Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 21–30 of 286

21

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

O mankind, worship your Lord, who created you and those before you, that you may become righteous -

لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ والمُنافِقِينَ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ التَفاتًا لِلنُّكْتَةِ السّابِقَةِ في الفاتِحَةِ.

ويا حَرْفُ نِداءٍ.

والمُنادى أيُّ وهو اسْمٌ مُفْرَدٌ مَبْنِيٌّ عَلى الضَّمِّ، وها حَرْفُ تَنْبِيهٍ مُقْحَمٌ بَيْنَ المُنادى وصِفَتِهِ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: كَأنَّكَ كَرَّرْتَ يا مَرَّتَيْنِ، وصارَ الِاسْمُ بَيْنَهُما كَما قالُوا: ها هو ذا.

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ النّاسِ والعِبادَةِ.

وإنَّما خَصَّ نِعْمَةَ الخَلْقِ وامْتَنَّ بِها عَلَيْهِمْ، لِأنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْها.

وهِيَ أصْلُها الَّذِي لا يُوجَدُ شَيْءٌ مِنها بِدُونِها، وأيْضًا فالكُفّارُ مُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ هو الخالِقُ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] فامْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِما يَعْتَرِفُونَ بِهِ ولا يُنْكِرُونَهُ.

وفِي أصْلِ مَعْنى الخَلْقِ وجْهانِ: أحَدُهُما التَّقْدِيرُ.

يُقالُ: خَلَقْتُ الأدِيمَ لِلسِّقاءِ: إذا قَدَّرْتُهُ قَبْلَ القَطْعِ.

قالَ زُهَيْرٌ:

؎ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

الثّانِي: الإنْشاءُ والِاخْتِراعُ والإبْداعُ.

ولَعَلَّ أصْلَها التَّرَجِّي والطَّمَعُ والتَّوَقُّعُ والإشْفاقُ، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ المُخاطَبَةُ مِنهُ سُبْحانَهُ لِلْبَشَرِ كانَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ لَهم: افْعَلُوا ذَلِكَ عَلى الرَّجاءِ مِنكم والطَّمَعِ وبِهَذا قالَ جَماعَةٌ مِن أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ مِنهم سِيبَوَيْهِ.

وقِيلَ: إنَّ العَرَبَ اسْتَعْمَلَتْ لَعَلَّ مُجَرَّدَةً مِنَ الشَّكِّ بِمَعْنى لامِ كَيْ.

والمَعْنى هُنا: لِتَتَّقُوا: وكَذَلِكَ ما وقَعَ هَذا المَوْقِعَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎وقُلْتُمْ لَنا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنا ∗∗∗ نَكُفُّ ووَثِقْتُمْ لَنا كُلَّ مُوَثَّقِ

؎فَلَمّا كَفَفْنا الحَرْبَ كانَتْ عُهُودُكم ∗∗∗ كَشِبْهِ سَرابٍ في المَلا مُتَألِّقِ

أيْ كُفُّوا عَنِ الحَرْبِ لِنَكُفَّ، ولَوْ كانَتْ لَعَلَّ لِلشَّكِّ لَمْ يُوثِقُوا لَهم كُلَّ مُوَثَّقٍ، وبِهَذا قالَ جَماعَةٌ مِنهم قُطْرُبٌ.

وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى التَّعَرُّضِ لِلشَّيْءِ كَأنَّهُ قالَ: مُتَعَرِّضِينَ لِلتَّقْوى.

وجَعَلَ هُنا بِمَعْنى صَيَّرَ لِتَعَدِّيهِ إلى المَفْعُولَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎وقَدْ جَعَلْتُ أرى الإثْنَيْنِ أرْبَعَةً ∗∗∗ والأرْبَعَ اثْنَيْنِ لَمّا هَدَّنِي الكِبَرُ

و( فِراشًا ) أيْ وطاءٌ يَسْتَقِرُّونَ عَلَيْها.

لَمّا قَدَّمَ نِعْمَةَ خَلْقِهِمْ أتْبَعَهُ بِنِعْمَةِ خَلْقِ الأرْضِ فِراشًا لَهم، لَمّا كانَتِ الأرْضُ الَّتِي هي مَسْكَنُهم ومَحَلُّ اسْتِقْرارِهِمْ مِن أعْظَمِ ما تَدْعُو إلَيْهِ حاجَتُهم، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِنِعْمَةِ جَعْلِ السَّماءِ كالقُبَّةِ المَضْرُوبَةِ عَلَيْهِمْ، والسَّقْفِ لِلْبَيْتِ الَّذِي يَسْكُنُونَهُ كَما قالَ: ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] .

