Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 31–40 of 286

31

وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

And He taught Adam the names - all of them. Then He showed them to the angels and said, "Inform Me of the names of these, if you are truthful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣١ ] ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

"وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها" إمّا بِخَلْقِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ بِها فِيهِ، أوْ إلْقاءٍ في رُوعِهِ. وآدَمُ: اسْمٌ عِبْرانِيٌّ مُشْتَقٌّ مَن أدَمَهْ، وهي لَفْظَةٌ عِبْرانِيَّةٌ مَعْناها التُّرابُ، لِأنَّهُ جُبِلَ مِن تُرابِ الأرْضِ. كَما أنَّ حَوّاءَ كَلِمَةٌ عِبْرانِيَّةٌ مَعْناها "حَيٌّ"، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَكُونُ أُمَّ الأحْياءِ. والمُرادُ بِالأسْماءِ، أسْماءُ كُلِّ شَيْءٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي هَذِهِ الأسْماءُ الَّتِي يَتَعارَفُ بِها النّاسُ: إنْسانٌ، ودابَّةٌ، وأرْضٌ، وسَهْلٌ، وبَحْرٌ، وجَبَلٌ، وحِمارٌ، وأشْباهُ ذَلِكَ مِنَ الأُمَمِ وغَيْرِها، وفي التَّوْراةِ مِصْداقُ الآيَةِ: وهو أنَّهُ تَعالى صَوَّرَ مِنَ الأرْضِ كُلَّ حَيَواناتِ البَرِّ، وكُلَّ طُيُورِ السَّماءِ، وأحْضَرَها إلى آدَمَ، لِيَنْظُرَ ما يُسَمِّيها، وكُلُّ ما سَمّاهُ آدَمُ مِن نَفْسٍ حَيَّةٍ، فَهو اسْمُهُ. وسَمّى آدَمُ جَمِيعَ الحَيَواناتِ بِأسامِيها، وجَمِيعَ طُيُورِ السَّماءِ، وجَمِيعَ وُحُوشِ الأرْضِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وفي هَذِهِ الآياتِ العِبْرَةُ لِمَنِ اعْتَبَرَ، والذِّكْرى لِمَنِ ادَّكَرَ، والبَيانُ لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ، عَمّا أوْدَعَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في هَذا القُرْآنِ، مِن لَطائِفِ الحِكَمِ الَّتِي تَعْجِزُ عَنْ أوْصافِها الألْسُنُ؛ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَناؤُهُ، احْتَجَّ فِيها لِنَبِيِّهِ ﷺ، عَلى مَن كانَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِ، مَن يَهُودِ بَنِي إسْرائِيلَ، بِإطْلاعِهِ إيّاهُ مِن عُلُومِ الغَيْبِ، الَّتِي لَمْ يَكُنْ تَعالى أطْلَعَ عَلَيْها مِن خَلْقِهِ إلّا خاصًّا، ولَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا عِلْمَهُ إلّا بِالأنْباءِ والأخْبارِ، لِتَتَقَرَّرَ عِنْدَهم صِحَّةُ نُبُوَّتِهِ، ويَعْلَمُوا أنَّ ما آتاهم بِهِ فَمِن عِنْدِهِ.

قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا كانَ بَعْدَ سُجُودِهِمْ لَهُ، وإنَّما قَدَّمَ هَذا الفَصْلَ عَلى ذاكَ، لِمُناسَبَةِ ما بَيْنَ هَذا المَقامِ، وعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِحِكْمَةِ خَلْقِ الخَلِيفَةِ، حِينَ سَألُوا عَنْ ذَلِكَ. فَأخْبَرَهم تَعالى بِأنَّهُ يَعْلَمُ ما لا يَعْلَمُونَ، ولِهَذا ذَكَرَ اللَّهُ هَذا المَقامَ، عَقِيبَ هَذا، لِيُبَيِّنَ لَهم شَرَفَ آدَمَ بِما فُضِّلَ عَلَيْهِمْ في العِلْمِ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ﴾ أيْ: عَرَضَ أهْلَ الأسْماءِ، فالضَّمِيرُ لِلْمُسَمَّياتِ المَدْلُولِ عَلَيْها ضِمْنًا: ﴿فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾ أيِ الَّتِي عَلَّمْتُها آدَمَ. وإنَّما اسْتَنْبَأهم، وقَدْ عَلِمَ عَجْزَهم عَنِ الإنْباءِ، تَبْكِيتًا لَهم، وإظْهارًا لِعَجْزِهِمْ عَنْ إقامَةِ ما عَلَّقُوا بِهِ رَجاءَهم مِن أمْرِ الخِلافَةِ، فَإنَّ التَّصَرُّفَ والتَّدْبِيرَ، وإقامَةَ المُعَدِّلَةِ، بِغَيْرِ وُقُوفٍ عَلى مَراتِبِ الِاسْتِعْداداتِ، ومَقادِيرِ الحُقُوقِ، مِمّا لا يَكادُ يُمْكِنُ "إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ" أيْ: في زَعْمِكم أنَّكم أحِقّاءُ بِالخِلافَةِ مِمَّنِ اسْتَخْلَفْتُهُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ مَقالُكم. والتَّصْدِيقُ كَما يَتَطَرَّقُ إلى الكَلامِ بِاعْتِبارِ مَنطُوقِهِ، قَدْ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ ما يَلْزَمُهُ مِنَ الأخْبارِ. فَإنَّ أدْنى مَراتِبِ الِاسْتِحْقاقِ، هو الوُقُوفُ عَلى أسْماءِ ما في الأرْضِ، ولِما اتَّضَحَ لَهم مَوْضِعُ خَطَأِ قِيلِهِمْ، وبَدَتْ لَهم هَفْوَةُ زَلَّتِهِمْ، أنابُوا إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ، وذَلِكَ ما أفادَهُ قَوْلُهُ تَعالى:

Al-Baqara 2:31Listen in Qur'an →
32

قَالُوا۟ سُبْحَٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ

They said, "Exalted are You; we have no knowledge except what You have taught us. Indeed, it is You who is the Knowing, the Wise."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٢ ] ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾

"قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ" تَقْدِيسٌ وتَنْزِيهٌ مِنَ المَلائِكَةِ لِلَّهِ تَعالى أنْ يُحِيطَ أحَدٌ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ، إلّا بِما شاءَ. وأنْ يَعْلَمُوا شَيْئًا إلّا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ تَعالى. واعْتِرافٌ مِنهم بِالعَجْزِ والقُصُورِ عَمّا كُلِّفُوهُ، وأنَّهُ العالِمُ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اسْتِعْدادُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِما نَحْنُ بِمَعْزِلٍ مِن الِاسْتِعْدادِ لَهُ، مِنَ العُلُومِ الخَفِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِما في الأرْضِ مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ خِلافَةِ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، ومِن جُمْلَتِهِ تَعْلِيمُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما هو قابِلٌ لَهُ مِنَ العُلُومِ الكُلِّيَّةِ، والمَعارِفِ الجُزْئِيَّةِ، المُتَعَلِّقَةِ بِالأحْكامِ الوارِدَةِ عَلى ما في الأرْضِ، وبِناءِ أمْرِ الخِلافَةِ عَلَيْها.

Al-Baqara 2:32Listen in Qur'an →
33

قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ ۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ

He said, "O Adam, inform them of their names." And when he had informed them of their names, He said, "Did I not tell you that I know the unseen [aspects] of the heavens and the earth? And I know what you reveal and what you have concealed."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٣ ] ﴿قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾

"قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهُمْ" أيْ: أعْلِمْهم "بِأسْمائِهِمُ" الَّتِي عَجَزُوا عَنْ عِلْمِها: ﴿فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ قالَ﴾ عَزَّ وجَلَّ تَقْرِيرًا لِما مَرَّ مِنَ الجَوابِ الإجْمالِيِّ واسْتِحْضارًا لَهُ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إيرادُ ما لا تَعْلَمُونَ بِعُنْوانِ الغَيْبِ مُضافًا إلى السَّماواتِ والأرْضِ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ كَمالِ شُمُولِ عِلْمِهِ المُحِيطِ، وغايَةِ سِعَتِهِ. مَعَ الإيذانِ بِأنَّ ما ظَهَرَ مِن عَجْزِهِمْ، وعِلْمِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، مِنَ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِأهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ. وهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِما لا تَعْلَمُونَ، فِيما سَبَقَ، ما أُشِيرَ إلَيْهِ هُناكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ فِيهِ مِن دَواعِي الخِلافَةِ ما لا تَعْلَمُونَهُ فِيهِ، هو هَذا الَّذِي عايَنْتُمُوهُ. وفي الآيَةِ تَعْرِيضٌ بِمُعاتَبَتِهِمْ عَلى تَرْكِ الأوْلى، وهو أنْ يَتَوَقَّفُوا مُتَرَصِّدِينَ لِأنْ يُبَيِّنَ لَهم: ﴿وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ لا عَلى "أعْلَمُ"، إذْ هو غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ القَوْلِ. أيْ: ما تُظْهِرُونَهُ بِألْسِنَتِكم، وما كُنْتُمْ تُخْفُونَ في أنْفُسِكم.

Al-Baqara 2:33Listen in Qur'an →
34

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِءَادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate before Adam"; so they prostrated, except for Iblees. He refused and was arrogant and became of the disbelievers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٤ ] ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾

"وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ" لَمّا أنْبَأهم بِأسْماءٍ، وعَلَّمَهم ما لَمْ يَعْلَمُوا، أمَرَهم بِالسُّجُودِ لَهُ، عَلى وجْهِ التَّحِيَّةِ والتَّكْرِمَةِ تَعْظِيمًا لَهُ، واعْتِرافًا بِفَضْلِهِ، واعْتِذارًا عَمّا قالُوا فِيهِ. وهَذِهِ كَرامَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبى﴾ أيِ: امْتَنَعَ عَنِ السُّجُودِ "واسْتَكْبَرَ" أيْ: تَكَبَّرَ، وقالَ: أنا خَيْرٌ مِنهُ، فالسِّينُ لِلْمُبالَغَةِ "وكانَ" في سابِقِ عِلْمِ اللَّهِ أوْ صارَ "مِنَ الكافِرِينَ" .

