Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 251–260 of 286

251

فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

So they defeated them by permission of Allah, and David killed Goliath, and Allah gave him the kingship and prophethood and taught him from that which He willed. And if it were not for Allah checking [some] people by means of others, the earth would have been corrupted, but Allah is full of bounty to the worlds.

قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَإ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ وقَدْ قَدَّمْناهُ، والمَلَأُ الأشْرافُ مِنَ النّاسِ كَأنَّهُما مُلِئُوا شَرَفًا.

وقالَ الزَّجّاجُ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم مَلِئُونَ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنهم، وهو اسْمُ جَمْعٍ كالقَوْمِ والرَّهْطِ.

ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في التَّحْرِيضِ عَلى القِتالِ قِصَّةً أُخْرى جَرَتْ في بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ القِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ " مِن " ابْتِدائِيَّةٌ وعامِلُها مُقَدَّرٌ: أيْ كائِنَيْنِ مِن بَعْدِ مُوسى: أيْ بَعْدِ وفاتِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ قِيلَ: هو شَمْوِيلُ بْنُ يارَ بْنِ عَلْقَمَةَ ويُعْرَفُ بِابْنِ العَجُوزِ، ويُقالُ فِيهِ شَمْعُونُ، وهو مِن ولَدِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: مِن نَسْلِ هارُونَ، وقِيلَ: هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا لِأنَّ يُوشَعَ هو فَتى مُوسى، ولَمْ يُوجَدْ داوُدُ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، وقِيلَ: اسْمُهُ إسْماعِيلُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ أيْ أمِيرًا نَرْجِعُ إلَيْهِ ونَعْمَلُ عَلى رَأْيِهِ.

وقَوْلُهُ: " نُقاتِلْ " بِالنُّونِ والجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ.

وقَرَأ الضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالياءِ ورَفْعِ الفِعْلِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَلِكِ.

وقُرِئَ بِالنُّونِ والرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ أوْ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ بِالفَتْحِ لِلسِّينِ وبِالكَسْرِ لُغَتانِ، وبِالثّانِيَةِ قَرَأ نافِعٌ، وبِالأُولى قَرَأ الباقُونَ.

قالَ في الكَشّافِ: وقِراءَةُ الكَسْرِ ضَعِيفَةٌ.

وقالَ أبُو حاتِمٍ: لَيْسَ لِلْكَسْرِ وجْهٌ انْتَهى.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وجْهُ الكَسْرِ قَوْلُ العَرَبِ: هو عَسَّ بِذَلِكَ، مِثْلُ حَرَّ وشَجَّ، وقَدْ جاءَ فَعَلَ وفَعِلَ في نَحْوِ نَقَمَ ونَقِمَ، فَكَذَلِكَ عَسَيْتُ وعَسِيتُ، وكَذا قالَ مَكِّيٌّ.

وقَدْ قَرَأ بِالكَسْرِ أيْضًا الحَسَنُ وطَلْحَةُ فَلا وجْهَ لِتَضْعِيفِ ذَلِكَ، وهو مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ: أيْ هَلْ قارَبْتُمْ أنْ لا تُقاتِلُوا، وإدْخالُ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ عَلى فِعْلِ المُقارَبَةِ لِتَقْرِيرِ ما هو مُتَوَقَّعٌ عِنْدَهُ والإشْعارِ بِأنَّهُ كائِنٌ، وفُصِلَ بَيْنَ عَسى وخَبَرِها بِالشَّرْطِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاعْتِناءِ بِهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ألّا تُقاتِلُوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: أيْ هَلْ عَسَيْتُمْ مُقاتَلَةً.

قالَ الأخْفَشُ: " أنْ " في قَوْلِهِ: ﴿وما لَنا ألّا نُقاتِلَ﴾ زائِدَةٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى: أيْ وما مَنَعَنا، كَما تَقُولُ: ما لَكَ ألّا تُصَلِّيَ، وقِيلَ: المَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ لَنا في أنْ لا نُقاتِلَ.

قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أجْوَدُها.

وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ أُخْرِجْنا﴾ تَعْلِيلٌ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وإفْرادُ الأوْلادِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ وقَعَ عَلَيْهِمُ السَّبْيُ، أوْ لِأنَّهم بِمَكانٍ فَوْقَ مَكانِ سائِرِ القَرابَةِ ﴿فَلَمّا كُتِبَ﴾ أيْ فُرِضَ، أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم تَوَلَّوْا لِاضْطِرابِ نِيّاتِهِمْ وفُتُورِ عَزائِمِهِمْ.

واخْتُلِفَ في عَدَدِ القَلِيلِ الَّذِينَ اسْتَثْناهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهُمُ الَّذِينَ اكْتَفَوْا بِالغُرْفَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ نَبِيِّهِمْ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.

وطالُوتُ: اسْمٌ عَجَمِيٌّ، وكانَ سَقّاءً، وقِيلَ: دَبّاغًا، وقِيلَ: مُكارِيًّا، ولَمْ يَكُنْ مِن سِبْطِ النُّبُوَّةِ وهم بَنُو لاوِي، ولا مِن سِبْطِ المُلْكِ وهم بَنُو يَهُوذا، فَلِذَلِكَ ﴿قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ …

Al-Baqara 2:251Listen in Qur'an →
252

تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ

These are the verses of Allah which We recite to you, [O Muhammad], in truth. And indeed, you are from among the messengers.

قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَإ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ وقَدْ قَدَّمْناهُ، والمَلَأُ الأشْرافُ مِنَ النّاسِ كَأنَّهُما مُلِئُوا شَرَفًا.

وقالَ الزَّجّاجُ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم مَلِئُونَ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنهم، وهو اسْمُ جَمْعٍ كالقَوْمِ والرَّهْطِ.

ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في التَّحْرِيضِ عَلى القِتالِ قِصَّةً أُخْرى جَرَتْ في بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ القِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ " مِن " ابْتِدائِيَّةٌ وعامِلُها مُقَدَّرٌ: أيْ كائِنَيْنِ مِن بَعْدِ مُوسى: أيْ بَعْدِ وفاتِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ قِيلَ: هو شَمْوِيلُ بْنُ يارَ بْنِ عَلْقَمَةَ ويُعْرَفُ بِابْنِ العَجُوزِ، ويُقالُ فِيهِ شَمْعُونُ، وهو مِن ولَدِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: مِن نَسْلِ هارُونَ، وقِيلَ: هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا لِأنَّ يُوشَعَ هو فَتى مُوسى، ولَمْ يُوجَدْ داوُدُ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، وقِيلَ: اسْمُهُ إسْماعِيلُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ أيْ أمِيرًا نَرْجِعُ إلَيْهِ ونَعْمَلُ عَلى رَأْيِهِ.

