Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 261–270 of 286

261

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنۢبُلَةٍۢ مِّا۟ئَةُ حَبَّةٍۢ ۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ

The example of those who spend their wealth in the way of Allah is like a seed [of grain] which grows seven spikes; in each spike is a hundred grains. And Allah multiplies [His reward] for whom He wills. And Allah is all-Encompassing and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ مِن بَيانِ أُصُولِ العِلْمِ بِالمَبْدَأِ وبِالمَعادِ ومِن دَلائِلِ صِحَّتِهِما ما أرادَ أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ والتَّكالِيفِ.

فالحُكْمُ الأوَّلُ: في بَيانِ التَّكالِيفِ المُعْتَبَرَةِ في إنْفاقِ الأمْوالِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ القاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنَّهُ تَعالى لَمّا أجْمَلَ في قَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٥] فَصَّلَ بَعْدَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ تِلْكَ الأضْعافَ، وإنَّما ذَكَرَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ الأدِلَّةَ عَلى قُدْرَتِهِ بِالإحْياءِ والإماتَةِ مِن حَيْثُ لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَحْسُنِ التَّكْلِيفُ بِالإنْفاقِ؛ لِأنَّهُ لَوْلا وُجُودُ الإلَهِ المُثِيبُ المُعاقِبُ، لَكانَ الإنْفاقُ في سائِرِ الطّاعاتِ عَبَثًا، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لِمَن رَغَّبَهُ في الإنْفاقِ: قَدْ عَرَفْتَ أنِّي خَلَقْتُكَ وأكْمَلْتُ نِعْمَتِي عَلَيْكَ بِالإحْياءِ والإقْدارِ، وقَدْ عَلِمْتَ قُدْرَتِي عَلى المُجازاةِ والإثابَةِ، فَلْيَكُنْ عِلْمُكَ بِهَذِهِ الأحْوالِ داعِيًا إلى إنْفاقِ المالِ، فَإنَّهُ يُجازِي القَلِيلَ بِالكَثِيرِ، ثُمَّ ضَرَبَ لِذَلِكَ الكَثِيرِ مَثَلًا، وهو أنَّ مَن بَذَرَ حَبَّةً أخْرَجَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، فَصارَتِ الواحِدَةُ سَبْعَمِائَةٍ.

الوَجْهُ الثّانِي في بَيانِ النَّظْمِ: ما ذَكَرَهُ الأصَمُّ، وهو أنَّهُ تَعالى ضَرَبَ هَذا المَثَلَ بَعْدَ أنِ احْتَجَّ عَلى الكُلِّ بِما يُوجِبُ تَصْدِيقَ النَّبِيِّ ﷺ لِيَرْغَبُوا في المُجاهَدَةِ بِالنَّفْسِ والمالِ في نُصْرَتِهِ وإعْلاءِ شَرِيعَتِهِ.

والوَجْهُ الثّالِثُ: لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ، وأنَّ الكُفّارَ أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ، بَيَّنَ مَثَلَ ما يُنْفِقُ المُؤْمِنُ في سَبِيلِ اللَّهِ وما يُنْفِقُ الكافِرُ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: مَثَلُ صَدَقاتِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم كَمَثَلِ حَبَّةٍ. وقِيلَ: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم كَمَثَلِ زارِعِ حَبَّةٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَعْنى ﴿يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي في دِينِهِ، قِيلَ: أرادَ النَّفَقَةَ في الجِهادِ خاصَّةً، وقِيلَ: جَمِيعُ أبْوابِ البِرِّ، ويَدْخُلُ فِيهِ الواجِبُ والنَّفْلُ مِنَ الإنْفاقِ في الهِجْرَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ومِنَ الإنْفاقِ في الجِهادِ عَلى نَفْسِهِ وعَلى الغَيْرِ، ومِن صَرْفِ المالِ إلى الصَّدَقاتِ، ومِن إنْفاقِها في المَصالِحِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَعْدُودٌ في السَّبِيلِ الَّذِي هو دِينُ اللَّهِ وطَرِيقَتُهُ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ ”إنْفاقٌ في سَبِيلِ اللَّهِ“ .

فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ رَأيْتَ سُنْبُلَةً فِيها مِائَةُ حَبَّةٍ حَتّى يُضْرَبَ المَثَلُ بِها ؟ .

قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ لَوْ عَلِمَ إنْسانٌ يَطْلُبُ الزِّيادَةَ والرِّبْحَ أنَّهُ

صفحة ٤٠

إذا بَذَرَ حَبَّةً واحِدَةً أخْرَجَتْ لَهُ سَبْعَمِائَةِ حَبَّةٍ ما كانَ يَنْبَغِي لَهُ تَرْكُ ذَلِكَ ولا التَّقْصِيرُ فِيهِ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِمَن طَلَبَ الأجْرَ في الآخِرَةِ عِنْدَ اللَّهِ أنْ لا يَتْرُكَهُ إذا عَلِمَ أنَّهُ …

Al-Baqara 2:261Listen in Qur'an →
262

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُوا۟ مَنًّۭا وَلَآ أَذًۭى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Those who spend their wealth in the way of Allah and then do not follow up what they have spent with reminders [of it] or [other] injury will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظُمَ أمْرُ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، أتْبَعَهُ بِبَيانِ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ تَحْصِيلُها حَتّى يَبْقى ذَلِكَ الثَّوابُ، مِنها تَرْكُ المَنِّ والأذى. ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: نَزَلَتِ الآيَةُ في عُثْمانَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أمّا عُثْمانُ فَجَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ بِألْفِ بَعِيرٍ بِأقْتابِها وألْفِ دِينارٍ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ يَقُولُ: «يا رَبِّ، عُثْمانُ رَضِيتُ عَنْهُ فارْضَ عَنْهُ» . وأمّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَإنَّهُ تَصَدَّقَ بِنِصْفِ مالِهِ أرْبَعَةَ آلافِ دِينارٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَن أنْفَقَ عَلى نَفْسِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ بِمَن أنْفَقَ عَلى غَيْرِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الإنْفاقَ عَلى الغَيْرِ إنَّما يُوجِبُ الثَّوابَ العَظِيمَ المَذْكُورَ في الآيَةِ إذا لَمْ يُتْبِعْهُ بِمَنٍّ ولا أذى.

قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الشَّرْطُ مُعْتَبَرًا أيْضًا فِيمَن أنْفَقَ عَلى نَفْسِهِ، وذَلِكَ هو أنْ يُنْفِقَ عَلى نَفْسِهِ ويَحْضُرَ الجِهادَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ ابْتِغاءً لِمَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَمُنَّ بِهِ عَلى

صفحة ٤١

النَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، ولا يُؤْذِيَ أحَدًا مِنَ المُؤْمِنِينَ، مِثْلَ أنْ يَقُولَ: لَوْ لَمْ أحْضُرْ لَما تَمَّ هَذا الأمْرُ، ويَقُولَ لِغَيْرِهِ: أنْتَ ضَعِيفٌ بَطّالٌ لا مَنفَعَةَ مِنكَ في الجِهادِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”المَنُّ“ في اللُّغَةِ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: بِمَعْنى الإنْعامِ، يُقالُ: قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى فُلانٍ، إذا أنْعَمَ، أوْ لِفُلانٍ عَلَيَّ مِنَّةٌ، وأنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ:

فَمُنِّي عَلَيْنا بِالسَّلامِ فَإنَّما كَلامُكِ ياقُوتٌ ودُرٌّ مُنَظَّمُ

ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: ”«ما مِنَ النّاسِ أحَدٌ أمَنُّ عَلَيْنا في صُحْبَتِهِ ولا ذاتِ يَدِهِ مِنِ ابْنِ أبِي قُحافَةَ» “ يُرِيدُ أكْثَرَ إنْعامًا بِمالِهِ، وأيْضًا اللَّهُ تَعالى يُوصَفُ بِأنَّهُ مَنّانٌ أيْ: مُنْعِمٌ.

والوَجْهُ الثّانِي في التَّفْسِيرِ: ”المَنُّ“ النَّقْصُ مِنَ الحَقِّ والبَخْسُ لَهُ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القَلَمِ: ٣] أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ وغَيْرَ مَمْنُوعٍ، ومِنهُ سُمِّيَ المَوْتُ مَنُونًا لِأنَّهُ يُنْقِصُ الأعْمارَ، ويَقْطَعُ الأعْذارَ. ومِن هَذا البابِ المِنَّةُ المَذْمُومَةُ؛ لِأنَّهُ يُنْقِصُ النِّعْمَةَ، ويُكَدِّرُها، والعَرَبُ يَمْتَدِحُونَ بِتَرْكِ المَنِّ بِالنِّعْمَةِ، قالَ قائِلَهم:

زادَ مَعْرُوفَكَ عِنْدِي عِظَمًا ∗∗∗ أنَّهُ عِنْدِيَ مَسْتُورٌ حَقِيرُ

تَتَناساهُ كَأنْ لَمْ تَأْتِهِ ∗∗∗ وهْوَ في العالَمِ مَشْهُورٌ كَثِيرُ

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَنُّ هو إظْهارُ الِاصْطِناعِ إلَيْهِمْ، والأذى شِكايَتُهُ مِنهم بِسَبَبِ ما أعْطاهم، وإنَّما كانَ المَنُّ مَذْمُومًا لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الفَقِيرَ الآخِذَ لِلصَّدَقَةِ مُنْكَسِرُ القَلْبِ لِأجْلِ حاجَتِهِ إلى صَدَقَةٍ غَيْرُ مُعْتَرِفٍ بِاليَدِ العُلْيا لِلْمُعْطِي، فَإذا أضافَ المُعْطِي إلى ذَلِكَ إظْهارَ ذَلِكَ الإنْعامِ، زادَ ذَلِكَ في انْكِسارِ قَلْبِهِ، فَيَكُونُ في حُكْمِ المَضَرَّةِ بَعْدَ المَنفَعَةِ، وفي حُكْمِ المُسِيءِ إلَيْهِ بَعْدَ أنْ أحْسَنَ …

Al-Baqara 2:262Listen in Qur'an →
263

۞ قَوْلٌۭ مَّعْرُوفٌۭ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌۭ مِّن صَدَقَةٍۢ يَتْبَعُهَآ أَذًۭى ۗ وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌۭ

Kind speech and forgiveness are better than charity followed by injury. And Allah is Free of need and Forbearing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى واللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .

أمّا القَوْلُ المَعْرُوفُ، فَهو القَوْلُ الَّذِي تَقْبَلُهُ القُلُوبُ ولا تُنْكِرُهُ، والمُرادُ مِنهُ هَهُنا أنْ يَرُدَّ السّائِلَ بِطَرِيقِ جَمِيلٍ حَسَنٍ، وقالَ عَطاءٌ: هَذِهِ حَسَنَةٌ، أمّا المَغْفِرَةُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ الفَقِيرَ إذا رُدَّ بِغَيْرِ مَقْصُودِهِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَرُبَّما حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلى بَذاءَةِ اللِّسانِ، فَأمَرَ بِالعَفْوِ عَنْ بَذاءَةِ الفَقِيرِ والصَّفْحِ عَنْ إساءَتِهِ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ ونَيْلُ مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ الرَّدِّ الجَمِيلِ.

وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَغْفِرَةِ أنْ يَسْتُرَ حاجَةَ الفَقِيرِ ولا يَهْتِكَ سِتْرَهُ، والمُرادُ مِنَ القَوْلِ المَعْرُوفِ رَدُّهُ بِأحْسَنِ الطُّرُقِ وبِالمَغْفِرَةِ أنْ لا يَهْتِكَ سِتْرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ حالَهُ عِنْدَ مَن يَكْرَهُ الفَقِيرُ وُقُوفَهُ عَلى حالِهِ.

ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ خِطابٌ مَعَ المَسْئُولِ بِأنْ يَرُدَّ السّائِلَ بِأحْسَنِ الطُّرُقِ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ خِطابٌ مَعَ السّائِلِ بِأنْ يَعْذُرَ المَسْئُولَ في ذَلِكَ الرَّدِّ، فَرُبَّما لَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ في تِلْكَ الحالَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ فِعْلَ الرَّجُلِ لِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ خَيْرٌ لَهُ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى، وسَبَبُ هَذا التَّرْجِيحِ أنَّهُ إذا أعْطى، ثُمَّ أتْبَعَ الإعْطاءَ بِالإيذاءِ، فَهُناكَ جَمْعٌ بَيْنَ الإنْفاعِ والإضْرارِ، ورُبَّما لَمْ يَفِ ثَوابُ الإنْفاعِ بِعِقابِ الإضْرارِ، وأمّا القَوْلُ المَعْرُوفُ فَفِيهِ إنْفاعٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَتَضَمَّنُ إيصالَ السُّرُورِ إلى قَلْبِ المُسْلِمِ ولَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ الإضْرارُ، فَكانَ هَذا خَيْرًا مِنَ الأوَّلِ.

صفحة ٤٤

واعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الآيَةَ وارِدَةٌ في التَّطَوُّعِ؛ لِأنَّ الواجِبَ لا يَحِلُّ مَنعُهُ، ولا رَدُّ السّائِلِ مِنهُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الواجِبُ، وقَدْ يَعْدِلُ بِهِ عَنْ سائِلٍ إلى سائِلٍ وعَنْ فَقِيرٍ إلى فَقِيرٍ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عَنْ صَدَقَةِ العِبادِ فَإنَّما أمَرَكم بِها لِيُثِيبَكم عَلَيْها ﴿حَلِيمٌ﴾ إذْ لَمْ يُعَجِّلْ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَن يَمُنُّ ويُؤْذِي بِصَدَقَتِهِ، وهَذا سُخْطٌ مِنهُ ووَعِيدٌ لَهُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الإنْفاقِ؛ أحَدَهُما: الَّذِي يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى. والثّانِيَ: الَّذِي لا يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى، فَشَرَحَ حالَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وضَرَبَ مَثَلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما.

فَقالَ في القِسْمِ الأوَّلِ الَّذِي يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ …

Al-Baqara 2:263Listen in Qur'an →
264

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُبْطِلُوا۟ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلْأَذَىٰ كَٱلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌۭ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٌۭ فَتَرَكَهُۥ صَلْدًۭا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍۢ مِّمَّا كَسَبُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ

O you who have believed, do not invalidate your charities with reminders or injury as does one who spends his wealth [only] to be seen by the people and does not believe in Allah and the Last Day. His example is like that of a [large] smooth stone upon which is dust and is hit by a downpour that leaves it bare. They are unable [to keep] anything of what they have earned. And Allah does not guide the disbelieving people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى واللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .

أمّا القَوْلُ المَعْرُوفُ، فَهو القَوْلُ الَّذِي تَقْبَلُهُ القُلُوبُ ولا تُنْكِرُهُ، والمُرادُ مِنهُ هَهُنا أنْ يَرُدَّ السّائِلَ بِطَرِيقِ جَمِيلٍ حَسَنٍ، وقالَ عَطاءٌ: هَذِهِ حَسَنَةٌ، أمّا المَغْفِرَةُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ الفَقِيرَ إذا رُدَّ بِغَيْرِ مَقْصُودِهِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَرُبَّما حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلى بَذاءَةِ اللِّسانِ، فَأمَرَ بِالعَفْوِ عَنْ بَذاءَةِ الفَقِيرِ والصَّفْحِ عَنْ إساءَتِهِ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ ونَيْلُ مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ الرَّدِّ الجَمِيلِ.

وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَغْفِرَةِ أنْ يَسْتُرَ حاجَةَ الفَقِيرِ ولا يَهْتِكَ سِتْرَهُ، والمُرادُ مِنَ القَوْلِ المَعْرُوفِ رَدُّهُ بِأحْسَنِ الطُّرُقِ وبِالمَغْفِرَةِ أنْ لا يَهْتِكَ سِتْرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ حالَهُ عِنْدَ مَن يَكْرَهُ الفَقِيرُ وُقُوفَهُ عَلى حالِهِ.

ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ خِطابٌ مَعَ المَسْئُولِ بِأنْ يَرُدَّ السّائِلَ بِأحْسَنِ الطُّرُقِ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ خِطابٌ مَعَ السّائِلِ بِأنْ يَعْذُرَ المَسْئُولَ في ذَلِكَ الرَّدِّ، فَرُبَّما لَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ في تِلْكَ الحالَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ فِعْلَ الرَّجُلِ لِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ خَيْرٌ لَهُ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى، وسَبَبُ هَذا التَّرْجِيحِ أنَّهُ إذا أعْطى، ثُمَّ أتْبَعَ الإعْطاءَ بِالإيذاءِ، فَهُناكَ جَمْعٌ بَيْنَ الإنْفاعِ والإضْرارِ، ورُبَّما لَمْ يَفِ ثَوابُ الإنْفاعِ بِعِقابِ الإضْرارِ، وأمّا القَوْلُ المَعْرُوفُ فَفِيهِ إنْفاعٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَتَضَمَّنُ إيصالَ السُّرُورِ إلى قَلْبِ المُسْلِمِ ولَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ الإضْرارُ، فَكانَ هَذا خَيْرًا مِنَ الأوَّلِ.