وأصْلُ البِناءِ: وضْعُ لَبِنَةٍ عَلى أُخْرى.

ثُمَّ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ.

وأصْلُ ماءٍ مَوَهٌ، قُلِبَتِ الواوُ لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها ألِفًا فَصارَ: ماهٌ، فاجْتَمَعَ حَرْفانِ خَفِيفانِ فَقُلِبَتِ الهاءُ هَمْزَةً.

والثَّمَراتُ جَمْعُ ثَمَرَةٍ.

والمَعْنى: أخْرَجْنا لَكم ألْوانًا مِنَ الثَّمَراتِ وأنْواعًا مِنَ النَّباتِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَتاعًا لَكم إلى حِينٍ.

والأنْدادُ جَمْعُ نِدٍّ، وهو المِثْلُ والنَّظِيرُ.

وقَوْلُهُ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والخِطابُ لِلْكُفّارِ والمُنافِقِينَ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ …

Al-Baqara 2:21Listen in Qur'an →
22

ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًۭا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءًۭ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًۭا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

[He] who made for you the earth a bed [spread out] and the sky a ceiling and sent down from the sky, rain and brought forth thereby fruits as provision for you. So do not attribute to Allah equals while you know [that there is nothing similar to Him].

لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ والمُنافِقِينَ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ التَفاتًا لِلنُّكْتَةِ السّابِقَةِ في الفاتِحَةِ.

ويا حَرْفُ نِداءٍ.

والمُنادى أيُّ وهو اسْمٌ مُفْرَدٌ مَبْنِيٌّ عَلى الضَّمِّ، وها حَرْفُ تَنْبِيهٍ مُقْحَمٌ بَيْنَ المُنادى وصِفَتِهِ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: كَأنَّكَ كَرَّرْتَ يا مَرَّتَيْنِ، وصارَ الِاسْمُ بَيْنَهُما كَما قالُوا: ها هو ذا.

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ النّاسِ والعِبادَةِ.

وإنَّما خَصَّ نِعْمَةَ الخَلْقِ وامْتَنَّ بِها عَلَيْهِمْ، لِأنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْها.

وهِيَ أصْلُها الَّذِي لا يُوجَدُ شَيْءٌ مِنها بِدُونِها، وأيْضًا فالكُفّارُ مُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ هو الخالِقُ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] فامْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِما يَعْتَرِفُونَ بِهِ ولا يُنْكِرُونَهُ.

وفِي أصْلِ مَعْنى الخَلْقِ وجْهانِ: أحَدُهُما التَّقْدِيرُ.

يُقالُ: خَلَقْتُ الأدِيمَ لِلسِّقاءِ: إذا قَدَّرْتُهُ قَبْلَ القَطْعِ.

قالَ زُهَيْرٌ:

؎ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

الثّانِي: الإنْشاءُ والِاخْتِراعُ والإبْداعُ.

ولَعَلَّ أصْلَها التَّرَجِّي والطَّمَعُ والتَّوَقُّعُ والإشْفاقُ، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَتِ المُخاطَبَةُ مِنهُ سُبْحانَهُ لِلْبَشَرِ كانَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ لَهم: افْعَلُوا ذَلِكَ عَلى الرَّجاءِ مِنكم والطَّمَعِ وبِهَذا قالَ جَماعَةٌ مِن أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ مِنهم سِيبَوَيْهِ.

وقِيلَ: إنَّ العَرَبَ اسْتَعْمَلَتْ لَعَلَّ مُجَرَّدَةً مِنَ الشَّكِّ بِمَعْنى لامِ كَيْ.

والمَعْنى هُنا: لِتَتَّقُوا: وكَذَلِكَ ما وقَعَ هَذا المَوْقِعَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎وقُلْتُمْ لَنا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنا ∗∗∗ نَكُفُّ ووَثِقْتُمْ لَنا كُلَّ مُوَثَّقِ

؎فَلَمّا كَفَفْنا الحَرْبَ كانَتْ عُهُودُكم ∗∗∗ كَشِبْهِ سَرابٍ في المَلا مُتَألِّقِ

أيْ كُفُّوا عَنِ الحَرْبِ لِنَكُفَّ، ولَوْ كانَتْ لَعَلَّ لِلشَّكِّ لَمْ يُوثِقُوا لَهم كُلَّ مُوَثَّقٍ، وبِهَذا قالَ جَماعَةٌ مِنهم قُطْرُبٌ.

وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى التَّعَرُّضِ لِلشَّيْءِ كَأنَّهُ قالَ: مُتَعَرِّضِينَ لِلتَّقْوى.

وجَعَلَ هُنا بِمَعْنى صَيَّرَ لِتَعَدِّيهِ إلى المَفْعُولَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎وقَدْ جَعَلْتُ أرى الإثْنَيْنِ أرْبَعَةً ∗∗∗ والأرْبَعَ اثْنَيْنِ لَمّا هَدَّنِي الكِبَرُ

و( فِراشًا ) أيْ وطاءٌ يَسْتَقِرُّونَ عَلَيْها.

لَمّا قَدَّمَ نِعْمَةَ خَلْقِهِمْ أتْبَعَهُ بِنِعْمَةِ خَلْقِ الأرْضِ فِراشًا لَهم، لَمّا كانَتِ الأرْضُ الَّتِي هي مَسْكَنُهم ومَحَلُّ اسْتِقْرارِهِمْ مِن أعْظَمِ ما تَدْعُو إلَيْهِ حاجَتُهم، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِنِعْمَةِ جَعْلِ السَّماءِ كالقُبَّةِ المَضْرُوبَةِ عَلَيْهِمْ، والسَّقْفِ لِلْبَيْتِ الَّذِي يَسْكُنُونَهُ كَما قالَ: ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] .

وأصْلُ البِناءِ: وضْعُ لَبِنَةٍ عَلى أُخْرى.

ثُمَّ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ.

وأصْلُ ماءٍ مَوَهٌ، قُلِبَتِ الواوُ لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها ألِفًا فَصارَ: ماهٌ، فاجْتَمَعَ حَرْفانِ خَفِيفانِ فَقُلِبَتِ الهاءُ هَمْزَةً.

والثَّمَراتُ جَمْعُ ثَمَرَةٍ.

والمَعْنى: أخْرَجْنا لَكم ألْوانًا مِنَ الثَّمَراتِ وأنْواعًا مِنَ النَّباتِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَتاعًا لَكم إلى حِينٍ.

والأنْدادُ جَمْعُ نِدٍّ، وهو المِثْلُ والنَّظِيرُ.

وقَوْلُهُ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والخِطابُ لِلْكُفّارِ والمُنافِقِينَ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ …

Al-Baqara 2:22Listen in Qur'an →
23

وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

And if you are in doubt about what We have sent down upon Our Servant [Muhammad], then produce a surah the like thereof and call upon your witnesses other than Allah, if you should be truthful.

فِي رَيْبٍ أيْ شَكٍّ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا: أيِ القُرْآنُ أنْزَلَهُ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

والعَبْدُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّعَبُّدِ وهو التَّذَلُّلُ.

والتَّنْزِيلُ التَّدْرِيجُ والتَّنْجِيمُ.

وقَوْلُهُ: فَأْتُوا الفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ وهو أمْرٌ مَعْناهُ التَّعْجِيزُ.

لِما احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِما يُثْبِتُ الوَحْدانِيَّةَ ويُبْطِلُ الشِّرْكَ عَقَّبَهُ بِما هو الحُجَّةُ عَلى إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وما يَدْفَعُ الشُّبْهَةَ في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزَةً، فَتَحَدّاهم بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن سُوَرِهِ.

والسُّورَةُ الطّائِفَةُ مِنَ القُرْآنِ المُسَمّاةُ بِاسْمٍ خاصٍّ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى كَلِماتِها كاشْتِمالِ سُورِ البَلَدِ عَلَيْها.

ومِن في قَوْلِهِ: مِن مِثْلِهِ زائِدَةٌ لِقَوْلِهِ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ.

والضَّمِيرُ في مِثْلِهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ عِنْدَ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ.

وقِيلَ: عائِدٌ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، لِأنَّ المَعْنى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن كِتابٍ مِثْلِهِ فَإنَّها تُصَدِّقُ ما فِيهِ.

وقِيلَ: يَعُودُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى مِن بَشَرٍ مِثْلِ مُحَمَّدٍ: أيْ لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ.

والشُّهَداءُ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى الحاضِرِ أوِ القائِمِ بِالشَّهادَةِ أوِ المُعاوِنِ، والمُرادُ هُنا الآلِهَةُ.