وقَوْلُهُ: " نُقاتِلْ " بِالنُّونِ والجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ.

وقَرَأ الضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالياءِ ورَفْعِ الفِعْلِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَلِكِ.

وقُرِئَ بِالنُّونِ والرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ أوْ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ بِالفَتْحِ لِلسِّينِ وبِالكَسْرِ لُغَتانِ، وبِالثّانِيَةِ قَرَأ نافِعٌ، وبِالأُولى قَرَأ الباقُونَ.

قالَ في الكَشّافِ: وقِراءَةُ الكَسْرِ ضَعِيفَةٌ.

وقالَ أبُو حاتِمٍ: لَيْسَ لِلْكَسْرِ وجْهٌ انْتَهى.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وجْهُ الكَسْرِ قَوْلُ العَرَبِ: هو عَسَّ بِذَلِكَ، مِثْلُ حَرَّ وشَجَّ، وقَدْ جاءَ فَعَلَ وفَعِلَ في نَحْوِ نَقَمَ ونَقِمَ، فَكَذَلِكَ عَسَيْتُ وعَسِيتُ، وكَذا قالَ مَكِّيٌّ.

وقَدْ قَرَأ بِالكَسْرِ أيْضًا الحَسَنُ وطَلْحَةُ فَلا وجْهَ لِتَضْعِيفِ ذَلِكَ، وهو مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ: أيْ هَلْ قارَبْتُمْ أنْ لا تُقاتِلُوا، وإدْخالُ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ عَلى فِعْلِ المُقارَبَةِ لِتَقْرِيرِ ما هو مُتَوَقَّعٌ عِنْدَهُ والإشْعارِ بِأنَّهُ كائِنٌ، وفُصِلَ بَيْنَ عَسى وخَبَرِها بِالشَّرْطِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاعْتِناءِ بِهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ألّا تُقاتِلُوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: أيْ هَلْ عَسَيْتُمْ مُقاتَلَةً.

قالَ الأخْفَشُ: " أنْ " في قَوْلِهِ: ﴿وما لَنا ألّا نُقاتِلَ﴾ زائِدَةٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى: أيْ وما مَنَعَنا، كَما تَقُولُ: ما لَكَ ألّا تُصَلِّيَ، وقِيلَ: المَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ لَنا في أنْ لا نُقاتِلَ.

قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أجْوَدُها.

وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ أُخْرِجْنا﴾ تَعْلِيلٌ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وإفْرادُ الأوْلادِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ وقَعَ عَلَيْهِمُ السَّبْيُ، أوْ لِأنَّهم بِمَكانٍ فَوْقَ مَكانِ سائِرِ القَرابَةِ ﴿فَلَمّا كُتِبَ﴾ أيْ فُرِضَ، أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم تَوَلَّوْا لِاضْطِرابِ نِيّاتِهِمْ وفُتُورِ عَزائِمِهِمْ.

واخْتُلِفَ في عَدَدِ القَلِيلِ الَّذِينَ اسْتَثْناهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهُمُ الَّذِينَ اكْتَفَوْا بِالغُرْفَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ نَبِيِّهِمْ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.

وطالُوتُ: اسْمٌ عَجَمِيٌّ، وكانَ سَقّاءً، وقِيلَ: دَبّاغًا، وقِيلَ: مُكارِيًّا، ولَمْ يَكُنْ مِن سِبْطِ النُّبُوَّةِ وهم بَنُو لاوِي، ولا مِن سِبْطِ المُلْكِ وهم بَنُو يَهُوذا، فَلِذَلِكَ ﴿قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ …

Al-Baqara 2:252Listen in Qur'an →
253

۞ تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَٰتٍۢ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدْنَٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ

Those messengers - some of them We caused to exceed others. Among them were those to whom Allah spoke, and He raised some of them in degree. And We gave Jesus, the Son of Mary, clear proofs, and We supported him with the Pure Spirit. If Allah had willed, those [generations] succeeding them would not have fought each other after the clear proofs had come to them. But they differed, and some of them believed and some of them disbelieved. And if Allah had willed, they would not have fought each other, but Allah does what He intends.

قَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ قِيلَ: هو إشارَةٌ إلى جَمِيعِ الرُّسُلِ فَتَكُونُ الألِفُ واللّامُ لِلِاسْتِغْراقِ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ، وقِيلَ: إلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ بَلَغَ عِلْمُهم إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

والمُرادُ بِتَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ لِبَعْضِهِمْ مِن مَزايا الكَمالِ فَوْقَ ما جَعَلَهُ لِلْآخَرِ، فَكانَ الأكْثَرُ مَزايا فاضِلًا والآخَرُ مَفْضُولًا.

وكَما دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ بَعْضَ الأنْبِياءِ أفْضَلُ مِن بَعْضٍ كَذَلِكَ دَلَّتِ الآيَةُ الأُخْرى وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] .

وقَدِ اسْتَشْكَلَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ الجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ «لا تُفَضِّلُونِي عَلى الأنْبِياءِ» وفي لَفْظٍ آخَرَ «لا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الأنْبِياءِ» وفي لَفْظِ «لا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأنْبِياءِ» فَقالَ قَوْمٌ: إنَّ هَذا القَوْلَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ بِالتَّفْضِيلِ، وأنَّ القُرْآنَ ناسِخٌ لِلْمَنعِ مِنَ التَّفْضِيلِ، وقِيلَ: إنَّهُ قالَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّواضُعِ كَما قالَ: «لا يَقُلْ أحَدُكم أنا خَيْرٌ مِن يُونُسَ بْنِ مَتّى» تَواضُعًا مَعَ عِلْمِهِ أنَّهُ أفْضَلُ الأنْبِياءِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ»، وقِيلَ: إنَّما نَهى عَنْ ذَلِكَ قَطْعًا لِلْجِدالِ والخِصامِ في الأنْبِياءِ، فَيَكُونُ مَخْصُوصًا بِمِثْلِ ذَلِكَ لا إذا كانَ صُدُورُ ذَلِكَ مَأْمُونًا، وقِيلَ: إنَّ النَّهْيَ إنَّما هو مِن جِهَةِ النُّبُوَّةِ فَقَطْ، لِأنَّها خَصْلَةٌ واحِدَةٌ لا تَفاضُلَ فِيها، ولا نَهْيَ عَنِ التَّفاضُلِ بِزِيادَةِ الخُصُوصِيّاتِ والكَراماتِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ النَّهْيُ عَنِ التَّفْضِيلِ لِمُجَرَّدِ الأهْواءِ والعَصَبِيَّةِ.

