Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 271–280 of 286

271

إِن تُبْدُوا۟ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ

If you disclose your charitable expenditures, they are good; but if you conceal them and give them to the poor, it is better for you, and He will remove from you some of your misdeeds [thereby]. And Allah, with what you do, is [fully] Acquainted.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكم ويُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أوَّلًا أنَّ الإنْفاقَ مِنهُ ما يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى، ومِنهُ ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وذَكَرَ حُكْمَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ ثانِيًا أنَّ الإنْفاقَ قَدْ يَكُونُ مِن جَيِّدٍ ومِن رَدِيءٍ، وذَكَرَ حُكْمَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ، وذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإنْفاقَ قَدْ يَكُونُ ظاهِرًا وقَدْ يَكُونُ خَفِيًّا، وذَكَرَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ، فَقالَ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: «سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: صَدَقَةُ السِّرِّ أفْضَلُ أمْ صَدَقَةُ العَلانِيَةِ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الصَّدَقَةُ تُطْلَقُ عَلى الفَرْضِ والنَّفْلِ قالَ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٣] وقالَ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٦٠] وقالَ ﷺ: ”«نَفَقَةُ المَرْءِ عَلى عِيالِهِ صَدَقَةٌ» “ والزَّكاةُ لا تُطْلَقُ إلّا عَلى الفَرْضِ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُ الصَّدَقَةِ ”ص د ق“ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ مَوْضُوعٌ لِلصِّحَّةِ والكَمالِ، ومِنهُ قَوْلُهم: رَجُلٌ صَدْقُ النَّظَرِ، وصَدْقُ اللِّقاءِ، وصَدَقُوهُمُ القِتالَ، وفُلانٌ صادِقُ المَوَدَّةِ، وهَذا خَلٌّ صادِقُ الحُمُوضَةِ، وشَيْءٌ صادِقُ الحَلاوَةِ، وصَدَقَ فُلانٌ في خَبَرِهِ إذا أخْبَرَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي هو عَلَيْهِ صَحِيحًا كامِلًا، والصَّدِيقُ يُسَمّى صَدِيقًا لِصِدْقِهِ في المَوَدَّةِ، والصَّداقُ سُمِّيَ صَداقًا لِأنَّ عَقْدَ النِّكاحِ بِهِ يَتِمُّ ويَكْمُلُ، وسَمّى اللَّهَ تَعالى الزَّكاةَ صَدَقَةً لِأنَّ المالَ بِها يَصِحُّ ويَكْمُلُ، فَهي سَبَبٌ إمّا لِكَمالِ المالِ وبَقائِهِ، وإمّا لِأنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى صِدْقِ العَبْدِ في إيمانِهِ وكَمالِهِ فِيهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأصْلُ في قَوْلِهِ: ﴿فَنِعِمّا﴾ نِعْمَ ما، إلّا أنَّهُ أُدْغِمَ أحَدُ المِيمَيْنِ في الآخَرِ، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجَهٍ مِنَ القِراءَةِ:

قَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”فَنِعْما“ بِكَسْرِ النُّونِ وإسْكانِ العَيْنِ وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ، قالَ: لِأنَّها لُغَةُ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قالَ لِعَمْرِو بْنِ العاصِ: ”«نِعْما بِالمالِ الصّالِحِ لِلرَّجُلِ الصّالِحِ» “ هَكَذا رُوِيَ في الحَدِيثِ بِسُكُونِ العَيْنِ، والنَّحْوِيُّونَ قالُوا: هَذا يَقْتَضِي الجَمْعَ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ إلّا فِيما يَكُونُ الحَرْفُ الأوَّلُ مِنهُما حَرْفَ المَدِّ واللِّينِ، نَحْوَ: دابَّةٍ وشابَّةٍ؛ لِأنَّ ما في الحَرْفِ مِنَ المَدِّ يَصِيرُ عِوَضًا عَنِ الحَرَكَةِ، وأمّا الحَدِيثُ فَلِأنَّهُ لَمّا دَلَّ الحِسُّ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ السّاكِنَيْنِ عَلِمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا تَكَلَّمَ بِهِ أوْقَعَ في العَيْنِ حَرَكَةً خَفِيفَةً عَلى سَبِيلِ الِاخْتِلاسِ.

والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ وعاصِمٍ في رِوايَةِ حَفْصٍ ”فَنِعِمّا هي“ بِكَسْرِ النُّونِ والعَيْنِ، وفي تَقْرِيرِهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهم لَمّا احْتاجُوا إلى تَحْرِيكِ العَيْنِ حَرَّكُوها مِثْلَ حَرَكَةِ ما قَبْلَها.

والثّانِي: أنَّ هَذا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ ”نِعِمْ“ بِكَسْرِ النُّونِ والعَيْنِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ.

القِراءَةُ الثّالِثَةُ: وهي قِراءَةُ سائِرِ …

Al-Baqara 2:271Listen in Qur'an →
272

۞ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ

Not upon you, [O Muhammad], is [responsibility for] their guidance, but Allah guides whom He wills. And whatever good you [believers] spend is for yourselves, and you do not spend except seeking the countenance of Allah. And whatever you spend of good - it will be fully repaid to you, and you will not be wronged.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكم وما تُنْفِقُونَ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾

هَذا هو الحُكْمُ الرّابِعُ مِن أحْكامِ الإنْفاقِ، وهو بَيانُ أنَّ الَّذِي يَجُوزُ الإنْفاقُ عَلَيْهِ مَن هو. ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في بَيانِ سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ «جاءَتْ نُتَيْلَةُ أُمُّ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ إلَيْها تَسْألُها، وكَذَلِكَ جَدَّتُها وهُما مُشْرِكَتانِ، أتَيا أسْماءَ يَسْألانِها شَيْئًا فَقالَتْ لا أُعْطِيكُما حَتّى أسْتَأْمِرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإنَّكُما لَسْتُما عَلى دِينِي، فاسْتَأْمَرَتْهُ في ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَأمَرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ تَتَصَدَّقَ عَلَيْهِما» .

والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: كانَ أُناسٌ مِنَ الأنْصارِ لَهم قَرابَةٌ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وكانُوا لا يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِمْ، ويَقُولُونَ ما لَمْ تُسْلِمُوا لا نُعْطِيكم شَيْئًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ ﷺ كانَ لا يَتَصَدَّقُ عَلى المُشْرِكِينَ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ والمَعْنى عَلى جَمِيعِ الرِّواياتِ: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدى مَن خالَفَكَ حَتّى تَمْنَعَهُمُ الصَّدَقَةَ لِأجْلِ أنْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ، فَتَصَدَّقْ عَلَيْهِمْ لِوَجْهِ اللَّهِ، ولا تُوقِفْ ذَلِكَ عَلى إسْلامِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُمْ﴾ [المُمْتَحَنَةِ: ٨] فَرَخَّصَ في صِلَةِ هَذا الضَّرْبِ مِنَ المُشْرِكِينَ.

صفحة ٦٨

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ ﷺ كانَ شَدِيدَ الحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكَهْفِ: ٦] ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٣] وقالَ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يُونُسَ: ٩٩] وقالَ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٨] فَأعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ بَعَثَهُ بَشِيرًا ونَذِيرًا، وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا ومُبَيِّنًا لِلدَّلائِلِ، فَأمّا كَوْنُهم مُهْتَدِينَ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنكَ ولا بِكَ، فالهُدى هَهُنا بِمَعْنى الِاهْتِداءِ، فَسَواءٌ اهْتَدَوْا أوْ لَمْ يَهْتَدُوا فَلا تَقْطَعْ مَعُونَتَكَ وبِرَّكَ وصَدَقَتَكَ عَنْهم، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: لَيْسَ عَلَيْكَ أنْ تُلْجِئَهم إلى الِاهْتِداءِ بِواسِطَةِ أنْ تُوقِفَ صَدَقَتَكَ عَنْهم عَلى إيمانِهِمْ، فَإنَّ مِثْلَ هَذا الإيمانِ لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، بَلِ الإيمانُ المَطْلُوبُ مِنهُمُ الإيمانُ عَلى سَبِيلِ التَّطَوُّعِ والِاخْتِيارِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ولَكِنَّ المُرادَ بِهِ هو وأُمَّتُهُ، ألا تَراهُ قالَ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧١] وهَذا خِطابٌ عامٌّ، ثُمَّ قالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ وهو في الظّاهِرِ خاصٌّ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكُمْ﴾ وهَذا عامٌّ فَيُفْهَمُ مِن عُمُومِ ما قَبْلَ الآيَةِ، وعُمُومُ ما بَعْدَها عُمُومُها أيْضًا.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ بِهِ الأصْحابُ عَلى أنَّ هِدايَةَ اللَّهِ تَعالى …

Al-Baqara 2:272Listen in Qur'an →
273

لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحْصِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًۭا فِى ٱلْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَٰهُمْ لَا يَسْـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًۭا ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ

[Charity is] for the poor who have been restricted for the cause of Allah, unable to move about in the land. An ignorant [person] would think them self-sufficient because of their restraint, but you will know them by their [characteristic] sign. They do not ask people persistently [or at all]. And whatever you spend of good - indeed, Allah is Knowing of it.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهم بِسِيماهم لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُ الصَّدَقَةِ إلى أيِّ فَقِيرٍ كانَ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الَّذِي يَكُونُ أشَدَّ النّاسِ اسْتِحْقاقًا بِصَرْفِ الصَّدَقَةِ إلَيْهِ مَن هو ؟ فَقالَ: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِماذا ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: لَمّا تَقَدَّمَتِ الآياتُ الكَثِيرَةُ في الحَثِّ عَلى الإنْفاقِ، قالَ بَعْدَها ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ أيْ ذَلِكَ الإنْفاقُ المَحْثُوثُ عَلَيْهِ لِلْفُقَراءِ، وهَذا كَما إذا تَقَدَّمَ

صفحة ٧٠

ذِكْرُ رَجُلٍ فَتَقُولُ: عاقِلٌ لَبِيبٌ، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ الَّذِي مَرَّ وصْفُهُ عاقِلٌ لَبِيبٌ، وكَذَلِكَ النّاسُ يَكْتُبُونَ عَلى الكِيسِ الَّذِي يَجْعَلُونَ فِيهِ الذَّهَبَ والدَّراهِمَ: ألْفانِ ومِائَتانِ أيْ ذَلِكَ الَّذِي في الكِيسِ ألْفانِ ومِائَتانِ هَذا أحْسَنُ الوُجُوهِ.

الثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ اعْمَدُوا لِلْفُقَراءِ واجْعَلُوا ما تُنْفِقُونَ لِلْفُقَراءِ.

الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: وصَدَقاتُكم لِلْفُقَراءِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَزَلَتْ في فُقَراءِ المُهاجِرِينَ، وكانُوا نَحْوَ أرْبَعِمِائَةٍ، وهم أصْحابُ الصُّفَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهم مَسْكَنٌ ولا عَشائِرُ بِالمَدِينَةِ، وكانُوا مُلازِمِينَ المَسْجِدَ، ويَتَعَلَّمُونَ القُرْآنَ، ويَصُومُونَ ويَخْرُجُونَ في كُلِّ غَزْوَةٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «وقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا عَلى أصْحابِ الصُّفَّةِ فَرَأى فَقْرَهم وجَدَّهم فَطَيَّبَ قُلُوبَهم، فَقالَ: ”أبْشِرُوا يا أصْحابَ الصُّفَّةِ فَمَن لَقِيَنِي مِن أُمَّتِي عَلى النَّعْتِ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ راضِيًا بِما فِيهِ فَإنَّهُ مِن رِفاقِي» “ .

واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ الفُقَراءَ بِصِفاتٍ خَمْسٍ:

الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧٣] فَنَقُولُ: الإحْصارُ في اللُّغَةِ أنْ يَعْرِضَ لِلرَّجُلِ ما يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ سَفَرِهِ، مِن مَرَضٍ أوْ كِبَرٍ أوْ عَدُوٍّ أوْ ذَهابِ نَفَقَةٍ، أوْ ما يَجْرِي مَجْرى هَذِهِ الأشْياءِ، يُقالُ: أُحْصِرَ الرَّجُلُ فَهو مُحْصَرٌ، ومَضى الكَلامُ في مَعْنى الإحْصارِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البَقَرَةِ:١٩٦] بِما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، أمّا التَّفْسِيرُ فَقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِجَمِيعِ الأعْدادِ المُمْكِنَةِ في مَعْنى الإحْصارِ، فالأوَّلُ: أنَّ المَعْنى: أنَّهم حَصَرُوا أنْفُسَهم ووَقَفُوها عَلى الجِهادِ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُخْتَصٌّ بِالجِهادِ في عُرْفِ القُرْآنِ، ولِأنَّ الجِهادَ كانَ واجِبًا في ذَلِكَ الزَّمانِ، وكانَ تَشْتَدُّ الحاجَةُ إلى مَن يَحْبِسُ نَفْسَهُ لِلْمُجاهَدَةِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، فَيَكُونُ مُسْتَعِدًّا لِذَلِكَ، مَتى مَسَّتِ الحاجَةُ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَؤُلاءِ الفُقَراءِ أنَّهم بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ومَن هَذا حالُهُ يَكُونُ وضْعُ الصَّدَقَةِ فِيهِمْ يُفِيدُ وُجُوهًا مِنَ الخَيْرِ، أحَدُها: إزالَةُ عَيْلَتِهِمْ. والثّانِي: تَقْوِيَةُ قَلْبِهِمْ لِما انْتَصَبُوا إلَيْهِ. وثالِثُها: تَقْوِيَةُ الإسْلامِ بِتَقْوِيَةِ المُجاهِدِينَ. ورابِعُها: أنَّهم …

Al-Baqara 2:273Listen in Qur'an →
274

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Those who spend their wealth [in Allah 's way] by night and by day, secretly and publicly - they will have their reward with their Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: لَمّا بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ أكْمَلَ مَن تُصْرَفُ إلَيْهِ النَّفَقَةُ مَن هو، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أكْمَلَ وُجُوهِ الإنْفاقِ كَيْفَ هو، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهُمْ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ لِتَأْكِيدِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧١] والثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ آخِرُ الآياتِ المَذْكُورَةِ في أحْكامِ الإنْفاقِ، فَلا جَرَمَ أرْشَدَ الخَلْقَ إلى أكْمَلِ وُجُوهِ الإنْفاقاتِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بَعَثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ إلى أصْحابِ الصُّفَّةِ بِدَنانِيرَ، وبَعَثَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِوَسْقٍ مِن تَمْرٍ لَيْلًا، فَكانَ أحَبُّ الصَّدَقَتَيْنِ إلى اللَّهِ تَعالى صَدَقَتَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَصَدَقَةُ اللَّيْلِ كانَتْ أكْمَلَ.

والثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «إنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يَمْلِكُ غَيْرَ أرْبَعَةِ دَراهِمَ، فَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ لَيْلًا، وبِدِرْهَمٍ نَهارًا، وبِدِرْهَمٍ سِرًّا، وبِدِرْهَمٍ عَلانِيَةً، فَقالَ ﷺ: ”ما حَمَلَكَ عَلى هَذا ؟ فَقالَ: أنْ أسْتَوْجِبَ ما وعَدَنِي رَبِّي، فَقالَ: لَكَ ذَلِكَ“»

صفحة ٧٤

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

والثّالِثُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ تَصَدَّقَ بِأرْبَعِينَ ألْفَ دِينارٍ: عَشَرَةٌ بِاللَّيْلِ، وعَشَرَةٌ بِالنَّهارِ، وعَشَرَةٌ في السِّرِّ، وعَشَرَةٌ في العَلانِيَةِ.

والرّابِعُ: نَزَلَتْ في عَلَفِ الخَيْلِ وارْتِباطِها في سَبِيلِ اللَّهِ، فَكانَ أبُو هُرَيْرَةَ إذا مَرَّ بِفَرَسٍ سَمِينٍ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. الخامِسُ: أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في الَّذِينَ يَعُمُّونَ الأوْقاتِ والأحْوالَ بِالصَّدَقَةِ تُحَرِّضُهم عَلى الخَيْرِ، فَكُلَّما نَزَلَتْ بِهِمْ حاجَةُ مُحْتاجٍ عَجَّلُوا قَضاءَها ولَمْ يُؤَخِّرُوها ولَمْ يُعَلِّقُوها بِوَقْتٍ ولا حالٍ، وهَذا هو أحْسَنُ الوُجُوهِ، لِأنَّ هَذا آخِرُ الآياتِ المَذْكُورَةِ في بَيانِ حُكْمِ الإنْفاقاتِ فَلا جَرَمَ ذَكَرَ فِيها أكْمَلَ وُجُوهِ الإنْفاقاتِ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الزَّجّاجُ ”الَّذِينَ“ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وجازَ أنْ تَكُونَ الفاءُ مِن قَوْلِهِ: (فَلَهم) جَوابَ الَّذِينَ لِأنَّها تَأْتِي بِمَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: مَن أنْفَقَ فَلا يَضِيعُ أجْرُهُ، وتَقْدِيرُهُ أنَّهُ لَوْ قالَ: الَّذِي أكْرَمَنِي لَهُ دِرْهَمٌ لَمْ يُفِدْ أنَّ الدِّرْهَمَ بِسَبَبِ الإكْرامِ، أمّا لَوْ قالَ: الَّذِي أكْرَمَنِي فَلَهُ دِرْهَمٌ يُفِيدُ أنَّ الدِّرْهَمَ بِسَبَبِ الإكْرامِ، فَهَهُنا الفاءُ دَلَّتْ عَلى أنَّ حُصُولَ الأجْرِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ الإنْفاقِ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ أفْضَلُ مِن صَدَقَةِ العَلانِيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قَدَّمَ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ، والسِّرَّ عَلى العَلانِيَةِ في الذِّكْرِ.