ومَعْنى دُونِ: أدْنى مَكانٍ مِنَ الشَّيْءِ واتَّسَعَ فِيهِ حَتّى اسْتُعْمِلَ في تَخَطِّي الشَّيْءِ إلى شَيْءٍ آخَرَ، ومِنهُ ما في هَذِهِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] ولَهُ مَعانٍ أُخَرُ، مِنها التَّقْصِيرُ عَنِ الغايَةِ والحَقارَةِ، يُقالُ: هَذا الشَّيْءُ دُونٌ: أيْ حَقِيرٌ، ومِنهُ: إذا ما عَلا المَرْءُ رامَ العُلا ويَقْنَعُ بِالدُّونِ مَن كانَ دُونا والقُرْبُ يُقالُ هَذا دُونَ ذاكَ: أيْ أقْرَبُ مِنهُ ويَكُونُ إغْراءً، تَقُولُ: دُونَكَ زَيْدًا: أيْ خُذْهُ مِن أدْنى مَكانٍ مِن دُونِ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ " ادْعُوا ": أيِ ادْعُوا الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما قُلْتُمْ مِن أنَّكم تَقْدِرُونَ عَلى المُعارَضَةِ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وبَيانٌ لِانْقِطاعِهِمْ.

والصِّدْقُ خِلافُ الكَذِبِ، وهو مُطابَقَةُ الخَبَرِ لِلْواقِعِ أوْ لِلِاعْتِقادِ أوْ لَهُما عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في عِلْمِ المَعانِي.

فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا يَعْنِي فِيما مَضى ولَنْ تَفْعَلُوا أيْ تُطِيقُوا ذَلِكَ فِيما يَأْتِي وتَبَيَّنَ لَكم عَجْزُكم عَنِ المُعارَضَةِ فاتَّقُوا النّارَ بِالإيمانِ بِاللَّهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ والقِيامِ بِفَرائِضِهِ واجْتِنابِ مَناهِيهِ وعَبَّرَ عَنِ الإتْيانِ بِالفِعْلِ لِأنَّ الإتْيانَ فِعْلٌ مِنَ الأفْعالِ لِقَصْدِ الِاخْتِصارِ، وجُمْلَةُ لَنْ تَفْعَلُوا لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ لِأنَّها اعْتِراضِيَّةٌ، ولَنْ لِلنَّفْيِ المُؤَكَّدِ لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وهَذا مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي أخْبَرَ بِها القُرْآنُ قَبْلَ وُقُوعِها، لِأنَّها لَمْ تَقَعِ المُعارَضَةُ مِن أحَدِ الكَفَرَةِ في أيّامِ النُّبُوَّةِ وفِيما بَعْدَها وإلى الآنِ.

والوَقُودُ بِالفَتْحِ: الحَطَبُ، وبِالضَّمِّ: التَّوَقُّدُ أيِ المَصْدَرُ، وقَدْ جاءَ في الفَتْحِ.

والمُرادُ بِالحِجارَةِ الأصْنامُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها لِأنَّهم قَرَنُوا أنْفُسَهم بِها في الدُّنْيا فَجُعِلَتْ وقُودًا لِلنّارِ مَعَهم.

ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما …

Al-Baqara 2:23Listen in Qur'an →
24

فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ

But if you do not - and you will never be able to - then fear the Fire, whose fuel is men and stones, prepared for the disbelievers.

فِي رَيْبٍ أيْ شَكٍّ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا: أيِ القُرْآنُ أنْزَلَهُ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

والعَبْدُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّعَبُّدِ وهو التَّذَلُّلُ.

والتَّنْزِيلُ التَّدْرِيجُ والتَّنْجِيمُ.

وقَوْلُهُ: فَأْتُوا الفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ وهو أمْرٌ مَعْناهُ التَّعْجِيزُ.

لِما احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِما يُثْبِتُ الوَحْدانِيَّةَ ويُبْطِلُ الشِّرْكَ عَقَّبَهُ بِما هو الحُجَّةُ عَلى إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وما يَدْفَعُ الشُّبْهَةَ في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزَةً، فَتَحَدّاهم بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن سُوَرِهِ.

والسُّورَةُ الطّائِفَةُ مِنَ القُرْآنِ المُسَمّاةُ بِاسْمٍ خاصٍّ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى كَلِماتِها كاشْتِمالِ سُورِ البَلَدِ عَلَيْها.

ومِن في قَوْلِهِ: مِن مِثْلِهِ زائِدَةٌ لِقَوْلِهِ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ.

والضَّمِيرُ في مِثْلِهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ عِنْدَ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ.

وقِيلَ: عائِدٌ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، لِأنَّ المَعْنى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن كِتابٍ مِثْلِهِ فَإنَّها تُصَدِّقُ ما فِيهِ.