وفِي جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ ضَعْفٌ.

وعِنْدِي أنَّهُ لا تَعارُضَ بَيْنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ، فَإنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ فَضَّلَ بَعْضَ أنْبِيائِهِ عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ يَجُوزُ لَنا أنْ نُفَضِّلَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، فَإنَّ المَزايا الَّتِي هي مَناطُ التَّفْضِيلِ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ اللَّهِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ ولَيْسَتْ بِمَعْلُومَةٍ عِنْدَ البَشَرِ، فَقَدْ يَجْهَلُ أتْباعُ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ بَعْضَ مَزاياهُ وخُصُوصِيّاتِهِ فَضْلًا عَنْ مَزايا غَيْرِهِ، والتَّفْضِيلُ لا يَجُوزُ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِجَمِيعِ الأسْبابِ الَّتِي يَكُونُ بِها هَذا فاضِلًا وهَذا مَفْضُولًا، لا قَبْلَ العِلْمِ بِبَعْضِها أوْ بِأكْثَرِها أوْ بِأقَلِّها، فَإنَّ ذَلِكَ تَفْضِيلٌ بِالجَهْلِ وإقْدامٌ عَلى أمْرٍ لا يَعْلَمُهُ الفاعِلُ لَهُ وهو مَمْنُوعٌ مِنهُ، فَلَوْ فَرَضْنا أنَّهُ لَمْ يَرِدْ إلّا القُرْآنُ في الإخْبارِ لَنا بِأنَّ اللَّهَ فَضَّلَ بَعْضَ أنْبِيائِهِ عَلى بَعْضٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْبَشَرِ أنْ يُفَضِّلُوا بَيْنَ الأنْبِياءِ، فَكَيْفَ وقَدْ ورَدَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ؟ وإذا عَرَفْتَ هَذا عَلِمْتَ أنَّهُ لا تَعارُضَ بَيْنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فالقُرْآنُ فِيهِ الإخْبارُ مِنَ اللَّهِ بِأنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَ أنْبِيائِهِ عَلى بَعْضٍ، والسُّنَّةُ فِيها النَّهْيُ لِعِبادِهِ أنْ …

Al-Baqara 2:253Listen in Qur'an →
254

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌۭ وَلَا شَفَٰعَةٌۭ ۗ وَٱلْكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

O you who have believed, spend from that which We have provided for you before there comes a Day in which there is no exchange and no friendship and no intercession. And the disbelievers - they are the wrongdoers.

ظاهِرُ الأمْرِ في قَوْلِهِ: أنْفِقُوا الوُجُوبُ، وقَدْ حَمَلَهُ جَماعَةٌ عَلى صَدَقَةِ الفَرْضِ لِذَلِكَ، ولِما في آخِرِ الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَجْمَعُ زَكاةَ الفَرْضِ والتَّطَوُّعِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا صَحِيحٌ، ولَكِنْ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ في ذِكْرِ القِتالِ وأنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِالمُؤْمِنِينَ في صُدُورِ الكافِرِينَ يَتَرَجَّحُ مِنهُ أنَّ هَذا النَّدْبَ إنَّما هو في سَبِيلِ اللَّهِ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَكُونُ إنْفاقُ المالِ مَرَّةً واجِبًا، ومَرَّةً نَدْبًا بِحَسَبِ تَعَيُّنِ الجِهادِ وعَدَمِ تَعَيُّنِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أيْ: أنْفِقُوا ما دُمْتُمْ قادِرِينَ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ﴾ ما لا يُمْكِنُكُمُ الإنْفاقُ فِيهِ وهو ﴿يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أيْ لا يَتَبايَعُ النّاسُ فِيهِ.

والخُلَّةُ: خالِصُ المَوَدَّةِ مَأْخُوذَةٌ مِن تَخَلُّلِ الأسْرارِ بَيْنَ الصَّدِيقَيْنِ.

أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا خُلَّةَ في يَوْمِ القِيامَةِ نافِعَةٌ ولا شَفاعَةَ مُؤَثِّرَةٌ إلّا لِمَن أذِنَ اللَّهُ لَهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِنَصْبِ " لا بَيْعَ " " ولا خَلَّةَ ولا شَفاعَةَ "، مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقَرَأ الباقُونَ بِرَفْعِها مُنَوَّنَةً، وهُما لُغَتانِ مَشْهُورَتانِ لِلْعَرَبِ، ووَجْهانِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ النُّحاةِ، فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُ حَسّانَ:

؎ألا طِعانٌ ألا فُرْسانُ عادِيَةٌ ألا تَجَشُّئُوكم حَوْلَ التَّنانِيرِ

ومِنَ الثّانِي قَوْلُ الرّاعِي:

؎وما صَرَمْتُكِ حَتّى قُلْتِ مُعْلِنَةً ∗∗∗ لا ناقَةٌ لِيَ في هَذا ولا جَمَلُ

ويَجُوزُ في غَيْرِ القُرْآنِ التَّغايُرُ بِرَفْعِ البَعْضِ ونَصْبِ البَعْضِ كَما هو مُقَرَّرٌ في عِلْمِ الإعْرابِ.

