Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 251–260 of 286

251

فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

So they defeated them by permission of Allah, and David killed Goliath, and Allah gave him the kingship and prophethood and taught him from that which He willed. And if it were not for Allah checking [some] people by means of others, the earth would have been corrupted, but Allah is full of bounty to the worlds.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ أيْ: كَسَرُوهم ورَدُّوهم، قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الهَزْمِ في اللُّغَةِ: كَسْرُ الشَّيْءِ، وثَنْيُ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ، يُقالُ: سِقاءٌ مُنْهَزِمٌ [وَمُهَزَّمٌ ] إذا كانَ بَعْضُهُ قَدْ ثُنِيَ عَلى بَعْضٍ مَعَ جَفافٍ، وقَصَبٍ مُنْهَزِمٍ: قَدْ كُسِرَ وشَقَّقَ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَزَمْتُ عَلى زَيْدٍ، أيْ: عَطَفْتُ عَلَيْهِ.

قالَ الشّاعِرُ:

؎ هَزَمْتُ عَلَيْكَ اليَوْمَ يا ابْنَةَ مالِكٍ فَجُودِي عَلَيْنا بِالنَّوالِ وأنْعِمِي

وَيُقالُ: سَمِعْتُ هَزْمَةَ الرَّعْدِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: كَأنَّهُ صَوْتٌ فِيهِ تَشَقُّقٌ.

وَدُوادُ: هو نَبِيُّ اللَّهِ أبُو سُلَيْمانَ، وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وقِيلَ: إنَّ إخْوَةَ داوُدَ كانُوا مَعَ طالُوتَ، فَمَضى داوُدَ لِيَنْظُرَ إلَيْهِمْ، فَنادَتْهُ أحْجارٌ: خُذْنِي، فَأخَذَها، وجاءَ إلى طالُوتَ، فَقالَ: ما لِي إنْ قَتَلْتُ جالُوتَ، فَقالَ: ثُلُثُ مُلْكِي، وأُنْكِحَكَ ابْنَتِي، فَقُتِلَ جالُوتُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ يَعْنِي آَتى داوُدَ مُلَكَ طالُوتَ. وفي المُرادِ بِـ"الحِكْمَةِ" هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الزَّبُورُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها صَنْعَةُ الدُّرُوعِ، والثّانِي: الزَّبُورُ، والثّالِثُ: مَنطِقُ الطَّيْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ (دَفْعَ اللَّهُ) بِغَيْرِ ألِفٍ هاهُنا، وفي "الحَجِّ" وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ، وأبانُ (وَلَوْلا دِفاعُ) بِألِفٍ فِيهِما. قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ ولَقَدْ حَرِصْتُ بِأنْ أُدافِعَ عَنْهُمُ ∗∗∗ فَإذا المَنِيَّةُ أقْبَلَتْ لا تَدْفَعُ

وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِمَن أطاعَهُ عَمَّنْ عَصاهُ، كَما دَفَعَ عَنِ المُتَخَلِّفِينَ عَنْ طالُوتَ بِمَن أطاعَهُ، لَهَلَكَ العُصاةُ بِسُرْعَةِ العُقُوبَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ المُشْرِكِينَ بِالمُسْلِمِينَ، لَغَلَبَ المُشْرِكُونَ عَلى الأرْضِ، فَقَتَلُوا المُسْلِمِينَ، وخَرَّبُوا المَساجِدَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. ومَعْنى: ﴿لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ لَهَلَكَ أهْلُها.

Al-Baqara 2:251Listen in Qur'an →
252

تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ

These are the verses of Allah which We recite to you, [O Muhammad], in truth. And indeed, you are from among the messengers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ أيْ: نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أخْبارِ المُتَقَدِّمِينَ.

﴿وَإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ حُكْمُكَ حُكْمُهم، فَمَن صَدَقَكَ، فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ مَن صَدَقَهم، ومَن عَصاكَ، فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ مَن عَصاهم.