وقِيلَ: يَعُودُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى مِن بَشَرٍ مِثْلِ مُحَمَّدٍ: أيْ لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ.

والشُّهَداءُ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى الحاضِرِ أوِ القائِمِ بِالشَّهادَةِ أوِ المُعاوِنِ، والمُرادُ هُنا الآلِهَةُ.

ومَعْنى دُونِ: أدْنى مَكانٍ مِنَ الشَّيْءِ واتَّسَعَ فِيهِ حَتّى اسْتُعْمِلَ في تَخَطِّي الشَّيْءِ إلى شَيْءٍ آخَرَ، ومِنهُ ما في هَذِهِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] ولَهُ مَعانٍ أُخَرُ، مِنها التَّقْصِيرُ عَنِ الغايَةِ والحَقارَةِ، يُقالُ: هَذا الشَّيْءُ دُونٌ: أيْ حَقِيرٌ، ومِنهُ: إذا ما عَلا المَرْءُ رامَ العُلا ويَقْنَعُ بِالدُّونِ مَن كانَ دُونا والقُرْبُ يُقالُ هَذا دُونَ ذاكَ: أيْ أقْرَبُ مِنهُ ويَكُونُ إغْراءً، تَقُولُ: دُونَكَ زَيْدًا: أيْ خُذْهُ مِن أدْنى مَكانٍ مِن دُونِ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ " ادْعُوا ": أيِ ادْعُوا الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما قُلْتُمْ مِن أنَّكم تَقْدِرُونَ عَلى المُعارَضَةِ، وهَذا تَعْجِيزٌ لَهم وبَيانٌ لِانْقِطاعِهِمْ.

والصِّدْقُ خِلافُ الكَذِبِ، وهو مُطابَقَةُ الخَبَرِ لِلْواقِعِ أوْ لِلِاعْتِقادِ أوْ لَهُما عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في عِلْمِ المَعانِي.

فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا يَعْنِي فِيما مَضى ولَنْ تَفْعَلُوا أيْ تُطِيقُوا ذَلِكَ فِيما يَأْتِي وتَبَيَّنَ لَكم عَجْزُكم عَنِ المُعارَضَةِ فاتَّقُوا النّارَ بِالإيمانِ بِاللَّهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ والقِيامِ بِفَرائِضِهِ واجْتِنابِ مَناهِيهِ وعَبَّرَ عَنِ الإتْيانِ بِالفِعْلِ لِأنَّ الإتْيانَ فِعْلٌ مِنَ الأفْعالِ لِقَصْدِ الِاخْتِصارِ، وجُمْلَةُ لَنْ تَفْعَلُوا لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ لِأنَّها اعْتِراضِيَّةٌ، ولَنْ لِلنَّفْيِ المُؤَكَّدِ لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وهَذا مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي أخْبَرَ بِها القُرْآنُ قَبْلَ وُقُوعِها، لِأنَّها لَمْ تَقَعِ المُعارَضَةُ مِن أحَدِ الكَفَرَةِ في أيّامِ النُّبُوَّةِ وفِيما بَعْدَها وإلى الآنِ.

والوَقُودُ بِالفَتْحِ: الحَطَبُ، وبِالضَّمِّ: التَّوَقُّدُ أيِ المَصْدَرُ، وقَدْ جاءَ في الفَتْحِ.

والمُرادُ بِالحِجارَةِ الأصْنامُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها لِأنَّهم قَرَنُوا أنْفُسَهم بِها في الدُّنْيا فَجُعِلَتْ وقُودًا لِلنّارِ مَعَهم.

ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما …

Al-Baqara 2:24Listen in Qur'an →
25

وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا۟ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍۢ رِّزْقًۭا ۙ قَالُوا۟ هَٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا۟ بِهِۦ مُتَشَٰبِهًۭا ۖ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

And give good tidings to those who believe and do righteous deeds that they will have gardens [in Paradise] beneath which rivers flow. Whenever they are provided with a provision of fruit therefrom, they will say, "This is what we were provided with before." And it is given to them in likeness. And they will have therein purified spouses, and they will abide therein eternally.

لَمّا ذَكَرَ تَعالى جَزاءَ الكافِرِينَ عَقَّبَهُ بِجَزاءِ المُؤْمِنِينَ لِيَجْمَعَ بَيْنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والوَعْدِ والوَعِيدِ كَما هي عادَتُهُ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ العَزِيزِ، لِما في ذَلِكَ مِن تَنْشِيطِ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ لِطاعاتِهِ، وتَثْبِيطِ عِبادِهِ الكافِرِينَ عَنْ مَعاصِيهِ.