قَوْلُهُ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ كافِرٍ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، ومِن جُمْلَةِ مَن يَدْخُلُ تَحْتَ هَذا العُمُومِ مانِعُ الزَّكاةِ مَنعًا يُوجِبُ كُفْرَهُ لِوُقُوعِ ذَلِكَ في سِياقِ الأمْرِ بِالإنْفاقِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ قالَ: مِنَ الزَّكاةِ والتَّطَوُّعِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: يُقالُ نَسَخَتِ الزَّكاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ في القُرْآنِ، ونَسَخَ شَهْرُ رَمَضانَ كُلَّ صَوْمٍ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ ناسًا يَتَخالَلُونَ في الدُّنْيا ويَشْفَعُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، فَأمّا يَوْمُ القِيامَةِ فَلا خُلَّةَ إلّا خُلَّةُ المُتَّقِينَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ولَمْ يَقُلْ والظّالِمُونَ هُمُ الكافِرُونَ.

Al-Baqara 2:254Listen in Qur'an →
255

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌۭ وَلَا نَوْمٌۭ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍۢ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ

Allah - there is no deity except Him, the Ever-Living, the Sustainer of [all] existence. Neither drowsiness overtakes Him nor sleep. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. Who is it that can intercede with Him except by His permission? He knows what is [presently] before them and what will be after them, and they encompass not a thing of His knowledge except for what He wills. His Kursi extends over the heavens and the earth, and their preservation tires Him not. And He is the Most High, the Most Great.

قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ أيْ لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إلّا هو، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.

والحَيُّ: الباقِي، وقِيلَ: الَّذِي لا يَزُولُ ولا يُحَوَّلُ، وقِيلَ: المُصَرِّفُ لِلْأُمُورِ والمُقَدِّرُ لِلْأشْياءِ.

قالَ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ إنَّهُ يُقالُ حَيٌّ كَما وصَفَ نَفْسَهُ، ويُسَلَّمُ ذَلِكَ دُونَ أنْ يَنْظُرَ فِيهِ، وهو خَبَرٌ ثانٍ أوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ.

والقَيُّومُ القائِمُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، وقِيلَ: القائِمُ بِذاتِهِ المُقِيمُ لِغَيْرِهِ، وقِيلَ: القائِمُ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ وحِفْظِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي لا يَنامُ، وقِيلَ: الَّذِي لا بَدِيلَ لَهُ.

وأصْلُ قَيُّومٍ قَيْوُومٌ اجْتَمَعَتِ الياءُ والواوُ وسَبَقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَأُدْغِمَتِ الأُولى في الثّانِيَةِ بَعْدَ قَلْبِ الواوِ ياءً.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعَلْقَمَةُ والنَّخَعِيُّ والأعْمَشُ " الحَيُّ القَيّامُ " بِالألِفِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، ولا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ القَيُّومَ أعْرَفُ عِنْدَ العَرَبِ وأصَحُّ بِناءً، وأثْبَتُ عِلَّةً.

والسِّنَةُ: النُّعاسُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، والنُّعاسُ: ما يَتَقَدَّمُ النَّوْمَ مِنَ الفُتُورِ وانْطِباقِ العَيْنَيْنِ، فَإذا صارَ في القَلْبِ صارَ نَوْمًا.

وفَرَّقَ المُفَصِّلُ بَيْنَ السِّنَةِ والنُّعاسِ والنَّوْمِ، فَقالَ: السِّنَةُ مِنَ الرَّأْسِ، والنُّعاسُ في العَيْنِ، والنَّوْمُ في القَلْبِ انْتَهى.

والَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ في الفَرْقِ بَيْنَ السِّنَةِ والنَّوْمِ أنَّ السِّنَةَ لا يُفْقَدُ مَعَها العَقْلُ، بِخِلافِ النَّوْمِ فَإنَّهُ اسْتِرْخاءُ أعْضاءِ الدِّماغِ مِن رُطُوباتِ الأبْخِرَةِ حَتّى يُفْقَدَ مَعَهُ العَقْلُ، بَلْ وجَمِيعُ الإدْراكاتِ بِسائِرِ المَشاعِرِ، والمُرادُ أنَّهُ لا يَعْتَرِيهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ مِنهُما، وقَدَّمَ السِّنَةَ عَلى النَّوْمِ، لِكَوْنِها تَتَقَدَّمُهُ في الوُجُودِ.

قالَ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ: إنِ السِّنَةَ ما تَتَقَدَّمُ النَّوْمَ، فَإذا كانَتْ عِبارَةً عَنْ مُقَدِّمَةِ النَّوْمِ، فَإذا قِيلَ: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ دُلَّ عَلى أنَّهُ لا يَأْخُذُهُ نَوْمٌ بِطْرِيقِ الأوْلى، فَكانَ ذِكْرُ النَّوْمِ تَكْرارًا، قُلْنا: تَقْدِيرُ الآيَةِ: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ فَضْلًا عَنْ أنْ يَأْخُذَهُ نَوْمٌ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ انْتَهى.

وأقُولُ: إنَّ هَذِهِ الأوْلَوِيَّةَ الَّتِي ذَكَرَها غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ، فَإنَّ النَّوْمَ قَدْ يَرِدُ ابْتِداءً مِن دُونِ ما ذُكِرَ مِنَ النُّعاسِ.

وإذا ورَدَ عَلى القَلْبِ والعَيْنِ دُفْعَةً واحِدَةً فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ نَوْمٌ، ولا يُقالُ لَهُ سِنَةٌ، فَلا يَسْتَلْزِمُ نَفْيُ السِّنَةِ نَفْيَ النَّوْمِ.

وقَدْ ورَدَ عَنِ العَرَبِ نَفْيُهُما جَمِيعًا، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

؎ولا سِنَةٌ طَوالَ الدَّهْرِ تَأْخُذُهُ ولا يَنامُ وما في أمْرِهِ فَنَدُ

فَلَمْ يَكْتَفِ بِنَفْيِ السِّنَةِ، وأيْضًا فَإنَّ الإنْسانَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ السِّنَةَ، ولا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ النَّوْمَ، فَقَدْ يَأْخُذُهُ النَّوْمُ ولا تَأْخُذُهُ السِّنَةُ، فَلَوْ وقَعَ الِاقْتِصارُ في النَّظْمِ القُرْآنِيِّ عَلى نَفْيِ السِّنَةِ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ نَفْيَ النَّوْمِ، وهَكَذا لَوْ وقَعَ الِاقْتِصارُ عَلى نَفْيِ النَّوْمِ لَمْ يُفِدْ نَفْيَ السِّنَةِ، فَكَمْ مِن ذِي سِنَةٍ غَيْرُ نائِمٍ، وكَرَّرَ حَرْفَ النَّفْيِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى شُمُولِ النَّفْيِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما.

