Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Lubab fi 'Ulum al-Kitab by Ibn 'Adil al-Hanbali

Ayahs 31–40 of 286

31

وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

And He taught Adam the names - all of them. Then He showed them to the angels and said, "Inform Me of the names of these, if you are truthful."

اعلم أن الملائكة لما سألوا عن وجه الحكمة، فأجابهم على سبيل الإجمال بقوله: «إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُون» .

أراد الله تعالى أن يزيدهم بياناً، وأن يفصّل لهم ذاك المُجْمَل، فبين تعالى لهم من فضل آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ما لم يكن معلوماً لهم، وذلك بأن علم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم عليهم ليظهر بذلك كَمَال فَضْلِه، وقُصُورهم عنه في العلم، فيتأكّد ذلك الجواب الإجمالي بهذا الجواب التفصيلي.

فصل في إعراب الآية

قوله: «وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسمَاء» هذه الجملة يجوز ألاَّ يكون لها مَحَلّ من الإعراب، لاستئنافها، وأن يكون محلها الجر، لعطفها على «قَالَ رَبُّكَ» .

و «علم» متعدّية إلى اثنين، وكانت قبل التضعيف متعديةً لواحد؛ لأنها عرفانية، فتعدّت بالتضعيف لآخر، وفرقوا بين «علم» العِرْفَانية واليَقِينيّة في التعدية، فإن أرادوا أن يعدوا اليقينية عدوها بالهمزة ذكر ذلك «أبو علي الشّلوبين» .

وفاعل «علم» يعود على الباري تَعَالى، و «آدم» مفعوله.

وآدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كُنيته أبو البَشَر، وقيل: أبو محمد ذكره السُّهيلي، وقيل: كنيته في الأرض أبو البشر، وكنيته في الجنة أبو محمد.

وأصله بهمزتين، لأنه «أفعل» إلا أنهم لَيَّنُوا الثانية، فإذا احتجت إلى تحريكها جعلتها «واواً» فقلت: «أوادم» في الجمع؛ لأنه ليس لها أصل في الياء معروف، فجعلت الغالب عليها الواو، عن «الأخفش» .

وفي «آدم» ستة أقوال: أرجحها أنه اسم أعجمي لا اشتقاق فيه، ووزنه «فَاعَلَ» كَنَظَائره نحو: «آزر» و «شالخ» ، وإنّما مُنعَ من الصَّرف للعلمية والعُجْمة الشخصية.

والثاني: أنه مشتقٌّ من «الأُدْمَةِ» ، وهي حُمْرَةٌ تميل إلى السَّوَاد، واختلفوا في الأُدْمَةِ، فزعم «الضَّحاك» أنها السُّمرة، وزعم «النَّضْر» أنها البياض، وأن آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان أبيض، مأخوذ من قولهم: ناقة أَدْمَاء، إذا كانت بيضاء، وعلى هذا الاشتقاق جمعه «أَدْمٌ» و «أَوَادِمُ» ك «حُمَرٍ: و» أَحَامِرَ «، ولا ينصرف بوجه.

الثالث: أنه مشتقٌ من أديم الأرض، وهو وجهها. ومنع من الصَّرف على هَذَيْنِ القولين للوزن والعلميّة.

الرابع: أنه مشتقٌ من أَدِيم أيضاً على هذا الوزن أعني وزن فاعل، وهذا خطأ، لأنه كان يبنغي أن ينصرف، لأن كونه مشتقٌّ من الأُدْمَة، وهو أديم الأرض جمعه» آدَمُون «فيلزم قاشلو هذه المقالة صرفه.

الخامس: أنه عِبْرِيّ من الإدام، وهو التراب.

السّادس: قال» الطبري» : إنه في الأصل فعل رباعي مثل: «أكرم» ، وسمي به لغرض إظهار الشيء حتى تعرف جِهَته.

والحاصل أن ادّعاء الاشتقاق فيه بعيد؛ لأن الأسماء الأعجمية لا يَدْخُلُهَا اشتقاق ولا تصريف.

و «آدم» وإن كان مفعولاً لفظاً فهو فاعل معنى، و «الأسماء» مفعول ثانٍ، والمسألة من باب «أعطى وكَسَا» ، وله أحكام تأتي إن شاء الله تعالى.

وقرئ: «عُلَِمَ» مبنياً للمفعول و «آدمُ» رفع لقيامه مقام الفاعل. و «كُلَّهَا» تأكيد للأسماء تابع أبداً، وقد يلي العوامل كما تقدّم.

وقوله: «الأَسْمَاءَ كُلَّهَا» الظاهر أنه لا يحتاج إلى ادِّعَاء حذف؛ لأن المعنى: وعلم آدم الأسماء، ولم يبين لنا أسماء مخصوصة، بل دلّ قوله: «كلها» على الشُّمول، والحكمة حاصلة بتعلُّم الأسماء، وإن لم يعلم مسمياتها، أو يكون أطلق الأسماء، وأراد المسميات، فَعَلَى هذين الوجهين لا حَذْفَ.

وقيل: ى بُدّ من حذف، واختلفوا فيه، فقيل: تقديره: أسماء المسميات، فحذف المُضاف إليه للعلم.

قال الزمخشري: وعوض منه «اللام» ، كقوله تعالى: ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ [مريم: 4] ورجّح هذا القول بقوله: «أَنْبِئُونِي بأَسْمَاءِ هَؤلاَءِ» ، «فَلَمَا أَنْبَأَهَمْ بَأَسْمَائِهِمْ» ولم يقل: «أَنْبِئُونِي بِهَؤُلاَءِ» ، «فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِهِمْ» ولكن في قوله «وعوض منه اللام» نظر؛ لأن الألف واللام لا تقوم مَقَامَ الإضافة …

Al-Baqara 2:31Listen in Qur'an →
32

قَالُوا۟ سُبْحَٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ

They said, "Exalted are You; we have no knowledge except what You have taught us. Indeed, it is You who is the Knowing, the Wise."

«سبحان» : اسم مصدر، وهو التسبيح، وقيل: بل هو مصدر؛ أنه سمع له فعلٌ ثلاثيٌّ، وهو من الأسماء اللاَّزمة للإضافة، وقد بفرد، وإذا أفرد، منع الصَّرف للتعريف، وزيادة الألف والنون؛ كقوله: [السريع]

371 - أَقُولُ أَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبحَانَ ... ... ... ... ... ... ... ... ... .

وَقَدْ جَاءَ مُنَوَّناً كقوله: [البسيط]

372 - سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَاناً نَعُوذُ بِهِ ... وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الْجُودِيُّ وَالْجُمُدُ

فقيل: صرف ضرورة.

وقيل: هو بمنزلة «قَبْلُ» و «بعدُ» أن نوي تعريفه بقي على حاله، وإن نكر اعرب منصرفاً، وهذا البيت يساعد على كونه مصدراً لا اسم مصدر، لوروده منصرفاً.