والتَّبْشِيرُ: الإخْبارُ بِما يَظْهَرُ أثَرُهُ عَلى البَشَرَةِ، وهي الجِلْدَةُ الظّاهِرَةُ، مِنَ البِشْرِ والسُّرُورِ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ المُكَلَّفَ إذا قالَ: مَن بَشَّرَنِي مِن عَبِيدِي فَهو حُرٌّ فَبَشَّرَهُ واحِدٌ مِن عَبِيدِهِ فَأكْثَرُ، فَإنَّ أوَّلَهم يَكُونُ حُرًّا دُونَ الثّانِي واخْتَلَفُوا إذا قالَ: مَن أخْبَرَنِي مِن عَبِيدِي بِكَذا فَهو حُرٌّ، فَقالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ: يَعُمُّ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مُخْبِرٌ، وقالَ عُلَماؤُنا: لا، لِأنَّ المُكَلَّفَ إنَّما قَصَدَ خَبَرًا يَكُونُ بِشارَةً، وذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالأوَّلِ انْتَهى.

والحَقُّ أنَّهُ إنْ أرادَ مَدْلُولَ الخَبَرِ عُتِقُوا جَمِيعًا، وإنْ أرادَ الخَبَرَ المُقَيَّدَ بِكَوْنِهِ بِشارَةً عُتِقَ الأوَّلُ، فالخِلافُ لَفْظِيٌّ.

والمَأْمُورُ بِالتَّبْشِيرِ قِيلَ: هو النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: هو كُلُّ أحَدٍ كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «بَشِّرِ المَشّائِينَ» وهَذِهِ الجُمَلُ وإنْ كانَتْ مُصَدَّرَةً بِالإنْشاءِ فَلا يَقْدَحُ ذَلِكَ في عَطْفِها عَلى ما قَبْلَها، لِأنَّ المُرادَ عَطْفُ جُمْلَةِ وصْفِ ثَوابِ المُطِيعِينَ عَلى جُمْلَةِ وصْفِ عِقابِ العاصِينَ مِن دُونِ نَظَرٍ إلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الوَصْفانِ مِنَ الأفْرادِ المُتَخالِفَةِ خَبَرًا وإنْشاءً.

وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: وبَشِّرِ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: فاتَّقُوا النّارَ [البقرة: ٢٤]، ولَيْسَ هَذا بِجَيِّدٍ.

والصّالِحاتِ الأعْمالَ المُسْتَقِيمَةَ.

والمُرادُ هُنا: الأعْمالُ المَطْلُوبَةُ مِنهُمُ المُفْتَرَضَةُ عَلَيْهِمْ، وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن يَقُولُ إنَّ الإيمانَ بِمُجَرَّدِهِ يَكْفِي، فالجَنَّةُ تُنالُ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

والجَنّاتُ: البَساتِينُ، وإنَّما سُمِّيَتْ جَنّاتٍ لِأنَّها تُجِنُّ ما فِيها: أيْ تَسْتُرُهُ بِشَجَرِها، وهو اسْمٌ لِدارِ الثَّوابِ كُلِّها وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى جَنّاتٍ كَثِيرَةٍ.

والأنْهارُ جَمْعُ نَهْرٍ، وهو المَجْرى الواسِعُ فَوْقَ الجَدْوَلِ ودُونَ البَحْرِ، والمُرادُ: الماءُ الَّذِي يَجْرِي فِيها، وأسْنَدَ الجَرْيَ إلَيْها مَجازًا، والجارِي حَقِيقَةً هو الماءُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: واسْألِ القَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] أيْ أهْلَها وكَما قالَ الشّاعِرُ: ونُبِّئْتُ أنَّ النّارَ بَعْدَكَ أُوقِدَتْ واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: مِن تَحْتِها عائِدٌ إلى الجَنّاتِ لِاشْتِمالِها عَلى الأشْجارِ: أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها.

وقَوْلُهُ: كُلَّما رُزِقُوا وصْفٌ آخَرُ لِلْجَنّاتِ، أوْ هو جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّ سائِلًا قالَ: كَيْفَ ثِمارُها.

