَ الثَّقِيلَةَ أوِ الخَفِيفَةَ. وإنَّما تَلْزَمُهُ النُّونُ لِأنَّ "ما" تَدْخُلُ مُؤَكَّدَةً، ودَخَلَتِ النُّونُ مُؤَكَّدَةً أيْضًا، كَما لَزِمَتِ اللّامُ النُّونَ في القَسَمِ في قَوْلِكَ: واللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ، وجَوابُ الجَزاءِ الفاءُ.

وَفِي المُرادِ بِـ "الهُدى" هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الرَّسُولُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: الكِتابُ، حَكاهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ .

وَقَرَأ يَعْقُوبُ: فَلا خَوْفَ: بِفَتْحِ الفاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّ الفاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. والمَعْنى: فَلا خَوْفَ عَلَيْهِمْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَ مِنَ العَذابِ، ولا هم يَحْزَنُونَ عِنْدَ المَوْتِ. والخَوْفُ لِأمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، والحُزْنُ لِأمْرٍ ماضٍ.

Al-Baqara 2:38Listen in Qur'an →
39

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

And those who disbelieve and deny Our signs - those will be companions of the Fire; they will abide therein eternally."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ في مَعْنى الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها العَلامَةُ، فَمَعْنى آَيَةٍ: عَلامَةٌ لِانْقِطاعِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها، والَّذِي بَعْدَها، قالَ الشّاعِرُ:

؎ ألا أبْلِغْ لَدَيْكَ بَنِي تَمِيمٍ بِآَيَةِ ما يُحِبُّونَ الطَّعاما

وَقالَ النّابِغَةُ:

؎ تَوَهَّمْتُ آَياتٍ لَها فَعَرَفْتُها ∗∗∗ لِسِتَّةِ أعْوامٍ وذا العامِ سابِعُ

وَهَذا اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّها سُمِّيَتْ آَيَةً، لِأنَّها جَماعَةُ حُرُوفٍ مِنَ القُرْآَنِ، وطائِفَةٌ مِنهُ. قالَ أبُو عَمْرٍو الشَّيْبانِيُّ: يُقالُ: خَرَجَ القَوْمُ بِآَياتِهِمْ، أيْ: بِجَماعَتِهِمْ. وأنْشَدُوا:

؎ خَرَجْنا مِنَ النَّقْبَيْنِ لا حَيَّ مِثْلُنا ∗∗∗ بِآَياتِنا نُزْجِي اللِّقاحَ المَطافِلا

. والثّالِثُ: أنَّها سُمِّيَتْ آَيَةً، لِأنَّها عَجَبٌ، وذَلِكَ أنَّ قارِئَها يَسْتَدِلُّ إذا قَرَأها عَلى مُبايَنَتِها كَلامَ المَخْلُوقِينَ، وهَذا كَما تَقُولُ: فَلانٌ آَيَةً مِنَ الآَياتِ؛ أيْ: عَجَبٌ مِنَ العَجائِبِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

فِي المُرادِ بِهَذِهِ الآَياتِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: آياتُ الكُتُبِ الَّتِي تُتْلى. والثّانِي: مُعْجِزاتُ الأنْبِياءِ، . والثّالِثُ: القُرْآَنُ. والرّابِعُ: دَلائِلُ اللَّهِ في مَصْنُوعاتِهِ. وأصْحابُ النّارِ: سُكّانُها، سُمُّوا أصْحابًا، لِصُحْبَتِهِمْ إيّاها بِالمُلازَمَةِ.

Al-Baqara 2:39Listen in Qur'an →
40

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّٰىَ فَٱرْهَبُونِ

O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and fulfill My covenant [upon you] that I will fulfill your covenant [from Me], and be afraid of [only] Me.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكم وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ .

إسْرائِيلُ: هو يَعْقُوبُ، وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومَعْناهُ: عَبْدُ اللَّهِ. وقَدْ لَفَظَتْ بِهِ العَرَبُ عَلى أوْجُهٍ، فَقالَتْ: إسْرائِلُ، وإسْرالُ، وإسْرائِيلُ، وإسْرائِينُ.

قالَ أُمَيَّةُ:

؎ إنَّنِي زارِدُ الحَدِيدِ عَلى النّا سِ دُرُوعًا سَوابِغَ الأذْيالِ ∗∗∗ لا أرى مَن يُعِينُنِي في حَياتِي ∗∗∗ غَيْرُ نَفْسِي إلّا بَنِي إسْرالِ

وَقالَ أعْرابِيٌّ صادَ ضَبًّا، فَأتى بِهِ أهْلَهُ:

؎ يَقُولُ أهْلُ السُّوقِ لَمّا جِينا: ∗∗∗ هَذا ورَبِّ البَيْتِ إسْرائِينا

أرادَ: هَذا مِمّا مُسِخَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

والنِّعْمَةُ: المِنَّةُ، مِثْلُها: النَّعْماءُ. والنَّعْمَةُ، بِفَتْحِ النُّونِ: التَّنَعُّمُ، وأرادَ بِالنِّعْمَةِ: النِّعَمُ فَوَحَّدَها، لِأنَّهم يَكْتَفُونَ بِالواحِدِ مِنَ الجَمِيعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ التَّحْرِيمُ: أيْ: ظُهَراءَ.

وَفِي المُرادِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها ما اسْتَوْعَدَهم مِنَ التَّوْراةِ الَّتِي فِيها صِفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها ما أنْعَمَ بِهِ عَلى آَبائِهِمْ وأجْدادِهِمْ إذْ أنْجاهم مِن آَلِ فِرْعَوْنَ، وأهْلَكَ عَدُوَّهم، وأعْطاهُمُ التَّوْراةُ، ونَحْوَ ذَلِكَ، قالَهُ الحَسَنُ والزَّجّاجُ.

وَإنَّما مَنَّ عَلَيْهِمْ بِما أعْطى آَباءَهم، لِأنَّ فَخْرَ الآَباءِ فَخْرٌ لِلْأبْناءِ، وعارُ الآَباءِ عارٌ عَلى الأبْناءِ.

والثّالِثُ: أنَّها جَمْعُ نِعْمَةٍ عَلى تَصْرِيفِ الأحْوالِ.

والمُرادُ مِن ذِكْرِها: شُكْرُها، إذْ مَن لَمْ يَشْكُرْ فَما ذَكَرَ.

**

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْفُوا﴾ .

قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: أوْفَيْتُ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: وفَيْتُ، بِغَيْرِ ألِفٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: وفى بِالعَهْدِ، وأوْفى بِهِ وأنْشَدَ:

؎ أمّا ابْنُ طَوْقٍ فَقَدْ أوْفى بِذِمَّتِهِ كَما وفّى بِقِلاصِ النَّجْمِ حادِيها

وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: وفَيْتُ بِالعَهْدِ، وأوْفَيْتُ بِهِ، وأوْفَيْتُ الكَيْلَ لا غَيْرَ.

وَفِي المُرادِ بِعَهْدِهِ: أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ لَمّا عَهِدَهُ إلَيْهِمْ في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ امْتِثالُ الأوامِرِ، واجْتِنابُ النَّواهِي، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ الإسْلامُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والرّابِعُ: أنَّهُ العَهْدُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [ المائِدَةِ: ١٣ ] قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُدْخِلُكُمُ الجَنَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ أيْ: خافُونِ.

Al-Baqara 2:40Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.