ولقائل القول الأول أن يجيب عنه بأن هذا نكرة لا معرفة، وهو من الأسماء اللازم النصب على المصدرية، فلا ينصرف والناصب له فعل مقدر لا يجوز إظْهاره، وقد روي عن الكَسائِيّ أنه جعله مُنَادَى تقديره: يا سُبْحَانَك ومنعه جمهور النحويين وإضافته - هُنا - إلى المفعول؛ لأن المعنى: نسبحك نحن.

وقيل: بل إضافته للفاعل، والمعنى تنزّهت وتباعدت من السُّوء.

وسبحانك العامل فيه في مَحَلّ نصب بالقول.

قوله: «لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا» كقوله: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ و «إلاّ» حرف استثناء، و «ما» موصولة، و «علمتنا» صلتها، وعائدها محذوف، على أن يكون «علم» بمعنى «معلوم» ، ويجوز أن تكون مصدرية، وهي في محلّ نصب على الاستثناء، ولا يجوز أن تكون منصوبةً بالعلم الذي هو اسم «لا» ؛ لأنه إذا عمل كان معرباً.

وقيل: في محلّ رفع على البَدَل من اسم «لا» على الموضع.

وقال ابن عطية: هو بدلٌ من خبر التبرئة كقولهم: «لا إله إلا الله» ، وفيه نظر؛ لأن الاستثناء إنَّمَا هو من المحكوم عليه بقيد الحكم لا من المحكوم به.

ونقل هو عن «الزَهراوي» أن «ما» منصوبةٌ ب «علمتنا» بعدها، وهذا غير معقول؛ لأنه كيف ينتصب الموصول بصلته وتعمل فيه؟

قال أبو حيان: إلاّ أن يتكلّف له وجه بعيد، وهو أن يكون استثناء منقطعاً بمعنى لكن، وتكون «ما» شرطية، و «علمتنا» ناصب لها، وهو في محل جزم بها، والجواب محذوف، والتقدير: «لكن ما علمتنا علمناه» .

فصل

الضمير يحتمل ثلاثة أوجه:

أحدها: أن يكون تأكيداً لاسم «إنَّ» فيكون منصوب المحل، وأن يكون مبتدأ، وخبره ما بعده، والجملة خبر «إنَّ» ، وأن يكون فصلاً، وفيه الخلاف المشهور.

وهل له محل من الإعراب أم لا؟

وإذا قيل: إن له محلاًّ، فهل بإعراب ما قبله كما قال الفراء، فيكون في محل نصب، أو بإعراب ما بعده فيكون في محل رفع كقول الكسائي؟

قوله: «الحكيم» خير ثانٍ أو صفة «العليم» ، وهما «فعيل» بمعنى «فاعل» وفيهما من المُبالغة ما ليس فيه.

و «الحكيم» لغة: الإتقان، والمنع من الخروج عن الإرادة، ومنه حَكَمَةُ الدابة؛ وقال جَرِيرٌ «: [الكامل]

373 - أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ ... إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ أَنْ أَغْضَبَا

وقدم» العليم «على» الحكيم» ؛ لأنه هو المتّصل به في قوله: «وعلم» ، وقوله: «وعلم» ، وقوله: «لا عِلْمَ لنا» فناسب اتصاله به؛ ولأن الحِكْمَةَ ناشئةٌ عن العلم وأثر له، وكثيراً ما تقدّم صفة العلم عليها.

والحكيم صفةٌ ذاتٍ إن فسر بذي الحِكْمَةِ، وصفة فعل إن فسر بأنه المحكم لصنعته فكأن الملائكة قالت: أنت العالم بكل المعلومات، فأمكنك تعليم آدم، وأنت الحكيم في هذا الفعل المصيب فيه.

وعن» ابن عباس «أن مراد الملائكة من» الحكيم» أنه هو الذي حكم بجعل آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - خليفةً في الأرض.

فصل

احتج أهل الإسلام بهذه الآية على أنه لا سَبِيْلَ إلى معرفة المغيبات إلا بتعليم الله - تعالى - وأنه لا يمكن التوصُّل إليها بعلم النجوم والكهانة، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: 59] وقوله: ﴿عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ …

Al-Baqara 2:32Listen in Qur'an →
33

قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ ۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ

He said, "O Adam, inform them of their names." And when he had informed them of their names, He said, "Did I not tell you that I know the unseen [aspects] of the heavens and the earth? And I know what you reveal and what you have concealed."

«سبحان» : اسم مصدر، وهو التسبيح، وقيل: بل هو مصدر؛ أنه سمع له فعلٌ ثلاثيٌّ، وهو من الأسماء اللاَّزمة للإضافة، وقد بفرد، وإذا أفرد، منع الصَّرف للتعريف، وزيادة الألف والنون؛ كقوله: [السريع]

371 - أَقُولُ أَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبحَانَ ... ... ... ... ... ... ... ... ... .

وَقَدْ جَاءَ مُنَوَّناً كقوله: [البسيط]

372 - سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَاناً نَعُوذُ بِهِ ... وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الْجُودِيُّ وَالْجُمُدُ

فقيل: صرف ضرورة.

وقيل: هو بمنزلة «قَبْلُ» و «بعدُ» أن نوي تعريفه بقي على حاله، وإن نكر اعرب منصرفاً، وهذا البيت يساعد على كونه مصدراً لا اسم مصدر، لوروده منصرفاً.

ولقائل القول الأول أن يجيب عنه بأن هذا نكرة لا معرفة، وهو من الأسماء اللازم النصب على المصدرية، فلا ينصرف والناصب له فعل مقدر لا يجوز إظْهاره، وقد روي عن الكَسائِيّ أنه جعله مُنَادَى تقديره: يا سُبْحَانَك ومنعه جمهور النحويين وإضافته - هُنا - إلى المفعول؛ لأن المعنى: نسبحك نحن.

وقيل: بل إضافته للفاعل، والمعنى تنزّهت وتباعدت من السُّوء.

وسبحانك العامل فيه في مَحَلّ نصب بالقول.

قوله: «لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا» كقوله: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ و «إلاّ» حرف استثناء، و «ما» موصولة، و «علمتنا» صلتها، وعائدها محذوف، على أن يكون «علم» بمعنى «معلوم» ، ويجوز أن تكون مصدرية، وهي في محلّ نصب على الاستثناء، ولا يجوز أن تكون منصوبةً بالعلم الذي هو اسم «لا» ؛ لأنه إذا عمل كان معرباً.

وقيل: في محلّ رفع على البَدَل من اسم «لا» على الموضع.

وقال ابن عطية: هو بدلٌ من خبر التبرئة كقولهم: «لا إله إلا الله» ، وفيه نظر؛ لأن الاستثناء إنَّمَا هو من المحكوم عليه بقيد الحكم لا من المحكوم به.

