Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib

Ayahs 251–260 of 286

251

فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

So they defeated them by permission of Allah, and David killed Goliath, and Allah gave him the kingship and prophethood and taught him from that which He willed. And if it were not for Allah checking [some] people by means of others, the earth would have been corrupted, but Allah is full of bounty to the worlds.

قوله: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ﴾.

أي أتى داود، وذلك أن جالوت برز وقال: من يبرز إلي فيقتلني، فلكم ملكي، وإن قتلته فلي ملككم، فأتي بداود إلى طالوت، فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته، وأن يحكمه في ماله فألبسه طالوت سلاحاً، فكره داود أن يقاتله بسلاح، وقال: إن الله إن لم ينصرني عليه، فلا تغني السلاح شيئاً، فخرج بالمقلاع ومخلاة فيها أحجار، ثم برز إليه. فقال له جالوت: أنت تقاتلني؟ فقال داود: نعم. فقال جالوت: ويحك ما خرجت إلا كما يخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة، لأُبَدِّدَنَّ لحمك ولأطعمنك اليوم الطير والسباع".

فقال له داود: "بل أنت عدو الله شر من الكلب". فأخذ داود حجراً فرماه بالمقلاع، فأصاب بين عينيه حتى نفذ في دماغه، وصرع جالوت وانهزم من معه، وأخذ رأسه. ورجع الناس إلى طالوت، فادَّعَوْا قتل جالوت، فأتى بعضهم بسيف وبعضهم بشيء من جسده، والرأس مع داود.

فقال طالوت: "من جاء بالرأس فهو الذي قتله. فجاء داود به، وطالب طالوت بما وعده. فندم طالوت على ما جرى بينهما من الشرط، فقال طالوت: إن بنات الملوك لا بد لهن من صداق وأنت رجل جريء شجاع، فاجعل صداقها ثلاثمائة غلفة من أعدائنا - يرجو بذلك أن يقتل داود -. فغزا معه داود، وأسر ثلاثمائة وقطع غلفهم وجاء بها، فلم يجد بداً من تزويجه وأدركته الندامة، فأراد قتل داود حتى هرب منه إلى الجبل، وحاصره طالوت، فلما كان ذات ليلة تسلط عليهم النوم فنزل داود فأخذ إبريق طالوت الذي كان يشرب فيه، وقطع شعرات من لحيته وشيئاً من هدبة ثيابه ورجع إلى مكانه، وناداه: أن تعهد حرسك، فإني لو شئت قتلتك البارحة، وهذا إبريقك وشيء من شعر لحيتك، وشيء من هذبة ثيابك، وبعث به إليه. فعلم طالوت أنه لو شاء قتله، فعطفه ذلك عليه فأمنه وعاهده ألا يرى بأساً ثم انصرف".

قال ابن إسحاق: "إن داود كان له أربعة إخوة خرجوا مع طالوت، وبقي داود في الغنم يرعاها لهم، وكان أصغرهم، فأمره أبوه أن يحمل إليهم زاداً ويرجع، فخرج داود ومعه زاد إخوته ومخلاته فيها حجارة، ومقلاعه الذي يرمي به فمر بحجر فناداه يا داود، خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت، فإني حجر يعقوب، فأخذه [وجعله] في مخلاته ومضى فناداه حجر آخر مثل ذلك، وقال: أنا حجر إسحاق، فأخذه ومضى، فنادي ثالث مثل ذلك، وقال: أنا حجر إبراهيم فأخذه ووصل إلى القوم فدفع إليهم أزودتهم، فسمع داود خوض الناس في العسكر وتعظيمهم لأمر جالوت فقال لهم: "إنكم لتعظمون من أمره، والله لو أراد الملك لقتلته فأدخلوني على الملك طالوت. فأدخل عليه فقال: أيها الملك، إني أراكم تعظمون أمر هذا العدو ووالله لو أردته لقتلته. فقال له طالوت: يا فتى، ما عندك من القوة على ذلك، وفيمن جربت نفسك؟

قال داود: قد كان الأسد يعدو على الشاة من غنمي فأدركه وآخذ برأسه فأفك لحييه عنها، فآخذها من فيه، فادع لي بدرعك حتى ألبسها، فدعا بالدرع فلبسها. فلما أصبحوا رجعوا إلى جالوت فلما التقى الناس، قال داود: أروني جالوت. فأروه إياه على فرس، فلما رآه جعلت الأحجار الثلاثة تتواثب في مخلاته [ويقول] هذا: خذني، وهذا خذني. فأخذ أحدها وجعله في مقلاعه، ثم أرسله فصك به بين عينيه، ورفعه، وتنكس عن دابته فقتله. وانهزم وقال الناس: قتل داود جالوت، وخلع طالوت حتى لم يسمع له ذلك".