ومِن ثَمَرَةٍ في مَعْنى مِن أيِّ ثَمَرَةٍ: أيْ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الثَّمَراتِ.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ﴾ أنَّهُ شَبِيهُهُ ونَظِيرُهُ، لا أنَّهُ هو، لِأنَّ ذاتَ الحاضِرِ لا تَكُونُ عَيْنَ ذاتِ الغائِبِ لِاخْتِلافِهِما، وذَلِكَ أنَّ اللَّوْنَ يُشْبِهُ اللَّوْنَ وإنْ كانَ الحَجْمُ والطَّعْمُ والرّائِحَةُ والماوِيَّةُ مُتَخالِفَةً.

والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ إلى الرِّزْقِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم أتَوْا بِما يُرْزَقُونَهُ في الجَنَّةِ مُتَشابِهًا فَما يَأْتِيهِمْ في أوَّلِ النَّهارِ يُشابِهُ الَّذِي …

Al-Baqara 2:25Listen in Qur'an →
26

۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِۦٓ أَن يَضْرِبَ مَثَلًۭا مَّا بَعُوضَةًۭ فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًۭا ۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرًۭا وَيَهْدِى بِهِۦ كَثِيرًۭا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلْفَٰسِقِينَ

Indeed, Allah is not timid to present an example - that of a mosquito or what is smaller than it. And those who have believed know that it is the truth from their Lord. But as for those who disbelieve, they say, "What did Allah intend by this as an example?" He misleads many thereby and guides many thereby. And He misleads not except the defiantly disobedient,

أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا عَلى الكُفّارِ لَمّا أنْكَرُوا ما ضَرَبَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الأمْثالِ كَقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] فَقالُوا اللَّهُ أجَلُّ وأعْلى مِن أنْ يَضْرِبَ الأمْثالَ.

وقالَ الرّازِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا أوْرَدَ هاهُنا شُبْهَةً أوْرَدَها الكُفّارُ قَدْحًا في ذَلِكَ وأجابَ عَنْها، وتَقْرِيرُ الشُّبْهَةِ أنَّهُ جاءَ في القُرْآنِ ذِكْرُ النَّحْلِ والعَنْكَبُوتِ والنَّمْلِ، وهَذِهِ الأشْياءُ لا يَلِيقُ ذِكْرُها بِكَلامِ الفُصَحاءِ فاشْتِمالُ القُرْآنِ عَلَيْها يَقْدَحُ في فَصاحَتِهِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا.

وأجابَ اللَّهُ عَنْها بِأنَّ صِغَرَ هَذِهِ الأشْياءِ لا تَقْدَحُ في الفَصاحَةِ إذا كانَ ذِكْرُها مُشْتَمِلًا عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ انْتَهى.

ولا يَخْفاكَ أنَّ تَقْرِيرَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ وإرْجاعَ الإنْكارِ إلى مُجَرَّدِ الفَصاحَةِ لا مُسْتَنَدَ لَهُ ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَهُ إلى شَيْءٍ مِن هَذا صاحِبُ الكَشّافِ، والظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا لِكَوْنِ هَذِهِ الآيَةِ جاءَتْ بِعَقِبِ المَثَلَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما مَذْكُورانِ قَبْلَهُما، ولا يَسْتَلْزِمُ اسْتِنْكارُهم لِضَرْبِ الأمْثالِ بِالأشْياءِ المُحَقَّرَةِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ قادِحًا في الفَصاحَةِ والإعْجازِ.

والحَياءُ: تَغَيُّرٌ وانْكِسارٌ يَعْتَرِي الإنْسانَ مِن تَخَوِّفِ ما يُعابُ بِهِ ويُذَمُّ، كَذا في الكَشّافِ، وتَبِعَهُ الرّازِيُّ في مَفاتِيحِ الغَيْبِ.

وقالَ القُرْطُبِيُّ: أصْلُ الِاسْتِحْياءِ الِانْقِباضُ عَنِ الشَّيْءِ والِامْتِناعُ مِنهُ خَوْفًا مِن مُواقَعَةِ القَبِيحِ، وهَذا مُحالٌ عَلى اللَّهِ انْتَهى.

وقَدِ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن ذِكْرِ الحَياءِ فَقِيلَ: ساغَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ واقِعًا في الكَلامِ المَحْكِيِّ عَنِ الكُفّارِ، وقِيلَ: هو مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: هو جارٍ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ.

قالَ في الكَشّافِ: مِثْلُ تَرْكِهِ تَخْيِيبِ العَبْدِ وأنَّهُ لا يَرُدُّ يَدَيْهِ صِفْرًا مِن عَطائِهِ لِكَرَمِهِ بِتَرْكِ مَن يَتْرُكُ رَدَّ المُحْتاجِ إلَيْهِ حَياءً مِنهُ انْتَهى.