ونقل هو عن «الزَهراوي» أن «ما» منصوبةٌ ب «علمتنا» بعدها، وهذا غير معقول؛ لأنه كيف ينتصب الموصول بصلته وتعمل فيه؟

قال أبو حيان: إلاّ أن يتكلّف له وجه بعيد، وهو أن يكون استثناء منقطعاً بمعنى لكن، وتكون «ما» شرطية، و «علمتنا» ناصب لها، وهو في محل جزم بها، والجواب محذوف، والتقدير: «لكن ما علمتنا علمناه» .

فصل

الضمير يحتمل ثلاثة أوجه:

أحدها: أن يكون تأكيداً لاسم «إنَّ» فيكون منصوب المحل، وأن يكون مبتدأ، وخبره ما بعده، والجملة خبر «إنَّ» ، وأن يكون فصلاً، وفيه الخلاف المشهور.

وهل له محل من الإعراب أم لا؟

وإذا قيل: إن له محلاًّ، فهل بإعراب ما قبله كما قال الفراء، فيكون في محل نصب، أو بإعراب ما بعده فيكون في محل رفع كقول الكسائي؟

قوله: «الحكيم» خير ثانٍ أو صفة «العليم» ، وهما «فعيل» بمعنى «فاعل» وفيهما من المُبالغة ما ليس فيه.

و «الحكيم» لغة: الإتقان، والمنع من الخروج عن الإرادة، ومنه حَكَمَةُ الدابة؛ وقال جَرِيرٌ «: [الكامل]

373 - أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ ... إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ أَنْ أَغْضَبَا

وقدم» العليم «على» الحكيم» ؛ لأنه هو المتّصل به في قوله: «وعلم» ، وقوله: «وعلم» ، وقوله: «لا عِلْمَ لنا» فناسب اتصاله به؛ ولأن الحِكْمَةَ ناشئةٌ عن العلم وأثر له، وكثيراً ما تقدّم صفة العلم عليها.

والحكيم صفةٌ ذاتٍ إن فسر بذي الحِكْمَةِ، وصفة فعل إن فسر بأنه المحكم لصنعته فكأن الملائكة قالت: أنت العالم بكل المعلومات، فأمكنك تعليم آدم، وأنت الحكيم في هذا الفعل المصيب فيه.

وعن» ابن عباس «أن مراد الملائكة من» الحكيم» أنه هو الذي حكم بجعل آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - خليفةً في الأرض.

فصل

احتج أهل الإسلام بهذه الآية على أنه لا سَبِيْلَ إلى معرفة المغيبات إلا بتعليم الله - تعالى - وأنه لا يمكن التوصُّل إليها بعلم النجوم والكهانة، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: 59] وقوله: ﴿عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ …

Al-Baqara 2:33Listen in Qur'an →
34

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِءَادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate before Adam"; so they prostrated, except for Iblees. He refused and was arrogant and became of the disbelievers.

العامل في «إذ» محذوف دلّ عليه قوله: «فَسَجَدُوا» تقديره: أطاعوا وانقادوا، فسجدوا؛ لأن السجود ناشئ عن الانقياد.

وقيل: العامل «اذكر» مقدراً.

وقيل: زائدة وقد تقدّم ضعف هذين القولين.

وقال «ابن عطية» : «وإذ قلنا» معطوف على «إذ» المتقدمة، ولا يصحّ هذا لاختلاف الوقتين.

وقيل: «إذ» بدل من «إذ» الولى، ولا يصحّ لما تقدّم، ولتوسّط حرف العَطْف، وجملة «قلنا» في محل خَفْضٍ بالظرف، ومنه التفات من الغيبة إلى التكلُّم للعظمة، و «اللام» للتَّبليغ كنظائرها.

والشمهور جَرّ تاء «الملائكة» بالحَرْف «، وقرأ» أبو جعفر «بالضم إتباعاً لضمة» الجيم «ولم يعتد بالسَّاكن، وغلّطه الزَّجاج وخطأه الفارسي، وشبهه بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اخرج﴾ [يوسف: 31] بضم تاء التأنيث، وليس بصحيح، لأن تلك حركة التقاء الساكنين، وهذه حركة إعراب، فلا يتلاعب بها، والمقصود هناك يحصل بأي حركة كانت.

وقال الزمخشري: لا يجوز استهلاك الحركة استهلاك الإعرابية إلاّ في لغة ضعيفة كقراءة ﴿الحمد للَّهِ﴾ [الفاتحة: 2] يعني بكسر الدال.

قال الشيخ «شهاب الدين» : وهذا أكثر شذوذاً، وأضعف من ذاك مع ما في ذاك من الضَّعف المتقدم؛ لأن - هناك - فاصلاً، وإن كان ساكناً.

وقال «أبو البقاء» : وهي قراءة ضعيفة جدًّا، وأحسن ما تحمل عليه أن يكون الرَّاوي لم يضبط عن [القارئ] أشار إلَى الضَّم تنبيهاً على أنّ الهمزة المحذوفة مضمومةٌ في الابتداء، فلم يدرك الراوي هذه الإشارة، وقيل: إنه نَوَى الوَقْفَ على» التَّاء «ساكنة، ثم حركها بالضم إتباعاً لحركة الجيم، وهذا من إجراء الوصل مجرى الوَقْفِ.

ومثله ما روي عن امرأة رأت رجلاً مع نساء، فقالت:» أفي السَّوتَنْتُنَّهْ» - نوت الوقف على «سوءة» ، فسكنت التاء، ثم ألقت عليها حركة همزة» أنتن «فعلى هذا تكون هذه حركة السَّاكنين، وحينئذ تكون كقوله:» قَالَتُ: أخْرُجْ «وبابه، وإنما أكثر الناس توجيه هذه القراءة لجلالة قارئها أبي جعفر يزيد بن القَعْقَاع شيخ نافع شيخ أهل» المدينة «وترجمتها مشهورة.

و» اسجدوا» في محل نصب بالقول، و «اللام» في» لآدم «الظَّاهر أنها متعلّقة ب» اسجدوا «، ومعناها التعليل، أي: لأجله.

وقيل: بمعنى» إلى «أي: إلى [جهته له] جعله قبلة لهم، والسجود لله.

وقيل: بمعنى مع، لأنه كان إمامهم كذا نقل.

وقيل: اللاَّم للبيان فتتعلّق بمحذوف، ولا حاجة إلى ذلك.

