Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 251–260 of 286

251

فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

So they defeated them by permission of Allah, and David killed Goliath, and Allah gave him the kingship and prophethood and taught him from that which He willed. And if it were not for Allah checking [some] people by means of others, the earth would have been corrupted, but Allah is full of bounty to the worlds.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٥١] ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ .

﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ القَلِيلُونَ، أُولَئِكَ الكَثِيرُونَ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ بِنَصْرِهِ إذْ شَجَّعَ القَلِيلِينَ وجَبَّنَ الكَثِيرِينَ: ﴿وقَتَلَ داوُدُ﴾ وكانَ في جَيْشِ طالُوتَ: ﴿جالُوتَ﴾ الَّذِي هو رَأْسُ الأقْوِياءِ: ﴿وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ أيْ: أعْطى اللَّهُ داوُدَ مُلْكَ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿والحِكْمَةَ﴾ أيِ: الفَهْمَ والنُّبُوَّةَ: ﴿وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ مِن صَنْعَةِ الدُّرُوعِ وغَيْرِها: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ﴾ مِن أهْلِ الشَّرِّ: ﴿بِبَعْضٍ﴾ مِن أهْلِ الخَيْرِ: ﴿لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ أيْ: بِغَلَبَةِ الكُفّارِ وظُهُورِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ ومَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠] الآيَةَ.

﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ: مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالدَّفْعِ. ولِذَلِكَ قَوّى سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ الضُّعَفاءَ وأعْطى بَعْضَهُمُ المُلْكَ والحِكْمَةَ ومِن سائِرِ العُلُومِ، لِيَدْفَعَ فَسادَ الأقْوِياءِ بِالسَّيْفِ.

Al-Baqara 2:251Listen in Qur'an →
252

تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ

These are the verses of Allah which We recite to you, [O Muhammad], in truth. And indeed, you are from among the messengers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٥٢] ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ .

﴿تِلْكَ﴾ أيِ: المَذْكُوراتُ مِن إماتَةِ الأُلُوفِ وإحْيائِهِمْ وتَمْلِيكِ طالُوتَ وإتْيانِ التّابُوتِ وانْهِزامِ جالُوتَ وقَتْلِ داوُدَ إيّاهُ وتَمَلُّكِهِ: ﴿آياتُ اللَّهِ﴾ إذْ هي أخْبارُ غُيُوبٍ تَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وحِكْمَتِهِ ولُطْفِهِ: ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ أيْ: نُنَزِّلُ عَلَيْكَ جِبْرِيلَ بِها: ﴿بِالحَقِّ﴾ أيِ: اليَقِينِ الَّذِي لا يُرْتابُ فِيهِ: ﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآياتُ مِن عِلْمِكَ بِها مِن غَيْرِ مُعَلِّمٍ مِنَ البَشَرِ، ثُمَّ بِإعْجازِها الباقِي عَلى مَدى الدَّهْرِ. وفي هَذِهِ القِصَصِ مُعْتَبَرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ في احْتِمالِ الشَّدائِدِ في الجِهادِ كَما احْتَمَلَها المُؤْمِنُونَ في الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ، كَما أنَّ فِيها تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ ﷺ مِنَ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ عَرَفْتَ بِهَذِهِ الآياتِ ما جَرى عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الخِلافِ عَلَيْهِمْ والرَّدِّ لِقَوْلِهِمْ، فَلا يَعْظُمَنَّ عَلَيْكَ كُفْرُ مَن كَفَرَ بِكَ، وخِلافُ مَن خالَفَ عَلَيْكَ لِأنَّكَ مِثْلُهم. وإنَّما بُعِثَ الكُلُّ لِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ ولِامْتِثالِ الأمْرِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ والطَّوْعِ، لا عَلى سَبِيلِ الإكْراهِ، فَلا عَتَبَ عَلَيْكَ في خِلافِهِمْ وكُفْرِهِمْ، والوَبالُ في ذَلِكَ يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ كالتَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ. أشارَ لَهُ الرّازِيُّ.

قالَ البِقاعِيُّ: ولَعَلَّ خِتامَ قِصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ بِهَذِهِ القِصَّةِ، لِما فِيها لِلنَّبِيِّ ﷺ مِن واضِحِ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِ، لِأنَّهُ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا القَلِيلُ مِن حُذّاقِ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ.

قُلْتُ: يَرْحَمُ اللَّهُ البِقاعِيَّ، فَإنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلى هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ التَّوْراةِ، مَعَ أنَّها مَسُوقَةٌ في الإصْحاحِ السّابِعَ عَشَرَ مِن سِفْرِ صَمُوئِيلَ الأوَّلِ ونَصُّهُ:

١ * وجَمَعَ الفِلَسْطِينِيُّونَ جُيُوشَهم لِلْحَرْبِ فاجْتَمَعُوا في سُوكُوهَ الَّتِي لِيَهُوذا ونَزَلُوا بَيْنَ سُوكُوهَ وعَرِيقَةَ في أفَسِ دَمِّيمَ.