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: لِلنّاسِ في هَذا السُّجُودِ أقْوالٌ: أحَدُها أنَّهُ تَكْرِيمٌ لِآدَمَ، وطاعَةٌ لِلَّهِ، ولَمْ يَكُنْ عِبادَةً لِآدَمَ. وقِيلَ: السُّجُودُ لِلَّهِ، وآدَمُ قِبْلَةٌ، أوِ السُّجُودُ لِآدَمَ تَحِيَّةً، أوِ السُّجُودُ لِآدَمَ عِبادَةً بِأمْرِ اللَّهِ، وفَرْضِهِ عَلَيْهِمْ. ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الفَرّاءِ، وجَماعَةٍ مِنَ الأئِمَّةِ: أنَّ سُجُودَ المَلائِكَةِ لِآدَمَ، كانَ تَحِيَّةً، ولَمْ يَكُنْ عِبادَةً، وكانَ سُجُودَ تَعْظِيمٍ وتَسْلِيمٍ وتَحِيَّةٍ، لا سُجُودَ صَلاةٍ وعِبادَةٍ. قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: قالَ أهْلُ العِلْمِ: السُّجُودُ كانَ لِآدَمَ بِأمْرِ اللَّهِ وفَرْضِهِ. وعَلى هَذا إجْماعُ كُلِّ مَن يَسْمَعُ قَوْلَهُ. فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: إلى آدَمَ. وكُلُّ حَرْفٍ لَهُ مَعْنًى، وفَرْقٌ بَيْنَ "سَجَدْتُ لَهُ"، وبَيْنَ "سَجَدْتُ إلَيْهِ" . قالَ تَعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧] ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرعد: ١٥] أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ السُّجُودَ لِلْأحْجارِ، والأشْجارِ، والدَّوابِّ مُحَرَّمٌ، وأمّا الكَعْبَةُ، فَيُقالُ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ صَلّى إلى الكَعْبَةِ، ولا يُقالُ صَلّى لِبَيْتِ المَقْدِسِ، ولا لِلْكَعْبَةِ. والصَّوابُ أنَّ الخُضُوعَ بِالقُلُوبِ، والِاعْتِرافَ بِالعُبُودِيَّةِ، لا يُصَلِّي عَلى الإطْلاقِ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. وأمّا السُّجُودُ فَشَرِيعَةٌ مِنَ الشَّرائِعِ يَتْبَعُ الأمْرَ. فَلَوْ أمَرَنا سُبْحانَهُ أنْ نَسْجُدَ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ، لَسَجَدْنا طاعَةً واتِّباعًا لِأمْرِهِ. فَسُجُودُ المَلائِكَةِ لِآدَمَ عِبادَةٌ لِلَّهِ، وطاعَةٌ، وقُرْبَةٌ يَتَقَرَّبُونَ بِها إلَيْهِ. وهو لِآدَمَ تَشْرِيفٌ وتَعْظِيمٌ وتَكْرِيمٌ. وسُجُودُ إخْوَةِ يُوسُفَ لَهُ تَحِيَّةٌ وسَلامٌ. ولَمْ يَأْتِ أنَّ آدَمَ سَجَدَ لِلْمَلائِكَةِ. بَلْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالسُّجُودِ إلّا لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. وبِالجُمْلَةِ، أهْلُ السُّنَّةِ قالُوا: إنَّهُ سُجُودُ تَعْظِيمٍ وتَكْرِيمٍ وتَحِيَّةٍ لَهُ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: كانَ آدَمُ كالقِبْلَةِ يَسْجُدُ إلَيْهِ، ولَمْ يَسْجُدُوا لَهُ. قالُوا ذَلِكَ هَرَبًا مِن أنْ تَكُونَ الآيَةُ الكَرِيمَةُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ أهْلَ السُّنَّةِ قالُوا: إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ، وصالِحُ البَشَرِ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ، واحْتَجُّوا بِسُجُودِ المَلائِكَةِ لِآدَمَ. وخالَفَتِ المُعْتَزِلَةُ في ذَلِكَ وقالَتِ: المَلائِكَةُ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، وسُجُودُ المَلائِكَةِ لِآدَمَ كانَ كالقِبْلَةِ، ويُبْطِلُهُ ما حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ إبْلِيسَ: ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ …

Al-Baqara 2:34Listen in Qur'an →
35

وَقُلْنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And We said, "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat therefrom in [ease and] abundance from wherever you will. But do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٥ ] ﴿وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾

﴿وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وخَلَقَ لَهُ زَوْجَةً وأقَرَّهُما في الجَنَّةِ، أباحَهُما الأكْلَ مِنها بِقَوْلِهِ "وكُلا مِنها رَغَدًا" أيْ: أكْلًا واسِعًا. و"حَيْثُ" لِلْمَكانِ المُبْهَمِ، أيْ: أيَّ مَكانٍ مِنَ الجَنَّةِ شِئْتُما. أطْلَقَ لَهُما الأكْلَ مِنَ الجَنَّةِ عَلى وجْهِ التَّوْسِعَةِ البالِغَةِ المُزِيحَةِ لِلْعِلَّةِ. حِينَ لَمْ يُحَظِّرْ عَلَيْهِما بَعْضَ الأكْلِ ولا بَعْضَ المَواضِعِ الجامِعَةِ لِلْمَأْكُولاتِ مِنَ الجَنَّةِ. حَتّى لا يَبْقى لَهُما عُذْرٌ في التَّناوُلِ مِمّا مُنِعا مِنهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ أيْ هَذِهِ الحاضِرَةِ مِنَ الشَّجَرِ، أيْ لا تَأْكُلا مِنها، وإنَّما عَلَّقَ النَّهْيَ بِالقُرْبانِ مِنها، مُبالَغَةً في تَحْرِيمِ الأكْلِ، ووُجُوبِ الِاجْتِنابِ عَنْهُ. لِأنَّ القُرْبَ مِنَ الشَّيْءِ مُقْتَضى الأُلْفَةِ. والأُلْفَةُ داعِيَةٌ لِلْمَحَبَّةِ، ومَحَبَّةُ الشَّيْءِ تُعْمِي وتُصِمُّ. فَلا يَرى قَبِيحًا، ولا يَسْمَعُ نَهْيًا، فَيَقَعُ. والسَّبَبُ الدّاعِي إلى الشَّرِّ مَنهِيٌّ عَنْهُ، كَما أنَّ السَّبَبَ المُوَصِّلَ إلى الخَيْرِ مَأْمُورٌ بِهِ. وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ ««العَيْنانِ تَزْنِيانِ»» لِما كانَ النَّظَرُ داعِيًا إلى الأُلْفَةِ، والأُلْفَةُ إلى المَحَبَّةِ، وذَلِكَ مُفْضٍ لِارْتِكابِهِ، فَصارَ النَّظَرُ مَبْدَأ الزِّنا. وعَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ [الإسراء: ٣٢] ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤]

قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: سَمِعْتُ الشّاشِيَّ في مَجْلِسِ النَّظَرِ يَقُولُ: إذا قِيلَ: لا تَقْرَبْ بِفَتْحِ الرّاءِ، كانَ مَعْناهُ لا تَتَلَبَّسْ بِالفِعْلِ، وإذا كانَ بِضَمِّ الرّاءِ، مَعْناهُ لا تَدْنُ، نَقَلَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ في كِتابِ الِاسْتِعاذَةِ. ونَقَلَ الفَرْقَ المَذْكُورَ بَيْنَهُما أيْضًا السَّيِّدُ مُرْتَضى في شَرْحِ القامُوسِ عَنْ شَيْخِهِ العَلّامَةِ الفاسِيِّ. قالَ: إنَّ أرْبابَ الأفْعالِ نَصُّوا عَلَيْهِ، وظاهِرُ القامُوسِ أنَّهُما مُتَرادِفانِ، فَإنَّهُ قالَ: قَرُبَ مِنهُ، كَكَرُمَ، وقَرِبَهُ كَسَمِعَ قُرْبًا وقُرْبانًا، وقِرْبانًا: دَنا، فَهو قَرِيبٌ. لِلْواحِدِ والجَمْعِ. انْتَهى.

لَطِيفَةٌ:

جاءَ في آيَةِ الأعْرافِ "فَكُلا" وهُنا بِالواوِ، لِأنَّ كُلَّ فِعْلٍ عُطِفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وكانَ ذَلِكَ الفِعْلُ كالشَّرْطِ، وذِكْرُ الشَّيْءِ كالجَزاءِ، عُطِفَ بِالفاءِ دُونَ الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ [البقرة: ٥٨] لَمّا كانَ وُجُودُ الأكْلِ مِنها مُتَعَلِّقًا بِدُخُولِها ذُكِرَ بِالفاءِ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ دَخَلْتُمُوها أكَلْتُمْ مِنها، فالأكْلُ يَتَعَلَّقُ وُجُودُهُ بِوُجُودِ الدُّخُولِ. وقَوْلُهُ في الأعْرافِ: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها﴾ [الأعراف: ١٦١] بِالواوِ دُونَ الفاءِ، لِأنَّهُ مِنَ السُّكْنى، وهو في المَقامِ مَعَ اللُّبْثِ الطَّوِيلِ، والأكْلُ لا يَخْتَصُّ وُجُودُهُ بِوُجُودِهِ، لِأنَّ مَن دَخَلَ بُسْتانًا قَدْ يَأْكُلُ مِنهُ، وإنْ كانَ مُجْتازًا، فَلَمّا لَمْ يَتَعَلَّقِ الثّانِي بِالأوَّلِ تَعَلُّقَ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ، عُطِفَ بِالواوِ. وإذا …