* *

﴿وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ﴾.

أي داود. والحكمة: النبوة.

* *

قوله: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية.

أي يدفع بأهل الطاعة عن أهل المعصية، وبالبر عن الفاجر.

﴿لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ﴾. أي بهلاك أهلها.

وروى ابن عمر عن النبي [عليه السلام] أنه قال: "إِنَّ اللهَ لَيَدْفَعُ بِالمُسْلِمِ الصَّالِحِ عَنْ مَائَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِهِ الْبَلاَءَ"ثم قرأ ابن عمر ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ …

Al-Baqara 2:251Listen in Qur'an →
252

تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ

These are the verses of Allah which We recite to you, [O Muhammad], in truth. And indeed, you are from among the messengers.

قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ﴾.

أي هذه آيات الله، أي علاماته تتلى عليك يا محمد.

* *

﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾.

أي ما تلي عليك من إماتة من ذكر وإحيائه، وبعث طالوت ملكاً وقتل داود جالوت، وشبه ذلك مما تقدم من الآيات التي لا يخبر بمثلها إلا نبي، وإنك إذ جئتهم بهذه الآيات والحجج وأنت أمي لا تقرأ الكتاب لمن المرسلين إذ لا يأتي بهذه الآيات المعجزات إلا مرسل.

Al-Baqara 2:252Listen in Qur'an →
253

۞ تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَٰتٍۢ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدْنَٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ

Those messengers - some of them We caused to exceed others. Among them were those to whom Allah spoke, and He raised some of them in degree. And We gave Jesus, the Son of Mary, clear proofs, and We supported him with the Pure Spirit. If Allah had willed, those [generations] succeeding them would not have fought each other after the clear proofs had come to them. But they differed, and some of them believed and some of them disbelieved. And if Allah had willed, they would not have fought each other, but Allah does what He intends.

قوله: ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾.

"تلك" إشارة إلى من تقدم ذكره من الرسل: موسى وإبراهيم ويعقوب وإسماعيل وإسحاق وداود ممن تضمنه ما تقدم.

قال أبو هريرة: "خير ولد آدم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ وهم أولوا العزم" ﴿مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ﴾ هو موسى، ورفع بعضهم درجات: هو محمد ﷺ أرسله إلى الناس كافة، وكلمته الشجرة، وانشق له القمر وأطعم الخلق الكثير من اليسير من الطعام في أشباه لهذا لا تحصى، رفع الله بها درجة محمد صلى الله عليه [وسلم].

وروى أبو موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: "أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ [أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي: بُعِثْتُ إِلَى الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً وَأُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِل لِنَبيٍّ كَانَ قَبْلِي وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَة، وَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ قدْ سَأَلَ الشَّفَاعَةَ وَإِنِّي أَخَّرْتُ شَفَاعَتِي فَجَعَلْتُهَا لِمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً

قوله: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ﴾.

أي أعطيناه الحجج الدالة على نبوته، وهي: إبراء الأكمه، وإحياء الموتى ونفخه في الطين فيكون طائراً، وشبه ذلك.

* *

﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ﴾.

أي قويناه بجبريل، وقد تقدم الاختلاف في روح القدس.

وهو جبريل عند الضحاك وغيره.

* *

قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم﴾.

أي من بعد الرسل.

وقال قتادة: "من بعد [عيسى وموسى صلى الله على محمد وعليهما [وسلم خاصة." وهو قول الربيع.

* *

﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ﴾.

أي لحجزهم عن القتال ومنعهم منه.

* *

﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.

أي يوفق من يشاء فيطيع، ويخذل من يشاء فيعصي.

Al-Baqara 2:253Listen in Qur'an →
254

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌۭ وَلَا شَفَٰعَةٌۭ ۗ وَٱلْكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

O you who have believed, spend from that which We have provided for you before there comes a Day in which there is no exchange and no friendship and no intercession. And the disbelievers - they are the wrongdoers.

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾.

أي يأتي يوم هذه صفته، أنه لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة. أي يأتي يوم هذه صفته.

وعني بالنفقة هنا الزكاة [و] التطوع.

أمرهم تعالى أن يدخروا لأنفسهم من ذلك من قبل أن يأتي يوم صفته أنه ﴿لاَّ بَيْعٌ فِيهِ﴾: أي لا تباع [فيه] الأعمال فلا كسب ﴿وَلاَ خُلَّةٌ﴾: أي لا صداقة.

﴿وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾: أي لا شفاعة للكافرين.

فالآية عامة، أي لا صداقة ولا شفاعة للكافرين.