قَوْلُهُ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ في هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنَ الإنْكارِ عَلى مَن …

Al-Baqara 2:255Listen in Qur'an →
256

لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

There shall be no compulsion in [acceptance of] the religion. The right course has become clear from the wrong. So whoever disbelieves in Taghut and believes in Allah has grasped the most trustworthy handhold with no break in it. And Allah is Hearing and Knowing.

قَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في قَوْلِهِ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّها مَنسُوخَةٌ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَدْ أكْرَهَ العَرَبَ عَلى دِينِ الإسْلامِ وقاتَلَهم ولَمْ يَرْضَ مِنهم إلّا بِالإسْلامِ، والنّاسِخُ لَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] وقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣] وقالَ: ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّها لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ وإنَّما نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ خاصَّةً، وأنَّهم لا يُكْرَهُونَ عَلى الإسْلامِ إذا أدَّوُا الجِزْيَةَ، بَلِ الَّذِينَ يُكْرَهُونَ هم أهْلُ الأوْثانِ، فَلا يُقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ، وإلى هَذا ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ.

القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في الأنْصارِ خاصَّةً، وسَيَأْتِي بَيانُ ما ورَدَ في ذَلِكَ.

القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ مَعْناها لا تَقُولُوا لِمَن أسْلَمَ تَحْتَ السَّيْفِ إنَّهُ مُكْرَهٌ فَلا إكْراهَ في الدِّينِ.

القَوْلُ الخامِسُ: أنَّها ورَدَتْ في السَّبْيِ مَتى كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لَمْ يُجْبَرُوا عَلى الإسْلامِ.

وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: أيْ لا تُكْرِهُوا أحَدًا عَلى الدُّخُولِ في دِينِ الإسْلامِ، فَإنَّهُ بَيِّنٌ واضِحٌ جَلِيٌّ، دَلائِلُهُ وبَراهِينُهُ لا تَحْتاجُ إلى أنْ يُكَرَهَ أحَدٌ عَلى الدُّخُولِ فِيهِ، بَلْ مَن هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ وشَرَحَ صَدْرَهُ ونَوَّرَ بَصِيرَتَهُ دَخَلَ فِيهِ عَلى بَيِّنَةٍ، ومَن أعْمى اللَّهُ قَلَبَهُ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وبَصَرِهِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُهُ الدُّخُولُ في الدِّينِ مُكْرَهًا مَقْسُورًا، وهَذا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا سادِسًا.

وقالَ في الكَشّافِ في تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الآيَةِ: أيْ لَمْ يُجْرِ اللَّهُ أمْرَ الإيمانِ عَلى الإجْبارِ والقَسْرِ، ولَكِنْ عَلى التَّمْكِينِ والِاخْتِيارِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] أيْ: لَوْ شاءَ لَقَسَرَهم عَلى الإيمانِ، ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ، وبُنِيَ الأمْرُ عَلى الِاخْتِيارِ، وهَذا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا سابِعًا.

والَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمادُهُ ويَتَعَيَّنُ الوُقُوفُ عِنْدَهُ: أنَّها في السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ لِأجْلِهِ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وهو أنَّ المَرْأةَ مِنَ الأنْصارِ تَكُونُ مِقْلاةً لا يَكادُ يَعِيشُ لَها ولَدٌ، فَتَجْعَلُ عَلى نَفْسِها إنْ عاشَ لَها ولَدٌ أنْ تُهَوِّدَهُ، فَلَمّا أُجْلِيَتْ يَهُودُ بَنِي نَضِيرٍ كانَ فِيهِمْ مِن أبْناءِ الأنْصارِ فَقالُوا: لا نَدَعُ أبْناءَنا فَنَزَلَتْ، أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَدْ ورَدَتْ هَذِهِ القِصَّةُ مِن وُجُوهٍ، حاصِلُها ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ مَعَ زِياداتٍ تَتَضَمَّنُ أنَّ الأنْصارَ قالُوا: إنَّما جَعَلْناهم عَلى دِينِهِمْ: أيْ دِينِ اليَهُودِ، ونَحْنُ نَرى أنَّ دِينَهم أفْضَلُ مِن دِينِنا، وأنَّ اللَّهَ جاءَ بِالإسْلامِ فَلَنُكْرِهَنَّهم، فَلَمّا نَزَلَتْ خَيَّرَ الأبْناءَ رَسُولُ اللَّهِ …

Al-Baqara 2:256Listen in Qur'an →
257

ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Allah is the ally of those who believe. He brings them out from darknesses into the light. And those who disbelieve - their allies are Taghut. They take them out of the light into darknesses. Those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.

قَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في قَوْلِهِ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّها مَنسُوخَةٌ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَدْ أكْرَهَ العَرَبَ عَلى دِينِ الإسْلامِ وقاتَلَهم ولَمْ يَرْضَ مِنهم إلّا بِالإسْلامِ، والنّاسِخُ لَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] وقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣] وقالَ: ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّها لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ وإنَّما نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ خاصَّةً، وأنَّهم لا يُكْرَهُونَ عَلى الإسْلامِ إذا أدَّوُا الجِزْيَةَ، بَلِ الَّذِينَ يُكْرَهُونَ هم أهْلُ الأوْثانِ، فَلا يُقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ، وإلى هَذا ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ.

القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في الأنْصارِ خاصَّةً، وسَيَأْتِي بَيانُ ما ورَدَ في ذَلِكَ.

القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ مَعْناها لا تَقُولُوا لِمَن أسْلَمَ تَحْتَ السَّيْفِ إنَّهُ مُكْرَهٌ فَلا إكْراهَ في الدِّينِ.

القَوْلُ الخامِسُ: أنَّها ورَدَتْ في السَّبْيِ مَتى كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لَمْ يُجْبَرُوا عَلى الإسْلامِ.

وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: أيْ لا تُكْرِهُوا أحَدًا عَلى الدُّخُولِ في دِينِ الإسْلامِ، فَإنَّهُ بَيِّنٌ واضِحٌ جَلِيٌّ، دَلائِلُهُ وبَراهِينُهُ لا تَحْتاجُ إلى أنْ يُكَرَهَ أحَدٌ عَلى الدُّخُولِ فِيهِ، بَلْ مَن هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ وشَرَحَ صَدْرَهُ ونَوَّرَ بَصِيرَتَهُ دَخَلَ فِيهِ عَلى بَيِّنَةٍ، ومَن أعْمى اللَّهُ قَلَبَهُ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وبَصَرِهِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُهُ الدُّخُولُ في الدِّينِ مُكْرَهًا مَقْسُورًا، وهَذا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا سادِسًا.

