Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 281–286 of 286

281

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

And fear a Day when you will be returned to Allah. Then every soul will be compensated for what it earned, and they will not be treated unjustly.

قَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ قُوا أنْفُسَكم مِن عِقابِهِ واتْرُكُوا البَقايا الَّتِي بَقِيَتْ لَكم مِنَ الرِّبا، وظاهِرُهُ أنَّهُ أبْطَلَ مِنَ الرِّبا ما لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا.

قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ: هو شَرْطٌ مَجازِيٌّ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، وقِيلَ: إنَّ " إنْ " في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى " إذْ " .

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو مَرْدُودٌ لا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ عَلى الحَقِيقَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ امْتِثالَ أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يَعْنِي ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الِاتِّقاءِ وتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ فاعْلَمُوا بِها، مِن أُذِنَ بِالشَّيْءِ إذا عُلِمَ بِهِ، قِيلَ: هو مِنَ الإذْنِ بِالشَّيْءِ وهو الِاسْتِماعُ لِأنَّهُ مِن طُرُقِ العِلْمِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةُ " فَآذِنُوا " عَلى مَعْنى فَأعْلِمُوا غَيْرَكم أنَّكم عَلى حَرْبِهِمْ.

وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ عَلى أنَّ أكْلَ الرِّبا والعَمَلَ بِهِ مِنَ الكَبائِرِ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ، وتَنْكِيرُ الحَرْبِ لِلتَّعْظِيمِ، وزادَها تَعْظِيمًا نِسْبَتُها إلى اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ وإلى رَسُولِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ خَلِيقَتِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تُبْتُمْ﴾ أيْ مِنَ الرِّبا ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ تَأْخُذُونَها ﴿لا تُظْلَمُونَ﴾ غُرَماءَكم بِأخْذِ الزِّيادَةِ ﴿ولا تُظْلَمُونَ﴾ أنْتُمْ مِن قِبَلِهِمْ بِالمَطْلِ والنَّقْصِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ.

وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أمْوالَهم مَعَ عَدَمِ التَّوْبَةِ حَلالٌ لِمَن أخَذَها مِنَ الأئِمَّةِ ونَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَنُوبُ عَنْهم.

قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ لَمّا حَكَمَ سُبْحانَهُ لِأهْلِ الرِّبا بِرُءُوسِ أمْوالِهِمْ عِنْدَ الواجِدِينَ لِلْمالِ حَكَمَ في ذَوِي العُسْرَةِ بِالنَّظَرِ إلى يَسارٍ، والعُسْرَةُ: ضِيقُ الحالِ مِن جِهَةِ عَدَمِ المالِ، ومِنهُ جَيْشُ العُسْرَةِ.

والنَّظِرَةُ: التَّأْخِيرُ، والمَيْسَرَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اليُسْرِ، وارْتَفَعَ " ذُو " بَكانِ التّامَّةِ الَّتِي بِمَعْنى وُجِدَ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ وغَيْرِهِما.

وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:

؎فِدًى لِبَنِي ذُهْلِ بْنِ شَيْبانَ يا فَتى إذا كانَ يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أشْهَبُ

وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: " وإنْ كانَ ذا عُسْرَةٍ " عَلى مَعْنى: وإنْ كانَ المَطْلُوبُ ذا عُسْرَةٍ.

وقَرَأ الأعْمَشُ " وإنْ كانَ مُعْسِرًا " قالَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ مُوسى: وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

ورَوى المُعْتَمِرُ عَنْ حَجّاجٍ الوَرّاقِ قالَ: في مُصْحَفِ عُثْمانَ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ قالَ النَّحّاسُ ومَكِّيٌّ والنَّقّاشُ: وعَلى هَذا يَخْتَصُّ لَفْظُ الآيَةِ بِأهْلِ الرِّبا، وعَلى مَن قَرَأ " ذُو " فَهي عامَّةٌ في جَمِيعِ مَن عَلَيْهِ دَيْنٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ.