فالآية عامة الظاهر خاصة، قد بينت أنها خاصة للكافر السنة. ويجوز أن يكون المعنى: ولا شفاعة إلا بإذن الله بدليل قوله بعد هذا: ﴿مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣].

وفي القرآن جواز الشفاعة لمن شاء الله لأنه قد قال: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال عز وجل: ﴿مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].

فهذا كثير يدل على جواز الشفاعة يوم القيامة ممن شاء الله عز وجل ولمن شاء الله سبحانه. فالآية مخصوصة [في الكفار]، لا شفاعة لهم ولا فيهم.

* *

قوله: ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾.

كما تقدم في أول الآية ، ذكر صنفين كافرين ومؤمنين في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ﴾. صرف آخر الآية إلى الكفار بعد أن خص ذكر أهل الإيمان في وسط الآية بما ذكر تعالى.

Al-Baqara 2:254Listen in Qur'an →
255

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌۭ وَلَا نَوْمٌۭ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍۢ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ

Allah - there is no deity except Him, the Ever-Living, the Sustainer of [all] existence. Neither drowsiness overtakes Him nor sleep. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. Who is it that can intercede with Him except by His permission? He knows what is [presently] before them and what will be after them, and they encompass not a thing of His knowledge except for what He wills. His Kursi extends over the heavens and the earth, and their preservation tires Him not. And He is the Most High, the Most Great.

قوله: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ الآية.

أجاز النحاس: لا إله إلا إياه على الاستثناء.

وروي عن أبي ذر أنه سأل النبي [عليه السلام] فقال له: أي ما أنزل عليك من القرآن أعظم"، فقال النبي ﷺ: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ﴾

وقال ابن عباس: "أشرف آية في القرآن آية الكرسي". نبه الله تعالى ذكره عباده بهذه الآية ألا يعبد غيره، وأن يحذر مما وقع فيه من تقدم ذكره، في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ﴾ واختلفوا فاقتتلوا وشبهه.

وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِي إِذَا نَامَ، لَمْ يَزَلْ فِي أَمَانِ اللهِ حَتَّى يَنْتَبِهَ. وَمَنْ قَرَأَهَا إِذَا انْتَبَهَ، لَمْ يَزَلْ فِي أَمَانِ الله حَتَّى يَعُودَ، وَمَنْ قَرَأَهَا إِذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ لَمْ يَزَلْ فِي أَمَانِ اللهِ عز وجل حَتَّى يَعُودَ. وَمَنَ قَرَأَهَا عِنْدَ حِجَامَةٍ كَانَتْ لَهُ مَنْفَعَتَانِ: مَنْفَعَةٌ لِلْحِجَامَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَمَنْفَعَةٌ لِلْحِجَامَةِ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَهَا. وَمَنْ قَرَأَهَا دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ، أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ

وروى أبو هريرة أن النبي [عليه السلام] قال: "لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامٌ، وَسَنَامُ القُرْآنِ سُورَةُ البَقَرَةِ، مِنْهَا آيَةٌ لاَ تُقْرَأُ فِي بَيْتٍ فِيهِ شَيْطَانٌ إِلاَّ خَرَجَ مِنْهُ، وَهِيَ آيَةُ الكُرْسِي

وقوله: ﴿ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ﴾. الحي الذي لا يموت، والقيوم الذي لا يزول.

وقيل: معناه: أنه حي بحياة هي له صفة.

وقيل: بل هو اسم من أسمائه تسمى به، فقلناه تسليماً لأمره.

* *

وقوله: ﴿ٱلْقَيُّومُ﴾.

قال ابن عباس: "معناه: الذي لا يزول".

وقال مجاهد: "معناه القائم على كل شيء".

وهو "فَيْعُولٌ" من "قَامَ"، ولا يحسن أن يكون "فَعُولاً" لأنه يلزم منه أن يقال: "قَوُوُمٌ".

وقد قال ابن كيسان: "ليس في كلام العرب، فعول من الواو".

وروي عن عمر أنه قرأ "الْقَيَّامُ" ووزنه "فَيْعَالٌ" من "قَامَ".

وقرأ علقمة "الْقَيِّمُ"، ووزنه عند البصريين "فعيل"، ثم أدغم فكان أصله قيوماً، وأصله عند الكوفيين "قويم" مثل فعيل، ويلزمهم ألا يعل كما لم يعل "طويل" وشبهه.

وصفات الله مطلقة في غاية الكمال والتمام، لا يجوز عليها حوالة ولا تغيير، بخلاف صفات المخلوقين.

* *

قوله: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾.

أي نعاس. قاله ابن عباس وقتادة والضحاك وغيرهم. ولا نوم فيستثقل.

وأصل "سنة" وسنة، كزنة وعدة.

قال السدي: "السنة ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان".