صفحة ٤٤

واعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الآيَةَ وارِدَةٌ في التَّطَوُّعِ؛ لِأنَّ الواجِبَ لا يَحِلُّ مَنعُهُ، ولا رَدُّ السّائِلِ مِنهُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الواجِبُ، وقَدْ يَعْدِلُ بِهِ عَنْ سائِلٍ إلى سائِلٍ وعَنْ فَقِيرٍ إلى فَقِيرٍ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عَنْ صَدَقَةِ العِبادِ فَإنَّما أمَرَكم بِها لِيُثِيبَكم عَلَيْها ﴿حَلِيمٌ﴾ إذْ لَمْ يُعَجِّلْ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَن يَمُنُّ ويُؤْذِي بِصَدَقَتِهِ، وهَذا سُخْطٌ مِنهُ ووَعِيدٌ لَهُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الإنْفاقِ؛ أحَدَهُما: الَّذِي يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى. والثّانِيَ: الَّذِي لا يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى، فَشَرَحَ حالَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وضَرَبَ مَثَلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما.

فَقالَ في القِسْمِ الأوَّلِ الَّذِي يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ …

Al-Baqara 2:264Listen in Qur'an →
265

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًۭا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍۭ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌۭ فَـَٔاتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌۭ فَطَلٌّۭ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

And the example of those who spend their wealth seeking means to the approval of Allah and assuring [reward for] themselves is like a garden on high ground which is hit by a downpour - so it yields its fruits in double. And [even] if it is not hit by a downpour, then a drizzle [is sufficient]. And Allah, of what you do, is Seeing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى واللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .

أمّا القَوْلُ المَعْرُوفُ، فَهو القَوْلُ الَّذِي تَقْبَلُهُ القُلُوبُ ولا تُنْكِرُهُ، والمُرادُ مِنهُ هَهُنا أنْ يَرُدَّ السّائِلَ بِطَرِيقِ جَمِيلٍ حَسَنٍ، وقالَ عَطاءٌ: هَذِهِ حَسَنَةٌ، أمّا المَغْفِرَةُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ الفَقِيرَ إذا رُدَّ بِغَيْرِ مَقْصُودِهِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَرُبَّما حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلى بَذاءَةِ اللِّسانِ، فَأمَرَ بِالعَفْوِ عَنْ بَذاءَةِ الفَقِيرِ والصَّفْحِ عَنْ إساءَتِهِ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ ونَيْلُ مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ الرَّدِّ الجَمِيلِ.

وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَغْفِرَةِ أنْ يَسْتُرَ حاجَةَ الفَقِيرِ ولا يَهْتِكَ سِتْرَهُ، والمُرادُ مِنَ القَوْلِ المَعْرُوفِ رَدُّهُ بِأحْسَنِ الطُّرُقِ وبِالمَغْفِرَةِ أنْ لا يَهْتِكَ سِتْرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ حالَهُ عِنْدَ مَن يَكْرَهُ الفَقِيرُ وُقُوفَهُ عَلى حالِهِ.

ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ خِطابٌ مَعَ المَسْئُولِ بِأنْ يَرُدَّ السّائِلَ بِأحْسَنِ الطُّرُقِ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ خِطابٌ مَعَ السّائِلِ بِأنْ يَعْذُرَ المَسْئُولَ في ذَلِكَ الرَّدِّ، فَرُبَّما لَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ في تِلْكَ الحالَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ فِعْلَ الرَّجُلِ لِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ خَيْرٌ لَهُ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى، وسَبَبُ هَذا التَّرْجِيحِ أنَّهُ إذا أعْطى، ثُمَّ أتْبَعَ الإعْطاءَ بِالإيذاءِ، فَهُناكَ جَمْعٌ بَيْنَ الإنْفاعِ والإضْرارِ، ورُبَّما لَمْ يَفِ ثَوابُ الإنْفاعِ بِعِقابِ الإضْرارِ، وأمّا القَوْلُ المَعْرُوفُ فَفِيهِ إنْفاعٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَتَضَمَّنُ إيصالَ السُّرُورِ إلى قَلْبِ المُسْلِمِ ولَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ الإضْرارُ، فَكانَ هَذا خَيْرًا مِنَ الأوَّلِ.

صفحة ٤٤

واعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الآيَةَ وارِدَةٌ في التَّطَوُّعِ؛ لِأنَّ الواجِبَ لا يَحِلُّ مَنعُهُ، ولا رَدُّ السّائِلِ مِنهُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الواجِبُ، وقَدْ يَعْدِلُ بِهِ عَنْ سائِلٍ إلى سائِلٍ وعَنْ فَقِيرٍ إلى فَقِيرٍ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عَنْ صَدَقَةِ العِبادِ فَإنَّما أمَرَكم بِها لِيُثِيبَكم عَلَيْها ﴿حَلِيمٌ﴾ إذْ لَمْ يُعَجِّلْ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَن يَمُنُّ ويُؤْذِي بِصَدَقَتِهِ، وهَذا سُخْطٌ مِنهُ ووَعِيدٌ لَهُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الإنْفاقِ؛ أحَدَهُما: الَّذِي يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى. والثّانِيَ: الَّذِي لا يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى، فَشَرَحَ حالَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وضَرَبَ مَثَلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما.