ثُمَّ قالَ في خاتِمَةِ الآيَةِ ﴿فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ …

Al-Baqara 2:274Listen in Qur'an →
275

ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰا۟ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَوٰا۟ ۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟ ۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوْعِظَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Those who consume interest cannot stand [on the Day of Resurrection] except as one stands who is being beaten by Satan into insanity. That is because they say, "Trade is [just] like interest." But Allah has permitted trade and has forbidden interest. So whoever has received an admonition from his Lord and desists may have what is past, and his affair rests with Allah. But whoever returns to [dealing in interest or usury] - those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.

الحُكْمُ الثّانِي:

مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ المَذْكُورَةِ في هَذا المَوْضِعِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ حُكْمُ الرِّبا:

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللَّهِ ومَن عادَ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللَّهِ ومَن عادَ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ بَيْنَ الرِّبا وبَيْنَ الصَّدَقَةِ مُناسَبَةٌ مِن جِهَةِ التَّضادِّ، وذَلِكَ لِأنَّ الصَّدَقَةَ عِبارَةٌ عَنْ تَنْقِيصِ المالِ

صفحة ٧٥

بِسَبَبِ أمْرِ اللَّهِ بِذَلِكَ، والرِّبا عِبارَةٌ عَنْ طَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى المالِ مَعَ نَهْيِ اللَّهِ عَنْهُ، فَكانا مُتَضادَّيْنِ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ فَلَمّا حَصَلَ بَيْنَ هَذَيْنِ الحُكْمَيْنِ هَذا النَّوْعُ مِنَ المُناسَبَةِ، لا جَرَمَ ذَكَرَ عَقِيبَ حُكْمِ الصَّدَقاتِ حُكْمَ الرِّبا.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ فالمُرادُ الَّذِينَ يُعامِلُونَ بِهِ، وخَصَّ الأكْلَ لِأنَّهُ مُعْظَمُ الأمْرِ، كَما قالَ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النِّساءِ: ١٠] وكَما لا يَجُوزُ أكْلُ مالِ اليَتِيمِ لا يَجُوزُ إتْلافُهُ، ولَكِنَّهُ نَبَّهَ بِالأكْلِ عَلى ما سِواهُ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٨] وأيْضًا فَلِأنَّ نَفْسَ الرِّبا الَّذِي هو الزِّيادَةُ في المالِ عَلى ما كانُوا يَفْعَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ لا يُؤْكَلُ، إنَّما يُصْرَفُ في المَأْكُولِ فَيُؤْكَلُ، والمُرادُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، فَمَنَعَ اللَّهُ مِنَ التَّصَرُّفِ في الرِّبا بِما ذَكَرْنا مِنَ الوَعِيدِ، وأيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ ﷺ: ”«لَعَنَ آكِلَ الرِّبا ومُوكِلَهُ وشاهِدَهُ وكاتِبَهُ والمُحَلِّلَ لَهُ» “ فَعَلِمْنا أنَّ الحُرْمَةَ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالآكِلِ، وأيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ بِشَهادَةِ الطَّرْدِ والعَكْسِ، أنَّ ما يَحْرُمُ لا يُوقَفُ تَحْرِيمُهُ عَلى الأكْلِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ التَّصَرُّفاتِ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ أنَّ المُرادَ مِن أكْلِ الرِّبا في هَذِهِ الآيَةِ التَّصَرُّفُ في الرِّبا، وأمّا الرِّبا فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الرِّبا في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الزِّيادَةِ يُقالُ: رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ [الحَجِّ: ٥] أيْ زادَتْ، وأرْبى الرَّجُلُ إذا عامَلَ في الرِّبا، ومِنهُ الحَدِيثُ ”«مَن أجَبى فَقَدْ أرْبى» “ أيْ عامَلَ بِالرِّبا، والإجْباءُ بَيْعُ الزَّرْعِ قَبْلَ أنْ يَبْدُوَ صَلاحُهُ، هَذا مَعْنى الرِّبا في اللُّغَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”الرِّبا“ بِالإمالَةِ لِمَكانِ كَسْرَةِ الرّاءِ والباقُونَ بِالتَّفْخِيمِ بِفَتْحِ الباءِ، وهي في المَصاحِفِ مَكْتُوبَةٌ بِالواوِ، وأنْتَ مُخَيَّرٌ في كِتابَتِها بِالألِفِ والواوِ والياءِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الرِّبا كُتِبَتْ بِالواوِ عَلى لُغَةِ مَن يُفَخِّمُ كَما كُتِبَتِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ وزِيدَتِ الألِفُ بَعْدَها …

Al-Baqara 2:275Listen in Qur'an →
276

يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَٰتِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ

Allah destroys interest and gives increase for charities. And Allah does not like every sinning disbeliever.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في الزَّجْرِ عَنِ الرِّبا، وكانَ قَدْ بالَغَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ في الأمْرِ بِالصَّدَقاتِ، ذَكَرَ هَهُنا ما يَجْرِي مَجْرى الدُّعاءِ إلى تَرْكِ الصَّدَقاتِ وفِعْلِ الرِّبا، وكَشَفَ عَنْ فَسادِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الدّاعِيَ إلى فِعْلِ الرِّبا تَحْصِيلُ المَزِيدِ في الخَيْراتِ، والصّارِفَ عَنِ الصَّدَقاتِ الِاحْتِرازُ عَنْ نُقْصانِ الخَيْرِ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الرِّبا، وإنْ كانَ في زِيادَةٍ في الحالِ، إلّا أنَّهُ نُقْصانٌ في الحَقِيقَةِ، وأنَّ الصَّدَقَةَ وإنْ كانَتْ نُقْصانًا في الصُّورَةِ، إلّا أنَّها زِيادَةٌ في المَعْنى، ولَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ اللّائِقُ بِالعاقِلِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلى ما يَقْضِي بِهِ الطَّبْعُ والحِسُّ مِنَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ، بَلْ يُعَوِّلُ عَلى ما نَدَبَهُ الشَّرْعُ إلَيْهِ مِنَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ فَهَذا وجْهُ النَّظْمِ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المَحْقُ نُقْصانُ الشَّيْءِ حالًا بَعْدَ حالٍ، ومِنهُ المَحاقُ في الهِلالِ يُقالُ: مَحَقَهُ اللَّهُ فانْمَحَقَ وامْتَحَقَ، ويُقالُ: هَجِيرٌ ماحِقٌ إذا نَقَصَ في كُلِّ شَيْءٍ بِحَرارَتِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَحْقَ الرِّبا وإرْباءَ الصَّدَقاتِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا، وأنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَنَقُولُ: مَحْقُ الرِّبا في الدُّنْيا مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الغالِبَ في المُرابِي وإنْ كَثُرَ مالُهُ أنَّهُ تَؤُولُ عاقِبَتُهُ إلى الفَقْرِ، وتَزُولُ البَرَكَةُ عَنْ مالِهِ، قالَ ﷺ: ”«الرِّبا وإنْ كَثُرَ فَإلى قُلٍّ» “ .

وثانِيها: إنْ لَمْ يَنْقُصْ مالُهُ فَإنَّ عاقِبَتَهُ الذَّمُّ، والنَّقْصُ، وسُقُوطُ العَدالَةِ، وزَوالُ الأمانَةِ، وحُصُولُ اسْمِ الفِسْقِ والقَسْوَةِ والغِلْظَةِ.

وثالِثُها: أنَّ الفُقَراءَ الَّذِينَ يُشاهِدُونَ أنَّهُ أخَذَ أمْوالَهم بِسَبَبِ الرِّبا يَلْعَنُونَهُ ويُبْغِضُونَهُ ويَدْعُونَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِزَوالِ الخَيْرِ والبَرَكَةِ عَنْهُ في نَفْسِهِ ومالِهِ.

ورابِعُها: أنَّهُ مَتى اشْتُهِرَ بَيْنَ الخَلْقِ أنَّهُ إنَّما جَمَعَ مالَهُ مِنَ الرِّبا تَوَجَّهَتْ إلَيْه الأطْماعُ، وقَصَدَهُ كُلُّ ظالِمٍ ومارِقٍ وطَمّاعٍ، ويَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ المالَ لَيْسَ لَهُ في الحَقِيقَةِ فَلا يُتْرَكُ في يَدِهِ. وأمّا أنَّ الرِّبا سَبَبٌ لِلْمَحْقِ في الآخِرَةِ فَلِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مَعْنى هَذا المَحْقِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْبَلُ مِنهُ صَدَقَةً ولا جِهادًا، ولا حَجًّا، ولا صِلَةَ رَحِمٍ، وثانِيها: أنَّ مالَ الدُّنْيا لا يَبْقى عِنْدَ المَوْتِ، ويَبْقى التَّبِعَةُ والعُقُوبَةُ، وذَلِكَ هو الخَسارُ الأكْبَرُ، وثالِثُها: أنَّهُ ثَبَتَ في الحَدِيثِ أنَّ الأغْنِياءَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بَعْدَ الفُقَراءِ بِخَمْسِمِائَةِ عامٍ، فَإذا كانَ الغَنِيُّ مِنَ الوَجْهِ الحَلالِ كَذَلِكَ، فَما ظَنُّكَ بِالغَنِيِّ مِنَ الوَجْهِ الحَرامِ المَقْطُوعِ بِحُرْمَتِهِ، كَيْفَ يَكُونُ ؟ فَذَلِكَ هو المَحْقُ والنُّقْصانُ.

وأمّا إرْباءُ الصَّدَقاتِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ في الدُّنْيا، وأنْ يَكُونَ المُرادُ في الآخِرَةِ.

صفحة ٨٤

أمّا في الدُّنْيا فَمِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ مَن كانَ لِلَّهِ كانَ اللَّهُ لَهُ، فَإذا كانَ الإنْسانُ مَعَ فَقْرِهِ وحاجَتِهِ يُحْسِنُ إلى عَبِيدِ اللَّهِ، فاللَّهُ تَعالى لا يَتْرُكُهُ ضائِعًا في الدُّنْيا، وفي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْناهُ فِيما …

Al-Baqara 2:276Listen in Qur'an →
277

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Indeed, those who believe and do righteous deeds and establish prayer and give zakah will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ عادَةَ اللَّهِ في القُرْآنِ مُطَّرِدَةٌ بِأنَّهُ تَعالى مَهْما ذَكَرَ وعِيدًا ذَكَرَ بَعْدَهُ وعْدًا فَلَمّا بالَغَ هَهُنا في وعِيدِ المُرابِي أتْبَعَهُ بِهَذا الوَعْدِ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ مَن قالَ بِأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ خارِجٌ عَنْ مُسَمّى الإيمانِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَإنَّهُ قالَ:

صفحة ٨٥

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَعَطَفَ عَمَلَ الصّالِحاتِ عَلى الإيمانِ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ومِنَ النّاسِ مَن أجابَ عَنْهُ ألَيْسَ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ مَعَ أنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ إقامَةَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ داخِلانِ تَحْتَ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَكَذا فِيما ذَكَرْتُمْ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النحل: ٨٨] وقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [ البَقَرَةِ: ٣٩] .

