Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 281–286 of 286

281

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

And fear a Day when you will be returned to Allah. Then every soul will be compensated for what it earned, and they will not be treated unjustly.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٨١] ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .

﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ أيِ: اخْشَوْا عَذابَ يَوْمٍ: ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.

قالَ المَهايِمِيُّ: فَإنِ اسْتَوْفى الدّائِنُ حَقَّهُ بِالتَّضْيِيقِ عَلى المَدْيُونِ اسْتَوْفى اللَّهُ مِنهُ حُقُوقَهُ بِالتَّضْيِيقِ، وإنْ سامَحَهُ فاللَّهُ أوْلى بِالمُسامَحَةِ، والمَدْيُونُ، إنْ لَمْ يُوفِ حَقَّ الدّائِنِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الأداءِ اسْتَوْفى اللَّهُ مِنهُ حَقَّهُ، وأمّا مَن لا يَقْدِرُ، فَيُرْجى أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ، ويَرْضى خَصْمُهُ بِعِوَضٍ مِن عِنْدِهِ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ لا يُنْقَصُ مِن حَسَناتِهِمْ ولا يُزادُ عَلى سَيِّئاتِهِمْ.

تَنْبِيهٌ:

مَن تَأمَّلَ هَذِهِ الآياتِ وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن عُقُوبَةِ أهْلِ الرِّبا ومُسْتَحَلِّيهِ، أكْبَرَ جُرْمَهُ وإثْمَهُ، فَقَدْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ قِيامُهم في المَحْشَرِ مُخَبَّلِينَ وتَخْلِيدُهم في النّارِ ونَبْزُهم بِالكُفْرِ، والحَرْبُ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ واللَّعْنَةُ. وكَذا الذَّمُّ والبُغْضُ وسُقُوطُ العَدالَةِ وزَوالُ الأمانَةِ، وحُصُولُ اسْمِ الفِسْقِ والقَسْوَةِ والغِلْظَةِ ودُعاءُ مَن ظُلِمَ بِأخْذِ مالِهِ عَلى ظالِمِهِ. وذَلِكَ سَبَبٌ لِزَوالِ الخَيْرِ والبَرَكَةِ، فَما أقْبَحَ هَذِهِ المَعْصِيَةَ وأزْيَدَ فُحْشَها. وأعْظَمَ ما يَتَرَتَّبُ مِنَ العُقُوباتِ عَلَيْها! وقَدْ شَرَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما طَوى التَّصْرِيحَ بِهِ في تِلْكَ الآياتِ مِنَ العُقُوباتِ والقَبائِحِ الحاصِلَةِ لِأهْلِ الرِّبا في أحادِيثَ كَثِيرَةٍ. فَمِنها: ما رَواهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ أيِ: المُهْلِكاتِ. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! وما هُنَّ؟ قالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ الغافِلاتِ»» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««رَأيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أتَيانِي فَأخْرَجانِي إلى أرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فانْطَلَقْنا حَتّى أتَيْنا عَلى نَهْرٍ مِن دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قائِمٌ وعَلى شَطِّ النَّهْرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجارَةٌ، فَأقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي في النَّهْرِ، فَإذا أرادَ أنْ يَخْرُجَ رَمى الرَّجُلَ بِحَجَرٍ في فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كانَ، فَجَعَلَ كُلَّما جاءَ لِيَخْرُجَ رَمى في فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَما كانَ، فَقُلْتُ: ما هَذا الَّذِي رَأيْتُهُ في النَّهْرِ؟ قالَ: آكِلُ الرِّبا»» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبا ومُوَكِّلَهُ وكاتِبَهُ وشاهِدَيْهِ. وقالَ: «هم سَواءٌ»» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ قالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الواشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ وآكِلَ الرِّبا ومُوَكِّلَهُ». وثَمَّةَ آثارٌ وافِرَةٌ، ساقَها السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ.