٢ * واجْتَمَعَ شاوُلُ ورِجالُ إسْرائِيلَ ونَزَلُوا في وادِي البُطْمِ واصْطَفُّوا لِلْحَرْبِ لِلِقاءِ الفِلَسْطِينِيِّينَ. * ٣ * وكانَ الفِلَسْطِينِيُّونَ وُقُوفًا عَلى جَبَلٍ مِن هُنا وإسْرائِيلُ وُقُوفًا عَلى جَبَلٍ مِن هُناكَ والوادِي بَيْنَهم. * ٤ * فَخَرَجَ رَجُلٌ مُبارِزٌ مِن جُيُوشِ الفِلَسْطِينِيِّينَ اسْمُهُ جُلْياتُ مِن جَتَّ طُولُهُ سِتُّ أذْرُعٍ وشِبْرٌ. * ٥ * وعَلى رَأْسِهِ خُوذَةٌ مِن نُحاسٍ، وكانَ لابِسًا دِرْعًا حَرْشَفِيًّا ووَزْنُ الدِّرْعِ خَمْسَةُ آلافِ شاقِلِ نُحاسٍ. * ٦ * وجُرْمُوقًا نُحاسًا عَلى رِجْلَيْهِ، ومِزْراقَ نُحاسٍ بَيْنَ كَتِفَيْهِ.

٧ * وقَناةُ رُمْحِهِ كَنَوْلِ النَّسّاجِينَ، وسِنانُ رُمْحِهِ سِتُّ مِائَةِ شاقِلِ حَدِيدٍ، وحامِلُ التُّرْسِ كانَ يَمْشِي قُدّامَهُ. * ٨ * فَوَقَفَ ونادى صُفُوفَ إسْرائِيلَ وقالَ لَهُمْ: لِماذا تَخْرُجُونَ لِتَصْطَفُّوا لِلْحَرْبِ؟ أمّا أنا الفِلَسْطِينِيُّ وأنْتُمْ عَبِيدٌ لِشاوُلَ. اخْتارُوا لِأنْفُسِكم رَجُلًا ولْيَنْزِلْ إلَيَّ. * ٩ * فَإنْ قَدَرَ أنْ يُحارِبَنِي ويَقْتُلَنِي نَصِيرُ لَكم عَبِيدًا. وإنْ قَدَرْتُ أنا عَلَيْهِ وقَتَلْتُهُ تَصِيرُونَ أنْتُمْ لَنا عَبِيدًا وتَخْدِمُونَنا.

١٠ * وقالَ الفِلَسْطِينِيُّ: أنا عَيَّرْتُ صُفُوفَ إسْرائِيلَ هَذا اليَوْمَ. …

Al-Baqara 2:252Listen in Qur'an →
253

۞ تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَٰتٍۢ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدْنَٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ

Those messengers - some of them We caused to exceed others. Among them were those to whom Allah spoke, and He raised some of them in degree. And We gave Jesus, the Son of Mary, clear proofs, and We supported him with the Pure Spirit. If Allah had willed, those [generations] succeeding them would not have fought each other after the clear proofs had come to them. But they differed, and some of them believed and some of them disbelieved. And if Allah had willed, they would not have fought each other, but Allah does what He intends.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٥٣] ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ولَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ .

﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ إشارَةٌ إلى مَن ذُكِرَ مِنهم في هَذِهِ السُّورَةِ أوِ المَعْلُومَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ بِأنْ خُصَّ بِمَنقَبَةٍ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ تَفْصِيلُ التَّفْضِيلِ أيْ: مِنهم مَن فَضَّلَهُ اللَّهُ، بِأنْ كَلَّمَهُ مِن غَيْرِ سَفِيرٍ، وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ كَإبْراهِيمَ اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا. وداوُدَ آتاهُ اللَّهُ النُّبُوَّةَ والخِلافَةَ والمُلْكَ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ومِنهم مَن رَفَعَهُ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ، فَكانَ بَعْدَ تَفاوُتِهِمْ في الفَضْلِ أفْضَلَ مِنهم بِدَرَجاتٍ كَثِيرَةٍ.

والظّاهِرُ: أنَّهُ أرادَ مُحَمَّدًا ﷺ لِأنَّهُ هو المُفَضَّلُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ أُوتِيَ ما لَمْ يُؤْتَهُ أحَدٌ مِنَ الآياتِ المُتَكاثِرَةِ المُرْتَقِيَةِ إلى ألْفِ آيَةٍ أوْ أكْثَرَ. ولَوْ لَمْ يُؤْتَ إلّا القُرْآنَ وحْدَهُ لَكَفى بِهِ فَضْلًا مَنِيفًا عَلى سائِرِ ما أُوتِيَ الأنْبِياءُ، لِأنَّهُ المُعْجِزَةُ الباقِيَةُ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ دُونَ سائِرِ المُعْجِزاتِ. وفي هَذا الإبْهامِ مِن تَفْخِيمِ فَضْلِهِ وإعْلاءِ قَدْرِهِ ما لا يَخْفى، لِما فِيهِ مِنَ الشَّهادَةِ عَلى أنَّهُ العَلَمُ الَّذِي لا يُشَبَّهُ والمُتَمَيِّزُ الَّذِي لا يَلْتَبِسُ؛ يُقالُ لِلرَّجُلِ: مَن فَعَلَ هَذا؟ فَيَقُولُ: أحَدُكم أوْ بَعْضُكم. تُرِيدُ بِهِ الَّذِي تُعُورِفَ واشْتُهِرَ بِنَحْوِهِ مِنَ الأفْعالِ، فَيَكُونُ أفْخَمَ مِنَ التَّصْرِيحِ بِهِ وأنْوَهَ بِصاحِبِهِ. وسُئِلَ الحُطَيْئَةُ عَنْ أشْعَرِ النّاسِ؟ فَذَكَرَ زُهَيْرًا والنّابِغَةَ ثُمَّ قالَ: ولَوْ شِئْتُ لَذَكَرْتُ الثّالِثَ أرادَ نَفْسَهُ. ولَوْ قالَ: ولَوْ شِئْتُ لَذَكَرْتُ نَفْسِي، لَمْ يُفَخِّمْ أمْرَهُ.

ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ إبْراهِيمَ ومُحَمَّدًا وغَيْرَهُما مِن أُولِي العَزْمِ.

﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ كَإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وإحْياءِ المَوْتى: ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَلِمَ خَصَّ مُوسى وعِيسى مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ بِالذِّكْرِ؟ قُلْتُ: لِما أُوتِيا مِنَ الآياتِ العَظِيمَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ. ولَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ وجْهَ التَّفْضِيلِ، حَيْثُ جَعَلَ التَّكْلِيمَ مِنَ الفَضْلِ وهو آيَةٌ مِنَ الآياتِ، فَلَمّا كانَ هَذانَ النَّبِيّانِ قَدْ أُوتِيا ما أُوتِيا مِن عِظامِ الآياتِ، خُصّا بِالذِّكْرِ في بابِ التَّفْضِيلِ، وهَذا دَلِيلٌ بَيِّنٌ أنَّ مَن زِيدَ تَفْضِيلًا بِالآياتِ مِنهم فَقَدْ فُضِّلَ عَلى غَيْرِهِ. ولَمّا كانَ نَبِيُّنا ﷺ هو الَّذِي أُوتِيَ مِنها ما لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ في كَثْرَتِها وعِظَمِها، كانَ هو المَشْهُودَ لَهُ بِإحْرازِ قَصَباتِ الفَضْلِ غَيْرَ مُدافِعٍ.

﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ الرُّسُلِ لِاخْتِلافِهِمْ في الدِّينِ وتَشَعُّبِ مَذاهِبِهِمْ وتَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ولَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما …

Al-Baqara 2:253Listen in Qur'an →
254

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌۭ وَلَا شَفَٰعَةٌۭ ۗ وَٱلْكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

O you who have believed, spend from that which We have provided for you before there comes a Day in which there is no exchange and no friendship and no intercession. And the disbelievers - they are the wrongdoers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٥٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ هَذا أمْرٌ بِالإنْفاقِ لِبَعْضٍ مِنَ المالِ. قِيلَ: هو أمْرُ إيجابٍ وأنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ: الإنْفاقَ الواجِبَ وهو الزَّكاةُ، لِأنَّهُ تَعالى عَقَّبَهُ بِالوَعِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿والكافِرُونَ﴾ إلخ. حَيْثُ عُنِيَ بِهِمْ مانِعُوها كَما يَأْتِي. وقالَ الأصَمُّ وأبُو عَلِيٍّ: أرادَ النَّفَقَةَ في الجِهادِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ وابْنُ جُرَيْجٍ: أرادَ الفَرْضَ والنَّفْلَ. وهو المُتَّجَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أيْ: فَتُحَصِّلُونَ ما تُنْفِقُونَهُ أوْ تَفْتَدُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ: ﴿ولا خُلَّةٌ﴾ حَتّى يُعِينَكُمُ الأخِلّاءُ ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿ولا شَفاعَةٌ﴾ حَتّى تَتَّكِلُوا عَلى شُفَعاءَ: ﴿إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ [طه: ١٠٩] ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أرادَ: والتّارِكُونَ الزَّكاةَ هُمُ الظّالِمُونَ وإيثارُهُ عَلَيْهِ لِلتَّغْلِيظِ والتَّهْدِيدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ آيَةِ الحَجِّ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ [آل عمران: ٩٧] مَكانَ ومَن لَمْ يَحُجَّ ولِلْإيذانِ بِأنَّ تَرْكَ الزَّكاةِ مِن صِفاتِ الكُفّارِ. قالَ تَعالى: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٧] ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ، بِوَضْعِ الأمْوالِ في غَيْرِ مَواضِعِها، فَلا تَكُونُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ مِثْلَهُمْ، في أنْ لا تُنْفِقُوا فَتَضَعُوا أمْوالَكم في غَيْرِ مَواضِعِها. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى حُسْنِ المُسارَعَةِ إلى الخَيْراتِ قَبْلَ فَواتِها بِهُجُومِ ما يُخْشى مَعَهُ الفَوْتُ، مِن مَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ.