ولِلْمُسْتَدِلِّ الأوَّلِ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الأصْلَ حَمْلُ كُلِّ لَفْظَةٍ عَلى فائِدَةٍ جَدِيدَةٍ تُرِكَ العَمَلُ بِهِ عِنْدَ التَّعَذُّرِ، فَيَبْقى في غَيْرِ مَوْضِعِ التَّعَذُّرِ عَلى الأصْلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أقْوى مِن قَوْلِهِ: عَلى رَبِّهِمْ أجْرُهم؛ لِأنَّ الأوَّلَ يَجْرِي مَجْرى ما إذا باعَ بِالنَّقْدِ، فَذاكَ النَّقْدُ هُناكَ حاضِرٌ مَتى شاءَ البائِعُ أخَذَهُ، وقَوْلُهُ: أجْرُهم عَلى رَبِّهِمْ. يَجْرِي مَجْرى ما إذا باعَ بِالنَّسِيئَةِ في الذِّمَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أفْضَلُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيما يَسْتَقْبِلُهم مِن أحْوالِ القِيامَةِ، ولا هم يَحْزَنُونَ بِسَبَبِ ما تَرَكُوهُ في الدُّنْيا، فَإنَّ المُنْتَقِلَ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ أُخْرى فَوْقَها رُبَّما يَحْزَنُ عَلى بَعْضِ ما فاتَهُ مِنَ الأحْوالِ السّالِفَةِ، وإنْ كانَ مُغْتَبِطًا بِالثّانِيَةِ لِأجْلِ إلْفِهِ وعادَتِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا القَدْرَ مِنَ الغُصَّةِ لا يَلْحَقُ أهْلَ الثَّوابِ والكَرامَةِ، وقالَ الأصَمُّ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ، ولا هم يَحْزَنُونَ بِسَبَبِ أنَّهُ فاتَهُمُ النَّعِيمُ الزّائِدُ الَّذِي قَدْ حَصَلَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ السُّعَداءِ؛ لِأنَّهُ لا مُنافَسَةَ في الآخِرَةِ، ولا هم يَحْزَنُونَ أيْضًا بِسَبَبِ أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنّا في الدُّنْيا طاعَةٌ أزْيَدُ مِمّا صَدَرَ حَتّى صِرْنا مُسْتَحِقِّينَ لِثَوابٍ أزْيَدَ مِمّا وجَدْناهُ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الخَواطِرَ لا تُوجَدُ في الآخِرَةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ إشْكالٌ هو أنَّ المَرْأةَ إذا بَلَغَتْ عارِفَةً بِاللَّهِ وكَما بَلَغَتْ حاضَتْ، ثُمَّ عِنْدَ انْقِطاعِ حَيْضِها ماتَتْ، أوِ الرَّجُلَ بَلَغَ عارِفًا بِاللَّهِ، وقَبْلَ أنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ ماتَ، فَهُما بِالِاتِّفاقِ مِن أهْلِ الثَّوابِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَ الأجْرِ والثَّوابِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الأعْمالِ، وأيْضًا مِن مَذْهَبِنا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُثِيبُ المُؤْمِنَ …

Al-Baqara 2:277Listen in Qur'an →
278

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

O you who have believed, fear Allah and give up what remains [due to you] of interest, if you should be believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ مَنِ انْتَهى عَنِ الرِّبا فَلَهُ ما سَلَفَ فَقَدْ كانَ يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ المَقْبُوضِ مِنهُ وبَيْنَ الباقِي في ذِمَّةِ القَوْمِ، فَقالَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ وبَيَّنَ بِهِ أنَّ ذَلِكَ إذا كانَ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُقْبَضْ، فالزِّيادَةُ تَحْرُمُ، ولَيْسَ لَهم أنْ يَأْخُذُوا إلّا رُءُوسَ أمْوالِهِمْ، وإنَّما شَدَّدَ تَعالى في ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَنِ انْتَظَرَ مُدَّةً طَوِيلَةً في حُلُولِ الأجَلِ، ثُمَّ حَضَرَ الوَقْتُ وظَنَّ نَفْسَهُ عَلى أنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ، فَيَحْتاجُ في مَنعِهِ عَنْهُ إلى تَشْدِيدٍ عَظِيمٍ، فَقالَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ واتِّقاؤُهُ ما نَهى عَنْهُ ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ يَعْنِي إنْ كُنْتُمْ قَدْ قَبَضْتُمْ شَيْئًا فَيَعْفُو عَنْهُ، وإنْ لَمْ تَقْبِضُوهُ، أوْ لَمْ تَقْبِضُوا بَعْضَهُ، فَذَلِكَ الَّذِي لَمْ تَقْبِضُوهُ كُلًّا كانَ أوْ بَعْضًا فَإنَّهُ يَحْرُمُ قَبْضُهُ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أصْلٌ كَبِيرٌ في أحْكامِ الكُفّارِ إذا أسْلَمُوا، وذَلِكَ لِأنَّ ما مَضى في وقْتِ الكُفْرِ فَإنَّهُ يَبْقى ولا يُنْقَضُ، ولا يُفْسَخُ، وما لا يُوجَدُ مِنهُ شَيْءٌ في حالِ الكُفْرِ فَحُكْمُهُ مَحْمُولٌ عَلى الإسْلامِ، فَإذا تَناكَحُوا عَلى ما يَجُوزُ عِنْدَهم ولا يَجُوزُ في الإسْلامِ فَهو عَفْوٌ لا يُتَعَقَّبُ، وإنْ كانَ النِّكاحُ وقَعَ عَلى مُحَرَّمٍ فَقَبَضَتْهُ المَرْأةُ فَقَدْ مَضى، وإنْ كانَتْ لَمْ تَقْبِضْهُ فَلَها مَهْرُ مِثْلِها دُونَ المَهْرِ المُسَمّى. هَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا﴾ ثُمَّ قالَ في آخِرِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؟

الجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا مِثْلُ ما يُقالُ: إنْ كُنْتَ أخًا فَأكْرِمْنِي، مَعْناهُ: إنَّ مَن كانَ أخًا أكْرَمَ أخاهُ.