وقَرَأ الجَماعَةُ فَنَظِرَةٌ بِكَسْرِ الظّاءِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ والحَسَنُ بِسُكُونِها وهي لُغَةُ تَمِيمٍ.

وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ " مَيْسُرَةٍ " بِضَمِّ السِّينِ والجُمْهُورُ بِفَتْحِها، وهي اليَسارُ.

قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَصَدَّقُوا﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الصّادِ: أيْ وأنْ تَصَدَّقُوا عَلى مُعْسِرِي غُرَمائِكم بِالإبْراءِ خَيْرٌ لَكم، وفِيهِ التَّرْغِيبُ لَهم بِأنْ يَتَصَدَّقُوا بِرُءُوسِ أمْوالِهِمْ عَلى مَن أعْسَرَ وجَعَلَ ذَلِكَ خَيْرًا مِن إنْظارِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ.

قالَ …

Al-Baqara 2:281Listen in Qur'an →
282

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى فَٱكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌۢ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْـًۭٔا ۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُۥ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَٱسْتَشْهِدُوا۟ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌۭ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَىٰهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا۟ ۚ وَلَا تَسْـَٔمُوٓا۟ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدْنَىٰٓ أَلَّا تَرْتَابُوٓا۟ ۖ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةًۭ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوٓا۟ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌۭ وَلَا شَهِيدٌۭ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا۟ فَإِنَّهُۥ فُسُوقٌۢ بِكُمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ

O you who have believed, when you contract a debt for a specified term, write it down. And let a scribe write [it] between you in justice. Let no scribe refuse to write as Allah has taught him. So let him write and let the one who has the obligation dictate. And let him fear Allah, his Lord, and not leave anything out of it. But if the one who has the obligation is of limited understanding or weak or unable to dictate himself, then let his guardian dictate in justice. And bring to witness two witnesses from among your men. And if there are not two men [available], then a man and two women from those whom you accept as witnesses - so that if one of the women errs, then the other can remind her. And let not the witnesses refuse when they are called upon. And do not be [too] weary to write it, whether it is small or large, for its [specified] term. That is more just in the sight of Allah and stronger as evidence and more likely to prevent doubt between you, except when it is an immediate transaction which you conduct among yourselves. For [then] there is no blame upon you if you do not write it. And take witnesses when you conclude a contract. Let no scribe be harmed or any witness. For if you do so, indeed, it is [grave] disobedience in you. And fear Allah. And Allah teaches you. And Allah is Knowing of all things.

هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ المُدايَنَةِ الواقِعَةِ بَيْنَ النّاسِ بَعْدَ بَيانِ حالِ الرِّبا: أيْ إذا دايَنَ بَعْضُكم بَعْضًا وعامَلَهُ بِذَلِكَ، وذَكَرَ الدَّيْنَ بَعْدَ ذِكْرِ ما يُغْنِي عَنْهُ مِنَ المُدايَنَةِ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقِيلَ: إنَّهُ ذُكِرَ لِيَرْجِعَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ مِن قَوْلِهِ: فاكْتُبُوهُ ولَوْ قالَ: فاكْتُبُوا الدَّيْنَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنَ الحُسْنِ ما في قَوْلِهِ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾، والدَّيْنُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ مُعامَلَةٍ كانَ أحَدُ العِوَضَيْنِ فِيها نَقْدًا، والآخَرُ في الذِّمَّةِ نَسِيئَةً، فَإنَّ العَيْنَ عِنْدَ العَرَبِ ما كانَ حاضِرًا، والدَّيْنَ ما كانَ غائِبًا، قالَ الشّاعِرُ:

؎وعَدَتْنا بِدِرْهَمَيْنا طِلاءً وشِواءً مُعَجَّلًا غَيْرَ دَيْنِ

وقالَ الآخَرُ:

؎إذا ما أوْقَدُوا نارًا وحَطَبًا ∗∗∗ فَذاكَ المَوْتُ نَقْدًا غَيْرَ دَيْنِ

وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الأجَلَ المَجْهُولَ لا يَجُوزُ وخُصُوصًا أجْلُ السَّلَمِ.

وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن أسْلَفَ في تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ» وقَدْ قالَ بِذَلِكَ الجُمْهُورُ، واشْتَرَطُوا تَوْقِيتَهُ بِالأيّامِ أوِ الأشْهُرِ أوِ السِّنِينَ، قالُوا: ولا يَجُوزُ إلى الحَصادِ أوِ الدِّياسِ أوْ رُجُوعِ القافِلَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

وجَوَّزَهُ مالِكٌ.

قَوْلُهُ: فاكْتُبُوهُ أيِ الدَّيْنَ بِأجَلِهِ لِأنَّهُ أدْفَعُ لِلنِّزاعِ وأقْطَعُ لِلْخِلافِ.

قَوْلُهُ: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ﴾ هو بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ الكِتابَةِ المَأْمُورِ بِها، وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ والشَّعْبِيُّ وغَيْرُهُما، فَأوْجَبُوا عَلى الكاتِبِ أنْ يَكْتُبَ إذا طُلِبَ مِنهُ ذَلِكَ، ولَمْ يُوجَدْ كاتِبٌ سِواهُ، وقِيلَ: الأمْرُ لِلنَّدْبِ.

وقَوْلُهُ: بِالعَدْلِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِ " كاتِبٌ "، أيْ كاتِبٌ كائِنٌ بِالعَدْلِ: أيْ يَكْتُبُ بِالسَّوِيَّةِ لا يَزِيدُ ولا يُنْقِصُ ولا يَمِيلُ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ، وهو أمْرٌ لِلْمُتَدايِنَيْنِ بِاخْتِيارِ كاتِبٍ مُتَّصِفٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا يَكُونُ في قَلْبِهِ ولا قَلَمِهِ هَوادَةٌ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ، بَلْ يَتَحَرّى الحَقَّ بَيْنَهم والمَعْدَلَةَ فِيهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ﴾ النَّكِرَةُ في سِياقِ النَّفْيِ مُشْعِرَةٌ بِالعُمُومِ: أيْ لا يَمْتَنِعُ أحَدٌ مِنَ الكُتّابِ أنْ يَكْتُبَ كِتابَ التَّدايُنِ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ: أيْ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ الكِتابَةِ، أوْ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: بِالعَدْلِ.

قَوْلُهُ: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ الإمْلالُ والإمْلاءُ لُغَتانِ: الأُولى لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وبَنِي أسَدٍ، والثّانِيَةُ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، فَهَذِهِ الآيَةُ جاءَتْ عَلى اللُّغَةِ الأُولى، وجاءَ عَلى اللُّغَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] و﴿الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ هو مَن عَلَيْهِ الدَّيْنُ، أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالإمْلاءِ؛ لِأنَّ الشَّهادَةَ إنَّما تَكُونُ عَلى إقْرارِهِ بِثُبُوتِ الدَّيْنِ في ذِمَّتِهِ، وأمَرَهُ اللَّهُ بِالتَّقْوى فِيما يُمْلِيهِ عَلى الكاتِبِ، بالَغَ في ذَلِكَ بِالجَمْعِ بَيْنَ الِاسْمِ والوَصْفِ في قَوْلِهِ: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ ونَهاهُ عَنِ البَخْسِ وهو النَّقْصُ، وقِيلَ: إنَّهُ نَهْيٌ لِلْكاتِبِ.

والأوَّلُ أوْلى …

Al-Baqara 2:282Listen in Qur'an →
283

۞ وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ وَلَمْ تَجِدُوا۟ كَاتِبًۭا فَرِهَٰنٌۭ مَّقْبُوضَةٌۭ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًۭا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا۟ ٱلشَّهَٰدَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٌۭ قَلْبُهُۥ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌۭ

And if you are on a journey and cannot find a scribe, then a security deposit [should be] taken. And if one of you entrusts another, then let him who is entrusted discharge his trust [faithfully] and let him fear Allah, his Lord. And do not conceal testimony, for whoever conceals it - his heart is indeed sinful, and Allah is Knowing of what you do.

هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ المُدايَنَةِ الواقِعَةِ بَيْنَ النّاسِ بَعْدَ بَيانِ حالِ الرِّبا: أيْ إذا دايَنَ بَعْضُكم بَعْضًا وعامَلَهُ بِذَلِكَ، وذَكَرَ الدَّيْنَ بَعْدَ ذِكْرِ ما يُغْنِي عَنْهُ مِنَ المُدايَنَةِ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقِيلَ: إنَّهُ ذُكِرَ لِيَرْجِعَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ مِن قَوْلِهِ: فاكْتُبُوهُ ولَوْ قالَ: فاكْتُبُوا الدَّيْنَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنَ الحُسْنِ ما في قَوْلِهِ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾، والدَّيْنُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ مُعامَلَةٍ كانَ أحَدُ العِوَضَيْنِ فِيها نَقْدًا، والآخَرُ في الذِّمَّةِ نَسِيئَةً، فَإنَّ العَيْنَ عِنْدَ العَرَبِ ما كانَ حاضِرًا، والدَّيْنَ ما كانَ غائِبًا، قالَ الشّاعِرُ:

؎وعَدَتْنا بِدِرْهَمَيْنا طِلاءً وشِواءً مُعَجَّلًا غَيْرَ دَيْنِ

وقالَ الآخَرُ:

؎إذا ما أوْقَدُوا نارًا وحَطَبًا ∗∗∗ فَذاكَ المَوْتُ نَقْدًا غَيْرَ دَيْنِ

وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الأجَلَ المَجْهُولَ لا يَجُوزُ وخُصُوصًا أجْلُ السَّلَمِ.

وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن أسْلَفَ في تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ» وقَدْ قالَ بِذَلِكَ الجُمْهُورُ، واشْتَرَطُوا تَوْقِيتَهُ بِالأيّامِ أوِ الأشْهُرِ أوِ السِّنِينَ، قالُوا: ولا يَجُوزُ إلى الحَصادِ أوِ الدِّياسِ أوْ رُجُوعِ القافِلَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

وجَوَّزَهُ مالِكٌ.

قَوْلُهُ: فاكْتُبُوهُ أيِ الدَّيْنَ بِأجَلِهِ لِأنَّهُ أدْفَعُ لِلنِّزاعِ وأقْطَعُ لِلْخِلافِ.

قَوْلُهُ: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ﴾ هو بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ الكِتابَةِ المَأْمُورِ بِها، وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ والشَّعْبِيُّ وغَيْرُهُما، فَأوْجَبُوا عَلى الكاتِبِ أنْ يَكْتُبَ إذا طُلِبَ مِنهُ ذَلِكَ، ولَمْ يُوجَدْ كاتِبٌ سِواهُ، وقِيلَ: الأمْرُ لِلنَّدْبِ.

وقَوْلُهُ: بِالعَدْلِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِ " كاتِبٌ "، أيْ كاتِبٌ كائِنٌ بِالعَدْلِ: أيْ يَكْتُبُ بِالسَّوِيَّةِ لا يَزِيدُ ولا يُنْقِصُ ولا يَمِيلُ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ، وهو أمْرٌ لِلْمُتَدايِنَيْنِ بِاخْتِيارِ كاتِبٍ مُتَّصِفٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا يَكُونُ في قَلْبِهِ ولا قَلَمِهِ هَوادَةٌ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ، بَلْ يَتَحَرّى الحَقَّ بَيْنَهم والمَعْدَلَةَ فِيهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ﴾ النَّكِرَةُ في سِياقِ النَّفْيِ مُشْعِرَةٌ بِالعُمُومِ: أيْ لا يَمْتَنِعُ أحَدٌ مِنَ الكُتّابِ أنْ يَكْتُبَ كِتابَ التَّدايُنِ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ: أيْ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ الكِتابَةِ، أوْ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: بِالعَدْلِ.