و» فسجدوا» الفاء للتعقيب، والتقدير: فسجدوا له، فحذف الجار للعلم به، والسُّجود لغة: التذلَّل والخضوع، وغايته وضع الجَبْهَةِ على الأرض، وقال «ابن السكيت» : «هو الميل» ، قال: «زيد الخيل» : [الطويل]

378 - بِجَمْعٍ تَضِلُّ الْبُلْقُ فِي حَجَرَاتِهِ ... تَرَى الأُكْمَ فِيهَا سُجَّداً لِلْحَوَافِرِ

يريد: أن الحوافر تطأ الأرض، فجعل بأثر الأُكْمِ للحوافر سجوداً؛ وقال آخر: [المتقارب]

379 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... سُجُودَ النَّصَارَى لأَحْبَارِهَا وفرق بعضهم بين «سجد» ، و «أسجد» ف «سجد» : وضع جبهته، وأسجد: أَمَال رأسه وَطَأْطَأْ؛ قال الشاعر: [المتقارب]

380 - فُضُولَ أَزِمَّتِهَا أَسَجَدَتْ ... سُجُودَ النَّصَارَى لأَحْبَارِها

وقال آخر: [الطويل]

381 - وَقُلْنَ لَهُ أَسْجِدْ لِلَيْلَى فَأَسْجَدَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

يعني أن البعير طَأْطَأَ رأسَه لأجلها.

ودَرَاهِمُ الأسجاد: دَرَاهِمُ عليها صُوَرٌ كانوا يسجدون لها، قال: [الكامل]

382 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... وَافَى بِهَا كَدَرَاهِمِ الأَسْجَادِ

فصل في تعداد النعم العامة على بني آدم

اعلم أن هذا هو النعمة الرّابعة من النعم العامة على جميع البشر، وهو أنه خصص آدم بالخلافة أولاً، ثم خصصه بالعلم ثانياً، ثم بلوغه في العلم إلَى أن صارت الملائكة عاجزين عن بلوغ درجته في العلم، ثم ذكر الآن كونه مسجوداً للملائكة.

فإن قيل: الأمر بالسجود حصل …

Al-Baqara 2:34Listen in Qur'an →
35

وَقُلْنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And We said, "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat therefrom in [ease and] abundance from wherever you will. But do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

الجملة من قوله: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة﴾ معطوفة على جملة «إذ قُلْنَا» لا على «قلنا» وحده لا خلاف زمنيهما.

و «أنت» توكيد للضمير المستكن في «أسكن» ليصح العطف عليه «وزوجك» عطف عليه، هذا هو مذهب البَصْرِيين، أعني اشتراط الفعل بين المُتَعَاطفين إذا كان المعطوف عليه ضميراً مرفوعاً متصلاً، ولا يشترط أن يكون الفاصل توكيداً؛ بل أي فصل كان، نحو: ﴿مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: 148] .

وأما الكوفيون فيجيزون ذلك من غير فاصل؛ وأنشدوا: [الخفيف]

388 - قُلْتُ إذْ أَقْبَلَتْ وَزُهْرٌ تَهَادَى ... كَنِعَاجِ الفَلاَ تَعَسَّفْنَ رَمْلا

وهذا عند البصريين ضرورة لا يقاس عليه، وقد منع بعضهم أن يكون «زوجك» عطفاً على الضمير المستكن في «أسكن» ، وجعله من عطف الجُمَلِ، بمعنى أن يكون «زوجك» مرفوعاً بفعل محذوف، أي: وَلْتَسْكُنْ زَوْجُكَ «فحذف لدلالة» اسكن «عليه، ونظيره قوله: ﴿لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ﴾ [طه: 58] وزعم أنه مذهب سيبويه، وكان شبهته في ذلك أن من حَقّ المعطوف حلوله محل المعطوف عليه، ولا يصح هنا حلول» زوجك «محلّ الضمير لأنّ فاعل فعل الأمر الواحد المذكور نحو: قُمْ واسْكُن» لا يكون إلا ضميراً مستتراً وكذلك فاعل يفعل، فكيف يصح وقوع الظاهر المضمر الذي قبله؟ وهذا الذي يزعم ليس بشيء؛ لأنَّ مذهب سيبويه بنصّه يخالفه؛ ولأنه لا خلاف في صحّة: تقوم هند وزيد «ولا يصحّ مُبَاشرةُ» زيد «لا تقوم» لتأنيه.

و «السُّكُون» و «السُّكَنى» : الاستقرار، ومنه «المِسْكِينُ» لعدم حركته وتصرّفه، والسّكين لأنها تقطع حركة المَذْبوح، والسَّكينة لأن بها يذهب القَلَقُ.

وسكّان السفينة عربي لأنه يسكنها عن الاضطراب، والسّكن: النار.

قال الشاعر: [مشطور السريع]

389 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... قَدْ قُوِّمَتْ بِسَكَنٍ وَأَدْهَانْ

و «الجَنّ» : مفعول به لا ظرف، نحو: «سكنت الدَّار» .

وقيل: هي ظَرْف على الاتساع، وكان الأصل تعديته إليها ب «في» لكونها ظرف مكان مختصّ، وما بعد القول منصوب به.

فصل في بيان هل الأمر في الآية للإباحة أو لغير ذلك

اختلفوا في قوله: «اسكن» هل هو أمر أو إباحة؟

فروي عن قتادة: أن الله ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابْتَلَى الملائكة بالسُّجود، وذلك لأن كلفه بأن يكون في الجنّة يأكل منها حيث شاء، ونهاه عن شجرة واحدة.

وقال آخرون: إن ذلك إباحة.

والصحيح أن ذلك الإسكان مشتمل على إباحة، وهي الانتفاع بجميع نعم الجنة وعلى تكليف، وهو النهي عن أَكْلِ الشجرة.

قال بعضهم: قوله: «اسكن» تنبيه عن الخُرُوج؛ لأن السُّكْنَى لا تكون ملكاً؛ لأن من اسكن رجلاً مَسْكَنَاً له فإنه لا يملكه بالسُّكْنى، وأن له يخرجُه منه إذا انقضت مدة الإسكان، وكان «الشَّعْبِيّ» يقول: إذا قال الرجل: داري لك سُكْنَى حتى تموت، فهي له حياته وموته، وإذا قال: داري هذه اسْكُنْهَا حتى تموت، فإنها ترجع إلى صاحبها إذا مَاتَ، ونحو السُّكْنَى العُمْرَى، إلا أن الخلاف في العُمْرَى أقوى منه في السُّكْنَى.

قال «الحربي» : سمعت «ابن الأعرابي» يقول: لم يختلف العَرَبُ في أن هذه الأشياء على ملك أربابها، ومنافعها لمن جعلت له العُمْرَى والرُّقْبَى والإفقار والإخْبَال والمِنْحَة والعَرِيّة والسُّكْنَى والإطْراق.

فصل في وقت خلق حواء

اختلفوا في الوَقْتِ الذي خلقت زوجته فيه، فذكر «السّدي» عن ابن مسعود، وابن عباس، وناس من الصَّحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهم: أن الله - تعالى - لما أخرج «إبليس» من الجنة، وأسكن آدم بقي فيها وَحْدَهُ ما كان معه من يَسْتَأنس به، فألقى الله - تعالى - عليه النَّوم، ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شِقِّهِ الأيسر، ووضع مكانه لحماً، وخلق حواء منه، فلما استيقظ وَجَدَ عند رأسه امرأةً قاعدةً فسألها ما أنت؟ قال: امرأة. قيل: ولم سميت امرأة؟ قال: لأنها من المراء أخذت، فقالوا له: …

Al-Baqara 2:35Listen in Qur'an →
36

فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّۭ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍۢ

But Satan caused them to slip out of it and removed them from that [condition] in which they had been. And We said, "Go down, [all of you], as enemies to one another, and you will have upon the earth a place of settlement and provision for a time."