فَقالَ في القِسْمِ الأوَّلِ الَّذِي يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ …

Al-Baqara 2:265Listen in Qur'an →
266

أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٌۭ مِّن نَّخِيلٍۢ وَأَعْنَابٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٌۭ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌۭ فِيهِ نَارٌۭ فَٱحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ

Would one of you like to have a garden of palm trees and grapevines underneath which rivers flow in which he has from every fruit? But he is afflicted with old age and has weak offspring, and it is hit by a whirlwind containing fire and is burned. Thus does Allah make clear to you [His] verses that you might give thought.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ وأصابَهُ الكِبَرُ ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا مَثَلٌ آخَرُ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ مَن يُتْبِعُ إنْفاقَهُ بِالمَنِّ والأذى، والمَعْنى أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ جَنَّةً في غايَةِ الحُسْنِ والنِّهايَةِ، كَثِيرَةَ النَّفْعِ، وكانَ الإنْسانُ في غايَةِ العَجْزِ عَنِ الكَسْبِ وفي غايَةِ شِدَّةِ الحاجَةِ، وكَما أنَّ الإنْسانَ كَذَلِكَ فَلَهُ ذُرِّيَّةٌ أيْضًا في غايَةِ الحاجَةِ، وفي غايَةِ العَجْزِ، ولا شَكَّ أنَّ كَوْنَهُ مُحْتاجًا أوْ عاجِزًا مَظِنَّةُ الشَّدَّةِ والمِحْنَةِ، وتَعَلُّقُ جَمْعٍ مِنَ المُحْتاجِينَ العاجِزِينَ بِهِ زِيادَةُ مِحْنَةٍ عَلى مِحْنَةٍ، فَإذا أصْبَحَ الإنْسانُ وشاهَدَ تِلْكَ الجَنَّةَ مُحْرَقَةً بِالكُلِّيَّةِ، فانْظُرْ كَمْ يَكُونُ في قَلْبِهِ مِنَ الغَمِّ والحَسْرَةِ والمِحْنَةِ والبَلِيَّةِ، تارَةً بِسَبَبِ أنَّهُ ضاعَ مِثْلُ ذَلِكَ المَمْلُوكِ الشَّرِيفِ النَّفِيسِ، وثانِيًا بِسَبَبِ أنَّهُ بَقِيَ في الحاجَةِ والشِّدَّةِ مَعَ العَجْزِ عَنِ الِاكْتِسابِ واليَأْسِ عَنْ أنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ أحَدٌ شَيْئًا، وثالِثًا بِسَبَبِ تَعَلُّقِ غَيْرِهِ بِهِ، ومُطالَبَتِهِمْ إيّاهُ بِوُجُوهِ النَّفَقَةِ، فَكَذَلِكَ مَن أنْفَقَ لِأجْلِ اللَّهِ، كانَ ذَلِكَ نَظِيرًا لِلْجَنَّةِ المَذْكُورَةِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، كَذَلِكَ الشَّخْصُ العاجِزُ الَّذِي يَكُونُ كُلُّ اعْتِمادِهِ

صفحة ٥٢

فِي وُجُوهِ الِانْتِفاعِ عَلى تِلْكَ الجَنَّةِ، وأمّا إذا أعْقَبَ إنْفاقَهُ بِالمَنِّ أوْ بِالأذى كانَ ذَلِكَ كالإعْصارِ الَّذِي يَحْرِقُ تِلْكَ الجَنَّةَ، ويَعْقُبُ الحَسْرَةُ والحَيْرَةُ والنَّدامَةُ، فَكَذا هَذا المالُ المُؤْذِي إذا قُدِّمَ يَوْمَ القِيامَةِ، وكانَ في غايَةِ الِاحْتِياجِ إلى الِانْتِفاعِ بِثَوابِ عَمَلِهِ، لَمْ يَجِدْ هُناكَ شَيْئًا فَيَبْقى لا مَحالَةَ في أعْظَمِ غَمٍّ، وفي أكْمَلِ حَسْرَةٍ وحَيْرَةٍ، وهَذا المَثَلُ في غايَةِ الحُسْنِ ونِهايَةِ الكَمالِ. ولْنَذْكُرْ ما يَتَعَلَّقُ بِألْفاظِ الآيَةِ:

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: الوِدُّ، هو المَحَبَّةُ الكامِلَةُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الهَمْزَةُ في ”أيَوَدُّ“ اسْتِفْهامٌ لِأجْلِ الإنْكارِ، وإنَّما قالَ: ”أيَوَدُّ“ ولَمْ يَقُلْ أيُرِيدُ لِأنّا ذَكَرْنا أنَّ المَوَدَّةَ هي المَحَبَّةُ التّامَّةُ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَحَبَّةَ كُلِّ أحَدٍ لِعَدَمِ هَذِهِ الحالَةِ مَحَبَّةٌ كامِلَةٌ تامَّةٌ، فَلَمّا كانَ الحاصِلُ هو مَوَدَّةَ عَدَمِ هَذِهِ الحالَةِ ذَكَرَ هَذا اللَّفْظَ في جانِبِ الثُّبُوتِ فَقالَ: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ﴾ . حُصُولُ مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ تَنْبِيهًا عَلى الإنْكارِ التّامِّ والنَّفْرَةِ البالِغَةِ إلى الحَدِّ الَّذِي لا مَرْتَبَةَ فَوْقَهُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَذِهِ الجَنَّةَ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ:

الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ. واعْلَمْ أنَّ الجَنَّةَ تَكُونُ مُحْتَوِيَةً عَلى النَّخِيلِ والأعْنابِ، ولا تَكُونُ الجَنَّةُ مِنَ النَّخِيلِ والأعْنابِ إلّا أنَّ بِسَبَبِ كَثْرَةِ النَّخِيلِ والأعْنابِ صارَ كَأنَّ الجَنَّةَ إنَّما تَكُونُ مِنَ النَّخِيلِ والأعْنابِ، وإنَّما خَصَّ النَّخِيلَ والأعْنابَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُما أشْرَفُ الفَواكِهِ ولِأنَّهُما أحْسَنُ الفَواكِهِ …

Al-Baqara 2:266Listen in Qur'an →
267

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا۟ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ

O you who have believed, spend from the good things which you have earned and from that which We have produced for you from the earth. And do not aim toward the defective therefrom, spending [from that] while you would not take it [yourself] except with closed eyes. And know that Allah is Free of need and Praiseworthy.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ [تَعالى] رَغَّبَ في الإنْفاقِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الإنْفاقَ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنهُ ما يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى، ومِنهُ ما لا يَتْبَعُهُ ذَلِكَ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَرَحَ ما يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، وضَرَبَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَثَلًا يَكْشِفُ عَنِ المَعْنى ويُوَضِّحُ المَقْصُودَ مِنهُ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ.