الجُزْءُ الثّالِثُ

Al-Baqara 2:252Listen in Qur'an →
253

۞ تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَٰتٍۢ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدْنَٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ

Those messengers - some of them We caused to exceed others. Among them were those to whom Allah spoke, and He raised some of them in degree. And We gave Jesus, the Son of Mary, clear proofs, and We supported him with the Pure Spirit. If Allah had willed, those [generations] succeeding them would not have fought each other after the clear proofs had come to them. But they differed, and some of them believed and some of them disbelieved. And if Allah had willed, they would not have fought each other, but Allah does what He intends.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي: مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو نَهِيكٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "مِنهم مَن كالَمَ اللَّهَ" بِألِفٍ خَفِيفَةِ اللّامِ، ونَصْبِ اسْمِ "اللَّهِ" وفي المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عَنى بِالمَرْفُوعِ دَرَجاتٍ، مُحَمَّدًا ﷺ، فَإنَّهُ بُعِثَ إلى النّاسِ كافَّةً، وغَيْرُهُ بُعِثَ إلى أُمَّتِهِ خاصَّةً، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ. والثّانِي: أنَّهُ عَنى تَفْضِيلَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ فِيما آَتاهُ اللَّهُ، هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: والدَّرَجاتُ: جَمْعُ دَرَجَةٍ، وهي المَرْتَبَةُ، وأصْلُ ذَلِكَ: مَراقِي السُّلَّمِ ودَرَجُهُ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في ارْتِفاعِ المَنازِلِ والمَراتِبِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "البَيِّناتِ" و"رُوحُ القُدُسِ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ الأنْبِياءِ. وقالَ قَتادَةُ: مِن بَعْدِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ. قالَ مُقاتِلٌ: وكانَ بَيْنَهُما ألْفُ نَبِيٍّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ يَعْنِي: الأُمَمَ.

Al-Baqara 2:253Listen in Qur'an →
254

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌۭ وَلَا شَفَٰعَةٌۭ ۗ وَٱلْكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

O you who have believed, spend from that which We have provided for you before there comes a Day in which there is no exchange and no friendship and no intercession. And the disbelievers - they are the wrongdoers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ هَذِهِ الآَيَةُ تَحُثُّ عَلى الصَّدَقاتِ، والإنْفاقِ في وُجُوهِ الطّاعاتِ. وقالَ الحَسَنُ: أرادَ الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو (لا بَيْعَ فِيهِ ولا خُلَّةَ ولا شَفاعَةَ) بِالنَّصْبِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، ومِثْلُهُ في "إبْراهِيمَ" (لا بَيْعَ فِيهِ) وفي الطَّوْرِ (لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ) وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، جَمِيعُ ذَلِكَ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا فِدْيَةَ فِيهِ، وقِيلَ: إنَّما ذَكَرَ لَفْظَ البَيْعِ لِما فِيهِ مِنَ المُعاوَضَةِ، وأخَذَ البَدَلَ. والخُلَّةُ: الصَّداقَةُ. وقِيلَ: إنَّما نَفى هَذِهِ الأشْياءَ، لِأنَّهُ عَنى عَنِ الكافِرِينَ، وهَذِهِ الأشْياءُ لا تَنْفَعُهم، ولِهَذا قالَ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾

Al-Baqara 2:254Listen in Qur'an →
255

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌۭ وَلَا نَوْمٌۭ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍۢ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ

Allah - there is no deity except Him, the Ever-Living, the Sustainer of [all] existence. Neither drowsiness overtakes Him nor sleep. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. Who is it that can intercede with Him except by His permission? He knows what is [presently] before them and what will be after them, and they encompass not a thing of His knowledge except for what He wills. His Kursi extends over the heavens and the earth, and their preservation tires Him not. And He is the Most High, the Most Great.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ رَوى مُسْلِمٌ في "صَحِيحِهِ" «عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: "يا أبا المُنْذِرِ! أتَدْرِي أيَّ آَيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ أعْظَمَ؟ " قالَ: قُلْتُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ قالَ: فَضَرَبَ في صَدْرِي، وقالَ: "لِيَهْنِكَ العِلْمُ يا أبا المُنْذِرِ"» قالَ: أبُو عُبَيْدَةَ، القَيُّومُ: الَّذِي لا يَزُولُ، لِاسْتِقامَةِ وصْفِهِ بِالوُجُودِ، حَتّى لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغْيِيرُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: القَيُّومُ: القائِمُ بِتَدْبِيرِ أمْرِ الخَلْقِ. وقالَ الخَطّابِيُّ: القَيُّومُ: هو القائِمُ الدّائِمُ بِلا زَوالٍ، وزْنُهُ: "فَيْعُولٌ" مِنَ القِيامِ، وهو نَعْتٌ لِلْمُبالِغَةِ لِلْقِيامِ عَلى الشَّيْءِ، ويُقالُ: هو القائِمُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِالرِّعايَةِ، يُقالُ: قُمْتُ بِالشَّيْءِ: إذا ولَيْتُهُ بِالرِّعايَةِ والمَصْلَحَةِ. وفي "القَيُّومِ" ثَلاثُ لُغاتٍ القَيُّومُ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ، والقِيامُ، وبِهِ قَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والأعْمَشُ. والقَيِّمُ، وبِهِ قَرَأ أبُو رَزِينٍ، وعَلْقَمَةُ. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّهُ كَذَلِكَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: وأصْلُ القَيُّومِ: القَيْوُومُ: فَلَمّا اجْتَمَعَتِ الياءُ والواوُ والسّابِقُ ساكِنٌ، جُعِلَتا ياءً مُشَدَّدَةً. وأصْلُ القِيامِ: القَوّامُ، قالَ الفَرّاءُ: وأهْلُ الحِجازِ يُصَرِّفُونَ الفِعالَ [إلى ] الفَيْعالِ، فَيَقُولُونَ لِلصَّوّاغِ: صَيّاغٌ. فَأمّا "السَّنَةُ" فَهِيَ: النُّعاسُ مِن غَيْرِ نَوْمٍ، ومِنهُ: الوَسَنانِ. قالَ ابْنُ الرِّقاعِ:

؎ وكَأنَّها بَيْنَ النِّساءِ أعارَها عَيْنَيْهِ أحْوَرَ مِن جَآذِرٍ جاسِمِ

؎ وسْنانُ أقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ ∗∗∗ في عَيْنِهِ سِنَةٌ، ولَيْسَ بِنائِمٍ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: والأرْضِينَ. لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُ الجَمْعِ في السَّماواتِ، فاسْتَغْنى بِذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ، ومِثْلُهُ ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ ولَمْ يَقُلِ: الأنْوارُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ﴾ فِيهِ رَدٌّ عَلى مَن قالَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [ الزُّمَرِ: ٣ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ ظاهِرُ الكَلامِ يَقْتَضِي الإشارَةَ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةُ. وفي المُرادِ بِـ ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُهُما: أنَّ الَّذِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ أمْرُ الآَخِرَةِ، والَّذِي خَلْفَهم أمْرُ الدُّنْيا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ. والثّانِي: أنَّ الَّذِي بَيْنَ أيْدِيهِمُ الدُّنْيا، والَّذِي خَلْفَهُمُ الآَخِرَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ. والثّالِثُ: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: ما قَبْلَ خَلْقِهِمْ، وما خَلْفَهم، ما بَعْدَ خَلْقِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ﴾ قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: لِكُلِّ مَن أحْرَزَ شَيْئًا، أوْ بَلَغَ عِلْمُهُ أقْصاهُ: قَدْ أحاطَ بِهِ. والمُرادُ بِالعِلْمِ هاهُنا: المَعْلُومُ، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ أيِ: احْتَمَلَ وأطاقَ. وفي المُرادِ بِالكُرْسِيِّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ كُرْسِيٌّ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ دُونَ العَرْشِ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: « "ما السَّماواتُ السَّبْعُ في الكُرْسِيِّ إلّا كَحَلْقَةٍ مُلْقاةٍ في أرْضْ …