وقال الربيع: "السنة هو الذي يكون به الإنسان بين النائم واليقظان، وهو الوسنان، والنوم الاستثقال".

نفى الله تعالى عن نفسه الآفات التي تدخل على المخلوقين، فتذهب حسهم تعالى عن ذلك.

وقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "وَقَعَ فِي نَفْسِ مُوسَى ﷺ: هَلْ يَنَامُ اللهُ جَلَّ ثنَاؤُهُ؟ فَأَرَسَلَ اللهُ إِلَيْهِ مَلَكاً فَأَرَّقَهُ ثَلاَثاً ثُمَّ أَعْطَاهُ قَارُورَتَيْنِ، فِي كُلِّ يَدٍ قَارُورَةٌ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ بِهِمَا. فَجَعَلَ يَنَامُ وَتَكَادُ يَدَاهُ تَلْتَقِيَانِ ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ فَيَحْبِسُ إِحْدَاهُمَا عَنْ الأُخْرَى، حَتَّى نَامَ نَوْمَهُ فَاصْطَفَقَتْ يَدَاهُ فَانْكَسَرَتْ القَارُورَتَانِ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ ذَلِكَ مَثَلاً"، أي أن الله لو كان ينام لم تمتسك السماوات والأرضون كما لم تمتسك القارورتان في يدي موسى عليه السلام.

* *

قوله: ﴿مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾.

أي من يشفع لمن أراد الله عقوبته إلا بأمره لهم بالشفاعة. وهذا دليل على جواز الشفاعة بإذنه لمن شاء من رسله وأوليائه. وقيل: معناه: من ذا الذي يذكر الله بقلبه حتى يأذن له، لا إله إلا هو.

* * …

Al-Baqara 2:255Listen in Qur'an →
256

لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

There shall be no compulsion in [acceptance of] the religion. The right course has become clear from the wrong. So whoever disbelieves in Taghut and believes in Allah has grasped the most trustworthy handhold with no break in it. And Allah is Hearing and Knowing.

قوله: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ﴾.

أكثر الناس على أن هذه الآية مخصوصة نزلت في أهل الكتاب ألا يكرهوا على الدين، إذا أدوا الجزية. فأما أهل الأوثان فلا تؤخذ منهم الجزية ويكرهون على الدين. قاله ابن عباس؛ قال: "كانت المرأة تجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تُهَوِّدَهُ، فلما أجليت بنو النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالت الأنصار: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ﴾ الآية، فمن شاء لحق، ومن شاء لم يلحق".

وقد قيل: إن الآية منسوخة منسخها: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣].

وأكثر الناس على أن هذه الآية نزلت في غير عبدة الأوثان، ومن [لا كتاب له]، ومن لا يؤدي الجزية من أهل الكتاب.

والألف واللام في "الدِّين" عوض من ضمير يعود على الله. والمعنى "وهو العلي العظيم لا إكراه في دينه".

وقيل: هما للتعريف. والدين: الإسلام.

* *

قوله: ﴿قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ﴾.

قرأ أبو عبد الرحمن "الرَّشَدَ" بفتحتين، وهما لغتان، كالبُخْل والبَخَل والشُّغْل والشَّغَل والسُّقْم والسَّقَم والعُدْم والعَدَم والعُرْب والعَرَب، والعُجْم والعَجَم، والسُّخْط والسَّخَط، والحُزْن والحَزَن، والوُلْد والوَلَد.

والرشد إصابة الحق، والغي ضده. وهو مصدر غَوِيَ يَغْوِي غَيّاً، وأصله "غَوْياً". وبعضهم يقول: غَوَى، يَغْوَى بالفتح فيهما.

وقال بعضهم: غَوَى يَغْوِي إذا عدا الحق فضل، فمعناه: استبان الإيمان من الكفر.

* *

قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ﴾ أي بالشيطان، والجبت: السحر.

وقيل: الكاهن.

وقال مجاهد في قوله ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠]، هو كعب بن الأشرف، وهو مشتق من "طغى" مقلوب وأصله طَغَوُوتٌ مثل جَبَرُوتٌ.

وقيل أصله طَيَغُوتٌ لأنه يقال: طَغَوْتُ وَطَغَيْتُ.

وقيل: هو في معنى الطغيان وليس بمشتق منه، إنما يؤدي عن معناه، كما قيل: رجل لآلٌ من اللؤلو، يؤدي عن معناه، وليس بمشتق منه.

* *

قوله: ﴿بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ﴾.

أي تمسك بأوثق ما يستوثق به ويتمسك به.

وقيل: الجبت والطاغوت كل ما يعبد من دون الله.

قال سيبويه: "الطاغوت واحد مؤنث يقع على الجميع".