المفعول في قوله: «فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطََانِ» واجب التقديم، لأنه ضمير متّصل، والفاعل ظاهر، وكل ما كان كذا فهذا حكمه.

وقرأ «حمزة» : «فأَزَالَهُمَا» والقراءتان يحتمل أن تكونا بمعنى واحد، وذلك أن قراءة الجماعة «أزلهما» يجوز أن تكون من «زَلَّ عَنِ المَكَانِ» : إذا تنحى عنه، فتكون من الزوال كقراءة «حمزة» ، ويدل عليه قول امرئ القيس: [الطويل]

404 - كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللِّبْدُ عَنْ حَالِ مَتْنِهِ ... كَمَا زَلَّتْ الصَّفْوَاءُ بِالمُتَنَزِّلِ

وقال أيضاً: [الطويل]

405 - يَزِلُّ الغُلاَمُ الخِفُّ عَنْ صَهَوَاتِهِ ... وِيُلْوِي بِأَثْوَابِ العَنِيفِ المُثَقَّلِ

فرددنا قراءة الجماعة إلى قراءة «حمزة» ، أو نرد قراءة «حمزة» إلى قراءة الجماعة بأن نقول: معنى أزالهما: أي صرفهما عن طاعة الله، فأوقعهما في الزِّلةِ؛ لأن إغواءه وإيقاعه لهما في الزِّلة سبب للزوال، ويحتمل أن تفيد كل قراءة معنى مستقلاً، فقراءة الجماعة تؤذن بإيقاعها في الزِّلةِ، فيكون «زلّ» بمعنى: استزلّ، وقراءة: حمزة «تؤذن بتنحيتهما عن مكانهما، ولا بُدَّ من المجاز في كِلْتَا القراءتين، لأن الزَّلَلَ أصله من زلّة القدم، فاستعمل هنا في زلّة الرأي والتنحية لا يقدر عليها الشَّيطان، وإنما يقدر على الوسوسة التي هي سبب التنحية.

و» عنها «متعلّق بالفعل قبله، ومعنى» عن «هنا السَّببية إن أعدنا الضمير على» الشجرة «أي: أوقعهما في الزِّلة بسبب الشجرة.

قال» الزَّمخشري «لفظة» عن «في هذه الآية كما في قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: 82] .

ويجوز أن تكون على بابها من المُجاوزة إن عاد الضمير على» الجنّة «، وهو الأظهر، لتقدّم ذكرها، وتجيء عليه قراءة» حمزة «واضحة، ولا تظهر قراءته كلّ الظُهور على كون الضمير ل» الشجرة «.

قال» ابن عطيّة «فأما من قرأ» أزالهما «فإنه يعود على» الجنة «فقط.

وقيل: الضَّمير للطاعة، أو للحالة، أو للسماء، وإن لم يجر لهما ذكر لدلالة السياق عليهما. وهذا بعيد جدَّا.

فإن قيل: إن الله - تعالى - قد أضاف الإزْلاَل إلى» إبليس «فلم عاتبهما على ذلك الفعل؟ والجواب: أن قوله: «فأزلهما» أنهما عند وَسْوَسَتِهِ أتيا بذلك الفعل، وأضيف ذلك إلى» إبليس «كما في قوله: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلاَّ فِرَاراً﴾ [نوح: 6] قال تعالى حاكياً عن إبليس: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي﴾ [إبراهيم: 22] ، هذا قول المعتزلة، والتحقيق في هذه الإضافة ما ذكرناه، وهو أن القادر على الفعل والترك مع التَّسَاوي يستحيل أن يكون موجداً لأحد هذين الأمرين إلا عند انضمام الدَّاعي إليه، والدَّاعي في حَقّ العبد عبارة عن علم أو ظن، أو اعتقاد بكون الفعل مشتملاً على مصلحةٍ، فإذا حصل ذلك العلم أو الظن بسبب منبّه نبه عليه كان الفعل مضافاً إلى ذلك المنبّه؛ لأنه هو الفاعل لما لأجله صار الفَاعِلُ بالقوة فاعلاً بالفعل، فهكذا المَعْنَى انضاف - ها هنا - إلى الوسوسة.

فإن قيل: كيف كانت الوَسْوَسَةُ؟

فالجواب: هي التي حكى الله عنها في قوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين﴾ [الأعراف: 20] فلم يقبلا ذلك منه، فلما أيس عدل إلى اليمين على ما قال تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين﴾ [الأعراف: 21] فلم يصدقاه.

والظاهر أنه بعد ذلك عَدَلَ إلى شيء آخر، وهو أنه شغلهما باستيفاء اللاَّت المُبَاحَة حتى صارا مستغرقين فيها، فَحَصَلَ بسبب استغراقهما فيها نِسْيَان النهي، فعند ذلك حصل ما حصل، والله اعلم.

فصل في بيان كيف وسوس إبليس لآدم

اختلفوا في أنه كيف تمكّن إبليس من وَسْوَسَةِ آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ مع أن إبليس كان خارج الجنّة، وآدم عليه الصَّلاة والسَّلام داخل الجنّة؟ وذكروا فيه وجوهاً:

أحدها: ما روي عن …

Al-Baqara 2:36Listen in Qur'an →
37

فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٍۢ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Then Adam received from his Lord [some] words, and He accepted his repentance. Indeed, it is He who is the Accepting of repentance, the Merciful.

الفاء في قوله: «فتلقى» عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها، و «تلقى» «تفعل» من اللِّقاء بمعنى المجرد.

وله معانٍ أخر: مطاوعة «فعل» نحو: «كسرته فتكسر» .

والتكلّف نحو «تحلّم.

والصيرورة: تَأَلَّمْ.

واتخاذُ: نحو: تَبَنَّيْتُ الصبي، أي: اتخذته ابناً.

ومُواصَلَةِ العمل في مُهْلَة نحو، تجرّع وتفهم.

ومُوافقة استفعل نحو: تكبر.

والتوقُّع نحو: تخوّف.

والطَّلب نحو: تنجزّ حاجته.

والتكثير نحو: تغطَّيت بالثياب.

والتلبُّس بالمُسَمَّى المُشْتَقْ منه نحو: تقمّص، أو العمل فيه نحو: تسخّر.

والختل: نحو: تغفلته.

وزعم بعضهم أن أصل» تَلَّقَّى» : «تَلَقَّنَ» بالنون فأبدلت النون الفاً، وهذا غلط؛ لأن ذلك إنما ورد في المضعّف نحو» قَصَصْتَ «و» تَظَنَّنْتُ» ، و «أمْلَلْتُ» فأحد الحرفين إنما يقلب ياء إذا تجانسا.