صفحة ٥٤

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المالَ الَّذِي أمَرَ بِإنْفاقِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ فَقالَ: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ: (أنْفِقُوا) المُرادُ مِنهُ ماذا ؟ فَقالَ الحَسَنُ: المُرادُ مِنهُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ مِنهُ التَّطَوُّعُ، وقالَ ثالِثٌ: إنَّهُ يَتَناوَلُ الفَرْضَ والنَّفْلَ.

حُجَّةُ مَن قالَ المُرادُ مِنهُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: (أنْفِقُوا) أمْرٌ، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، والإنْفاقُ الواجِبُ لَيْسَ إلّا الزَّكاةَ وسائِرَ النَّفَقاتِ الواجِبَةِ.

حُجَّةُ مَن قالَ المُرادُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ: أنَّهم كانُوا يَتَصَدَّقُونَ بِشِرارِ ثِمارِهِمْ ورَدِيءِ أمْوالِهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «جاءَ رَجُلٌ ذاتَ يَوْمٍ بِعِذْقِ حَشَفٍ فَوَضَعَهُ في الصَّدَقَةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”بِئْسَ ما صَنَعَ صاحِبُ هَذا“» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

حُجَّةُ مَن قالَ الفَرْضُ والنَّفْلُ داخِلانِ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ المَفْهُومَ مِنَ الأمْرِ تَرْجِيحُ جانِبِ الفِعْلِ عَلى جانِبِ التَّرْكِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ فِيهِ بَيانُ أنَّهُ يَجُوزُ التَّرْكُ أوْ لا يَجُوزُ، وهَذا المَفْهُومُ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الفَرْضِ والنَّفْلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونا داخِلَيْنِ تَحْتَ الأمْرِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ وهو أنَّهُ لِلْوُجُوبِ فَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ في كُلِّ مالٍ يَكْتَسِبُهُ الإنْسانُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ زَكاةُ التِّجارَةِ، وزَكاةُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وزَكاةُ النَّعَمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوصَفُ بِأنَّهُ مُكْتَسَبٌ، ويَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ في كُلِّ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ، عَلى ما هو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، واسْتِدْلالُهُ بِهَذِهِ الآيَةِ ظاهِرٌ جِدًّا، إلّا أنَّ مُخالِفِيهِ خَصَّصُوا هَذا العُمُومَ بِقَوْلِهِ ﷺ: ”«لَيْسَ في الخُضْراواتِ صَدَقَةٌ» “ وأيْضًا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ إخْراجَ الزَّكاةِ مِن كُلِّ ما أنْبَتَتْهُ الأرْضُ واجِبٌ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى قَوْلِهِ إلّا أنَّ مُخالِفِيهِ خَصَّصُوا هَذا العُمُومَ بِقَوْلِهِ ﷺ: ”«لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ» “ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالطَّيِّبِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ الجَيِّدُ مِنَ المالِ دُونَ الرَّدِيءِ، فَأطْلَقَ لَفْظَ الطَّيِّبِ عَلى الجَيِّدِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فالمُرادُ مِنَ الخَبِيثِ المَذْكُورِ في هَذِهِ …

Al-Baqara 2:267Listen in Qur'an →
268

ٱلشَّيْطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةًۭ مِّنْهُ وَفَضْلًۭا ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ

Satan threatens you with poverty and orders you to immorality, while Allah promises you forgiveness from Him and bounty. And Allah is all-Encompassing and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلًا واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَغَّبَ الإنْسانَ في إنْفاقِ أجْوَدِ ما يَمْلِكُهُ حَذَرَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ فَقالَ:

صفحة ٥٧

﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ أيْ: يُقالُ: إنْ أنْفَقْتَ الأجْوَدَ صِرْتَ فَقِيرًا فَلا تُبالِ بِقَوْلِهِ فَإنَّ الرَّحْمَنَ ﴿يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في الشَّيْطانِ فَقِيلَ: إبْلِيسُ، وقِيلَ: سائِرُ الشَّياطِينِ، وقِيلَ: شَياطِينُ الجِنِّ والإنْسِ، وقِيلَ: النَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الوَعْدُ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحَجِّ: ٧٢] ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا مَحْمُولًا عَلى التَّهَكُّمِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢١] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفَقْرُ والفُقْرُ لُغَتانِ، وهو الضَّعِيفُ بِسَبَبِ قِلَّةِ المالِ، وأصْلُ الفَقْرِ في اللُّغَةِ كَسْرُ الفَقارِ، يُقالُ: رَجُلٌ فَقِرٌ وفَقِيرٌ إذا كانَ مَكْسُورَ الفَقارِ، قالَ طَرفَةُ:

