وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
And fear a Day when you will be returned to Allah. Then every soul will be compensated for what it earned, and they will not be treated unjustly.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ النَّحْوِيُّونَ ”كانَ“ كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنْ تَكُونَ بِمَنزِلَةِ حَدَثَ ووَقَعَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: قَدْ كانَ الأمْرُ، أيْ وُجِدَ، وحِينَئِذٍ لا يَحْتاجُ إلى خَبَرٍ.
والثّانِي: أنْ يُخْلَعَ مِنهُ مَعْنى الحَدَثِ، فَتَبْقى الكَلِمَةُ مُجَرَّدَةً لِلزَّمانِ، وحِينَئِذٍ يَحْتاجُ إلى الخَبَرِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: كانَ زَيْدٌ ذاهِبًا.
واعْلَمْ أنِّي حِينَ كُنْتُ مُقِيمًا بِخُوارَزْمَ، وكانَ هُناكَ جَمْعٌ مِن أكابِرِ الأُدَباءِ، أوْرَدْتُ عَلَيْهِمْ إشْكالًا في هَذا البابِ، فَقُلْتُ: إنَّكم تَقُولُونَ إنَّ ”كانَ“ إذا كانَتْ ناقِصَةً إنَّها تَكُونُ فِعْلًا وهَذا مُحالٌ؛ لِأنَّ الفِعْلَ ما دَلَّ عَلى اقْتِرانِ حَدَثٍ بِزَمانٍ، فَقَوْلُكَ ”كانَ“ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ مَعْنى الكَوْنِ في الزَّمانِ الماضِي، وإذا أفادَ هَذا المَعْنى كانَتْ تامَّةً لا ناقِصَةً، فَهَذا الدَّلِيلُ يَقْتَضِي أنَّها إنْ كانَتْ فِعْلًا كانَتْ تامَّةً لا ناقِصَةً، وإنْ لَمْ تَكُنْ تامَّةً لَمْ تَكُنْ فِعْلًا البَتَّةَ بَلْ كانَتْ حَرْفًا، وأنْتُمْ تُنْكِرُونَ ذَلِكَ، فَبَقُوا في هَذا الإشْكالِ زَمانًا طَوِيلًا، وصَنَّفُوا في الجَوابِ عَنْهُ كُتُبًا، وما أفْلَحُوا فِيهِ ثُمَّ انْكَشَفَ لِي فِيهِ سِرٌّ أذْكُرُهُ هَهُنا وهو أنَّ كانَ لا مَعْنى لَهُ إلّا حَدَثَ ووَقَعَ ووُجِدَ، إلّا أنَّ قَوْلَكَ وُجِدَ وحَدَثَ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى: وُجِدَ وحَدَثَ الشَّيْءُ كَقَوْلِكَ: وُجِدَ الجَوْهَرُ وحَدَثَ العَرَضُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: وُجِدَ وحَدَثَ مَوْصُوفِيَّةُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، فَإذا قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ عالِمًا فَمَعْناهُ حَدَثَ في الزَّمانِ الماضِي مَوْصُوفِيَّةُ زَيْدٍ بِالعِلْمِ، والقِسْمُ الأوَّلُ هو المُسَمّى بَكانِ التّامَّةِ، والقِسْمُ الثّانِي هو المُسَمّى بِالنّاقِصَةِ، وفي الحَقِيقَةِ فالمَفْهُومُ مِن ”كانَ“ في المَوْضِعَيْنِ هو الحُدُوثُ والوُقُوعُ، إلّا أنَّ في القِسْمِ الأوَّلِ المُرادِ حُدُوثُ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ، فَلا جَرَمَ كانَ الِاسْمُ الواحِدُ كافِيًا، والمُرادُ في القِسْمِ الثّانِي حُدُوثُ مَوْصُوفِيَّةُ أحَدِ الأمْرَيْنِ بِالآخَرِ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَكُنِ الِاسْمُ الواحِدُ كافِيًا، بَلْ لا بُدَّ فِيهِ مِن ذِكْرِ الِاسْمَيْنِ
صفحة ٨٩
حَتّى يُمْكِنَهُ أنْ يُشِيرَ إلى مَوْصُوفِيَّةِ أحَدِهِما بِالآخَرِ، وهَذا مِن لَطائِفِ الأبْحاثِ، فَأمّا إنْ قُلْنا إنَّهُ فِعْلٌ كانَ دالًّا عَلى وُقُوعِ المَصْدَرِ في الزَّمانِ الماضِي، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ تامَّةً لا ناقِصَةً، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلٍ بَلْ حَرْفٌ فَكَيْفَ يَدْخُلُ فِيهِ الماضِي والمُسْتَقْبَلُ والأمْرُ، وجَمِيعُ خَواصِّ الأفْعالِ ؟ وإذا حُمِلَ الأمْرُ عَلى ما قُلْناهُ تَبَيَّنَ أنَّهُ فِعْلٌ وزالَ الإشْكالُ بِالكُلِّيَّةِ.
المَفْهُومُ الثّالِثُ لِكانَ: يَكُونُ بِمَعْنى صارَ، وأنْشَدُوا:
بِتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأنَّها قَطا الحَزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخًا بُيُوضُها
وعِنْدِي أنَّ هَذا اللَّفْظَ هَهُنا مَحْمُولٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ، فَإنَّ مَعْنى صارَ أنَّهُ حَدَثَ مَوْصُوفِيَّةُ الذّاتِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَعْدَ أنَّها ما كانَتْ مَوْصُوفَةً بِذَلِكَ، فَيَكُونُ هُنا بِمَعْنى حَدَثَ ووَقَعَ، إلّا أنَّهُ حُدُوثٌ مَخْصُوصٌ، وهو أنَّهُ حَدَثَ مَوْصُوفِيَّةُ الذّاتِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَعْدَ أنْ كانَ الحاصِلُ مَوْصُوفِيَّةَ الذّاتِ بِصِفَةٍ أُخْرى.
المَفْهُومُ الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ زائِدَةً وأنْشِدُوا:
سَراةُ بَنِي …