والثّانِي: قِيلَ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَبْلَهُ.

الثّالِثُ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ اسْتِدامَةَ الحُكْمِ لَكم بِالإيمانِ.

الرّابِعُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِلِسانِهِمْ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِقُلُوبِكم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ رِواياتٌ:

صفحة ٨٧

الرِّوايَةُ الأُولى: أنَّها خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ كانُوا يُرابُونَ فَلَمّا أسْلَمُوا عِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْخُذُوا رُءُوسَ أمْوالِهِمْ دُونَ الزِّيادَةِ.

والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أرْبَعَةِ إخْوَةٍ مِن ثَقِيفٍ: مَسْعُودٌ، وعَبْدُ يالِيلَ، وحَبِيبٌ، ورَبِيعَةُ، بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيِّ كانُوا يُدايِنُونَ بَنِي المُغِيرَةِ، فَلَمّا ظَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى الطّائِفِ أسْلَمَ الإخْوَةُ، ثُمَّ طالَبُوا بِرِباهم بَنِي المُغِيرَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: نَزَلَتْ في العَبّاسِ، …

Al-Baqara 2:278Listen in Qur'an →
279

فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ

And if you do not, then be informed of a war [against you] from Allah and His Messenger. But if you repent, you may have your principal - [thus] you do no wrong, nor are you wronged.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ مَنِ انْتَهى عَنِ الرِّبا فَلَهُ ما سَلَفَ فَقَدْ كانَ يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ المَقْبُوضِ مِنهُ وبَيْنَ الباقِي في ذِمَّةِ القَوْمِ، فَقالَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ وبَيَّنَ بِهِ أنَّ ذَلِكَ إذا كانَ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُقْبَضْ، فالزِّيادَةُ تَحْرُمُ، ولَيْسَ لَهم أنْ يَأْخُذُوا إلّا رُءُوسَ أمْوالِهِمْ، وإنَّما شَدَّدَ تَعالى في ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَنِ انْتَظَرَ مُدَّةً طَوِيلَةً في حُلُولِ الأجَلِ، ثُمَّ حَضَرَ الوَقْتُ وظَنَّ نَفْسَهُ عَلى أنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ، فَيَحْتاجُ في مَنعِهِ عَنْهُ إلى تَشْدِيدٍ عَظِيمٍ، فَقالَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ واتِّقاؤُهُ ما نَهى عَنْهُ ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ يَعْنِي إنْ كُنْتُمْ قَدْ قَبَضْتُمْ شَيْئًا فَيَعْفُو عَنْهُ، وإنْ لَمْ تَقْبِضُوهُ، أوْ لَمْ تَقْبِضُوا بَعْضَهُ، فَذَلِكَ الَّذِي لَمْ تَقْبِضُوهُ كُلًّا كانَ أوْ بَعْضًا فَإنَّهُ يَحْرُمُ قَبْضُهُ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أصْلٌ كَبِيرٌ في أحْكامِ الكُفّارِ إذا أسْلَمُوا، وذَلِكَ لِأنَّ ما مَضى في وقْتِ الكُفْرِ فَإنَّهُ يَبْقى ولا يُنْقَضُ، ولا يُفْسَخُ، وما لا يُوجَدُ مِنهُ شَيْءٌ في حالِ الكُفْرِ فَحُكْمُهُ مَحْمُولٌ عَلى الإسْلامِ، فَإذا تَناكَحُوا عَلى ما يَجُوزُ عِنْدَهم ولا يَجُوزُ في الإسْلامِ فَهو عَفْوٌ لا يُتَعَقَّبُ، وإنْ كانَ النِّكاحُ وقَعَ عَلى مُحَرَّمٍ فَقَبَضَتْهُ المَرْأةُ فَقَدْ مَضى، وإنْ كانَتْ لَمْ تَقْبِضْهُ فَلَها مَهْرُ مِثْلِها دُونَ المَهْرِ المُسَمّى. هَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا﴾ ثُمَّ قالَ في آخِرِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؟

الجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا مِثْلُ ما يُقالُ: إنْ كُنْتَ أخًا فَأكْرِمْنِي، مَعْناهُ: إنَّ مَن كانَ أخًا أكْرَمَ أخاهُ.

والثّانِي: قِيلَ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَبْلَهُ.

الثّالِثُ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ اسْتِدامَةَ الحُكْمِ لَكم بِالإيمانِ.

الرّابِعُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِلِسانِهِمْ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِقُلُوبِكم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ رِواياتٌ:

صفحة ٨٧

الرِّوايَةُ الأُولى: أنَّها خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ كانُوا يُرابُونَ فَلَمّا أسْلَمُوا عِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْخُذُوا رُءُوسَ أمْوالِهِمْ دُونَ الزِّيادَةِ.

والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أرْبَعَةِ إخْوَةٍ مِن ثَقِيفٍ: مَسْعُودٌ، وعَبْدُ يالِيلَ، وحَبِيبٌ، ورَبِيعَةُ، بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيِّ كانُوا يُدايِنُونَ بَنِي المُغِيرَةِ، فَلَمّا ظَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى الطّائِفِ أسْلَمَ الإخْوَةُ، ثُمَّ طالَبُوا بِرِباهم بَنِي المُغِيرَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: نَزَلَتْ في العَبّاسِ، …

Al-Baqara 2:279Listen in Qur'an →
280

وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍۢ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍۢ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

And if someone is in hardship, then [let there be] postponement until [a time of] ease. But if you give [from your right as] charity, then it is better for you, if you only knew.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ النَّحْوِيُّونَ ”كانَ“ كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنْ تَكُونَ بِمَنزِلَةِ حَدَثَ ووَقَعَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: قَدْ كانَ الأمْرُ، أيْ وُجِدَ، وحِينَئِذٍ لا يَحْتاجُ إلى خَبَرٍ.