قَوْلُهُ: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ الإمْلالُ والإمْلاءُ لُغَتانِ: الأُولى لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وبَنِي أسَدٍ، والثّانِيَةُ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، فَهَذِهِ الآيَةُ جاءَتْ عَلى اللُّغَةِ الأُولى، وجاءَ عَلى اللُّغَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] و﴿الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ هو مَن عَلَيْهِ الدَّيْنُ، أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالإمْلاءِ؛ لِأنَّ الشَّهادَةَ إنَّما تَكُونُ عَلى إقْرارِهِ بِثُبُوتِ الدَّيْنِ في ذِمَّتِهِ، وأمَرَهُ اللَّهُ بِالتَّقْوى فِيما يُمْلِيهِ عَلى الكاتِبِ، بالَغَ في ذَلِكَ بِالجَمْعِ بَيْنَ الِاسْمِ والوَصْفِ في قَوْلِهِ: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ ونَهاهُ عَنِ البَخْسِ وهو النَّقْصُ، وقِيلَ: إنَّهُ نَهْيٌ لِلْكاتِبِ.

والأوَّلُ أوْلى …

Al-Baqara 2:283Listen in Qur'an →
284

لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

To Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. Whether you show what is within yourselves or conceal it, Allah will bring you to account for it. Then He will forgive whom He wills and punish whom He wills, and Allah is over all things competent.

قَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.

قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ظاهِرُهُ أنَّ اللَّهَ يُحاسِبُ العِبادَ عَلى ما أضْمَرَتْهُ أنْفُسُهم أوْ أظْهَرَتْهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يُحاسَبُ عَلَيْها، فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ مِنهم ما يَغْفِرُهُ مِنها، ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ مِنهم بِما أسَرَّ أوْ أظْهَرَ مِنها، هَذا مَعْنى الآيَةِ عَلى مُقْتَضى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّها وإنْ كانَتْ عامَّةً، فَهي مَخْصُوصَةٌ بِكِتْمانِ الشَّهادَةِ، وأنَّ الكاتِمَ لِلشَّهادَةِ يُحاسَبُ عَلى كَتْمِهِ سَواءً أظَهَرَ لِلنّاسِ أنَّهُ كاتِمٌ لِلشَّهادَةِ أوْ لَمْ يُظْهِرْ.

وقَدْ رُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ ومُجاهِدٍ، وهو مَرْدُودٌ بِما في الآيَةِ مِن عُمُومِ اللَّفْظِ، ولا يَصْلُحُ ما تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ كَتْمِ الشَّهادَةِ أنْ تَكُونَ مُخْتَصَّةً بِهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ما في الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِما يَطْرَأُ عَلى النُّفُوسِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي هي بَيْنَ الشَّكِّ واليَقِينِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهو أيْضًا تَخْصِيصٌ بِلا مُخَصَّصٍ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّها مُحْكَمَةٌ عامَّةٌ، ولَكِنَّ العَذابَ عَلى ما في النَّفْسِ يَخْتَصُّ بِالكُفّارِ والمُنافِقِينَ.

حَكاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ، وهو أيْضًا تَخْصِيصٌ بِلا مُخَصَّصٍ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ لا يَخْتَصُّ بِبَعْضٍ مُعَيَّنٍ إلّا بِدَلِيلٍ.

والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ وأبُو هُرَيْرَةَ والشَّعْبِيُّ وعَطاءٌ ومُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ومُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وهَذا هو الحَقُّ لِما سَيَأْتِي مِنَ التَّصْرِيحِ بِنَسْخِها، ولِما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها» .