Al-Baqara 2:255Listen in Qur'an →
256

لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

There shall be no compulsion in [acceptance of] the religion. The right course has become clear from the wrong. So whoever disbelieves in Taghut and believes in Allah has grasped the most trustworthy handhold with no break in it. And Allah is Hearing and Knowing.

فَصْلٌ

واخْتَلَفَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذا القَدْرِ مِنَ الآَيَةِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مُحْكَمٌ، وإنَّهُ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ، فَإنَّهُ خَصَّ مِنهُ أهْلَ الكِتابِ بِأنَّهم لا يُكْرَهُونَ عَلى الإسْلامِ، بَلْ يُخَيَّرُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أداءِ الجِزْيَةِ، وهَذا مَعْنى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ.

وَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الآَيَةِ: لَيْسَ الدِّينُ ما تَدِينُ بِهِ في الظّاهِرِ عَلى جِهَةِ الإكْراهِ عَلَيْهِ، ولَمْ يَشْهَدْ بِهِ القَلْبُ، وتَنْطَوِي عَلَيْهِ الضَّمائِرُ، إنَّما الدِّينُ هو المُنْعَقِدُ بِالقَلْبِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مَنسُوخٌ، وقالُوا: هَذِهِ الآَيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ، فَعَلى قَوْلِهِمْ، يَكُونُ مَنسُوخًا بِآَيَةِ السَّيْفِ، وهَذا مَذْهَبُ الضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ. والدِّينُ هاهُنا: أُرِيدَ بِهِ الإسْلامُ. والرُّشْدُ: الحَقُّ، والغَيُّ: الباطِلُ. وقِيلَ: هو الإيمانُ والكُفْرُ. فَأمّا الطّاغُوتُ؛ فَهو اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الطُّغْيانِ، وهو مُجاوَزَةُ الحَدِّ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطّاغُوتُ: واحِدٌ وجَمْعٌ، ومُذَكَّرٌ، ومُؤَنَّثٌ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ وقالَ: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ [ الزُّمَرِ: ١٧ ] والمُرادُ بِالطّاغُوتِ هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الشَّيْطانُ، قالَهُ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ في آَخَرِينَ. والثّانِي: أنَّهُ الكاهِنُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ. والثّالِثُ: أنَّهُ السّاحِرُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ. والرّابِعُ: أنَّهُ الأصْنامُ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ، والزَّجّاجُ. والخامِسُ: أنَّهُ مَرَدَةُ أهْلِ الكِتابِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ هَذا مَثَلٌ لِلْإيمانِ، شَبَّهَ التَّمَسُّكَ بِهِ بِالتَّمَسُّكِ بِالعُرْوَةِ الوَثِيقَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الكَلامِ: فَقَدْ عَقَدَ لِنَفْسِهِ عَقْدًا وثِيقًا. والِانْفِصامُ: كَسْرُ بِالشَّيْءِ مِن غَيْرِ إبانَةٍ.

