لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)
(لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) أي ما تسعه قدرتها فضلاً منه ورحمة أو ما دون مدى طاقتها أي غاية طاقتها بحيث يتسع فيه طوقها ويتيسر عليها.
التكليف هو الأمر بما فيه مشقة وكلفة، والوسع الطاقة والوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه، وهذه جملة مستقلة جاءت عقب قوله سبحانه (إن تبدوا ما في أنفسكم) الآية لكشف كربة المسلمين ودفع المشقة عليهم في التكليف بما في الأنفس، وهي كقوله سبحانه (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) قال ابن عباس: وأكثر المفسرين: إن هذه الآية نسخت حديث النفس والوسوسة.
(لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) فيه ترغيب وترهيب أي لها ثواب ما كسبت من الخير وعليها وزر ما اكتسبت من الشر، وتقديم لها وعليها على الفعلين يفيد أن ذلك لها لا لغيرها وعليها لا على غيرها، وهذا مبني على أن " كسب " للخير فقط، واكتسب للشر فقط كما قاله صاحب الكشاف وغيره، وقيل كل واحد من الفعلين يصدق على الأمرين، وإنما كرر فعل وخالف بين التصريفين تحسيناً للنظم كما وقع في قوله تعالى (فمهّل الكافرين أمهلهم رويداً).
وقيل اللام للخير وعلى للمضرة ولكن ينقض هذا بقوله تعالى (ولهم اللعنة) و (عليهم صلوات) اللهم إلا أن يقال هما يقتضيان ذلك عند الإطلاق بلا ذكر الحسنة والسيئة أو أنهما يستعملان لذالك عند تقاربهما كما في هذه الآية.
(ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) أي لا تؤاخذنا بإثم ما يصدر منا من هذين الأمرين، وقد استشكل هذا الدعاء جماعة من المفسرين وغيرهم قائلين إن الخطأ والنسيان مغفوران غير مؤاخذ بهما فما معنى الدعاء بذلك فإنه من تحصيل الحاصل.
وأجيب عن ذلك بأن المراد طلب عدم المؤاخذة بما صدر عنهم من الأسباب المؤدية إلى النسيان والخطأ من التفريط وعدم المبالاة لا من نفس النسيان والخطأ فإنه لا مؤاخذة بهما كما يفيد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وسيأتي تخريجه.
وقيل إنه يجوز للإنسان أن يدعو بحصول ما هو حاصل له قبل الدعاء لقصد استدامته.
وقيل إنه وإن ثبت شرعاً أنه لا مؤاخذة بهما فلا امتناع في المؤاخذة بهما عقلاً.
وقيل لأنهم كانوا على جانب عظيم من التقوى بحيث لا يصدر عنهم الذنب تعمداً وإنما يصدر عنهم خطأً أو نسياناً فكأنه وصفهم بالدعاء بذلك إيذاناً بنزاهة ساحتهم عما يؤاخذون به، كأنه قيل إن كان النسيان والخطأ مما يؤاخذون به فما منهم سبب المؤاخذة إلا الخطأ والنسيان.
قال القرطبي: وهذا لم يختلف فيه إن الإثم مرفوع وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الأحكام هل ذلك مرفوع ولا يلزم منه شيء أو يلزم أحكام ذلك كله اختلف فيه، والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع فقسم لا يسقط باتفاق كالغرامات، والديانات والصلوات المفروضات، وقسم يسقط باتفاق كالقصاص والنطق بكلمة الكفر، وقسم ثالث مختلف فيه كمن أكل ناسياً في رمضان أو حنث ساهياً، وما كان مثله مما يقع خطأ أو نسياناً، ويعرف ذلك في الفروع انتهى.
والآية تعليم من الله لعباده كيفية الدعاء وهذا من غاية الكرم حيث يعلمهم الطلب ليعطيهم المطلوب.
(ربنا ولا تحمل علينا إصراً) تكرير النداء للإيذان بمزيد التضرّع واللجوء إلى الله سبحانه، والإصر العبء الثقيل الذي يأصر صاحبه أي يحبسه مكانه لا يستقل به لثقله، والمراد به هنا التكليف الشاق والأمر الغليظ الصعب، وقيل الإصر شدة العمل وما غلظ على بني اسرائيل من قتل الأنفس وقطع موضع النجاسة، وقيل الإصر …