قال القَفَّال: أصل التلقّي هو التعرُّض للقاء، ثم وضع في موضع الاستقبال للمتلقِّي، ثم يوضع القبول والأخذ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القرآن مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: 6] ويقال: خرجنا نتلقى [الحاجَّ] ، أي: نستقبلهم، وكان - عليه الصَّلاة والسَّلام - يتلقَّى الوحي، أي: يستقبله ويأخذه.

وإذا كان هذا أصل الكلمة، وكان من تلقى رجلاً فتلاقيا لقي كل واحد صاحبه، فأضيف الاجتماع إليهما معاً صلح أن يشتركا في الوَصْفِ بذلك، تلقَّى آدمَ بالنَّصب على معنى جاءته عن الله - تعالى - كلمات، و «من ربه» متعلّق ب «تلقى» ، و «من» لابتداء الغاية مجازاً.

وأجاز أبو البَقَاءَ أن يكون في الأصل صفة ل» كلمات «فلما قدم انتصب حالاً، فتصبح نسبة الفعل إلى كلّ واحد.

وقيل: لما كانت الكلمات سبباً في توبته جعلت فاعلة، ولم يؤنث أنَ مَنْ تلقَّاك فقد تلقيته، فتصبح نسبة الفعل إلى كلّ واحد.

وقيل: لما كانت الكلمات سبباً في توبته جعلت فاعلة، ولم يؤنث الفعل على هذه القراءة وإن كان الفاعل مؤنثاً؛ لأنه غير حقيقي، وللفصل أيضاً، وهذا سبيل كل فعلٍ فصل بينه وبين فاعله المؤنثّ بشيء، أو كان الفاعل مؤنثاً مجازياً.

فصل في الكلمات التي دعا بها آدم ربه

اختلفوا في تلك الكلمات ما هي؟

فروى» سعيد بن جبير «رضي الله أن آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - قال: يا ربّ ألم تخلقني بِيَدِكَ بلا وَاسِطَةٍ؟ قال: بلى، قال: يا رب أَلَمْ تنفخ فِيَّ من رُوحِكَ؟ قال: بلى. قال: ألم تُسْكِني جنتك؟ قال: بلى. قال: يا ربّ ألم تسبق رحمتك غَضَبَكَ؟ قال: بلى. قال يا رب إن تُبْتُ وأصلحت تردّني إلى الجنة؟ قال: بلى. فهو قوله: ﴿فتلقى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ .

وزاد السّدى فيه: يا ربّ هل كنت كتبت علي ذنباً؟ قال: نعم.

وقال النَّخعي: أتيت ابن عباس فقلت: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟ قال: علّم الله آدم أمر الحجّ فحجا، وهي الكلمات التي تقال في الحجّ، فلما فرغا الحجّ أوحى الله - تعالى - إليهما قبلت توبتكما.

وروي عن ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، والضحاك، ومجاهد، وقتادة في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾ [الأعراف: 23] ، وعن مجاهد أيضاً: «سبحانك اللهم لا إله إلاَّ أنت ظلمتني فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم» .

وقالت طائفة: رأي مكتوباً على ساق العرش: محمد رسول الله، فشفّع بذلك.

وعن ابن عباس، ووهب بن منبّه أن الكلمات سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت علمت سوءاً، وظلمت نفسي [فاغفر لي إنك خير الغافرين، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءاً، وظلمت نفسي] فتب عليّ إنك أنت التَّوَّاب الرحيم» .

قالت عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْها: لما أراد الله أن يتوبَ على آدم، وطاف بالبيت سبعاً - والبيت حينئذ ربوة حمراء - فلما صلّى ركعتين استقبل البيت، وقال: «اللهم إنك تعلم سرِّي وعلانيتي، فأقبل مَعْذِرَتِي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، وتعلم ما في …

Al-Baqara 2:37Listen in Qur'an →
38

قُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ مِنْهَا جَمِيعًۭا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًۭى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

We said, "Go down from it, all of you. And when guidance comes to you from Me, whoever follows My guidance - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

كرر قوله: «قلنا: اهبطوا» ؛ لأن الهبوطين مختلفان باعتبار تعلّقهما، فالهبوط الأوّل علّق به العداوة، والثاني علّق به إتيان الهدى.

وقيل: لأن الهبوط الأول من الجنّة إلى السماء، والثاني من السماء إلى الأرض. واستبعده بعضهم لوجهين:

الأول: لقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: 36] وذكر هذا في الهبوط الثَّاني أولى. وهذا ضعيف؛ لأنه يجوز أن يراد: ولكم في الأرض مستقرّ بعد ذلك.

وثانيهما: أنه قال في الهُبُوط الثَّاني: «اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً» ، والضمير في «منها» عائد إلى «الجنّة» وذلك يقتضي كون الهُبُوط الثاني من الجنّة.

قال «ابن عطية» وحكى «النَّقَّاش» أن الهبوط الثَّاني إنما هو من الجنّة إلى السّماء، والأولى في ترتيب الآية إنما هو إلى الأرض، وهو الآخر في الوقوع.

وقيل: كرّر على سبيل التاكيد نحو قولك: «قم قم» .

والضَّمير في «منها» يعود على الجنّة، أو السَّماء.

قال «ابن الخطيب» : وعندي فيه وجه ثَالثٌ، وهو أن آدم لما أتيا بالزِّلَّة أمرا بالهبوط، فتابا بعد الأمر بالهبوط، فأعاد الله الأمر بالهبوط مَرّةً ثانيةً ليعلما أن الأمر بالهبوط ما كان جزاء على ارتكاب الزِّلَّة حتى يزول بزوالها، بل الأمر بالهبوط باق بعد التوبة؛ لأن الأمر به كان تحقيقاً للوَعْدِ المتقدّم في قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30] .

قوله: «جميعاً» حال من فاعل «اهْبِطُوا» أي: مجتمعين: إما في زمان واحدٍ، أو في أزمنة متفرقة؛ لأن المُرَاد الاشتراك في أصل الفعل، وهذا هو الفرق بين «جاءوا جميعاً» ، و «جاءوا معاً» ، فإن قوك: «معاً» يستلزم مجيئهم جميعاً في زمن واحد، لما دلّت عليه «مع» من الاصْطِحَاب بخلاف «جميعاً» فإنها لا تفيد إلا أنه لم يتخلّف أحد منهم عن المجيء من غير تعرُّض لاتحاد الزمان.

و «جميع» في الأَصْلِ من ألفاظ التَّوكيد، نحو: «كل» ، وبعضهم عدها معها.

وقال: «ابن عطية» : و «جميعاً» حال من الضمير في «اهبطوا» ، وليس بمصدر ولا اسم فاعل، ولكنه عوض منهما دالّ عليهما، كأنه قال: هبوطاً جميعاً أو هابطين جميعاً، كأنه يعني ان الحال في الحقيقة محذوف، وأن «جميعاً» تأكيد له، إلاَّ أن تقديره بالمصدر ينفي جعله حالاً إلا بتأويل لا حَاجَةَ إليه.