وقالَ في الكَشّافِ في تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الآيَةِ: أيْ لَمْ يُجْرِ اللَّهُ أمْرَ الإيمانِ عَلى الإجْبارِ والقَسْرِ، ولَكِنْ عَلى التَّمْكِينِ والِاخْتِيارِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] أيْ: لَوْ شاءَ لَقَسَرَهم عَلى الإيمانِ، ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ، وبُنِيَ الأمْرُ عَلى الِاخْتِيارِ، وهَذا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا سابِعًا.

والَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمادُهُ ويَتَعَيَّنُ الوُقُوفُ عِنْدَهُ: أنَّها في السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ لِأجْلِهِ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وهو أنَّ المَرْأةَ مِنَ الأنْصارِ تَكُونُ مِقْلاةً لا يَكادُ يَعِيشُ لَها ولَدٌ، فَتَجْعَلُ عَلى نَفْسِها إنْ عاشَ لَها ولَدٌ أنْ تُهَوِّدَهُ، فَلَمّا أُجْلِيَتْ يَهُودُ بَنِي نَضِيرٍ كانَ فِيهِمْ مِن أبْناءِ الأنْصارِ فَقالُوا: لا نَدَعُ أبْناءَنا فَنَزَلَتْ، أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَدْ ورَدَتْ هَذِهِ القِصَّةُ مِن وُجُوهٍ، حاصِلُها ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ مَعَ زِياداتٍ تَتَضَمَّنُ أنَّ الأنْصارَ قالُوا: إنَّما جَعَلْناهم عَلى دِينِهِمْ: أيْ دِينِ اليَهُودِ، ونَحْنُ نَرى أنَّ دِينَهم أفْضَلُ مِن دِينِنا، وأنَّ اللَّهَ جاءَ بِالإسْلامِ فَلَنُكْرِهَنَّهم، فَلَمّا نَزَلَتْ خَيَّرَ الأبْناءَ رَسُولُ اللَّهِ …

Al-Baqara 2:257Listen in Qur'an →
258

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِۦمَ فِى رَبِّهِۦٓ أَنْ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Have you not considered the one who argued with Abraham about his Lord [merely] because Allah had given him kingship? When Abraham said, "My Lord is the one who gives life and causes death," he said, "I give life and cause death." Abraham said, "Indeed, Allah brings up the sun from the east, so bring it up from the west." So the disbeliever was overwhelmed [by astonishment], and Allah does not guide the wrongdoing people.

فِي هَذِهِ الآيَةِ اسْتِشْهادٌ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن أنَّ الكَفَرَةَ أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لِإنْكارِ النَّفْيِ، والتَّقْرِيرُ المَنفِيُّ: أيْ ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ أوْ نَظَرُكَ إلى هَذا الَّذِي صَدَرَتْ مِنهُ هَذِهِ المُحاجَّةُ.

قالَ الفَرّاءُ: " ألَمْ تَرَ " بِمَعْنى هَلْ رَأيْتَ: أيْ هَلْ رَأيْتَ الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ وهو النُّمْرُوذُ بْنُ كَوْسَ بْنِ كَنْعانَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وقِيلَ: إنَّهُ النُّمْرُوذُ بْنُ فالَخَ بْنِ عامِرِ بْنِ شالِخَ بْنِ أرْفَخَشْدَ بْنِ سامٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ أيْ لِأنْ آتاهُ اللَّهُ، أوْ مِن أجْلِ أنْ آتاهُ اللَّهُ عَلى مَعْنى أنَّ إيتاءَ المُلْكِ أبَطَرَهُ وأوْرَثَهُ الكِبَرَ والعُتُوَّ، فَحاجَّ لِذَلِكَ، أوْ عَلى أنَّهُ وضَعَ المُحاجَّةَ الَّتِي هي أقْبَحُ وُجُوهِ الكُفْرِ مَوْضِعَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ، كَما يُقالُ: عادَيْتِنِي لِأنِّي أحْسَنْتُ إلَيْكَ، أوْ وقْتَ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ هو ظَرْفٌ لِحاجَّ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ وهو بَعِيدٌ.

قَوْلُهُ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ بِفَتْحِ ياءِ رَبِّيَ، وقُرِئَ بِحَذْفِها.

قَوْلُهُ: أنا أُحْيِي قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ أنا أُحْيِي بِطَرْحِ الألِفِ الَّتِي بَعْدَ النُّونِ مِن " أنا " في الوَصْلِ وأثْبَتَها نافِعٌ وابْنُ أبِي أُوَيْسٍ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎أنا شَيْخُ العَشِيرَةِ فاعْرِفُونِي حَمِيدًا قَدْ تَذَرَّبْتُ السَّناما

أرادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَخْلُقُ الحَياةَ والمَوْتَ في الأجْسادِ، وأرادَ الكافِرُ أنَّهُ يَقْدِرُ أنْ يَعْفُوَ عَنِ القَتْلِ فَيَكُونَ ذَلِكَ إحْياءً، وعَلى أنْ يَقْتُلَ فَيَكُونَ ذَلِكَ إماتَةً، فَكانَ هَذا جَوابًا أحْمَقَ لا يَصِحُّ نَصْبُهُ في مُقابَلَةِ حُجَّةِإبْراهِيمَ، لِأنَّهُ أرادَ غَيْرَ ما أرادَهُ الكافِرُ، فَلَوْ قالَ لَهُ: رَبُّهُ الَّذِي يَخْلُقُ الحَياةَ والمَوْتَ في الأجْسادِ فَهَلْ تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ؟ لَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ بادِئَ بَدْءٍ وفي أوَّلِ وهْلَةٍ، ولَكِنَّهُ انْتَقَلَ مَعَهُ إلى حُجَّةٍ أُخْرى تَنْفِيسًا لِخِناقِهِ، وإرْسالًا لِعِنانِ المُناظَرَةِ فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ لِكَوْنِ هَذِهِ الحُجَّةِ لا تَجْرِي فِيها المُغالَطَةُ ولا يَتَيَسَّرُ لِلْكافِرِ أنْ يَخْرُجَ عَنْها بِمَخْرَجِ مُكابَرَةٍ ومُشاغَبَةٍ.