وقال المبرد: "هو جماعة"، يريد به الشياطين.

وقال أنس: "العروة الوثقى: القرآن". ذكره عنه ابن أبي شيبة.

وقيل: العروة الوثقى: العهد الوثيق.

وقال ابن عباس: "العروة الوثقى: لا إله إلا الله.

* *

قوله: ﴿لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا﴾. أي لا انكسار لها.

وقال السدي: "لا انقطاع لها".

﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ﴾. أي يسمع إيمان المؤمن وكفر الكافر.

﴿عَلِيمٌ﴾. أي عليم بمن وافق قلبه في الإيمان لسانه وأخلص في قوله.

Al-Baqara 2:256Listen in Qur'an →
257

ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Allah is the ally of those who believe. He brings them out from darknesses into the light. And those who disbelieve - their allies are Taghut. They take them out of the light into darknesses. Those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.

قوله: ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾.

أي يتولاهم بتوفيقه فيخلصون ويثبتون على الإيمان ويعينهم على عدوهم ويتولى ثوابهم.

* *

قوله: ﴿مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾. أي: من الكفر إلى الإيمان.

نزلت هذه الآية في قوم كانوا قد كفروا بعيسى فلما جاءهم محمد ﷺ آمنوا به، فكانوا في ظلمة ثم صاروا في نور، وهم العرب وعبدة الأوثان والجاهلية، كلهم من آمن منهم، وكان قوم آخرون آمنوا بعيسى فكانوا في نور، فلما جاءهم محمد كفروا به فصاروا في ظلمة وهم النصارى. روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد.

* *

قوله: ﴿أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ﴾. أي الشياطين. وهذا مما يدل على أن الطاغوت جمع.

* *

قوله: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ﴾.

أي من الإيمان إلى الكفر، وهم الذين كفروا بمحمد ﷺ يعني قريشاً وكفار العرب. وقيل: هم اليهود.

وقيل: هم النصارى كانوا مؤمنين بعيسى صلى الله على محمد وعليه وسلم. هذا قول مجاهد وغيره. وإنما مثل الكفر بالظلمة، لأن الظلمة تحجب البصر عن إدراك الأشياء، كذلك الكفر يحجب القلب عن إدراك الحقائق، حقائق الإيمان.

﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ﴾. هو إشارة إلى الكفار.

Al-Baqara 2:257Listen in Qur'an →
258

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِۦمَ فِى رَبِّهِۦٓ أَنْ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Have you not considered the one who argued with Abraham about his Lord [merely] because Allah had given him kingship? When Abraham said, "My Lord is the one who gives life and causes death," he said, "I give life and cause death." Abraham said, "Indeed, Allah brings up the sun from the east, so bring it up from the west." So the disbeliever was overwhelmed [by astonishment], and Allah does not guide the wrongdoing people.

قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾.

ألِف ﴿أَلَمْ﴾ ألِفُ توقيف لفظها. لفظ الاستفهام، وفيها معنى التعجب والتنبيه على ما يتعجب منه.

والهاء في ﴿رَبِّهِ﴾ تعود على ﴿ٱلَّذِي﴾، أو على إبراهيم ﷺ.

ومعنى: ألم تعلم، ألم تر بقلبك يا محمد.

* *

قوله: ﴿أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ﴾.

الهاء تعود على [الكافر الملك] وعليه أكثر الناس.

وقيل: هي تعود على إبراهيم ﷺ.

والذي حاج إبراهيم هو نمروذ بن كنعان بن كوشب بن سام بن نوح. قاله مجاهد.

قال قتادة: "نمروذ، صاحب الصرح، وهو أول من تجبر في الأرض ببابل". أخبر الله عز وجل نبيه ﷺ بهذه القصص ليكون ذلك عبرة وتعجباً مما كان، وليكون حجة على أهل الكتاب ومشركي العرب لأنه نبأ لا يعلمه إلا من قرأ الكتب ودرسها، أو من يوحى إليه، فلما لم يكن محمد عليه السلام عندهم ممن يقرأ [الكتاب فينقل منها، وجب أن يكون ذلك] بوحي، فيجب قبول قوله، والإيمان به ضرورة لمن وفق.

قال مجاهد: "نمروذ، هو أحد الأربعة الذين ملكوا الأرض كلها: كافرَيْن ومؤمنَيْن، فالمؤمنان: سليمان بن داود ﷺ، وذو القرنين عليه السلام. والكافران: نمروذ، وبخت نصر البابلي".

* *

قوله: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾.

أي حين قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت: أي يملك ذلك ولا يملكه أحد غيره، قال نمروذ: "أنا أحيي وأميت، أستحيي من أردت قتله وأقتل آخر".