Al-Baqara 2:256Listen in Qur'an →
257

ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Allah is the ally of those who believe. He brings them out from darknesses into the light. And those who disbelieve - their allies are Taghut. They take them out of the light into darknesses. Those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: مُتَوَلِّي أُمُورَهم، يَهْدِيهِمْ، ويَنْصُرُهم، ويُعِينُهم. والظُّلُماتُ: الضَّلالَةُ، والنُّورِ: الهُدى، والطّاغُوتُ: الشَّياطِينُ، هُنا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ في آَخَرِينَ. وقالَ مُقاتِلٌ: الَّذِينَ كَفَرُوا: هُمُ اليَهُودُ، والطّاغُوتُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. قالَ الزَّجّاجُ: والطّاغُوتُ هاهُنا: واحِدٌ في مَعْنى جَماعَةٍ، وهَذا جائِزٌ في اللُّغَةِ إذا كانَ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلى الجَماعَةِ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ

أرادَ جُلُودَها، فَإنْ قِيلَ: مَتى كانَ المُؤْمِنُونَ في ظُلْمَةٍ؟ ومَتى كانَ الكُفّارُ في نُورٍ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ. أحَدُها: أنَّ عِصْمَةَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُواقَعَةِ الضَّلالِ، إخْراجٌ لَهم مِن ظَلامِ الكُفْرِ، وتَزْيِينِ قُرَناءَ الكُفّارِ لَهُمُ الباطِلَ الَّذِي يَحِيدُونَ بِهِ عَنِ الهُدى، إخْراجٌ لَهم مِن نُورِ الهُدى، و"الإخْراجُ" مُسْتَعارٌ هاهُنا. وقَدْ يُقالُ: لِلْمُمْتَنِعِ مِنَ الشَّيْءِ: خَرَجَ مِنهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فِيهِ. قالَ تَعالى: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [ يُوسُفَ: ٣٧ ] وقالَ: ﴿وَمِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ [ النَّحْلِ: ٧٠ ] . وقَدْ سَبَقَتْ شَواهِدُ هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢١٠ ] . والثّانِي: أنَّ إيمانَ أهْلِ الكِتابِ بِالنَّبِيِّ قَبْلَ أنْ يَظْهَرَ نُورٌ لَهم، وكَفْرُهم بِهِ بَعْدَ أنْ ظَهَرَ، خُرُوجٌ إلى الظُّلُماتِ. والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا ظَهَرَتْ مُعْجِزاتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كانَ المُخالِفُ لَهُ خارِجًا مِن نُورٍ قَدْ عَلِمَهُ، والمُوافِقُ لَهُ خارِجًا مِن ظُلُماتِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ.

Al-Baqara 2:257Listen in Qur'an →
258

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِۦمَ فِى رَبِّهِۦٓ أَنْ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Have you not considered the one who argued with Abraham about his Lord [merely] because Allah had given him kingship? When Abraham said, "My Lord is the one who gives life and causes death," he said, "I give life and cause death." Abraham said, "Indeed, Allah brings up the sun from the east, so bring it up from the west." So the disbeliever was overwhelmed [by astonishment], and Allah does not guide the wrongdoing people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ قَدْ سَبَقَ مَعْنى "ألَمْ تَرَ" . وحاجَّ: بِمَعْنى خاصَمَ، وهو نَمْرُوذُ في قَوْلِ الجَماعَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَلَكَ الأرْضَ شَرْقَها وغَرْبَها؛ مُؤْمِنانِ، وكافِرانِ، فالمُؤْمِنانِ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ، وذُو القَرْنَيْنِ. والكافِرانِ: نَمْرُوذُ، وبُخْتِنَصَّرُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآَيَةِ: حاجَّ إبْراهِيمَ، لِأنَّ اللَّهَ آَتاهُ المُلْكَ، فَأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ [وَمُلْكِهِ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: هَذا جَوابُ سُؤالٍ سابِقٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، تَقْدِيرُهُ: أنَّهُ قالَ لَهُ: مَن رَبُّكَ؟ فَقالَ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ. قالَ نَمْرُوذُ: أنا أُحْيِي وأُمِيتُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَقُولُ: أتْرُكُ مَن شِئْتُ، وأقْتُلُ مَن شِئْتُ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ انْتَقَلَ إبْراهِيمُ إلى حُجَّةٍ أُخْرى، وعَدَلَ عَنْ نُصْرَةِ الأُولى؟ فالجَوابُ: أنَّ إبْراهِيمَ رَأى مِن فَسادِ مُعارَضَتِهِ أمْرًا عَلى ضَعْفِ فَهْمِهِ، فَإنَّهُ عارَضَ اللَّفْظَ بِمِثْلِهِ، ونَسِيَ اخْتِلافَ الفِعْلَيْنِ، فَإنْ نَقَلَ إلى حُجَّةٍ أُخْرى، قَصْدًا لِقَطْعِ المَحاجِّ، لا عَجْزًا عَنْ نُصْرَةِ الأُولى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ أيِ: انْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ، فَتَحَيَّرَ، وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "فَبُهِتَ" بِفَتْحِ الباءِ والهاءِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وأبُو حَيْوَةَ: "فَبُهِتَ" بِفَتْحِ الباءِ، وضَمِّ الهاءِ. قالَ الكِسائِيُّ: ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: بَهِتَ، وبَهُتَ، بِكَسْرِ الهاءِ وضَمِّها، ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ. قالَ مُقاتِلٌ: لا يَهْدِيهِمْ إلى الحُجَّةِ، وعَنى بِذَلِكَ نَمْرُوذَ.