Al-Baqara 2:35Listen in Qur'an →
36

فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّۭ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍۢ

But Satan caused them to slip out of it and removed them from that [condition] in which they had been. And We said, "Go down, [all of you], as enemies to one another, and you will have upon the earth a place of settlement and provision for a time."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٦ ] ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾

"فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها" أيْ: أذْهَبَهُما عَنِ الجَنَّةِ، وأبْعَدَهُما. يُقالُ: زَلَّ عَنْ مَرْتَبَتِهِ، وزَلَّ عَنِّي ذاكَ، إذا ذَهَبَ عَنْكَ؛ وزَلَّ مِنَ الشَّهْرِ كَذا. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَأزَلَّهُما، بِتَشْدِيدِ اللّامِ، بِمَعْنى اسْتَزَلَّهُما، مِن قَوْلِكَ زَلَّ الرَّجُلُ في دِينِهِ، إذا هَفا فِيهِ وأخْطَأ، فَأتى ما لَيْسَ لَهُ إتْيانٌ فِيهِ، وأزَلَّهُ غَيْرُهُ إذا سَبَّبَ لَهُ ما يَزِلُّ مِن أجْلِهِ في دِينِهِ أوْ دُنْياهُ. وقُرِئَ "فَأزالَهُما" بِالألِفِ، مِنَ التَّنْحِيَةِ: ﴿فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ مِنَ الرَّغَدِ والنَّعِيمِ والكَرامَةِ "وقُلْنا اهْبِطُوا" أيِ: انْزِلُوا إلى الأرْضِ، خِطابٌ لِآدَمَ وحَوّاءَ والشَّيْطانِ، أوْ خِطابٌ لِآدَمَ وحَوّاءَ خاصَّةً، لِقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣] وجَمَعَ الضَّمِيرَ لِأنَّهُما أصْلا الإنْسِ، فَكَأنَّهُما الإنْسُ كُلُّهم "بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ" مُتَعادِينَ يَبْغِي بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ: "ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ" مَنزِلٌ ومَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ "ومَتاعٌ" تَمَتُّعٌ بِالعَيْشِ "إلى حِينٍ" أيْ: إلى المَوْتِ.

Al-Baqara 2:36Listen in Qur'an →
37

فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٍۢ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Then Adam received from his Lord [some] words, and He accepted his repentance. Indeed, it is He who is the Accepting of repentance, the Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٧ ] ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

"فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ" اسْتَقْبَلَها بِالأخْذِ والقَبُولِ، والعَمَلِ بِها حِينَ عَلِمَها. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهي الكَلِماتُ الَّتِي أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ قالَها مُتَنَصِّلًا بِقِيلِها إلى رَبِّهِ، مُعْتَرِفًا بِذَنْبِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] الآيَةَ، فَدَعا بِها لِكَيْ تَكُونَ عُنْوانًا لَهُ ولِأوْلادِهِ عَلى التَّوْبَةِ "فَتابَ عَلَيْهِ" فَرَجَعَ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ والقَبُولِ، وتَجاوَزَ عَنْهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ" في الجَمْعِ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ، وعْدٌ لِلتّائِبِ بِالإحْسانِ مَعَ العَفْوِ.

Al-Baqara 2:37Listen in Qur'an →
38

قُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ مِنْهَا جَمِيعًۭا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًۭى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

We said, "Go down from it, all of you. And when guidance comes to you from Me, whoever follows My guidance - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٨ ] ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

"قُلْنا" لِآدَمَ وحَوّاءَ "اهْبِطُواْ مِنها" مِنَ الجَنَّةِ "جَمِيعًا" ثُمَّ ذَكَرَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ فَقالَ "فَإمّا" بِإدْغامِ نُونِ "إنِ" الشَّرْطِيَّةِ في "ما" الزّائِدَةِ "يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى" كِتابٌ أُنْزِلُهُ عَلَيْكم، ورَسُولٌ أبْعَثُهُ إلَيْكم "فَمَن تَبِعَ هُدايَ" أقْبَلَ عَلى الهُدى وقَبِلَ: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ في الآخِرَةِ بِأنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ.