قال له إبراهيم: "فإن الله يأت بالشمس من مشرقها، فأت بها إن كنت صادقاً من مغربها".

قال الله: ﴿فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ﴾.

أي الكافر، أي انقطع وعجز عن الجواب. وقرىء: "فَبَهَتَ الَّذِي كَفَرَ" أي فبهتَ إبراهيمُ الكافرَ فـ "الذي" في موضع نصب، على هذه القراءة.

قال قتادة: "دعا نمروذ برجلين فقتل أحدهما واستحيى الآخر، وقال: أنا أحيي وأميت. فقال له إبراهيم: "فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب. فبهت الذي كفر" فلم يجب لأنه لو ادعى أنه [هو الذي يأتي] بالشمس من المشرق لكذبه جميع أهل مملكته، لأنهم يعرفون أنه محدث، والشمس كانت على حالها قبل حدوثه، فليس يقدر أن يقول: "أنا أتيت بها من المشرق قبل حدوثي، ولو قال: أنا آتي بها من المغرب لعجز عن ذلك. فلما رآى أنه لا مخرج له سكت وانقطع فبهت.

قال زيد بن أسلم: "كان الناس يمتارون من عند نمروذ طعاماً، وكان أول جبار في الأرض، فخرج إبراهيم يمتار مع الناس فكلما مر بنمروذ ناس قال لهم: من ربكم؟ قالوا: أنت. حتى مر به إبراهيم عليه السلام، فقال له نمروذ: من ربك؟ قال: الذي يحيي ويميت. قال: أنا أحيي وأميت. قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب. فبهت الذي كفر، ورد إبراهيم بغير طعام. فرجع إبراهيم عليه السلام إلى أهله، فمر على كثيب أعفر - يعني من رمل - فقال: ألا آخذ من هذا فآتي به أهلي، فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم. فأخذ منه فأتى أهله فوضع متاعه ثم نام. فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته، فإذا هي بأجود طعام رأى أحد، فصنعت له منه، فقربته إليه. وكان قد عهد أهله ليس عندهم طعام، فقال: من أين هذا؟ قالوا: من الطعام الذي جئت به. فعلم أن الله عز وجل قد رزقه [فحمد الله تعالى]، ثم بعث الله جل وعز ذكره إلى نمروذ ملكاً يقول له: أن آمن بي [وأتركك] على ملكك، قال: وهل رب غيري؟، فجاء الثانية فقال له فأبى عليه، ثم أتاه الثالثة فأبى عليه. فقال له الملك: اجمع جموعك إلى ثلاثة أيام. فجمع الجبار جموعه، وأمر الله عز وجل الملك ففتح عليهم باباً من البعوض، فطلعت الشمس ولم يروها من كثرتها، فبعثها الله سبحانه عليهم، فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، ولم يبق إلا [العظام، والملك كما هو لم يصبه] من ذلك شيء، فبعث الله عز وجل عليه بعوضة فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، فأرحم الناس به من جمع يديه ثم يضرب بهما رأسه، وكان قد تجبر أربعمائة سنة فعذبه الله بها أربعمائة سنة وأماته". …

Al-Baqara 2:258Listen in Qur'an →
259

أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍۢ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ ثُمَّ بَعَثَهُۥ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةًۭ لِّلنَّاسِ ۖ وَٱنظُرْ إِلَى ٱلْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًۭا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Or [consider such an example] as the one who passed by a township which had fallen into ruin. He said, "How will Allah bring this to life after its death?" So Allah caused him to die for a hundred years; then He revived him. He said, "How long have you remained?" The man said, "I have remained a day or part of a day." He said, "Rather, you have remained one hundred years. Look at your food and your drink; it has not changed with time. And look at your donkey; and We will make you a sign for the people. And look at the bones [of this donkey] - how We raise them and then We cover them with flesh." And when it became clear to him, he said, "I know that Allah is over all things competent."

قوله: ﴿أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾.

قال ابن عباس وقتادة وعكرمة والربيع والسدي: "وهو عزير".

وقيل: هو أروميا. وروي أن اسمه أرميا، وهو الخضر.

وقال مجاهد: "هو رجل من بني إسرائيل".

وقال وهب بن منبه: "القرية بيت المقدس. لما خربت وحرقت، وقف أروميا على ناحية الجبل، فقال: أَنَّى يُحْيى هذه الله بعد موتها". على معنى: التطلع على مشاهدة قدرة الله، لا على الإنكار لإحياء الله إياها فأراه الله ذلك. والذي خربها بخت نصر البابلي.

وكذلك قال قتادة وعكرمة والضحاك غير أنهم قالوا: "وقف عليها عزير".