Al-Baqara 2:254Listen in Qur'an →
255

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌۭ وَلَا نَوْمٌۭ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍۢ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ

Allah - there is no deity except Him, the Ever-Living, the Sustainer of [all] existence. Neither drowsiness overtakes Him nor sleep. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. Who is it that can intercede with Him except by His permission? He knows what is [presently] before them and what will be after them, and they encompass not a thing of His knowledge except for what He wills. His Kursi extends over the heavens and the earth, and their preservation tires Him not. And He is the Most High, the Most Great.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٥٥] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلا بِما شاءَ وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ .

﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ﴾ أيِ: الباقِي الَّذِي لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلْفَناءِ: ﴿القَيُّومُ﴾ الدّائِمُ القِيامِ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ وحِفْظِهِ، وقُرِئَ: القَيّامُ والقَيِّمُ.

﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْقَيُّومِ. أيْ: لا يَغْفُلُ عَنْ تَدْبِيرِ أمْرِ الخَلْقِ تَعالى وتَقَدَّسَ. والسِّنَةُ كَعِدَةٍ والوَسَنُ مُحَرَّكَةٌ، وبِهاءٍ والوَسْنَةُ: شِدَّةُ النَّوْمِ أوْ أوَّلُهُ، أوِ النُّعاسُ. كَذا في القامُوسِ.

قالَ المَهايِمِيُّ: السِّنَةُ: فُتُورٌ يَتَقَدَّمُ النَّوْمَ. والنَّوْمُ: حالٌ تَعْرِضُ لِلْحَيَوانِ مِنِ اسْتِرْخاءِ دِماغِهِ مِن رُطُوباتِ أبْخِرَةٍ مُتَصاعِدَةٍ تَمْنَعُ الحَواسَّ الظّاهِرَةَ عَنِ الإحْساسِ، فَهُما مُنَقِّصانِ لِلْحَياةِ مُنافِيانِ لِلْقَيُّومِيَّةِ، لِأنَّهُما مِنَ التَّغَيُّراتِ المُنافِيَةِ لِوُجُوبِ الوُجُودِ الَّذِي لِلْقَيُّومِ، ونُفِيَ النَّوْمُ أوَّلًا التِزامًا، ثُمَّ تَصْرِيحًا، لِيَدُلَّ كَمالُ نَفْيِهِ عَلى ثُبُوتِ كَمالِ ما يُنافِيهِ. ومِن كَمالِ قَيُّومِيَّتِهِ: اخْتِصاصُهُ بِمُلْكِ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ: ﴿وما في الأرْضِ﴾ مِنَ العَوالِمِ المُشاهَداتِ. وهَذا إخْبارٌ بِأنَّ الجَمِيعَ في مَلِكِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ. كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ [مريم: ٩٤] ﴿مَن ذا﴾ مِنَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ، فَضْلًا عَمّا ادَّعى الكُفّارُ شَفاعَتَهُ مِنَ الأصْنامِ: ﴿الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ فَضْلًا عَنْ أنْ يُقاوِمَهُ أوْ يُناصِبَهُ: ﴿إلا بِإذْنِهِ﴾ أيْ: بِتَمْكِينِهِ تَحْقِيقًا لِلْعُبُودِيَّةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ [النجم: ٢٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وهَذا مِن عَظَمَتِهِ وجَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ عَزَّ وجَلَّ، أنَّهُ لا يَتَجاسَرُ أحَدٌ عَلى أنْ يَشْفَعَ لِأحَدٍ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ لَهُ في الشَّفاعَةِ، كَما في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ: ««آتِي تَحْتَ العَرْشِ فَأخِرُّ ساجِدًا فَيَدَعُنِي ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وقُلْ يُسْمَعْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، قالَ: فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ»» .

قالَ أبُو العَبّاسِ بْنُ تَيْمِيَّةَ: نَفى اللَّهُ عَمّا سِواهُ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَنَفى أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ مُلْكٌ أوْ قِسْطٌ مِنهُ أوْ يَكُونُ عَوْنًا لِلَّهِ، ولَمْ يَبْقَ إلّا الشَّفاعَةُ، فَبَيَّنَ أنَّها لا تَنْفَعُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ الرَّبُّ، فَهَذِهِ الشَّفاعَةُ الَّتِي يَظُنُّها المُشْرِكُونَ هي مُنْتَفِيَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ كَما نَفاها القُرْآنُ، وأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ يَأْتِي فَيَسْجُدُ لِرَبِّهِ ويَحْمَدُهُ، لا يَبْدَأُ بِالشَّفاعَةِ أوَّلًا، ثُمَّ يُقالُ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وقُلْ يُسْمَعْ وسَلْ تُعْطَ واشْفَعْ تُشَفَّعْ. وقالَ لَهُ أبُو هُرَيْرَةَ: …

Al-Baqara 2:255Listen in Qur'an →
256

لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

There shall be no compulsion in [acceptance of] the religion. The right course has become clear from the wrong. So whoever disbelieves in Taghut and believes in Allah has grasped the most trustworthy handhold with no break in it. And Allah is Hearing and Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٥٦] ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .

﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: لا تُكْرِهُوا أحَدًا عَلى الدُّخُولِ في دِينِ الإسْلامِ، فَإنَّهُ بَيِّنٌ واضِحٌ جَلِيٌّ دَلائِلُهُ وبَراهِينُهُ، لا يَحْتاجُ إلى أنْ يُكْرَهَ أحَدٌ عَلى الدُّخُولِ فِيهِ، بَلْ مَن هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ وشَرَحَ صَدْرَهُ ونَوَّرَ بَصِيرَتَهُ دَخَلَ فِيهِ عَلى بَيِّنَةٍ، ومَن عَمِيَ قَلْبُهُ فَإنَّهُ لا يُفِيدُهُ الدُّخُولُ فِيهِ مُكْرَهًا مَقْسُورًا، فالنَّفْيُ بِمَعْنى النَّهْيِ.

وهُوَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ في تَأْوِيلِ الآيَةِ كَثِيرٌ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْضٌ، أيْ: أنَّهُ تَعالى ما بَنى أمْرَ الإيمانِ عَلى الإجْبارِ والقَسْرِ، وإنَّما بَناهُ عَلى التَّمْكِينِ والِاخْتِيارِ. قالَ القَفّالُ - مُوَضِّحًا لَهُ - لَمّا بَيَّنَ تَعالى دَلائِلَ التَّوْحِيدِ بَيانًا شافِيًا قاطِعًا لِلْعُذْرِ، أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ إيضاحِ هَذِهِ الدَّلائِلِ لِلْكافِرِ عُذْرٌ في الإقامَةِ عَلى الكُفْرِ، إلّا أنْ يُقْسَرَ عَلى الإيمانِ ويُجْبَرَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَجُوزُ في دارِ الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ الِابْتِلاءِ؛ إذْ في القَهْرِ والإكْراهِ عَلى الدِّينِ بُطْلانُ مَعْنى الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] ﴿إنْ نَشَأْ نُنَـزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]

تَنْبِيهٌ:

عُلِمَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ سَيْفَ الجِهادِ المَشْرُوعِ في الإسْلامِ والَّذِي لا يُبْطِلُهُ عَدْلُ عادِلٍ ولا جَوْرُ جائِرٍ لَمْ يُسْتَعْمَلْ لِلْإكْراهِ عَلى الدُّخُولِ في الدِّينِ، ولَكِنْ لِحِمايَةِ الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ والإذْعانِ لِسُلْطانِهِ وحُكْمِهِ العَدْلِ.

﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾ أيْ: بِالشَّيْطانِ. أيْ: بِما يَدْعُو إلَيْهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ: ﴿ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها﴾ أيْ: فَقَدْ تَمَسَّكَ مِنَ الدِّينِ بِأقْوى سَبَبٍ. وشَبَّهَ ذَلِكَ بِالعُرْوَةِ القَوِيَّةِ الَّتِي لا تَنْفَصِمُ. هي في نَفْسِها مُحْكَمَةٌ مُبْرَمَةٌ قَوِيَّةٌ، ورَبْطُها قَوِيٌّ شَدِيدٌ. وجُمْلَةُ: (لا انْفِصامَ لَها) إمّا اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها، وإمّا حالٌ مِنَ (العُرْوَةِ)، والعامِلُ (اسْتَمْسَكَ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (الوُثْقى) وإمّا صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ أيِ: (الَّتِي). نَقَلَهُ الرّازِيُّ.

وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: رَأيْتُ رُؤْيا عَلى عَهْدِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، رَأيْتُ كَأنِّي في رَوْضَةٍ خَضْراءَ وسَطُها عَمُودُ حَدِيدٍ أسْفَلَهُ في الأرْضِ وأعْلاهُ في السَّماءِ، في أعْلاهُ عُرْوَةٌ، فَقِيلَ لِي: اصْعَدْ عَلَيْهِ. فَقُلْتُ: لا أسْتَطِيعُ، فَجاءَنِي مُنْصِفٌ (أيْ وصَيْفٌ) فَرَفَعَ ثِيابِي مِن خَلْفِي، فَقالَ: اصْعَدْ فَصَعِدْتُ حَتّى أخَذْتُ بِالعُرْوَةِ. فَقالَ: اسْتَمْسِكْ بِالعُرْوَةِ، فاسْتَيْقَظْتُ وإنَّها لَفي …

Al-Baqara 2:256Listen in Qur'an →
257

ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Allah is the ally of those who believe. He brings them out from darknesses into the light. And those who disbelieve - their allies are Taghut. They take them out of the light into darknesses. Those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٥٧] ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .

﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: حافِظُهم وناصِرُهُمْ: ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْوَلايَةِ أوْ خَبَرٌ ثانٍ: ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ أيْ: ظُلُماتِ الكُفْرِ والمَعاصِي: ﴿إلى النُّورِ﴾ أيْ: نُورِ الإيمانِ الحَقِّ الواضِحِ. وإفْرادُ النُّورِ لِوَحْدَةِ الحَقِّ. كَما أنَّ جَمْعَ الظُّلُماتِ لِتَعَدُّدِ فُنُونِ الضَّلالِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ أيِ: الشَّياطِينُ وسائِرُ المُضِلِّينَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ بِالوَساوِسِ وغَيْرِها مِن طُرُقِ الإضْلالِ والإغْواءِ: ﴿مِنَ النُّورِ﴾ أيِ: الإيمانِ الفِطْرِيِّ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ النّاسُ كافَّةً. أوْ مِن نُورِ البَيِّناتِ الَّتِي يُشاهِدُونَها مِن جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿إلى الظُّلُماتِ﴾ أيْ: ظُلُماتِ الكُفْرِ والغَيِّ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

ثُمَّ اسْتَشْهَدَ تَعالى عَلى ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الكَفَرَةُ أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ بِقَوْلِهِ:

Al-Baqara 2:257Listen in Qur'an →
258

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِۦمَ فِى رَبِّهِۦٓ أَنْ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Have you not considered the one who argued with Abraham about his Lord [merely] because Allah had given him kingship? When Abraham said, "My Lord is the one who gives life and causes death," he said, "I give life and cause death." Abraham said, "Indeed, Allah brings up the sun from the east, so bring it up from the west." So the disbeliever was overwhelmed [by astonishment], and Allah does not guide the wrongdoing people.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٥٨] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ إذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ﴾ أيْ: جادَلَ: ﴿إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ أيْ: كَيْفَ أخْرَجَهُ الطّاغُوتُ مِن نُورِ نِسْبَةِ الإحْياءِ والإماتَةِ إلى رَبِّهِ، إلى ظُلُماتِ نِسْبَتِهِما إلى نَفْسِهِ: ﴿أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ أيْ: لِأنْ آتاهُ اللَّهُ. يَعْنِي: أنَّ إيتاءَ المُلْكِ أبْطَرَهُ وأوْرَثَهُ الكِبْرَ، فَحاجَّ لِذَلِكَ، أوْ حاجَّهُ لِأجْلِهِ. وضْعًا لِلْمُحاجَّةِ الَّتِي هي أقْبَحُ وُجُوهِ الكُفْرِ مَوْضِعَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ الشُّكْرُ، كَما يُقالُ: عادانِي فُلانٌ لِأنِّي أحْسَنْتُ إلَيْهِ. تُرِيدُ: أنَّهُ عَكَسَ ما كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ المُوالاةِ لِأجْلِ الإحْسانِ. ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]

قالَ الحَرالِيُّ: وفي إشْعارِهِ أنَّ المُلْكَ بَلاءٌ وفِتْنَةٌ عَلى مَن أُوتِيَهُ.

﴿إذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ حِينَ سَألَهُ مَن رَبُّكَ الَّذِي تَدْعُونا إلَيْهِ ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ: بِنَفْخِ الرُّوحِ في الجِسْمِ وإخْراجِها مِنهُ: ﴿قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ أيْ: بِالقَتْلِ والعَفْوِ عَنْهُ. ولَمّا سَلَكَ الطّاغِيَةُ مَسْلَكِ التَّلْبِيسِ والتَّمْوِيهِ عَلى الرِّعاعِ، كانَ بُطْلانُ جَوابِهِ مِنَ الجَلاءِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، والتَّصَدِّي لِإبْطالِهِ مِن قَبِيلِ السَّعْيِ في تَحْصِيلِ الحاصِلِ، انْتَقَلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، إرْسالًا لِعِنانِ المُناظَرَةِ مَعَهُ إلى حُجَّةٍ أُخْرى لا تَجْرِي فِيها المُغالَطَةُ ولا يَتَيَسَّرُ لِلطّاغِيَةِ أنْ يَخْرُجَ عَنْها بِمَخْرَجِ مُكابَرَةٍ أوْ مُشاغَبَةٍ أوْ تَلْبِيسٍ عَلى العَوامِّ. وهو ما قَصَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ أيْ: إذا كُنْتَ كَما تَدَّعِي مِن أنَّكَ تُحْيِي وتُمِيتُ فالَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ هو الَّذِي يَتَصَرَّفُ في الوُجُودِ، في خَلْقِ ذَواتِهِ وتَسْخِيرِ كَواكِبِهِ وحَرَكاتِهِ. فَهَذِهِ الشَّمْسُ تَبْدُو كُلَّ يَوْمٍ مِنَ المَشْرِقِ، فَإنْ كُنْتَ إلَهًا كَما ادَّعَيْتَ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ:﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ تَحَيَّرَ ودُهِشَ وغُلِبَ بِالحُجَّةِ، لَمّا عَلِمَ عَجْزَهُ وانْقِطاعَهُ، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى المُكابَرَةِ في هَذا المَقامِ.

﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: لا يُلْهِمُهم حُجَّةً ولا بُرْهانًا بَلْ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ.