Al-Baqara 2:281Listen in Qur'an →
282

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى فَٱكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌۢ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْـًۭٔا ۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُۥ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَٱسْتَشْهِدُوا۟ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌۭ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَىٰهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا۟ ۚ وَلَا تَسْـَٔمُوٓا۟ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدْنَىٰٓ أَلَّا تَرْتَابُوٓا۟ ۖ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةًۭ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوٓا۟ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌۭ وَلَا شَهِيدٌۭ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا۟ فَإِنَّهُۥ فُسُوقٌۢ بِكُمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ

O you who have believed, when you contract a debt for a specified term, write it down. And let a scribe write [it] between you in justice. Let no scribe refuse to write as Allah has taught him. So let him write and let the one who has the obligation dictate. And let him fear Allah, his Lord, and not leave anything out of it. But if the one who has the obligation is of limited understanding or weak or unable to dictate himself, then let his guardian dictate in justice. And bring to witness two witnesses from among your men. And if there are not two men [available], then a man and two women from those whom you accept as witnesses - so that if one of the women errs, then the other can remind her. And let not the witnesses refuse when they are called upon. And do not be [too] weary to write it, whether it is small or large, for its [specified] term. That is more just in the sight of Allah and stronger as evidence and more likely to prevent doubt between you, except when it is an immediate transaction which you conduct among yourselves. For [then] there is no blame upon you if you do not write it. And take witnesses when you conclude a contract. Let no scribe be harmed or any witness. For if you do so, indeed, it is [grave] disobedience in you. And fear Allah. And Allah teaches you. And Allah is Knowing of all things.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٨٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكم فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأدْنى ألا تَرْتابُوا إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكم فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألا تَكْتُبُوها وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ وإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكم واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾ هَذا إرْشادٌ مِنهُ تَعالى لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، إذا تَعامَلُوا بِمُعامَلاتٍ مُؤَجَّلَةٍ، أنْ يَكْتُبُوها لِيَكُونَ ذَلِكَ أحْفَظَ لِمِقْدارِها ومِيقاتِها وأضْبَطَ لِلشّاهِدِ فِيها، وقَدْ نَبَّهَ عَلى هَذا في آخِرِ الآيَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأدْنى ألا تَرْتابُوا﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿تَدايَنْتُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ السَّلَمِ، لِأنَّ المُدايَنَةَ فِعْلُ اثْنَيْنِ وهو السَّلَمُ نَفْسُهُ، لِأنَّهُ دَيْنٌ مِنَ الجانِبَيْنِ جَمِيعًا. وعَلى ذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أشْهَدُ أنَّ السَّلَفَ المَضْمُونَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، أنَّ اللَّهَ تَعالى أحَلَّهُ وأذِنَ فِيهِ ثُمَّ قَرَأ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ﴾ الآيَةَ. رَواهُ البُخارِيُّ.

وقالَ آخَرُونَ: قَوْلُهُ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ هو بَيْعُ كُلِّ دَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، فَهو يُسَمّى التَّدايُنَ. كَما يُسَمّى البائِعُ والمُشْتَرِي المُتَبايِعَيْنِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بائِعٌ في وجْهٍ، فَعَلى ذَلِكَ، المُدايَنَةُ: التَّدايُنُ. وإنَّما لَمْ نُؤْمَرْ بِالكِتابَةِ في بَيْعِ الأعْيانِ، لِأنَّهُ في المُدايَناتِ، وصَلَ أحَدُهُما إلى حاجَتِهِ يَقْبِضُ رَأْسَ المالِ والآخَرُ لَمْ يَصِلْ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ يَحْمِلُهُ عَلى إنْكارِ الحَقِّ والجُحُودِ. فَإذا تَذَكَّرَ أنَّهُ كَتَبَ وأشْهَدَ عَلَيْهِ ارْتَدَعَ عَنِ الإنْكارِ والجُحُودِ، لِما يَخافُ ظُهُورَ كَذِبِهِ وفَضِيحَتَهُ عَلى النّاسِ، ولا كَذَلِكَ مَعَ العَيْنِ بِالعَيْنِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما لا يَصِلُ إلى حاجَتِهِ إلّا بِما يَصِلُ بِهِ الآخَرُ، فَلَيْسَ هُنالِكَ لِلْإنْكارِ مَعْنًى، وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْسى فَيُنْكِرَ ذَلِكَ، أوْ يَنْسى بَعْضَهُ ويَذْكُرَ بَعْضًا، فَأمَرَ بِالكِتابَةِ لِئَلّا يَبْطُلَ حَقُّ الآخَرِ بِتَرْكِ الكِتابَةِ. ولا كَذَلِكَ في بَيْعِ العَيْنِ بِالعَيْنِ. فافْتَرَقا. كَذا في التَّأْوِيلاتِ لِلْماتِرِيدِيِّ: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ﴾ أيِ: الدَّيْنَ المَذْكُورَ: ﴿كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ الجارُّ مُتَعَلِّقٌ إمّا بِالفِعْلِ أيْ: ولِيَكْتُبْ بِالحَقِّ. أوْ بِمَحْذُوفٍ صِفَةً لِـ كاتِبٌ، أيْ: ولْيَكُنِ المُتَصَدِّي لِلْكِتابَةِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكْتُبَ بِالسَّوِيَّةِ مِن …