إنَّنِي لَسْتُ بِمَرْهُونِ فَقِرْ

قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ الفُقْرُ بِالضَّمِّ والفَقَرُ بِفَتْحَتَيْنِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أمّا الكَلامُ في حَقِيقَةِ الوَسْوَسَةِ، فَقَدْ ذَكَرْناهُ في أوَّلِ الكِتابِ في تَفْسِيرِ ”أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ“ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً وهي الإيعادُ بِالشَّرِّ، ولِلْمَلَكِ لَمَّةً وهي الوَعْدُ بِالخَيْرِ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، ومِن وجَدَ الأوَّلَ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. ورَوى الحَسَنُ، قالَ بَعْضُ المُهاجِرِينَ: مَن سَرَّهُ أنْ يَعْلَمَ مَكانَ الشَّيْطانِ مِنهُ فَلْيَتَأمَّلْ مَوْضِعَهُ مِنَ المَكانِ الَّذِي مِنهُ يَجِدُ الرَّغْبَةَ في فِعْلِ المُنْكَرِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ الفَحْشاءَ هي البُخْلُ ﴿ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ أيْ: ويُغْرِيكم عَلى البُخْلِ إغْراءَ الآمِرِ لِلْمَأْمُورِ، والفاحِشُ عِنْدَ العَرَبِ البَخِيلُ، قالَ طَرَفَةُ:

أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ

ويَعْتامُ مَنقُولٌ مَن عامَ فُلانٌ إلى اللَّبَنِ إذا اشْتَهاهُ، وأرادَ بِالفاحِشِ البَخِيلَ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العادِياتِ: ٨] وقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى لَطِيفَةٍ وهي أنَّ الشَّيْطانَ يُخَوِّفُهُ أوَّلًا بِالفَقْرِ ثُمَّ يَتَوَصَّلُ بِهَذا التَّخْوِيفِ إلى أنْ يَأْمُرَهُ بِالفَحْشاءِ ويُغْرِيَهُ بِالبُخْلِ، وذَلِكَ لِأنَّ البُخْلَ صِفَةٌ مَذْمُومَةٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، فالشَّيْطانُ لا يُمْكِنُهُ تَحْسِينُ البُخْلِ في عَيْنِهِ إلّا بِتَقْدِيمِ تِلْكَ المُقَدِّمَةِ، وهي التَّخْوِيفُ مِنَ الفَقْرِ.

الوَجْهُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الفَحْشاءِ: وهو أنَّهُ يَقُولُ: لا تُنْفِقِ الجَيِّدَ مِن مالِكَ في طاعَةِ اللَّهِ لِئَلّا تَصِيرَ فَقِيرًا، فَإذا أطاعَ الرَّجُلُ الشَّيْطانَ في ذَلِكَ زادَ الشَّيْطانُ، فَيَمْنَعُهُ مِنَ الإنْفاقِ في الكُلِّيَّةِ حَتّى لا يُعْطِيَ لا الجَيِّدَ ولا الرَّدِيءَ وحَتّى يَمْنَعَ الحُقُوقَ الواجِبَةَ، فَلا يُؤَدِّي الزَّكاةَ ولا يَصِلُ الرَّحِمَ ولا يَرُدُّ الوَدِيعَةَ، …

Al-Baqara 2:268Listen in Qur'an →
269

يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ

He gives wisdom to whom He wills, and whoever has been given wisdom has certainly been given much good. And none will remember except those of understanding.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ الشَّيْطانَ يَعِدُ الفَقْرَ ويَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ، وأنَّ الرَّحْمَنَ يَعِدُ بِالمَغْفِرَةِ والفَضْلِ، نَبَّهَ عَلى أنَّ الأمْرَ الَّذِي لِأجْلِهِ وجَبَ تَرْجِيحُ وعْدِ الرَّحْمَنِ عَلى وعْدِ الشَّيْطانِ هو أنَّ وعْدَ الرَّحْمَنِ تُرَجِّحُهُ الحِكْمَةُ والعَقْلُ، ووَعْدَ الشَّيْطانِ تُرَجِّحُهُ الشَّهْوَةُ والنَّفْسُ مِن حَيْثُ إنَّهُما يَأْمُرانِ بِتَحْصِيلِ اللَّذَّةِ الحاضِرَةِ واتِّباعِ أحْكامِ الخَيالِ والوَهْمِ، ولا شَكَّ أنَّ حُكْمَ الحِكْمَةِ والعَقْلِ هو الحَكَمُ الصّادِقُ المُبَرَّأُ عَنِ الزَّيْغِ والخَلَلِ، وحُكْمَ الحِسِّ والشَّهْوَةِ والنَّفْسِ تُوقِعُ الإنْسانَ في البَلاءِ والمِحْنَةِ، فَكانَ حُكْمُ الحِكْمَةِ والعَقْلِ أوْلى بِالقَبُولِ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى وجْهِ النَّظْمِ. بَقِيَ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِنَ الحِكْمَةِ إمّا العِلْمُ وإمّا فِعْلُ الصَّوابِ؛ يُرْوى عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: تَفْسِيرُ الحِكْمَةِ في القُرْآنِ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: مَواعِظُ القُرْآنِ، قالَ في البَقَرَةِ: ﴿وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكم بِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣١] يَعْنِي مَواعِظَ القُرْآنِ، وفي النِّساءِ: ﴿وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النِّساءِ: ١١٣] يَعْنِي المَواعِظَ، ومِثْلُها في آلِ عِمْرانَ.

وثانِيها: الحِكْمَةُ بِمَعْنى الفَهْمِ والعِلْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ١٢] وفي لُقْمانَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ [لُقْمانَ: ١٢] يَعْنِي الفَهْمَ والعِلْمَ، وفي الأنْعامِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ﴾ [الأنْعامِ: ٨٩] يَعْنِي النُّبُوَّةَ، وفي ص: ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ [ص: ٢٠] يَعْنِي النُّبُوَّةَ، وفي البَقَرَةِ: ﴿وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥١] .

ورابِعُها: القُرْآنُ بِما فِيهِ مِن عَجائِبِ الأسْرارِ في النَّحْلِ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥] .

وفِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ وجَمِيعُ هَذِهِ الوُجُوهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ تَرْجِعُ إلى العِلْمِ. ثُمَّ تَأْمَّلْ أيُّها المِسْكِينُ فَإنَّهُ تَعالى ما أعْطى إلّا القَلِيلَ مِنَ العِلْمِ، قالَ تَعالى: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ﴾

صفحة ٦٠

﴿إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٨٥] وسَمّى الدُّنْيا بِأسْرِها قَلِيلًا، فَقالَ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [النِّساءِ: ٧٧] وانْظُرْ كَمْ مِقْدارُ هَذا القَلِيلِ حَتّى تَعْرِفَ عَظَمَةَ ذَلِكَ الكَثِيرِ، والبُرْهانُ العَقْلِيُّ أيْضًا يُطابِقُهُ؛ لِأنَّ الدُّنْيا مُتَناهِيَةُ المِقْدارِ، مُتَناهِيَةُ المُدَّةِ، والعُلُومُ لا نِهايَةَ لِمَراتِبِها وعَدَدِها ومُدَّةِ بَقائِها، والسَّعادَةِ الحاصِلَةِ مِنها، وذَلِكَ يُنْبِئُكَ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ، والِاسْتِقْصاءُ في هَذا البابِ قَدْ مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البَقَرَةِ: ٣١] .

وأمّا الحِكْمَةُ بِمَعْنى فِعْلِ الصَّوابِ فَقِيلَ في حَدِّها: إنَّها التَّخَلُّقُ بِأخْلاقِ اللَّهِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، ومَدارُ هَذا المَعْنى عَلى قَوْلِهِ ﷺ: ”«تَخَلَّقُوا بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى» “ . واعْلَمْ أنَّ الحِكْمَةَ لا يُمْكِنُ خُرُوجُها عَنْ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَمالَ …

Al-Baqara 2:269Listen in Qur'an →
270

وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُۥ ۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ

And whatever you spend of expenditures or make of vows - indeed, Allah knows of it. And for the wrongdoers there are no helpers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الإنْفاقَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مِن أجْوَدِ المالِ، ثُمَّ حَثَّ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ﴾، وثانِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ حَثَّ عَلَيْهِ ثالِثًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ عَلى اخْتِصارِهِ، يُفِيدُ الوَعْدَ العَظِيمَ لِلْمُطِيعِينَ، والوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِلْمُتَمَرِّدِينَ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِما في قَلْبِ المُتَصَدِّقِ مِن نِيَّةِ الإخْلاصِ والعُبُودِيَّةِ أوْ مِن نِيَّةِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ.

وثانِيها: أنَّ عِلْمَهُ بِكَيْفِيَّةِ نِيَّةِ المُتَصَدِّقِ يُوجِبُ قَبُولَ تِلْكَ الطّاعاتِ، كَما قالَ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائِدَةِ: ٢٧] وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧، ٨] .

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ القَدْرَ المُسْتَحَقَّ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ عَلى تِلْكَ الدَّواعِي والنِّيّاتِ فَلا يُهْمِلُ شَيْئًا مِنها، ولا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: يَعْلَمُها، لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الأخِيرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النِّساءِ: ١١٢] وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ.

والثّانِي: أنَّ الكِتابَةَ عادَتْ إلى ما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ﴾ لِأنَّها اسْمٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكم بِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣١] .

صفحة ٦٢

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: النَّذْرُ ما يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ بِإيجابِهِ عَلى نَفْسِهِ يُقالُ: نَذَرَ يَنْذُرُ، وأصْلُهُ مِنَ الخَوْفِ لِأنَّ الإنْسانَ إنَّما يَعْقِدُ عَلى نَفْسِهِ خَوْفَ التَّقْصِيرِ في الأمْرِ المُهِمِّ عِنْدَهُ، وأنْذَرْتُ القَوْمَ إنْذارًا بِالتَّخْوِيفِ، وفي الشَّرِيعَةِ عَلى ضَرْبَيْنِ: مُفَسَّرٍ وغَيْرِ مُفَسَّرٍ، فالمُفَسَّرُ أنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، ولِلَّهِ عَلَيَّ حَجٌّ، فَهَهُنا يَلْزَمُ الوَفاءُ بِهِ ولا يَجْزِيهِ غَيْرُهُ. وغَيْرُ المُفَسَّرِ أنْ يَقُولَ: نَذَرْتُ لِلَّهِ أنْ لا أفْعَلَ كَذا ثُمَّ يَفْعَلُهُ، أوْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ مِن غَيْرِ تَسْمِيَةٍ فَيَلْزَمُ فِيهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، لِقَوْلِهِ ﷺ: ”«مَن نَذَرَ نَذْرًا وسَمّى فَعَلَيْهِ ما سَمّى، ومَن نَذَرَ نَذْرًا ولَمْ يُسَمِّ فَعَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ» “ .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِلظّالِمِينَ، وهو قِسْمانِ، أمّا ظُلْمُهُ نَفْسَهُ فَذاكَ حاصِلٌ في كُلِّ المَعاصِي، وأمّا ظُلْمُهُ غَيْرَهُ فَبِأنْ لا يُنْفِقَ أوْ يَصْرِفَ الإنْفاقَ عَنِ المُسْتَحِقِّ إلى غَيْرِهِ، أوْ يَكُونَ نِيَّتُهُ في الإنْفاقِ عَلى المُسْتَحِقِّ الرِّياءَ والسُّمْعَةَ، أوْ يُفْسِدَها بِالمَعاصِي، وهَذانِ القِسْمانِ الأخِيرانِ لَيْسا مِن بابِ الظُّلْمِ عَلى الغَيْرِ، بَلْ مِن بابِ الظُّلْمِ عَلى النَّفْسِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُعْتَزِلَةُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ الشَّفاعَةِ عَنْ أهْلِ الكَبائِرِ، …

Al-Baqara 2:270Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.