قَوْلُهُ: ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ قَدَّمَ الجارَّ والمَجْرُورَ عَلى الفاعِلِ لِإظْهارِ العِنايَةِ بِهِ، وقَدَّمَ الإبْداءَ عَلى الإخْفاءِ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الأُمُورِ الَّتِي يُحاسَبُ عَلَيْها هو الأعْمالُ البادِيَةُ، وأمّا تَقْدِيمُ الإخْفاءِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩] فَلِكَوْنِ العِلْمِ يَتَعَلَّقُ بِالأعْمالِ الخافِيَةِ والبادِيَةِ عَلى السَّوِيَّةِ، وقَدَّمَ المَغْفِرَةَ عَلى التَّعْذِيبِ لِكَوْنِ رَحْمَتِهِ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، أيْ فَهو يَغْفِرُ، وهي مُتَضَمِّنَةٌ لِتَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ: ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ وهَذا عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ.

وأمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ وأبِي عَمْرٍو وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِجَزْمِ الرّاءِ والباءِ، فالفاءُ عاطِفَةٌ لِما بَعْدَها عَلى المَجْزُومِ قَبْلَها، وهو جَوابُ الشَّرْطِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والأعْرَجُ وأبُو العالِيَةِ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ بِنَصْبِ الرّاءِ والباءِ في قَوْلِهِ: " فَيَغْفِرَ " " ويُعَذِّبَ " عَلى إضْمارِ " أنْ " عَطْفًا عَلى المَعْنى.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " يَغْفِرُ " بِغَيْرِ فاءٍ عَلى البَدَلِ، وبِهِ قَرَأ الجُعْفِيُّ وخَلّادٌ.

وقَدْ …

Al-Baqara 2:284Listen in Qur'an →
285

ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّن رُّسُلِهِۦ ۚ وَقَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ

The Messenger has believed in what was revealed to him from his Lord, and [so have] the believers. All of them have believed in Allah and His angels and His books and His messengers, [saying], "We make no distinction between any of His messengers." And they say, "We hear and we obey. [We seek] Your forgiveness, our Lord, and to You is the [final] destination."

قَوْلُهُ: ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ بِجَمِيعِ ما أنْزَلَ اللَّهُ والمُؤْمِنُونَ عَطْفٌ عَلى الرَّسُولِ، وقَوْلُهُ: كُلٌّ أيْ مِنَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ آمَنَ بِاللَّهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: والمُؤْمِنُونَ مُبْتَدَأٌ.

وقَوْلُهُ: كُلٌّ مُبْتَدَأٌ ثانٍ.

وقَوْلُهُ: آمَنَ بِاللَّهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الثّانِي، وهو وخَبَرُهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: آمَنَ بِاللَّهِ مَعَ رُجُوعِهِ إلى كُلِّ المُؤْمِنِينَ، لِما أنَّ المُرادَ بَيانُ إيمانِ كُلِّ فَرْدِ مِنهم مَن غَيْرِ اعْتِبارِ الِاجْتِماعِ كَما اعْتَبَرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] .

قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ فَرْضَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، وبَيَّنَ أحْكامَ الحَجِّ، وحُكْمَ الحَيْضِ، والطَّلاقِ والإيلاءِ، وأقاصِيصَ الأنْبِياءِ، وبَيَّنَ حُكْمَ الرِّبا، ذَكَرَ تَعْظِيمَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] ثُمَّ ذَكَرَ تَصْدِيقَ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ تَصْدِيقَ المُؤْمِنِينَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ صَدَّقَ الرَّسُولُ بِجَمِيعِ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي جَرى ذِكْرُها، وكَذَلِكَ المُؤْمِنُونَ كُلُّهم صَدَّقُوا بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، وقِيلَ: سَبَبُ نُزُولِها الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها.

وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: ومَلائِكَتِهِ أيْ: مِن حَيْثُ كَوْنِهِمْ عِبادَهُ المُكْرَمِينَ المُتَوَسِّطِينَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْبِيائِهِ في إنْزالِ كُتُبِهِ، وقَوْلُهُ: وكُتُبِهِ لِأنَّها المُشْتَمِلَةُ عَلى الشَّرائِعِ الَّتِي تَعَبَّدَ بِها عِبادُهُ.