Al-Baqara 2:282Listen in Qur'an →
283

۞ وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ وَلَمْ تَجِدُوا۟ كَاتِبًۭا فَرِهَٰنٌۭ مَّقْبُوضَةٌۭ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًۭا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا۟ ٱلشَّهَٰدَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٌۭ قَلْبُهُۥ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌۭ

And if you are on a journey and cannot find a scribe, then a security deposit [should be] taken. And if one of you entrusts another, then let him who is entrusted discharge his trust [faithfully] and let him fear Allah, his Lord. And do not conceal testimony, for whoever conceals it - his heart is indeed sinful, and Allah is Knowing of what you do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٨٣] ﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ .

﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ﴾ أيْ: مُسافِرِينَ وتَدايَنْتُمْ إلى أجَلٍ مُسَمّى: ﴿ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أيْ: فالَّذِي يُسْتَوْثَقُ بِهِ رِهانٌ مَقْبُوضَةٌ يَقْبِضُها صاحِبُ الحَقِّ، وثِيقَةً لِدَيْنِهِ. هَذا إذا لَمْ يَأْمَنِ البَعْضُ البَعْضَ بِلا وثِيقَةٍ: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ واسْتَغْنى بِأمانَتِهِ عَنِ الارْتِهانِ: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ وهو المَدِينُ. وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ العُنْوانِ لِتَعَيُّنِهِ طَرِيقًا لِلْإعْلامِ، ولِحَمْلِهِ عَلى الأداءِ: ﴿أمانَتَهُ﴾ أيْ: دَيْنَهُ. وإنَّما سُمِّيَ أمانَةً: لِائْتِمانِهِ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الِارْتِهانِ بِهِ: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ في رِعايَةِ حُقُوقِ الأمانَةِ. وفي الجَمْعِ بَيْنَ عُنْوانِ الأُلُوهِيَّةِ وصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنَ التَّأْكِيدِ والتَّحْذِيرِ ما لا يَخْفى:﴿ولا تَكْتُمُوا﴾ أيُّها الشُّهُودُ: ﴿الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ فَإنَّهُ آثِمٌ. وما فائِدَةُ ذِكْرِ القَلْبِ والجُمْلَةُ هي الآثِمَةُ لا القَلْبُ وحْدَهُ؟ قُلْتُ: كِتْمانُ الشَّهادَةِ هو أنْ يُضْمِرَها ولا يَتَكَلَّمَ بِها، فَلَمّا كانَ إثْمًا مُقْتَرَفًا بِالقَلْبِ أُسْنِدَ إلَيْهِ، لِأنَّ إسْنادَ الفِعْلِ إلى الجارِحَةِ الَّتِي يَعْمَلُ بِها أبْلَغُ. ألا تَراكَ تَقُولُ، إذا أرَدْتَ التَّوْكِيدَ: هَذا مِمّا أبْصَرَتْهُ عَيْنِي ومِمّا سَمِعَتْهُ أُذُنِي ومِمّا عَرَفَهُ قَلْبِي، ولِأنَّ القَلْبَ هو رَئِيسُ الأعْضاءِ، والمُضْغَةُ الَّتِي إنْ صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وإنْ فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَقَدْ تَمَكَّنَ الإثْمُ في أصْلِ نَفْسِهِ، ومَلَكَ أشْرَفَ مَكانٍ فِيهِ. ولِئَلّا يُظَنَّ أنَّ كِتْمانَ الشَّهادَةِ مِنَ الآثامِ المُتَعَلِّقَةِ بِاللِّسانِ فَقَطْ، ولِيُعْلَمَ أنَّ القَلْبَ أصْلُ مُتَعَلِّقِهِ ومَعْدِنُ اقْتِرافِهِ، واللِّسانَ تُرْجُمانٌ عَنْهُ، ولِأنَّ أفْعالَ القُلُوبِ أعْظَمُ مِن أفْعالِ سائِرِ الجَوارِحِ، وهي لَها كالأُصُولِ الَّتِي تَتَشَعَّبُ مِنها، ألا تَرى أنَّ أصْلَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ الإيمانُ والكُفْرُ، وهُما مِن أفْعالِ القُلُوبِ، فَإذا جَعَلَ كِتْمانَ الشَّهادَةِ مِن آثامِ القُلُوبِ فَقَدْ شَهِدَ لَهُ بِأنَّهُ مِن مُعْظَمِ الذُّنُوبِ، وقُرِئَ (قَلْبَهُ) بِالنَّصْبِ. كَقَوْلِهِ: سَفِهَ نَفْسَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: أثِمَ قَلْبُهُ. أيْ: جَعَلَهُ آثِمًا: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِقُلُوبِكم وألْسِنَتِكم وجَوارِحِكُمْ: ﴿عَلِيمٌ﴾