والثّانِي: أنْ يُخْلَعَ مِنهُ مَعْنى الحَدَثِ، فَتَبْقى الكَلِمَةُ مُجَرَّدَةً لِلزَّمانِ، وحِينَئِذٍ يَحْتاجُ إلى الخَبَرِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: كانَ زَيْدٌ ذاهِبًا.

واعْلَمْ أنِّي حِينَ كُنْتُ مُقِيمًا بِخُوارَزْمَ، وكانَ هُناكَ جَمْعٌ مِن أكابِرِ الأُدَباءِ، أوْرَدْتُ عَلَيْهِمْ إشْكالًا في هَذا البابِ، فَقُلْتُ: إنَّكم تَقُولُونَ إنَّ ”كانَ“ إذا كانَتْ ناقِصَةً إنَّها تَكُونُ فِعْلًا وهَذا مُحالٌ؛ لِأنَّ الفِعْلَ ما دَلَّ عَلى اقْتِرانِ حَدَثٍ بِزَمانٍ، فَقَوْلُكَ ”كانَ“ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ مَعْنى الكَوْنِ في الزَّمانِ الماضِي، وإذا أفادَ هَذا المَعْنى كانَتْ تامَّةً لا ناقِصَةً، فَهَذا الدَّلِيلُ يَقْتَضِي أنَّها إنْ كانَتْ فِعْلًا كانَتْ تامَّةً لا ناقِصَةً، وإنْ لَمْ تَكُنْ تامَّةً لَمْ تَكُنْ فِعْلًا البَتَّةَ بَلْ كانَتْ حَرْفًا، وأنْتُمْ تُنْكِرُونَ ذَلِكَ، فَبَقُوا في هَذا الإشْكالِ زَمانًا طَوِيلًا، وصَنَّفُوا في الجَوابِ عَنْهُ كُتُبًا، وما أفْلَحُوا فِيهِ ثُمَّ انْكَشَفَ لِي فِيهِ سِرٌّ أذْكُرُهُ هَهُنا وهو أنَّ كانَ لا مَعْنى لَهُ إلّا حَدَثَ ووَقَعَ ووُجِدَ، إلّا أنَّ قَوْلَكَ وُجِدَ وحَدَثَ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى: وُجِدَ وحَدَثَ الشَّيْءُ كَقَوْلِكَ: وُجِدَ الجَوْهَرُ وحَدَثَ العَرَضُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: وُجِدَ وحَدَثَ مَوْصُوفِيَّةُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، فَإذا قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ عالِمًا فَمَعْناهُ حَدَثَ في الزَّمانِ الماضِي مَوْصُوفِيَّةُ زَيْدٍ بِالعِلْمِ، والقِسْمُ الأوَّلُ هو المُسَمّى بَكانِ التّامَّةِ، والقِسْمُ الثّانِي هو المُسَمّى بِالنّاقِصَةِ، وفي الحَقِيقَةِ فالمَفْهُومُ مِن ”كانَ“ في المَوْضِعَيْنِ هو الحُدُوثُ والوُقُوعُ، إلّا أنَّ في القِسْمِ الأوَّلِ المُرادِ حُدُوثُ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ، فَلا جَرَمَ كانَ الِاسْمُ الواحِدُ كافِيًا، والمُرادُ في القِسْمِ الثّانِي حُدُوثُ مَوْصُوفِيَّةُ أحَدِ الأمْرَيْنِ بِالآخَرِ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَكُنِ الِاسْمُ الواحِدُ كافِيًا، بَلْ لا بُدَّ فِيهِ مِن ذِكْرِ الِاسْمَيْنِ

صفحة ٨٩

حَتّى يُمْكِنَهُ أنْ يُشِيرَ إلى مَوْصُوفِيَّةِ أحَدِهِما بِالآخَرِ، وهَذا مِن لَطائِفِ الأبْحاثِ، فَأمّا إنْ قُلْنا إنَّهُ فِعْلٌ كانَ دالًّا عَلى وُقُوعِ المَصْدَرِ في الزَّمانِ الماضِي، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ تامَّةً لا ناقِصَةً، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلٍ بَلْ حَرْفٌ فَكَيْفَ يَدْخُلُ فِيهِ الماضِي والمُسْتَقْبَلُ والأمْرُ، وجَمِيعُ خَواصِّ الأفْعالِ ؟ وإذا حُمِلَ الأمْرُ عَلى ما قُلْناهُ تَبَيَّنَ أنَّهُ فِعْلٌ وزالَ الإشْكالُ بِالكُلِّيَّةِ.

المَفْهُومُ الثّالِثُ لِكانَ: يَكُونُ بِمَعْنى صارَ، وأنْشَدُوا:

بِتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأنَّها قَطا الحَزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخًا بُيُوضُها

وعِنْدِي أنَّ هَذا اللَّفْظَ هَهُنا مَحْمُولٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ، فَإنَّ مَعْنى صارَ أنَّهُ حَدَثَ مَوْصُوفِيَّةُ الذّاتِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَعْدَ أنَّها ما كانَتْ مَوْصُوفَةً بِذَلِكَ، فَيَكُونُ هُنا بِمَعْنى حَدَثَ ووَقَعَ، إلّا أنَّهُ حُدُوثٌ مَخْصُوصٌ، وهو أنَّهُ حَدَثَ مَوْصُوفِيَّةُ الذّاتِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَعْدَ أنْ كانَ الحاصِلُ مَوْصُوفِيَّةَ الذّاتِ بِصِفَةٍ أُخْرى.

المَفْهُومُ الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ زائِدَةً وأنْشِدُوا:

سَراةُ بَنِي …

Al-Baqara 2:280Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.