قَوْلُهُ: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ بُهِتَ الرَّجُلُ وبَهَتَ وبَهِتَ: إذا انْقَطَعَ وسَكَتَ مُتَحِيرًا.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ في هَذا المَعْنى بَهَتَ بِفَتْحِ الباءِ والهاءِ.

قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: قَرَأ أبُو حَيْوَةَ " فَبَهُتَ " بِفَتْحِ الباءِ وضَمَّ الهاءِ، وهي لُغَةٌ في بُهِتَ بِكَسْرِ الهاءِ، قالَ: وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ " فَبَهَتَ " بِفَتْحِ الباءِ والهاءِ عَلى مَعْنى: فَبَهَتَ إبْراهِيمُ الَّذِي كَفَرَ، فَ " الَّذِي " في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَهَتَ بِفَتْحِهِما لُغَةً في بُهِتَ.

وحَكى أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ قِراءَةَ " فَبُهِتَ " بِكَسْرِ الهاءِ، قالَ: والأكْثَرُ بِالفَتْحِ في الهاءِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ تَأوَّلَ قَوْمٌ في قِراءَةِ مَن قَرَأ " فَبَهَتَ " بِفَتْحِهِما أنَّهُ بِمَعْنى سَبَّ وقَذَفَ، وأنَّ النُّمْرُوذَ هو الَّذِي سَبَّ حِينَ انْقَطَعَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ حِيلَةٌ انْتَهى.

وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ ولَمْ يَقُلْ …

Al-Baqara 2:258Listen in Qur'an →
259

أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍۢ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ ثُمَّ بَعَثَهُۥ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةًۭ لِّلنَّاسِ ۖ وَٱنظُرْ إِلَى ٱلْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًۭا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Or [consider such an example] as the one who passed by a township which had fallen into ruin. He said, "How will Allah bring this to life after its death?" So Allah caused him to die for a hundred years; then He revived him. He said, "How long have you remained?" The man said, "I have remained a day or part of a day." He said, "Rather, you have remained one hundred years. Look at your food and your drink; it has not changed with time. And look at your donkey; and We will make you a sign for the people. And look at the bones [of this donkey] - how We raise them and then We cover them with flesh." And when it became clear to him, he said, "I know that Allah is over all things competent."

قَوْلُهُ: أوْ كالَّذِي أوْ لِلْعَطْفِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: هَلْ رَأيْتَ كالَّذِي حاجَّ أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ.

قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ.

وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّ المَعْنى: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ، ألَمْ تَرَ مَن هو كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ فَحُذِفَ قَوْلُهُ مَن هو.

وقَدِ اخْتارَ جَماعَةٌ أنَّ الكافَ زائِدَةٌ، واخْتارَ آخَرُونَ أنَّها اسْمِيَّةٌ.

والمَشْهُورُ أنَّ القَرْيَةَ هي بَيْتُ المَقْدِسِ بَعْدَ تَخْرِيبِ بُخْتُنَصَّرَ لَها، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُها.

وقَوْلُهُ: ﴿خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها، أيْ سَقَطَ السَّقْفُ ثُمَّ سَقَطَتِ الحِيطانُ عَلَيْهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وقِيلَ: مَعْناهُ خالِيَةٌ مِنَ النّاسِ والبُيُوتُ قائِمَةٌ، وأصْلُ الخَواءِ الخُلُوُّ، يُقالُ: خَوَتِ الدّارُ وخَوِيَتْ تَخْوِي خَواءً مَمْدُودٌ وخُوِيًّا وخَوْيًا: أقْفَرَتْ، والخَواءُ أيْضًا الجُوعُ لِخُلُوِّ البَطْنِ عَنِ الغِذاءِ.

والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ: عَلى عُرُوشِها مِن خَوى البَيْتُ إذا سَقَطَ، أوْ مِن خَوَتِ الأرْضُ إذا تَهَدَّمَتْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ: أيْ مِن حالِ كَوْنِها كَذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ﴾ أيْ مَتى يُحْيِي أوْ كَيْفَ يُحْيِي، وهو اسْتِبْعادٌ لِإحْيائِها وهي عَلى تِلْكَ الحالَةِ المُشابِهَةِ لِحالَةِ الأمْواتِ المُبايِنَةِ لِحالَةِ الأحْياءِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِكَوْنِ الِاسْتِبْعادِ ناشِئًا مِن جِهَتِهِ لا مِن جِهَةِ الفاعِلِ.

فَلَمّا قالَ المارُّ هَذِهِ المَقالَةَ مُسْتَبْعِدًا لِإحْياءِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ بِالعِمارَةِ لَها والسُّكُونِ فِيها ضَرَبَ اللَّهُ لَهُ المَثَلَ في نَفْسِهِ بِما هو أعْظَمُ مِمّا سَألَ عَنْهُ ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: كانَ هَذا القَوْلُ شَكًّا في قُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى إحْياءِ قَرْيَةٍ بِجَلْبِ العِمارَةِ إلَيْها، وإنَّما يُتَصَوَّرُ الشَّكُّ إذا كانَ سُؤالُهُ عَنْ إحْياءِ مَوْتاها.

وقَوْلُهُ: " مِائَةَ عامٍ " مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ.

والعامُ: السَّنَةُ أصْلُهُ مَصْدَرٌ كالعَوْمِ سُمِّيَ بِهِ هَذا القَدْرُ مِنَ الزَّمانِ.

وقَوْلُهُ: بَعَثَهُ مَعْناهُ أحْياهُ.

قَوْلُهُ: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ هو اسْتِئْنافٌ كَأنَّ سائِلًا سَألَهُ ماذا قالَ لَهُ بَعْدَ بَعْثِهِ.

واخْتُلِفَ في فاعِلِ قالَ، فَقِيلَ: هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ناداهُ بِذَلِكَ مَلَكُ السَّماءِ، قِيلَ هو جِبْرِيلُ، وقِيلَ غَيْرُهُ، وقِيلَ إنَّهُ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ، قِيلَ رَجُلٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِن قَوْمِهِ شاهَدَهُ عِنْدَهُ أنْ أماتَهُ اللَّهُ وعُمِّرَ إلى عِنْدِ بَعْثِهِ.

والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ: ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمًا كَمْ لَبِثْتُمْ بِإدْغامِ الثّاءِ في التّاءِ؛ لِتَقارُبِهِما في المَخْرَجِ وقَرَأ غَيْرُهم بِالإظْهارِ وهو أحْسَنُ لِبُعْدِ مَخْرَجِ الثّاءِ مِن مَخْرَجِ التّاءِ.

وكَمْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وإنَّما قالَ: ﴿يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ بِناءً عَلى ما عِنْدَهُ وفي ظَنِّهِ فَلا يَكُونُ كاذِبًا، ومِثْلُهُ قَوْلُ أصْحابِ الكَهْفِ: ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] ومَثَلُهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قِصَّةِ ذِي اليَدَيْنِ: «لَمْ تُقْصَرْ ولَمْ أنْسَ» وهَذا مِمّا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الصِّدْقَ ما طابَقَ …

Al-Baqara 2:259Listen in Qur'an →
260

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةًۭ مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍۢ مِّنْهُنَّ جُزْءًۭا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًۭا ۚ وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

And [mention] when Abraham said, "My Lord, show me how You give life to the dead." [Allah] said, "Have you not believed?" He said, "Yes, but [I ask] only that my heart may be satisfied." [Allah] said, "Take four birds and commit them to yourself. Then [after slaughtering them] put on each hill a portion of them; then call them - they will come [flying] to you in haste. And know that Allah is Exalted in Might and Wise."

قَوْلُهُ: وإذْ ظَرْفٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِ إبْراهِيمَ، وإنَّما كانَ الأمْرُ بِالذِّكْرِ مُوَجَّهًا إلى الوَقْتِ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ المَقْصُودَ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ طَلَبَ وقْتِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ طَلَبَهُ بِالأوْلى، وهَكَذا يُقالُ في سائِرِ المَواضِعِ الوارِدَةِ في الكِتابِ العَزِيزِ بِمِثْلِ هَذا الظَّرْفِ.

وقَوْلُهُ: رَبِّ آثَرَهُ عَلى غَيْرِهِ لِما فِيهِ مِنَ الِاسْتِعْطافِ المُوجِبِ لِقَبُولِ ما يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ الدُّعاءِ.

وقَوْلُهُ: أرِنِي قالَ الأخْفَشُ: لَمْ يُرِدْ رُؤْيَةَ القَلْبِ، وإنَّما أرادَ رُؤْيَةَ العَيْنِ وكَذا قالَ غَيْرُهُ، ولا يَصِحُّ أنْ يُرادَ الرُّؤْيَةُ القَلْبِيَّةُ هُنا؛ لِأنَّ مَقْصُودَ إبْراهِيمَ أنْ يُشاهِدَ الإحْياءَ لِتَحْصُلَ لَهُ الطُّمَأْنِينَةُ والهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى الفِعْلِ لِقَصْدِ تَعْدِيَتِهِ إلى المَفْعُولِ الثّانِي وهو الجُمْلَةُ: أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ وكَيْفَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ أوْ بِالحالِ والعامِلُ فِيها الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها.

وقَوْلُهُ: أوَلَمْ تُؤْمِن عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ ألَمْ تَعْلَمْ ولَمْ تُؤْمِن بِأنِّي قادِرٌ عَلى الإحْياءِ حَتّى تَسْألَنِي إراءَتَهُ: قالَ بَلى عَلِمْتُ وآمَنتُ بِأنَّكَ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنْ سَألْتُ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِاجْتِماعِ دَلِيلِ العِيانِ إلى دَلائِلِ الإيمانِ.

وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ شاكًّا في إحْياءِ المَوْتى قَطُّ، وإنَّما طَلَبَ المُعايَنَةَ لِما جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ مِن رُؤْيَةِ ما أُخْبِرَتْ عَنْهُ، ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ» .

وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ طائِفَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ سَألَ ذَلِكَ لِأنَّهُ شَكَّ في قُدْرَةِ اللَّهِ.

واسْتَدَلُّوا بِما صَحَّ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن قَوْلِهِ: «نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ» وبِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: " ما في القُرْآنِ عِنْدِي آيَةٌ أرْجى مِنها " .

وأخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، ورَجَّحَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ بَعْدَ حِكايَتِهِ لَهُ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو عِنْدِي مَرْدُودٌ، يَعْنِي قَوْلَ هَذِهِ الطّائِفَةِ، ثُمَّ قالَ: وأمّا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ» فَمَعْناهُ: أنَّهُ لَوْ كانَ شاكًّا لَكُنّا نَحْنُ أحَقَّ بِهِ، ونَحْنُ لا نَشُكُّ، فَإبْراهِيمُ أحْرى أنْ لا يَشُكَّ.

فالحَدِيثُ مَبْنِيٌّ عَلى نَفْيِ الشَّكِّ عَنْ إبْراهِيمَ.

وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: هي أرْجى آيَةٍ، فَمِن حَيْثُ إنَّ فِيها الإدْلالَ عَلى اللَّهِ وسُؤالَ الإحْياءِ في الدُّنْيا، ولَيْسَتْ مَظِنَّةَ ذَلِكَ.

ويَجُوزُ أنْ نَقُولَ هي أرْجى آيَةٍ لِقَوْلِهِ: أوَلَمْ تُؤْمِن أيْ أنَّ الإيمانَ كافٍ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى تَنْقِيرٍ وبَحْثٍ، قالَ: فالشَّكُّ يَبْعُدُ عَلى مَن ثَبَتَ قَدَمُهُ في الإيمانِ فَقَطْ، فَكَيْفَ بِمَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ والخُلَّةِ ؟ والأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ ومِنَ الصَّغائِرِ الَّتِي فِيها رَذِيلَةٌ إجْماعًا، وإذا تَأمَّلْتَ سُؤالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وسائِرَ الألْفاظِ لِلْآيَةِ لَمْ تُعْطِ شَكًّا، وذَلِكَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ بِـ " كَيْفَ " إنَّما هو سُؤالٌ عَنْ حالَةِ شَيْءٍ مَوْجُودٍ مُتَقَرِّرِ …

Al-Baqara 2:260Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.