Al-Baqara 2:258Listen in Qur'an →
259

أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍۢ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ ثُمَّ بَعَثَهُۥ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةًۭ لِّلنَّاسِ ۖ وَٱنظُرْ إِلَى ٱلْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًۭا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Or [consider such an example] as the one who passed by a township which had fallen into ruin. He said, "How will Allah bring this to life after its death?" So Allah caused him to die for a hundred years; then He revived him. He said, "How long have you remained?" The man said, "I have remained a day or part of a day." He said, "Rather, you have remained one hundred years. Look at your food and your drink; it has not changed with time. And look at your donkey; and We will make you a sign for the people. And look at the bones [of this donkey] - how We raise them and then We cover them with flesh." And when it became clear to him, he said, "I know that Allah is over all things competent."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مَعْطُوفٌ عَلى مَعْنى الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ، مَعْناهُ: أرَأيْتَ كالَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ، أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ؟ وفي المُرادِ بِالقَرْيَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بَيْتُ المَقْدِسِ لَمّا خَرَّبَهُ بُخْتِنْصَّرُ، قالَهُ وهْبٌ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. والثّانِي: أنَّها الَّتِي خَرَجَ مِنها الأُلُوفُ حَذَرَ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ: وفي الَّذِي مَرَّ عَلَيْها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ عُزَيْرٌ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وناجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُ أرْمِياءُ، قالَهُ وهْبٌ، ومُجاهِدٌ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ رَجُلٌ كافِرٌ شَكَّ في البَعْثِ، نَقَلَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا. والخاوِيَةُ: الخالِيَةُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الخاوِيَةُ: الخَرابُ، والعُرُوشُ: السُّقُوفُ، وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ تَسْقُطَ السُّقُوفُ، ثُمَّ تَسْقُطُ الحِيطانُ عَلَيْها ﴿قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ﴾ أيْ: كَيْفَ يُحْيِيها. فَإنْ قُلْنا: إنَّ هَذا الرَّجُلَ نَبِيٌّ، فَهو كَلامُ مَن يُؤْثِرُ أنْ يَرى كَيْفِيَّةَ الإعادَةِ، أوْ يَسْتَهْوِ لَها، فَيُعَظِّمُ قُدْرَةَ اللَّهِ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ رَجُلًا كافِرًا، فَهو كَلامُ شاكٍّ، والأوَّلُ أصَحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ .

الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِ.