وقال ابن زيد: "هي القرية التي خرج منها ألوف حذر الموت، فقال [لهم] الله: موتوا. قال: فمر بها رجل وهي عظام تلوح، فنظر وقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها".

﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾. أي خالية من أهلها.

﴿عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾. [أي على أبنيتها]، سقوفها وبيوتها.

وسميت القرية قرية لاجتماع الناس فيها من قولهم: "قَرَيْتُ الماءَ" إذا جمعته.

وقال السدي: معنى ﴿خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾: ساقطة على سقفها.

وأصل ذلك أن تسقط السقوف، ثم تسقط الحيطان عليها.

قال وهب بن منبه: "أوحى الله إلى أرميا، وهو بأرض مصر بعد أن خرب بخت نصر بيت المقدس: أن الحق بأرض الشام، فركب حماره حتى كان ببعض الطريق ومعه سلة من تين وعنب، وكان معه سقاء جديد فَمَلأَهُ ماء، فلما بدا شخصُ بيت المقدس وما حوله نظر إلى خراب لا يوصف، قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟ ثم سار حتى تبوأ منزلاً، فربط حماره بحبل جديد، وعلق سقاءه، وألقى الله عليه السبات، فلما نام نزع الله روحه مائة عام. فلما مرت من المائة سبعون عاماً أرسل الله ملَكاً إلى ملِك من ملوك فارس عظيم، فقال: إن الله يأمرك أن تسير بقومك فتعمر بيت المقدس إيليا وأرضها، حتى تعود أَعْمَرَ ما كانت. فقال له الملِك: أنظرني ثلاثة أيام حتى أتأهب لهذا العمل. فأنظره، فانتدب ثلاثة آلاف قهرمان، ودفع إلى كل قهرمان ألف عامل وما يصلحه من أداة العمل، فسار إليها قهارمته، فلما وقعوا في العمل، رد الله روح الحياة في عين أرميا خاصة، وأخر جسده ميتاً، فنظر إلى إيليا وما حولها تعمل وتعمر وتجدد حتى صارت كما كانت بعد ثلاثين سنة تمام المائة، فرد الله إليه روحه، فنظر إلى طعامه وشرابه لم يتسنه؛ أي لم يتغير. ونظر إلى حماره واقفاً كهيئته يوم ربطه لم يطعم ولم يشرب، أحياه الله له وهو يرى. ونظر إلى الحبل لم يتغير، وقد أتى عليه ريح مائة عام ومطرها وشمسها وبردها، فعندها قال له: كم لبثت؟ قال: لبثت يوماً أو بعض يوم. قال: بل لبثت مائة عام".

وإنما قال: يوماً أو بعض يوم، لأنه فيما ذكر قتادة وغيره: "أميت ضحى، وبعث آخر النهار، فظن أنه يومه الذي كان فيه".

* *

قوله: ﴿فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾.

من قرأ "نُنْشِرُهَا" بالراء، فمعناه كيف نحييها، من: "أَنْشَرَ اللهُ المَيِّتَ: أَحْيَاهُ". ومن قرأ بالزاي، فمعناه: كيف نرفع بعضها إلى بعض من النَّشْزِ، وهو المرتفع، ومنه نشوز المرأة وهو ارتفاعها عن موافقة زوجها. ومنه قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ﴾ [المجادلة: ١١]، أي ارتِفعوا وانْضَموا.

قال وهب بن منبه وغيره: "معناه: وانظر إلى إحياء حمارك وإلى عظامه كيف أنشرها ثم أكسوها لحماً".

قال وهب: "كان ينظر إلى حماره يتصل بعضه ببعض، ثم كسي لحماً ثم جرى فيه الروح فقام [ينهق. ونظر إلى عنبه] وتينه، فإذا هو على هيئته حين وضعه. فلما عاين ما عاين، قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير".

قال السدي: "كانت الطير قد ذهبت بعظام الحمار إلى كل سهل وجبل فبعث الله ريحاً، فجاءت بها واجتمعت وهو ينظر. فركب بعضها في بعض فصار حماراً من عظام لا لحم فيه ولا دم، ثم …

Al-Baqara 2:259Listen in Qur'an →
260

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةًۭ مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍۢ مِّنْهُنَّ جُزْءًۭا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًۭا ۚ وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

And [mention] when Abraham said, "My Lord, show me how You give life to the dead." [Allah] said, "Have you not believed?" He said, "Yes, but [I ask] only that my heart may be satisfied." [Allah] said, "Take four birds and commit them to yourself. Then [after slaughtering them] put on each hill a portion of them; then call them - they will come [flying] to you in haste. And know that Allah is Exalted in Might and Wise."

قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ﴾.

"إذ" في موضع نصب بمعنى: "واذكر".