Al-Baqara 2:258Listen in Qur'an →
259

أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍۢ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ ثُمَّ بَعَثَهُۥ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةًۭ لِّلنَّاسِ ۖ وَٱنظُرْ إِلَى ٱلْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًۭا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Or [consider such an example] as the one who passed by a township which had fallen into ruin. He said, "How will Allah bring this to life after its death?" So Allah caused him to die for a hundred years; then He revived him. He said, "How long have you remained?" The man said, "I have remained a day or part of a day." He said, "Rather, you have remained one hundred years. Look at your food and your drink; it has not changed with time. And look at your donkey; and We will make you a sign for the people. And look at the bones [of this donkey] - how We raise them and then We cover them with flesh." And when it became clear to him, he said, "I know that Allah is over all things competent."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٥٩] ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وانْظُرْ إلى حِمارِكَ ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ اسْتِشْهادٌ عَلى ما ذَكَرَ تَعالى مِن ولايَتِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَقْرِيرٌ لَهُ، مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ السّابِقِ، وإيثارُ (أوِ) الفارِقَةِ عَلى (الواوِ) الجامِعَةِ لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ اتِّحادِ المُسْتَشْهَدِ عَلَيْهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، والكافُ: إمّا اسْمِيَّةٌ جِيءَ بِها لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَعَدُّدِ الشَّواهِدِ وعَدَمِ انْحِصارِها فِيما ذَكَرَ، وإمّا زائِدَةٌ، والمَعْنى: أوْ لَمْ تَرَ إلى مِثْلِ الَّذِي. أوْ إلى الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ، كَيْفَ هَداهُ اللَّهُ تَعالى وأخْرَجَهُ مِن ظُلْمَةِ الِاشْتِباهِ إلى نُورِ العِيانِ والشُّهُودِ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ خالِيَةٌ ساقِطَةٌ حِيطانُها عَلى سُقُوفِها: ﴿قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: كَيْفَ يُعَمِّرُ اللَّهُ هَذِهِ القَرْيَةَ بَعْدَ خَرابِها، فَكانَ مِنهُ كالوُقُوعِ في الظُّلُماتِ، فَأراهُ الدَّلِيلَ عَلى الإحْياءِ الحَقِيقِيِّ في نَفْسِهِ مُبالَغَةً في قَلْعِ الشُّبْهَةِ، إخْراجًا لَهُ مِنها إلى النُّورِ: ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ﴾ لِيَنْدَرِسَ بِالكُلِّيَّةِ: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ أيْ: أحْياهُ بِبَعْثِ رُوحِهِ إلى بَدَنِهِ وبَعْضِ أجْزائِهِ إلى بَعْضٍ بَعْدَ تَفَرُّقِها: ﴿قالَ﴾ اللَّهُ لَهُ: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ أيْ: مَكَثْتَ مَيِّتًا: ﴿قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قالَهُ بِناءً عَلى التَّقْرِيبِ والتَّخْمِينِ، أوِ اسْتِقْصارًا لِمُدَّةِ لُبْثِهِ: ﴿قالَ﴾ اللَّهُ: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ وإنَّما سَألَهُ تَعالى لِيَظْهَرَ لَهُ عَجْزُهُ عَنِ الإحاطَةِ بِشُؤُونِهِ، وأنَّ إحْياءَهُ لَيْسَ بَعْدَ مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، رُبَّما يُتَوَهَّمُ أنَّهُ هَيِّنٌ في الجُمْلَةِ، بَلْ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، ويَنْحَسِمُ بِهِ مادَّةُ اسْتِبْعادِهِ بِالمَرَّةِ. ويَطَّلِعُ في تَضاعِيفِهِ عَلى أمْرٍ آخَرَ مِن بَدائِعِ آثارِ قُدْرَتِهِ تَعالى، وهو إبْقاءُ الغِذاءِ المُتَسارِعِ إلى الفَسادِ بِالطَّبْعِ، عَلى ما كانَ عَلَيْهِ دَهْرًا طَوِيلًا، مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ ما، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فانْظُرْ﴾ لِتُعايِنَ أمْرًا آخَرَ مَن دَلائِلِ قُدْرَتِنا: ﴿إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أيْ: لَمْ يَتَغَيَّرْ في هَذِهِ المُدَّةِ المُتَطاوِلَةِ مَعَ تَداعِيهِ إلى الفَسادِ. والهاءُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هاءَ سَكْتٍ زِيدَتْ في الوَقْفِ. وأصْلُ الفِعْلِ عَلى هَذا فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: يَتَسَنَّنُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] فَلَمّا اجْتَمَعَتْ ثَلاثُ نُوناتٍ قُلِبَتِ الأخِيرَةُ ياءً كَما قُلِبَتْ في تَظَنَّيْتُ ثُمَّ أُبْدِلَتِ الياءُ ألِفًا ثُمَّ حُذِفَتْ لِلْجَزْمِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ أصْلُ الألِفِ واوًا مِن قَوْلِهِمْ: أسْنى يُسْنِي إذا مَضَتْ عَلَيْهِ السُّنُونَ. وأصْلُ سِنَةٌ سِنْوَةٌ، لِقَوْلِهِمْ: سَنَواتٌ، أيْ: لَمْ تَمُرَّ عَلَيْهِ السُّنُونَ. والمَعْنى عَلى التَّشْبِيهِ. أيْ: كَأنَّهُ لَمْ تَمُرَّ عَلَيْهِ المِائَةُ سَنَةٍ لِبَقائِهِ عَلى حالِهِ وعَدَمِ تَغَيُّرِهِ، …