Al-Baqara 2:38Listen in Qur'an →
39

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

And those who disbelieve and deny Our signs - those will be companions of the Fire; they will abide therein eternally."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٩ ] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ بِالكِتابِ والرَّسُولِ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ لا يَمُوتُونَ ولا يَخْرُجُونَ.

تَنْبِيهٌ:

إنَّما كَرَّرَ الأمْرَ بِالهُبُوطِ لِلتَّأْكِيدِ والإيذانِ بِتَحَتُّمِ مُقْتَضاهُ. وتَحَقُّقِهِ لا مَحالَةَ. أوْ لِاخْتِلافِ المَقْصُودِ. فَإنَّ الأوَّلَ دَلَّ عَلى أنَّ هُبُوطَهم إلى دارِ بَلِيَّةٍ يَتَعادُّونَ فِيها ولا يَخْلُدُونَ. والثّانِي أشْعَرَ بِأنَّهم أُهْبِطُوا لِلتَّكْلِيفِ. فَمَنِ اتَّبَعَ الهُدى نَجا، ومَن ضَلَّهُ هَلَكَ.

فَوائِدُ:

الأُولى:

ذَهَبَ كَثِيرُونَ إلى أنَّ الجَنَّةَ الَّتِي أُهْبِطَ مِنها آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، كانَتْ في الأرْضِ. قالَ بَعْضُهم: هي عَلى رَأْسِ جَبَلٍ بِالمَشْرِقِ تَحْتَ خَطِّ الِاسْتِواءِ. وحَمَلُوا الهُبُوطِ عَلى الِانْتِقالِ مِن بُقْعَةٍ إلى بُقْعَةٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١] واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ: لَوْ كانَتْ هي دارَ الثَّوابِ، لَكانَتْ جَنَّةَ الخُلْدِ، ولَوْ كانَ آدَمُ في جَنَّةِ الخُلْدِ، لَما لَحِقَهُ الغُرُورُ مِنَ الشَّيْطانِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠] ولَما صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]

وثانِيها: أنَّ مَن دَخَلَ هَذِهِ الجَنَّةَ لا يَخْرُجُ مِنها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]

وثالِثُها: لا نِزاعَ في أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الأرْضِ، ولَمْ يَذْكُرْ في هَذِهِ القِصَّةِ أنَّهُ نَقَلَهُ إلى السَّماءِ، ولَوْ كانَ تَعالى قَدْ نَقَلَهُ إلى السَّماءِ، لَكانَ ذَلِكَ أوْلى بِالذِّكْرِ، لِأنَّ نَقْلَهُ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ، مِن أعْظَمِ النِّعَمِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ. وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّ المُرادَ مِنَ الجَنَّةِ غَيْرُ جَنَّةِ الخُلْدِ.

ورابِعُها: رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««سَيَحانُ وجِيحانُ والفُراتُ والنِّيلُ، كُلٌّ مِن أنْهارِ الجَنَّةِ»» .

قالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: أكْثَرُ النّاسِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالجَنَّةِ الَّتِي أسْكَنَها آدَمَ جَنَّةَ الخُلْدِ، دارَ الثَّوابِ. ثُمَّ قالَ: قالَ شَيْخُ الإسْلامِ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ: وهَذا قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، ومَن قالَ إنَّها جَنَّةٌ في الأرْضِ بِالهِنْدِ أوْ جُدَّةَ، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَهو مِنَ المُلْحِدَةِ المُبْتَدِعِينَ. والكِتابُ والسُّنَّةُ يَرِدانِ هَذا القَوْلَ. وقَدِ اسْتَوْفى الكَلامُ فِيها في " مِفْتاحِ دارِ السَّعادَةِ " وكِتابِ " حادِي الأرْواحِ إلى بِلادِ الأفْراحِ " .

الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقَ النّاسُ أنَّ الشَّيْطانَ كانَ مُتَوَلِّيًا إغْواءَ آدَمَ، واخْتُلِفَ في الكَيْفِيَّةِ. فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ العُلَماءِ: أغْواهُما مُشافَهَةً، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠] وقَوْلُهُ: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] ومُقاسَمَتُهُ لَهُما ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] والمُقاسَمَةُ ظاهِرُها المُشافَهَةُ، ومِنهم مَن قالَ: كانَ ذَلِكَ بِالوَسْوَسَةِ، كَما …

Al-Baqara 2:39Listen in Qur'an →
40

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّٰىَ فَٱرْهَبُونِ

O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and fulfill My covenant [upon you] that I will fulfill your covenant [from Me], and be afraid of [only] Me.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٠ ] ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكم وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾

"يا بَنِي إسْرائِيلَ" أيْ أوْلادُ يَعْقُوبَ. وقَدْ هَيَّجَهم تَعالى بِذِكْرِ أبِيهِمْ إسْرائِيلَ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا بَنِي العَبْدِ الصّالِحِ المُطِيعِ لِلَّهِ، كُونُوا مِثْلَ أبِيكم، كَما تَقُولُ: يا ابْنَ الكَرِيمِ، افْعَلْ كَذا، ويا ابْنَ العالِمِ، اطْلُبِ العِلْمَ، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: نِعَمُهُ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ: اصْطِفاؤُهُ مِنهُمُ الرُّسُلَ، وإنْزالُهُ عَلَيْهِمُ الكُتُبَ، واسْتِنْقاذُهُ إيّاهم مِمّا كانُوا فِيهِ مِنَ البَلاءِ والضَّرّاءِ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، إلى التَّمْكِينِ لَهم في الأرْضِ، وتَفْجِيرُ عُيُونِ الماءِ مِنَ الحَجَرِ، وإطْعامُ المَنِّ والسَّلْوى، فَأمَرَ جَلَّ ثَناؤُهُ أعْقابَهم أنْ يَكُونَ ما سَلَفَ مِنهُ إلى آبائِهِمْ عَلى ذِكْرٍ، وأنْ لا يَنْسَوْا صَنِيعَهُ إلى أسْلافِهِمْ وآبائِهِمْ، فَيَحِلُّ بِهِمْ مِنَ النِّقَمِ، ما أحَلَّ بِمَن نَسِيَ نِعَمَهُ عِنْدَهُ مِنهم وكَفْرَها، وجَحَدَ صَنائِعَهُ عِنْدَهُ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكم وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ العَهْدُ هو المِيثاقُ، وقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكم لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهم وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم ولأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [المائدة: ١٢] الآيَةَ. فَعَهْدُ اللَّهِ هو وصِيَّتُهُ لَهم، بِما ذَكَرَ في الآيَةِ. ومِنها: الإيمانُ بِرُسُلِهِ المُتَناوِلُ لِخاتَمِهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ. وعَهْدُهُ تَعالى إيّاهم، هو أنَّهم إذا فَعَلُوا ذَلِكَ أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيِ اخْشَوْنِي واتَّقُوا، أيُّها المُضَيِّعُونَ عَهْدِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والمُكَذِّبُونَ رَسُولِي الَّذِي أخَذْتُ مِيثاقَكم فِيما أنْزَلْتُ عَلى أنْبِيائِي أنْ تُؤْمِنُوا بِهِ وتَتَّبِعُوهُ، أنْ أُحِلَّ بِكم مِن عُقُوبَتِي إنْ لَمْ تَتُوبُوا إلَيَّ بِاتِّباعِهِ والإقْرارِ بِما أنْزَلْتُ إلَيْهِ، ما أحْلَلْتُ بِمَن خالَفَ أمْرِي، وكَذَّبَ رُسُلِي مِن أسْلافِكم.

Al-Baqara 2:40Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.