وقال بعضهم: التَّقْدِير: قلنا: اهبطوا مجتمعين، فهبطوا جميعاً، فحذف الحال من الأول لدلالة الثَّني عليه، وحذف العامل من الثاني لدلالة الول عليه، وهذا تكلّف لم تدع إليه الضرورة.

قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ﴾ الفاء مرتبة معقبة. و «إمّا» أصلها: أن الشرطية زيدت عليها «ما» تأكيداً، و «يأتينكم» في مَحَلّ جزم بالشَّرْط؛ لأنه بني لاتصاله بنون التوكيد.

وقيل: بل هو معرب مطلقاً.

وقيل: مبني مطلقاً.

والصّحيح: التفصيل: إن باشرته كهذه الآية بني، وإلا أعرب، نحو: هل يَقُومَانِ؟ وبني على الفَتْحِ طلباً للخفّة، وقيل: بل بني على السُّكون، وحرك بالفتح لالتقاء السَّاكنين.

وذهل الزجاج والمبرد إلى أن الفعل الواقع بعد «إن» الشَّرطية المؤكِّدة ب «ما» يجب تأكيده بالنون، قالا: ولذلك لم يأت التَّنْزيل إلاّ عليه، وذهب سيبويه إلى أنَّه جائز لا واجب؛ لكثرة ما جاء به منه في الشعر غير مؤكَّد، فكثرة مجيئه غير مؤكَّد يدلُّ على عدو الوجوب؛ فمن ذلك قوله: [الطويل]

413 - فَإِمَّا تَرَيْنِني كَابْنِةِ الرَّمْلِ ضَاحِياً ... عَلَى رِقَّةٍ أخْفَىَ وَلاَ أَتَنَعَّلُ

وقولُ الآخر: [البسيط]

414 - يَا صَاحِ إمَّا تَجِدْنِي غَيْرَ دِي جِدةٍ ... فَمَا التَّخَلِّي عَنِ الخُلاَّنِ مِنْ شِيَمِي

وقول الآخر: [المتقارب]

415 - فَإِمَّا تَرَيْنِي وَلِي لِمَّةٌ ... فَإنَّ الحَوادِثَ أوْدَى بِهَا

وقول الآخر: [الكامل]

416 - زَعَمَتْ تُمَاضِرُ أنَّنِي إمَّا أَمُتْ ... يَسْدُدْ أُبَيْنُوهَا الأَصَاغِرُ خَلَّتِي وقال المهدوي: «إما» هي «إن» التي …

Al-Baqara 2:38Listen in Qur'an →
39

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

And those who disbelieve and deny Our signs - those will be companions of the Fire; they will abide therein eternally."

لما وعد الله من اتبع الهدى بالأَمْنِ من العَذَاب والحزن عقبه بذكر كمن أعدّ له العَذَاب مثال الذين كفروا. و «الذين» مبتدأ وما بعدها صلة وعائد، و «بآياتنا» متعلّق ب «كذبوا» ، ويجوز أن تكون أن تكون الآية من باب الأعمال؛ لأن «كفروا» يطلبها، ويكون من إعمال الثَّاني للحذف من الأوّل، والتَّقدير: والذين كفروا بنا وكذّبوا بآياتنا.

و «أولئك» مبتدأ ثان، و «أصحاب» خبره، والجملة خبر الأول، ويجوز أن يكون «أولئك» بدلاً من الموصول، أو عطف بيان له، و «أصحاب» خبر المبتدأ الموصول. وقوله: «هم فيها خالدون» جملة اسمية في محلّ نصب على الحال للتَّصريح بذلك في مواضع قال تعالى: «أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدينَ» .

وأجاز «أبو البقاء» : أن تكون حالاً من «النار» قال: لأن فيها ضميراً يعود عليها، ويكون العامل فيها معنى الإضافة، أو اللاَّم المقدرة.

وقد عرف ما في ذلك، ويجوز أن تكون في محل رفع خبر ل «أولئك» أيضاً، فيكون قد أخبر عنه بخبرين:

أحدهما: مفرد وهو «أصحاب» .

والثاني: جملة، وقد عرف ما فيه من الخلاف.

و «فيها» متعلّق ب «خالدون» قالوا: وقد حذف من الكلام الأوّل ما أثبت في الثاني، ومن الثاني ما أثبت في الأول، والتقدير: فمن تبع هُدَاي فلا خوف ولا حُزْن يلحقه، وهو صاحب الجَنَّة، ومن كفر وكذب لحقه الخَوْفُ والحزن، وهو صاحب النار؛ لأنّ التقسيم يقتضي ذلك، ونظروه بقول الشَّاعر: [الطويل]

421 - وَإِنِّي لتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ ... كَمَا انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ

«والآية» لغة: العلامة؛ قال النَابغَةُ: [الطويل]

422 - تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا ... لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا للعَامُ سَابِعُ

وسميت آية القرآن [آية] ؛ لأنه علامة لانفصال ما قبلها عما بعدها، وقيل: سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنها تجمع حروفاً من القرآن، فيكون من قولهم، «خَرَجَ بنُو فلاَنٍ بآيتِهِمْ» أي: بجماعتهم؛ قال: [الطويل]

423 - خَرَجْنَا مَنَ النَّقْبَيْنِ لاَ حَيَّ مِثْلُنَا ... بِآيَاتِنَا نُزْجِي اللِّقَاحَ المَطَافِلاَ

واختلف النحويون في وزنها: فمذهب «سيبويه والخليل» أنها «فَعَلَة» والأصل: «أَيَيَة» - بفتح العين - تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت الفاً، وهو شاذّ؛ لأنه إذا اجتمع حرفا عِلّة أعلّ الأخير؛ لأنه محلّ التغيير نحو: هوى وحوى، ومثلها في الشّذوذ: «غَايَة، وطَايَة، وَرَايَة» .

ومذهب «الكِسَائِيّ» أن أصلها: «آيِيَة» على وزن «فَاعِلَة» ، فكان القياس أن يدغم فيقال: آية ك «دابّة» ، إلاّ أنه ترك ذلك تخفيفاً، فحذوفوا عينها، كما خففوا «كَيْنُونة» والأصل: «كيّنونة» بتشديد الياء، وضعفوا هذا بأن «كيّنونة» أثقل فَنَاسب التَّخفيف بخلاف هذه.

ومذهب «الفَرَّاء» أنها فَعْلَة «بسكون العين، واختاره أبو» البَقَاء «قال: لأنها من تايَّا القوم، إذا اجتمعوا، وقالوا في الجمع: آياء، فظهرت الياء الأولى، والهمزة الأخير بدل من ياء، ووزنه» أفعال «والألف الثانية بدل من همزة هي فاء الكلمة، ولو كانت عينها» واو «لقالوا في الجمع:» آواء «ثم إنهم قلبوا» الياء «الساكنة» ألفاً «على غير قياس.