وقيل: هو معطوف على ما قبله لأن قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ﴾: "ألم تر بقلبك يا محمد، فتذكر الذي حاج، وتذكر إذ قال إبراهيم". قال قتادة: "مر إبراهيم عليه السلام على دابة قد تقسمتها السباع والدواب والطير والرياح، فقال: رب أرني كيف تحيي الموتى؟". وكذلك قال الضحاك.

وقال ابن زيد: "مر إبراهيم بحوت نصفه في [البر، ونصفه في البحر]، فما كان في البحر فدواب البحر تأكله، وما كان في البر فدواب البر تأكله. فقال له الخبيث الشيطان يا إبراهيم: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فقال إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ﴾؟، ليرى ذلك عيانا".

* *

ومعنى ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: أي ليطمئن إلى ما تَاقَ إليه من العيان لا أنه شك دخل عليه.

وقال السدي: "لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً سأل ملك الموت ربه عز وجل أن يأذن له فيبشر إبراهيم عليه السلام بذلك، فأذن له، فأتى إبراهيم وليس هو في البيت فدخل داره. وكان إبراهيم ﷺ أغير الناس يغلق بابه إذا خرج، فلما جاء وجد في داره رجلاً ثانياً، فبادر إليه ليأخذه، وقال له: من أذن لك أن تدخل داري؟ فقال له ملك الموت: أذن لي رب هذه الدار فقال إبراهيم: صدقت، وعرف أنه ملك، قال له: من أنت؟ قال: ملك الموت، جئت أبشرك أن الله قد اتخذك خليلاً، فحمد الله تعالى، وقال: يا ملك الموت، أرني الصورة التي تقبض فيها أنفاس الكفار، فقال: [يا إبراهيم، لا تطيق] ذلك، قال: بلى. فعرض عليه فإذا هو برجل [أسود ينال] رأسه السماء، يخرج من فيه لهب النار، ليس من شعرة في جسده إلا صورة رجل أسود يخرج من فيه ومسامعه لهب النار. فغشي على إبراهيم عليه السلام ثم أفاق، وقد تحول ملك الموت في الصورة الأولى فقال: يا ملك الموت، لو لم يلق الكافر من البلاء والحزن إلا صورتك لكفاه ذلك، فأرني كيف تقبض أنفاس المؤمنين، قال: فَأَعْرِضْ. فَأَعْرَض إبراهيم عليه السلام ثم التفتَ فإذا هو برجل شاب أحسن الناس وجهاً، وأطيبهم ريحاً في ثياب بيض. قال: يا ملك الموت، لو لم يكن للمؤمن عند ربه عز وجل من قرة العين والكرامة إلا صورتك هذه لكان يكفيه. فانطلق ملك الموت وقام إبراهيم صلى الله "على محمد و "عليه وسلم يدعو ربه، يقول: رب أرني كيف تحيي الموتى حتى أعلم أني خليلك. قال: أو لم تؤمن بأني خليلك؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي بذلك".

وقال ابن عباس: "ما في القرآن آية أرجى عندي منها"، يريد أن إبراهيم دخل قلبه الشك، فنحن آكد أن يعترضنا ذلك.

وقال عطاء بن أبي رباح: "دخل قلب إبراهيم ﷺ بعضُ ما يدخل قلوب الناس".

وروى مالك عن الزهري أن ابن المسيب وأبا عبيدة أخبراه عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: "رَحِمَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ، نَحْنُ أَحَقُّ بَالشَّكِّ مِنْهُ، إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيِمُ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ﴾، وَقَالَ: ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾

واختار الطبري هذا القول لرواية أبي هريرة لهذا الخبر عن النبي [عليه السلام] لأن الشيطان يعرض لجميع الخلق.

وقد قال النبي [عليه السلام]: "ذَلِكَ مِنْ مَحْضِ الإِيمَانِ

وهذا القول من نبي الله ﷺ إنما هو على التواضع والتذلل لله، ونفى التكبر كما قال: "لاَ تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ". ويعيذه الله من الشك الذي يدخل في قلوب المذنبين المؤمنين.

ويجوز أن يكون قوله: "نَحْنُ أَحَقُّ بَالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيم"، يعني به أمته، كأنه ﷺ يعذرهم فيما يوسوس [به إليهم الشيطان]. وقد عفا الله عما يوسوس به الشيطان في قلوب المؤمنين إذا لم يبدوه ولم يعتقدوه.

وقد قال سعيد بن جبير: "معنى ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: ليزداد يقيناً".

وعن ابن عباس: "ليطمئن قلبي" في إجابتك إياي إذا دعوتك بأمرٍ وسألتك فيه". ولم يرد أن إحياء الموتى يطمئن به.

قال أبو …

Al-Baqara 2:260Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.