وقَوْلُهُ: ورُسُلِهِ لِأنَّهُمُ المُبَلِّغُونَ لِعِبادِهِ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وابْنِ عامِرٍ " وكُتُبِهِ " بِالجَمْعِ.

وقَرَءُوا في التَّحْرِيمِ " وكِتابِهِ " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ هُنا " وكِتابِهِ " وكَذَلِكَ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الكِتابُ أكْثَرُ مِنَ الكُتُبِ.

وبَيَّنَهُ صاحِبُ الكَشّافِ فَقالَ: لِأنَّهُ إذا أُرِيدَ بِالواحِدِ الجِنْسُ والجِنْسِيَّةُ قائِمَةٌ في وحْدانِ الجِنْسِ كُلِّها لَمْ يَخْرُجْ مِنهُ شَيْءٌ، وأمّا الجَمْعُ فَلا يَدْخُلُ تَحْتَهُ إلّا ما فِيهِ الجِنْسِيَّةُ مِنَ الجُمُوعِ انْتَهى.

ومَن أرادَ تَحْقِيقَ المَقامِ فَلْيَرْجِعْ إلى شَرْحِ التَّلْخِيصِ المُطَوَّلِ عِنْدَ قَوْلِ صاحِبِ التَّلْخِيصِ واسْتِغْراقُ المُفْرَدِ أشْمَلُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ورُسُلِهِ بِضَمِّ السِّينِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِتَخْفِيفِ السِّينِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ لا نُفَرِّقُ بِالنُّونِ.

والمَعْنى: يَقُولُونَ: لا نُفَرِّقُ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وأبُو زُرْعَةَ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ جَرِيرٍ ويَعْقُوبُ " لا يُفَرِّقُ " بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.

وقَوْلُهُ: بَيْنَ أحَدٍ ولَمْ يَقُلْ بَيْنَ آحادٍ؛ لِأنَّ الأحَدَ يَتَناوَلُ الواحِدَ والجَمْعَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ فَوَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: حاجِزِينَ لِكَوْنِهِ في مَعْنى الجَمْعِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ وأنْ تَكُونَ خَبَرًا آخَرَ لِقَوْلِهِ: كُلٌّ.

وقَوْلُهُ: مِن رُسُلِهِ أظْهَرَ في مَحَلِّ الإضْمارِ لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ انْدِراجِ المَلائِكَةِ في الحُكْمِ، أوِ الإشْعارِ بِعِلَّةِ عَدَمِ …

Al-Baqara 2:285Listen in Qur'an →
286

لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًۭا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

Allah does not charge a soul except [with that within] its capacity. It will have [the consequence of] what [good] it has gained, and it will bear [the consequence of] what [evil] it has earned. "Our Lord, do not impose blame upon us if we have forgotten or erred. Our Lord, and lay not upon us a burden like that which You laid upon those before us. Our Lord, and burden us not with that which we have no ability to bear. And pardon us; and forgive us; and have mercy upon us. You are our protector, so give us victory over the disbelieving people."

قَوْلُهُ: ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ بِجَمِيعِ ما أنْزَلَ اللَّهُ والمُؤْمِنُونَ عَطْفٌ عَلى الرَّسُولِ، وقَوْلُهُ: كُلٌّ أيْ مِنَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ آمَنَ بِاللَّهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: والمُؤْمِنُونَ مُبْتَدَأٌ.

وقَوْلُهُ: كُلٌّ مُبْتَدَأٌ ثانٍ.

وقَوْلُهُ: آمَنَ بِاللَّهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الثّانِي، وهو وخَبَرُهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: آمَنَ بِاللَّهِ مَعَ رُجُوعِهِ إلى كُلِّ المُؤْمِنِينَ، لِما أنَّ المُرادَ بَيانُ إيمانِ كُلِّ فَرْدِ مِنهم مَن غَيْرِ اعْتِبارِ الِاجْتِماعِ كَما اعْتَبَرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] .

قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ فَرْضَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، وبَيَّنَ أحْكامَ الحَجِّ، وحُكْمَ الحَيْضِ، والطَّلاقِ والإيلاءِ، وأقاصِيصَ الأنْبِياءِ، وبَيَّنَ حُكْمَ الرِّبا، ذَكَرَ تَعْظِيمَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] ثُمَّ ذَكَرَ تَصْدِيقَ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ تَصْدِيقَ المُؤْمِنِينَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ صَدَّقَ الرَّسُولُ بِجَمِيعِ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي جَرى ذِكْرُها، وكَذَلِكَ المُؤْمِنُونَ كُلُّهم صَدَّقُوا بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، وقِيلَ: سَبَبُ نُزُولِها الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها.

وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: ومَلائِكَتِهِ أيْ: مِن حَيْثُ كَوْنِهِمْ عِبادَهُ المُكْرَمِينَ المُتَوَسِّطِينَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْبِيائِهِ في إنْزالِ كُتُبِهِ، وقَوْلُهُ: وكُتُبِهِ لِأنَّها المُشْتَمِلَةُ عَلى الشَّرائِعِ الَّتِي تَعَبَّدَ بِها عِبادُهُ.

وقَوْلُهُ: ورُسُلِهِ لِأنَّهُمُ المُبَلِّغُونَ لِعِبادِهِ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وابْنِ عامِرٍ " وكُتُبِهِ " بِالجَمْعِ.

وقَرَءُوا في التَّحْرِيمِ " وكِتابِهِ " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ هُنا " وكِتابِهِ " وكَذَلِكَ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الكِتابُ أكْثَرُ مِنَ الكُتُبِ.

وبَيَّنَهُ صاحِبُ الكَشّافِ فَقالَ: لِأنَّهُ إذا أُرِيدَ بِالواحِدِ الجِنْسُ والجِنْسِيَّةُ قائِمَةٌ في وحْدانِ الجِنْسِ كُلِّها لَمْ يَخْرُجْ مِنهُ شَيْءٌ، وأمّا الجَمْعُ فَلا يَدْخُلُ تَحْتَهُ إلّا ما فِيهِ الجِنْسِيَّةُ مِنَ الجُمُوعِ انْتَهى.

ومَن أرادَ تَحْقِيقَ المَقامِ فَلْيَرْجِعْ إلى شَرْحِ التَّلْخِيصِ المُطَوَّلِ عِنْدَ قَوْلِ صاحِبِ التَّلْخِيصِ واسْتِغْراقُ المُفْرَدِ أشْمَلُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ورُسُلِهِ بِضَمِّ السِّينِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِتَخْفِيفِ السِّينِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ لا نُفَرِّقُ بِالنُّونِ.

والمَعْنى: يَقُولُونَ: لا نُفَرِّقُ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وأبُو زُرْعَةَ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ جَرِيرٍ ويَعْقُوبُ " لا يُفَرِّقُ " بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.

وقَوْلُهُ: بَيْنَ أحَدٍ ولَمْ يَقُلْ بَيْنَ آحادٍ؛ لِأنَّ الأحَدَ يَتَناوَلُ الواحِدَ والجَمْعَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ فَوَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: حاجِزِينَ لِكَوْنِهِ في مَعْنى الجَمْعِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ وأنْ تَكُونَ خَبَرًا آخَرَ لِقَوْلِهِ: كُلٌّ.

وقَوْلُهُ: مِن رُسُلِهِ أظْهَرَ في مَحَلِّ الإضْمارِ لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ انْدِراجِ المَلائِكَةِ في الحُكْمِ، أوِ الإشْعارِ بِعِلَّةِ عَدَمِ …

Al-Baqara 2:286Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.