Al-Baqara 2:259Listen in Qur'an →
260

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةًۭ مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍۢ مِّنْهُنَّ جُزْءًۭا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًۭا ۚ وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

And [mention] when Abraham said, "My Lord, show me how You give life to the dead." [Allah] said, "Have you not believed?" He said, "Yes, but [I ask] only that my heart may be satisfied." [Allah] said, "Take four birds and commit them to yourself. Then [after slaughtering them] put on each hill a portion of them; then call them - they will come [flying] to you in haste. And know that Allah is Exalted in Might and Wise."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦٠] ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: واذْكُرْ لِتَمْثِيلِ قِصَّةِ المارِّ عَلى القَرْيَةِ، في الإخْراجِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، بِالإحْياءِ، قِصَّةَ إبْراهِيمَ.

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ إنَّما سَألَ ذَلِكَ لِيَصِيرَ عِلْمُهُ عِيانًا.

﴿قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أيْ: بَلى آمَنتُ ولَكِنْ سَألْتُ لِأزْدادَ بَصِيرَةً وسُكُونَ قَلْبٍ بِرُؤْيَةِ الإحْياءِ، فَوْقَ سُكُونِهِ بِالوَحْيِ. فَإنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ أسْكَنُ لِلْقُلُوبِ وأزْيَدُ لِلْبَصِيرَةِ واليَقِينِ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ شاكًّا في إحْياءِ المَوْتى قَطُّ. وإنَّما طَلَبُ المُعايِنَةِ لِما جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ مِن رُؤْيَةِ ما أُخْبِرَتْ عَنْهُ. ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ»» . وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ طائِفَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ سَألَ ذَلِكَ، لِأنَّهُ شَكَّ في قُدْرَةِ اللَّهِ. واسْتَدَلُّوا بِما صَحَّ عَنْهُ ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن قَوْلِهِ: ««نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ»» . وبِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ما في القُرْآنِ عِنْدِي آيَةٌ أرْجى مِنها؛ إذْ رَضِيَ اللَّهُ مِن إبْراهِيمَ قَوْلَهُ: ﴿بَلى﴾ قالَ فَهَذا لِما يَعْتَرِضُ في النُّفُوسِ ويُوَسْوِسُ بِهِ الشَّيْطانُ. أخْرَجَهُ عَنْهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وصَحَّحَهُ، ورَجَّحَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ بَعْدَ حِكايَتِهِ لَهُ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو عِنْدِي مَرْدُودٌ. يَعْنِي قَوْلَ هَذِهِ الطّائِفَةِ. ثُمَّ قالَ: وأمّا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: ««نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ»» فَمَعْناهُ: أنَّهُ لَوْ كانَ شاكًّا لَكُنّا نَحْنُ أحَقَّ بِهِ، ونَحْنُ لا نَشُكُّ، فَإبْراهِيمُ أحْرى أنْ لا يَشُكَّ، فالحَدِيثُ مَبْنِيٌّ عَلى نَفْيِ الشَّكِّ عَنْ إبْراهِيمَ، وأطالَ ابْنُ عَطِيَّةَ البَحْثَ في هَذا، وأطابَ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِثْلُ هَذا الشَّكِّ. وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ أصْفِياءَهُ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، فَقالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] وقالَ اللَّعِينُ: ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] وإذا لَمْ تَكُنْ لَهُ عَلَيْهِمْ سَلْطَنَةٌ فَكَيْفَ يُشَكِّكُهُمْ؟ وإنَّما سَألَ أنْ يُشاهِدَ كَيْفِيَّةَ جَمْعِ أجْزاءِ المَوْتى بَعْدَ تَفَرُّقِها، وإيصالِ الأعْصابِ والجُلُودِ بَعْدَ تَمَزُّقِها، فَأرادَ أنْ يَرْقى مِن عِلْمِ اليَقِينِ إلى عَيْنِ اليَقِينِ.

وقالَ النّاصِرُ في " الِانْتِصافِ ": الأوْلى في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُذْكَرَ فِيها المُخْتارُ في تَفْسِيرِها، مِنَ المَباحِثِ المُمْتَحَنَةِ بِالفِكْرِ المُحَرَّرِ، والنُّكَتِ المُفْصِحَةِ بِالرَّأْيِ المُخَمَّرِ، فَنَقُولُ: أمّا سُؤالُ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ لَهُ: ﴿كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ فَلَيْسَ عَنْ شَكٍّ، والعِياذُ بِاللَّهِ، في قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الإحْياءِ، ولَكِنَّهُ سُؤالٌ عَنْ كَيْفِيَّةِ الإحْياءِ، ولا يُشْتَرَطُ في الإيمانِ الإحاطَةُ بِصُورَتِها، …

Al-Baqara 2:260Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.