Al-Baqara 2:283Listen in Qur'an →
284

لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

To Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. Whether you show what is within yourselves or conceal it, Allah will bring you to account for it. Then He will forgive whom He wills and punish whom He wills, and Allah is over all things competent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٨٤] ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنْ تُبْدُوا﴾ أيْ: تُظْهِرُوا: ﴿ما في أنْفُسِكُمْ﴾ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ بِاللِّسانِ أوِ الجَوارِحِ: ﴿أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في آخِرِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَجْرِي مَجْرى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ فَقالَ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ومَعْنى هَذا المُلْكِ، أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لَمّا كانَتْ مُحْدَثَةً فَقَدْ وُجِدَتْ بِتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ وإبْداعِهِ، ومَن كانَ فاعِلًا لِهَذِهِ الأفْعالِ المُحْكَمَةِ المُتْقَنَةِ العَجِيبَةِ الغَرِيبَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الحِكَمِ المُتَكاثِرَةِ والمَنافِعِ العَظِيمَةِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِها. إذْ مِنَ المُحالِ صُدُورُ الفِعْلِ المُحْكَمِ المُتْقَنِ عَنِ الجاهِلِ بِهِ، فَكَأنَّ اللَّهَ تَعالى احْتَجَّ بِخَلْقِهِ السَّماواتِ والأرْضَ، مَعَ ما فِيها مِن وُجُوهِ الإحْكامِ والإتْقانِ، عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِها مُحِيطًا بِأجْزائِها وجُزْئِيّاتِها.

قالَ الشَّعْبِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى عَنْ كِتْمانِ الشَّهادَةِ وأوْعَدَ عَلَيْهِ، بَيَّنَ أنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ، فَيُجازِي عَلى الكِتْمانِ والإظْهارِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ تُبْدُوا﴾ إلخ نَزَلَتْ في كِتْمانِ الشَّهادَةِ وإقامَتِها.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ قالَ دَخَلَ قُلُوبَهم مِنها شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهم مِن شَيْءٍ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وسَلَّمْنا» . قالَ: فَألْقى اللَّهُ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قالَ: قَدْ فَعَلْتُ: ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قالَ: قَدْ فَعَلْتُ: ﴿واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا أنْتَ مَوْلانا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قالَ: قَدْ فَعَلْتُ». وفي مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَيْدٍ والطَّبَرانِيِّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَكانَتْ هَذِهِ الوَسْوَسَةُ مِمّا لا طاقَةَ لِلْمُسْلِمِينَ بِها، وصارَ الأمْرُ إلى أنْ قَضى اللَّهُ تَعالى أنَّ لِلنَّفْسِ ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ مِنَ القَوْلِ والعَمَلِ، أقُولُ إنَّ ما جاءَ مِن أنَّ الآيَةَ هالَتْ مَن هالَتْ مِنَ الصَّحابَةِ، فَإنَّما جاءَهُ مِن عُمُومِها ومِن قَوْلِهِ: ﴿يُحاسِبْكُمْ﴾ إذْ حَمَلَهُ عَلى حِسابِ المُؤاخَذَةِ، فَأمّا عُمُومُها فَنَظْمُها ظاهِرٌ فِيهِ، إلّا أنَّها تَتَناوَلُ الشَّهادَةَ وكِتْمانَها أوَّلًا وبِالذّاتِ، وغَيْرِها ثانِيًا وبِالعَرْضِ، وأمّا حَمْلُ الحِسابِ عَلى المُؤاخَذَةِ والِانْتِقامِ فَإنْ كانَ عُرْفِيًّا أوْ لُغَوِيًّا فالإخْفاءُ حِينَئِذٍ مُرادٌ بِهِ إخْفاءٌ مُتَّفَقٌ عَلى حَظْرِهِ، كَنِفاقٍ ورَيْبٍ في الدِّينِ، ولا إشْكالَ …

Al-Baqara 2:284Listen in Qur'an →
285

ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّن رُّسُلِهِۦ ۚ وَقَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ

The Messenger has believed in what was revealed to him from his Lord, and [so have] the believers. All of them have believed in Allah and His angels and His books and His messengers, [saying], "We make no distinction between any of His messengers." And they say, "We hear and we obey. [We seek] Your forgiveness, our Lord, and to You is the [final] destination."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٨٥] ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْـزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ .

﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْـزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: صَدَّقَهُ بِقَبُولِهِ والتَّخَلُّقِ بِهِ كَما قالَتْ عائِشَةُ: «كانَ خَلُقُهُ القُرْآنَ» والتَّرَقِّي بِمَعانِيهِ والتَّحَقُّقِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: كَذَلِكَ آمَنُوا.

قالَ الزَّجّاجُ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ السُّورَةِ فَرْضَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ والحَجِّ والطَّلاقِ والحَيْضِ والإيلاءِ والجِهادِ وقَصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والرِّبا والدَّيْنِ، خَتَمَها بِقَوْلِهِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ لِتَعْظِيمِهِ وتَصْدِيقِ نَبِيِّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ لِجَمِيعِ ذَلِكَ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، وغَيْرِهِ لِيَكُونَ تَأْكِيدًا لَهُ وفَذْلَكَةً.

لَطِيفَةٌ:

قَوْلُهُ: والمُؤْمِنُونَ إمّا مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ. أعْنِي: كُلٌّ آمَنَ، والعائِدُ إلى المُبْتَدَأِ التَّنْوِينُ القائِمُ مَقامَ الضَّمِيرِ في " كُلٌّ "، لِأنَّ مِن جُمْلَةِ العائِدِ إلى المُبْتَدَأِ التَّنْوِينَ النّائِبَ مَنابَ الضَّمِيرِ، وإمّا مَعْطُوفٌ عَلى الرَّسُولِ، فَيَكُونُ التَّنْوِينُ راجِعًا إلى الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، وقَدِ اخْتارَ كَثِيرُونَ الأوَّلَ، ومِنهُمُ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ، وأطالَ في تَوْجِيهِهِ. وعِنْدِي أنَّ الوَجْهَ هو الثّانِي، لِأنَّ المَقامَ لِتَعْدادِ المُؤْمِنِ بِهِ، وذَلِكَ يَشْتَرِكُ فِيهِ الرَّسُولُ وأتْباعُهُ، وإنْ كانَ كُنْهُ إيمانِ الرَّسُولِ لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فالمَقامُ لَيْسَ مَقامَ الخُصُوصِيَّةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ﴾ أيْ: يَقُولُونَ: لا نُفَرِّقُ: ﴿بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ أيْ: بِرَدِّ بَعْضٍ وقَبُولِ بَعْضٍ، ولا نَشُكُّ في كَوْنِهِمْ عَلى الحَقِّ وبِالحَقِّ: ﴿وقالُوا سَمِعْنا﴾ أيْ: قَوْلَكَ وفَهِمْناهُ: ﴿وأطَعْنا﴾ أيِ: امْتَثَلْنا أمْرَكَ وقُمْنا بِهِ واسْتَقَمْنا عَلَيْهِ، ولَمّا عَلِمُوا أنَّهم لا يَخْلُونَ مِن تَقْصِيرٍ، وأنَّ الرَّبَّ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ قالُوا: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ أيِ اغْفِرْ لَنا غُفْرانَكَ، أوْ نَسْألُكَ غُفْرانَكَ ذُنُوبَنا، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ السَّمْعِ والطّاعَةِ عَلى طَلَبِ الغُفْرانِ لِما أنَّ تَقْدِيمَ الوَسِيلَةِ عَلى المَسْؤُولِ أدْعى إلى الإجابَةِ والقَبُولِ: ﴿وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ أيِ: الرُّجُوعُ بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى غَيْرِكَ، وهو تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ مُقَرِّرٌ لِلْحاجَةِ إلى المَغْفِرَةِ، لَمّا أنَّ الرُّجُوعَ لِلْحِسابِ والجَزاءِ.

