وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
And He taught Adam the names - all of them. Then He showed them to the angels and said, "Inform Me of the names of these, if you are truthful."
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: قَوْلُهُ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ أيْ عَلَّمَهُ صِفاتِ الأشْياءِ ونُعُوتَها وخَواصَّها، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الِاسْمَ اشْتِقاقُهُ إمّا مِنَ السِّمَةِ أوْ مِنَ السُّمُوِّ، فَإنْ كانَ مِنَ السِّمَةِ كانَ الِاسْمُ هو العَلامَةَ، وصِفاتُ الأشْياءِ ونُعُوتُها وخَواصُّها دالَّةٌ عَلى ماهِيّاتِها، فَصَحَّ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأسْماءِ: الصِّفاتُ، وإنْ كانَ مِنَ السُّمُوِّ فَكَذَلِكَ؛ لِأنَّ دَلِيلَ الشَّيْءِ كالمُرْتَفِعِ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإنَّ العِلْمَ بِالدَّلِيلِ حاصِلٌ قَبْلَ العِلْمِ بِالمَدْلُولِ، فَكانَ الدَّلِيلُ أسْمى في الحَقِيقَةِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا امْتِناعَ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الِاسْمِ الصِّفَةُ، بَقِيَ أنَّ أهْلَ النَّحْوِ خَصَّصُوا لَفْظَ الِاسْمِ بِالألْفاظِ المَخْصُوصَةِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ عُرْفٌ حادِثٌ لا اعْتِبارَ بِهِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ مُمْكِنٌ بِحَسْبَ اللُّغَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ لا غَيْرُهُ، لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الفَضِيلَةَ في مَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ أكْثَرُ مِنَ الفَضِيلَةِ في مَعْرِفَةِ أسْمائِها، وحَمْلُ الكَلامِ المَذْكُورِ لِإظْهارِ الفَضِيلَةِ عَلى ما يُوجِبُ مَزِيدَ الفَضِيلَةِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى ما لَيْسَ كَذَلِكَ.
وثانِيها: أنَّ التَّحَدِّيَ إنَّما يَجُوزُ ويَحْسُنُ بِما يَتَمَكَّنُ السّامِعُ مِن مِثْلِهِ في الجُمْلَةِ، فَإنَّ مَن كانَ عالِمًا بِاللُّغَةِ والفَصاحَةِ، يَحْسُنُ أنْ يَقُولَ لَهُ غَيْرُهُ عَلى سَبِيلِ التَّحَدِّي: ائْتِ بِكَلامٍ مِثْلِ كَلامِي في الفَصاحَةِ، أمّا العَرَبِيُّ فَلا يَحْسُنُ مِنهُ أنْ يَقُولَ لِلزَّنْجِيِّ في مَعْرِضِ التَّحَدِّي: تَكَلَّمْ بِلُغَتِي، وذَلِكَ لِأنَّ العَقْلَ لا طَرِيقَ لَهُ إلى مَعْرِفَةِ اللُّغاتِ البَتَّةَ: بَلْ ذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالتَّعْلِيمِ، فَإنْ حَصَلَ التَّعْلِيمُ، حَصَلَ العِلْمُ بِهِ وإلّا فَلا، أمّا العِلْمُ بِحَقائِقِ الأشْياءِ، فالعَقْلُ مُتَمَكِّنٌ مِن تَحْصِيلِهِ فَصَحَّ وُقُوعُ التَّحَدِّي فِيهِ.
القَوْلُ الثّانِي: وهو المَشْهُورُ، أنَّ المُرادَ أسْماءُ كُلِّ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن أجْناسِ المُحْدَثاتِ مِن جَمِيعِ اللُّغاتِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِها ولَدُ آدَمَ اليَوْمَ مِنَ العَرَبِيَّةِ والفارِسِيَّةِ والرُّومِيَّةِ وغَيْرِها، وكانَ ولَدُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَكَلَّمُونَ بِهَذِهِ اللُّغاتِ، فَلَمّا ماتَ آدَمُ وتَفَرَّقَ ولَدُهُ في نَواحِي العالَمِ تَكَلَّمَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِلُغَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن تِلْكَ اللُّغاتِ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ اللِّسانُ، فَلَمّا طالَتِ المُدَّةُ وماتَ مِنهم قَرْنٌ بَعْدَ قَرْنٍ نَسُوا سائِرَ اللُّغاتِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في تَغَيُّرِ الألْسِنَةِ في ولَدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ أهْلُ المَعانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ﴾ لا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وعَلَّمَ آدَمَ أسْماءَ المُسَمَّياتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وعَلَّمَ آدَمَ مُسَمَّياتِ الأسْماءِ، قالُوا: لَكِنَّ الأوَّلَ أوْلى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٣] ولَمْ يَقُلْ: أنْبِئُونِي بِهَؤُلاءِ وأنْبَأهم بِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: فَلَمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى أنْواعَ جَمِيعِ المُسَمَّياتِ، وكانَ في المُسَمَّياتِ ما لا يَكُونُ عاقِلًا، فَلِمَ قالَ عَرَضَهم ولَمْ يَقُلْ عَرَضَها ؟ قُلْنا: لِأنَّهُ لَمّا كانَ في جُمْلَتِها المَلائِكَةُ والإنْسُ والجِنُّ وهُمُ …