رَوى ناجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: خَرَجَ عُزَيْرٌ نَبِيُّ اللَّهِ مِن مَدِينَتِهِ، وهو رَجُلٌ شابٌّ، فَمَرَّ عَلى قَرْيَةٍ، وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها، فَقالَ: أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها، فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ، وأوَّلُ ما خَلْقَ اللَّهِ مِنهُ عَيْناهُ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى عِظامِهِ تَنْضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ثُمَّ كُسِيَتْ لَحْمًا، ونُفِخَ فِيها الرُّوحُ. قالَ الحَسَنُ: قَبَضَهُ اللَّهُ أوَّلَ النَّهارِ، وبَعَثَهُ آَخِرَ النَّهارِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ. قالَ مُقاتِلٌ: ونُودِيَ مِنَ السَّماءِ: كَمْ لَبِثْتَ؟ قالَ قَتادَةُ: فَقالَ: لَبِثْتُ يَوْمًا، ثُمَّ نَظَرَ فَرَأى بَقِيَّةً مِنَ الشَّمْسِ، فَقالَ: أوْ بَعْضَ يَوْمٍ. فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عُزَيْرٌ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أقامَ أرْمَيا بِأرْضِ مِصْرَ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّ الحَقَّ بِأرْضِ إيلِياءَ، فَرَكِبَ حِمارَهُ، وأخَذَ مَعَهُ سَلَّةً مِن عِنَبٍ وتِينٍ، ومَعَهُ سِقاءٌ جَدِيدٌ، فِيهِ ماءٌ، فَلَمّا بَدا لَهُ شَخَصَ بَيْتَ المَقْدِسِ وما حَوْلَهُ مِنَ القُرى [والمَساجِدِ ] نَظَرَ إلى خَرابٍ لا يُوصَفُ [فَلَمّا رَأى هَدْمَ بَيْتِ المَقْدِسِ كالجَبَلِ العَظِيمِ ] قالَ: أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها؟ ثُمَّ نَزَلَ مِنها مَنزِلًا، ورَبَطَ حِمارَهُ، [وَعَلَّقَ سِقاءَهُ ] فَألْقى اللَّهُ عَلَيْهِ النُّوَّمَ، ونَزَعَ رُوحَهُ مِائَةَ عامٍ، فَلَمّا مَرَّ مِنها سَبْعُونَ عامًا، أرْسَلَ اللَّهُ مَلَكًا إلى مَلِكٍ مِن مُلُوكِ فارِسٍ، عَظِيمٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أنْ تَنْفِرَ بِقَوْمِكَ، فَتُعَمِّرَ بَيْتَ المَقْدِسِ وإيلِياءَ وأرْضَها حَتّى تَعُودَ أعْمَرَ ما كانَتْ، [فَقالَ المَلِكُ: أنْظِرْنِي ثَلاثَةَ أيّامٍ حَتّى أتَأهَّبَ لِهَذا العَمَلِ، ولِما يُصْلِحُهُ مِن أداةِ العَمَلِ، فَأنْظَرَهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ ] فانْتَدَبَ ثَلاثَمِائَةِ قَهْرَمانَ، ودَفَعَ إلى كُلِّ قَهْرَمانَ ألْفَ …

Al-Baqara 2:259Listen in Qur'an →
260

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةًۭ مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍۢ مِّنْهُنَّ جُزْءًۭا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًۭا ۚ وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

And [mention] when Abraham said, "My Lord, show me how You give life to the dead." [Allah] said, "Have you not believed?" He said, "Yes, but [I ask] only that my heart may be satisfied." [Allah] said, "Take four birds and commit them to yourself. Then [after slaughtering them] put on each hill a portion of them; then call them - they will come [flying] to you in haste. And know that Allah is Exalted in Might and Wise."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ أيْ: أوَلَسْتَ قَدْ آَمَنتَ أنِّي أُحْيِي المَوْتى؟ وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ألَمْ تُوقِنْ بِالخُلَّةِ؟