Al-Baqara 2:285Listen in Qur'an →
286

لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًۭا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

Allah does not charge a soul except [with that within] its capacity. It will have [the consequence of] what [good] it has gained, and it will bear [the consequence of] what [evil] it has earned. "Our Lord, do not impose blame upon us if we have forgotten or erred. Our Lord, and lay not upon us a burden like that which You laid upon those before us. Our Lord, and burden us not with that which we have no ability to bear. And pardon us; and forgive us; and have mercy upon us. You are our protector, so give us victory over the disbelieving people."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٨٦] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ واعْفُ عَنّا واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا أنْتَ مَوْلانا فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ .

﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ أيْ: لا يُحَمِّلُها إلّا ما تَسَعُهُ وتُطِيقُهُ ولا تَعْجِزُ عَنْهُ.

قالَ الرّازِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا ابْتِداءَ خَبَرٍ مِنَ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً عَنِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ بِأنَّهم قالُوا: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ عَلى نَسَقِ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقالُوا: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾

ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أرْدَفَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم طَرِيقَتَهم في التَّمَسُّكِ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وحَكى عَنْهم في جُمْلَةِ ذَلِكَ أنَّهم وصَفُوا رَبَّهم بِأنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها.

ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ: إنْ قُلْنا: إنَّ هَذا مِن كَلامِ المُؤْمِنِينَ، فَوَجْهُ النُّظُمِ أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَكَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ لا نَسْمَعُ ولا نُطِيعُ وأنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّفُنا إلّا ما في وُسْعِنا وطاقَتِنا، فَإذا كانَ هو تَعالى، بِحُكْمِ الرَّحْمَةِ الإلَهِيَّةِ لا يُطالِبُنا إلّا بِالشَّيْءِ السَّهْلِ الهَيِّنِ، فَكَذَلِكَ نَحْنُ بِحُكْمِ العُبُودِيَّةِ وجَبَ أنْ نَكُونَ سامِعِينَ مُطِيعِينَ، وإنْ قُلْنا: إنَّ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، فَوَجْهُ النُّظُمِ أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] ثُمَّ قالُوا بَعْدَهُ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَوْلَهُمْ: ﴿غُفْرانَكَ﴾ [البقرة: ٢٨٥] طَلَبٌ لِلْمَغْفِرَةِ فِيما يَصْدُرُ عَنْهم مِن وُجُوهِ التَّقْصِيرِ مِنهم عَلى سَبِيلِ العَمْدِ، فَلَمّا كانَ قَوْلُهم (غُفْرانَكَ)، طَلَبًا لِلْمَغْفِرَةِ في ذَلِكَ التَّقْصِيرِ، لا جَرَمَ خَفَّفَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَنْهُمْ، وقالَ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ والمَعْنى: أنَّكم إذا سَمِعْتُمْ وأطَعْتُمْ، وما تَعَمَّدْتُمُ التَّقْصِيرَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لَوْ وقَعَ مِنكم نَوْعُ تَقْصِيرٍ عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ والغَفْلَةِ فَلا تَكُونُوا خائِفِينَ مِنهُ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ وبِالجُمْلَةِ فَهَذا إجابَةٌ لَهم في دُعائِهِمْ في قَوْلِهِمْ: غُفْرانَكَ رَبَّنا.

قالَ زَيْنُ العابِدِينَ بِيرَ مُحَمَّدِ دُرَّةَ في " المِدْحَةُ الكُبْرى ": وعَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ﴾ إلخ حِكايَةً، فَهو مِن قَبِيلِ العَطْفِ بِلا عاطِفٍ، أوِ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ قالُوا. قالَ بَعْضُهُمْ: ولَكَ أنْ تَجْعَلَ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ﴾ إلخ في حَيِّزِ القَوْلِ، وأنْ يَكُونَ حِكايَةً لِلْأقْوالِ المُتَفَرِّقَةِ غَيْرِ المَعْطُوفَةِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَكُونُ مَدْحًا لَهم بِأنَّهم شاكِرُونَ لِلَّهِ تَعالى في تَكْلِيفِهِ، حَيْثُ يَرَوْنَهُ بِأنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ وُسْعِهِمْ، وبِأنَّهم يَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْتَفِعُ بِعَمَلِهِمُ الخَيْرَ، بَلْ هو لَهُمْ، ولا يَتَضَرَّرُ بِعَمَلِهِمُ الشَّرِّ، بَلْ هو عَلَيْهِمْ.

وقالَ البِقاعِيُّ: وهَذا الكَلامُ مِن جُمْلَةِ …

Al-Baqara 2:286Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.