يعني: أن حرف العلّة لا يقلب حتى يتحرّك وينفتح ما قبله.

وذهب بعض الكوفيين إلى أن وزنها» آيِيَة «بكسر العَيْنِ مثل» نَبِقَة «فَأُعِلّ، وهو في الشّذوذ كمذهب» سيبويه والخَليل «.

وقيل: وزنها» فَعُلَة «بضم العَيْن، وقيل: أصلها: أَيَاة» بإعلال الثاني، فقلبت: بأن قدمت الازم، وأخرت العين، وهو ضعيف. فهذه ستة مذاهب لا يسلم واحد منها من شذوذ.

فصل في معنى «الصحبة»

الصّحبة: الاقتران بالشيء في حالة ما، في زمان ما، فإن كانت الملازمة والخُلْطة فهي كمال الصُّحبة.

Al-Baqara 2:39Listen in Qur'an →
40

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّٰىَ فَٱرْهَبُونِ

O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and fulfill My covenant [upon you] that I will fulfill your covenant [from Me], and be afraid of [only] Me.

[اعلم] أنه لما أقام دلائل التوحيد، والنبوة، والمعاد أولاً، ثم عقبها بذكر الإنعامات العّامة لكل البشر عقبها بذكر الإنعامات الخاصّة على أسلاف اليَهُودِ استمالةٌ لقلوبهم، وتنبيهاً على ما يدلّ على نبوة «محمّد عليه الصَّلاة والسَّلام» من حيث كونها إخباراً عن الغيب، موافقاً لما كان موجوداً في التَّوْراة والإنجيل من غير تعلّم، ولا تتلمُذِ. قوله: «يَابَنِي» منادى منصوب وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكّر سالم، وحذفت نونه للإضافة، وهو شبيه بجمع التَّكسير لتغير مفرده، ولذلك عاملته العرب ببعض معاملة جمع التكسير، فألحقوا في فعله المسند إليه تاء التأنيث، نحو: «قالت بنو فلان» ، وقال الشاعر: [البسيط]

424 - قَالَتْ بَنُو عَامرٍ خَالُوا بَنِي أَسَدٍ ... يَابُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضَرَّاراً لأَقْوَامِ

وأعربوه بالحركات أيضاً إلحاقاً له به، قال الشاعر: [الوافر]

425 - وَكَانَ لَنَا أبُو حَسَنٍ عَليٌّ ... أَباً بَرًّا وَنَحْنُ لَهُ بَنِينُ

[فقد روي بَنِينُ] برفع النون، وهل لامه ياء؛ لأنه مشتقّ من البناء؛ لأن الابن من فرع الأب، ومبنيٌّ عليه، أو واو؛ لقولهم: البُنُوًَّة كالأُبُوَّة والأُخُوَّة؛ قولان.

الصَّحيح الأول، وأما البُنّوة فلا دلالة فيها؛ لأنهم قد قالوا: الفُتُوَّة ولا خلاف أنها من ذوات «اليَاءِ» . إلا أن «الأخفش» رجّح الثاني بأن حذف الواو أكثر. واختلف في وزنه فقيل: «بَنَيٌ» بفتح العين، وقيل: بَنْيٌ _ بسكونها، وقد تقدم أنه أحد الأسماء العَشْرة التي سكنت فاؤها وعوض من لامها همزة الوَصْل. و «إسرائيل» خفض بالإضافة، ولا ينصرف للعملية والعُجْمة، وهو مركّب تركيب الإضافة مثل: «عبد الله» فإن «إِسْرَا» هو العبد بلغتهم، و «إيل» هو الله تعالى. وقيل: «إسْرا» هو مشتقّ من الأسْر، وهو القوّة، فكان معناه الذي قَوَّاه الله. وقيل «إسْرَا» هو صفوة الله، و «إيل» هو الله. وقال القَفّال: قيل: إن «إسرا» بالعبرانية في معنى إنسان، فكأنه قيل: رجل الله، فكأنه خطاب مع اليَهُودِ الذين كانوا بالمدينة. وقيل: إنه أسرى بالليل مهاجراً إلى الله. وقيل: لأنه أَسَرَ جِنِّنًّا كان يطفىء سِرَاجَ بَيْتِ المَقْدِسِ. قال بعضهم: فعلى هذا يكون بعض الاسم عربيّاً، وبعضه أعجميّاً، وقد تصرفت فيه العرب بلغات كثيرة أفصحها لغة القرآن، وهي قراءة الجمهور. وقرأ «أبو جعفر والأعمش» : «إسْرَايِل» بياء بعد الألف من غير همزة، وروي عن «وَرْش» «إسْرَائِل» بهمزة بعد الألف دون ياء، و «إسْرَأَل» بهمزة مفتوحة، و «إسْرَئِل» بهمزة مكسورة بين الراء واللام، و «إسْرَال» بألف محضة بين الراء واللام؛ قال: [الخفيف]

426 - لاَ أَرَى مَنْ يُعِينُنِي في حَيَاتِي ... غَيْرَ نَفْسِي إلاَّ بَنِي إسْرَالِ

وروي قراءة غير نافع قرأ عن نافع. و «إسْرائيل» هذه مهموزة مختلسة حكاها شنبوذ، عن ورش، و «إسْرَايل» من غير همز ولا مَدّ و «إسْرَائِين» أبدلوا من اللام نوناً ك «أُصَيْلاَن» في «أُُصَيْلاَل» ؛ قال: [الرجز] 427 - يَقُولُ أَهْلُ السُّوءِ لَمَّا جِينَا ... هَذَا وَرَبِّ البَيْتِ إِسْرائِينَا

وقال آخر: [الرجز]

428 - قَالَتْ وَكُنْتُ رَجُلاً فَطِينَا ... هَذَا لعَمْرُ الله إٍسْرَائِينَا

ويجمع على «أَسَارِيل» . وأجاز الكوفيون «أَسَارِلَة» و «أَسَارل» ، كأنهم يجيزون التعويض بالياء وعدمه، نحو: «فَرَازِنة» و «فَرَازين» . قال الصَّفار: لا نعلم أحداً يجيز حذف الهمزة من أوله. قال ابن الجوزي: ليس في الأنبياء من له اسمان غيره إلا نبينا محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فإنَّ له أسماء كثيرة. وقد قيل في المسيح إنه اسم علم لعيسى عليه الصَّلاة والسَّلام غير مشتقّ، وقد سمَّاه الله تَعَالَى روحاً والمسيح، وإسرائيل ويعقوب، ويونس وذو النُّون، وإلياس وذو الكِفْل، صولات الله وسلامه عليهم أجمعين. قول: ﴿اذكروا نِعْمَتِيَ﴾ . «اذكرو» فعل وفاعل، و «نعمتي» مفعول. …

Al-Baqara 2:40Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Lubab fi 'Ulum al-Kitab by Ibn 'Adil al-Hanbali. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.