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ "اللّامُ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: ولَكِنْ سَألْتُكَ لِيَطْمَئِنَّ، أوْ أرِنِي لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، ثُمَّ في المَعْنى أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لِأعْلَمَ أنَّكَ تُجِيبُنِي إذا دَعَوْتُكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: لِيَزْدادَ قَلْبِي يَقِينًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ الحَسَنُ: كانَ إبْراهِيمُ مُوقِنًا، ولَكِنْ لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ. والثّالِثُ: لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِالخُلَّةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا. والرّابِعُ: أنَّهُ كانَ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقًا بِرُؤْيَةِ إحْياءِ المَوْتى، فَأرادَ: لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِالنَّظَرِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقالَ غَيْرُهُ: كانَتْ نَفْسُهُ تائِقَةً إلى رُؤْيَةِ ذَلِكَ، وطالِبُ الشَّيْءِ قَلِقٌ إلى أنْ يَظْفَرَ بِطُلْبَتِهِ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْألْ لِشَكِّ، أنَّهُ قالَ: ﴿أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ وما قالَ: هَلْ تُحْيِي المَوْتى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ في الَّذِي أخَذَ سَبْعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها الحَمامَةُ، والدِّيكُ، والكُرْكِيُّ، والطّاوُوسُ، رَواهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هُبَيْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها الطّاوُوسُ، والدِّيكُ، والدَّجاجَةُ السِّنْدِيَّةُ، والأُوَزَّةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وفي لَفْظٍ آَخَرَ، رَواهُ الضَّحّاكُ مَكانَ الدَّجاجِهِ السِّنْدِيَّةِ الرَّأْلِ، وهو فَرْخُ النَّعامِ. والثّالِثُ: أنَّها الشَّعانِينُ، وكانَتْ قُرْباهم يَوْمَئِذٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّها الطّاوُوسُ، والنَّسْرُ، والغُرابُ، والدِّيكُ، نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والخامِسُ: أنَّها الدِّيكُ، والطّاوُوسُ والغُرابُ، والحَمامُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ وابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ زَيْدٍ. والسّادِسُ: أنَّها دِيكٌ، وغُرابٌ، وبَطٌّ، وطاوُوسٌ، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ. والسّابِعُ: أنَّها الدِّيكُ، والبَطَّةُ، والغُرابُ، والحَمامَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ خُذْ بَطَّةً وغُرابًا أسْوَدَ، وحَمامَةً بَيْضاءَ، ودِيكًا أحْمَرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الصّادِ، والمَعْنى: أمِلْهُنَّ إلَيْكَ، يُقالُ: صِرْتُ الشَّيْءَ فانْصارَ، أيْ: أمَلْتُهُ فَمالَ، وأنْشَدُوا:

؎ اللَّهُ يَعْلَمُ أنّا في تَلَفُّتِنا يَوْمَ الفِراقِ إلى جِيرانِنا صُورُ

فَمَعْنى الكَلامِ: اجْمَعْهُنَّ إلَيْكَ. ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ فِيهِ إضْمارُ قَطْعِهِنَّ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أضْمَرَ "قَطْعُهُنَّ" واكْتَفى بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ عَنْ قَوْلِهِ "قَطِّعْهُنَّ" لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: خُذْ هَذا الثَّوْبَ، واجْعَلْ عَلى كُلِّ رُمْحٍ عِنْدَكَ مِنهُ عَلَمًا. يُرِيدُ: قَطْعَهُ، وافْعَلْ ذَلِكَ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ (فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ) بِكَسْرِ الصّادِ. قالَ اليَزِيدِيُّ: هُما واحِدٌ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الكَسْرُ والضَّمُّ لُغَتانِ. قالَ الفَرّاءُ: أكْثَرُ العَرَبِ عَلى ضَمِّ الصّادِ، وحَدَّثَنِي الكِسائِيُّ أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ بَنِي سَلِيمٍ يَقُولُ: صِرْتُهُ، فَأنا أصِيرُهُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ووَهْبٍ، وأبِي مالِكٍ، وأبِي الأُسُودِ الدُّؤَلِيِّ، …

Al-Baqara 2:260Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.