وقَدْ قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ ويَسْتَحِي بِياءٍ واحِدَةٍ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ، نُقِلَتْ فِيها حَرَكَةُ الياءِ الأُولى إلى الحاءِ فَسَكَنَتْ، ثُمَّ اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الثّانِيَةِ فَسَكَنَتْ، فَحُذِفَتْ إحْداهُما لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.

وضَرْبُ المَثَلِ: اعْتِمادُهُ وصُنْعُهُ.

وما في قَوْلِهِ: ما بَعُوضَةً إبْهامِيَّةٌ أيْ مُوجِبَةٌ لِإبْهامِ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ حَتّى يَصِيرَ أعَمَّ مِمّا كانَ عَلَيْهِ وأكْثَرَ شُيُوعًا في أفْرادِهِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: مَثَلًا وبَعُوضَةً نَعْتٌ لَها لِإبْهامِها، قالَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وثَعْلَبٌ، وقِيلَ: إنَّها زائِدَةٌ، و( بَعُوضَةً ) بَدَلٌ مِن مَثَلٍ.

ونَصْبُ بَعُوضَةٍ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ ظاهِرٌ، وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والتَّقْدِيرُ: أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَيْنَ بَعُوضَةٍ فَحَذَفَ لَفْظَ بَيْنَ.

وقَدْ رُوِيَ هَذا عَنِ الكِسائِيِّ، وقِيلَ: إنْ يَضْرِبْ بِمَعْنى يَجْعَلُ فَتَكُونُ ( بَعُوضَةً ) المَفْعُولَ الثّانِي.

وقَرَأ الضَّحّاكُ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ " بَعُوضَةٌ " بِالرَّفْعِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ.

قالَ أبُو الفَتْحِ: وجْهُ …

Al-Baqara 2:26Listen in Qur'an →
27

ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

Who break the covenant of Allah after contracting it and sever that which Allah has ordered to be joined and cause corruption on earth. It is those who are the losers.

أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا عَلى الكُفّارِ لَمّا أنْكَرُوا ما ضَرَبَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الأمْثالِ كَقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] فَقالُوا اللَّهُ أجَلُّ وأعْلى مِن أنْ يَضْرِبَ الأمْثالَ.

وقالَ الرّازِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا أوْرَدَ هاهُنا شُبْهَةً أوْرَدَها الكُفّارُ قَدْحًا في ذَلِكَ وأجابَ عَنْها، وتَقْرِيرُ الشُّبْهَةِ أنَّهُ جاءَ في القُرْآنِ ذِكْرُ النَّحْلِ والعَنْكَبُوتِ والنَّمْلِ، وهَذِهِ الأشْياءُ لا يَلِيقُ ذِكْرُها بِكَلامِ الفُصَحاءِ فاشْتِمالُ القُرْآنِ عَلَيْها يَقْدَحُ في فَصاحَتِهِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا.

وأجابَ اللَّهُ عَنْها بِأنَّ صِغَرَ هَذِهِ الأشْياءِ لا تَقْدَحُ في الفَصاحَةِ إذا كانَ ذِكْرُها مُشْتَمِلًا عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ انْتَهى.

ولا يَخْفاكَ أنَّ تَقْرِيرَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ وإرْجاعَ الإنْكارِ إلى مُجَرَّدِ الفَصاحَةِ لا مُسْتَنَدَ لَهُ ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَهُ إلى شَيْءٍ مِن هَذا صاحِبُ الكَشّافِ، والظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا لِكَوْنِ هَذِهِ الآيَةِ جاءَتْ بِعَقِبِ المَثَلَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما مَذْكُورانِ قَبْلَهُما، ولا يَسْتَلْزِمُ اسْتِنْكارُهم لِضَرْبِ الأمْثالِ بِالأشْياءِ المُحَقَّرَةِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ قادِحًا في الفَصاحَةِ والإعْجازِ.

والحَياءُ: تَغَيُّرٌ وانْكِسارٌ يَعْتَرِي الإنْسانَ مِن تَخَوِّفِ ما يُعابُ بِهِ ويُذَمُّ، كَذا في الكَشّافِ، وتَبِعَهُ الرّازِيُّ في مَفاتِيحِ الغَيْبِ.

وقالَ القُرْطُبِيُّ: أصْلُ الِاسْتِحْياءِ الِانْقِباضُ عَنِ الشَّيْءِ والِامْتِناعُ مِنهُ خَوْفًا مِن مُواقَعَةِ القَبِيحِ، وهَذا مُحالٌ عَلى اللَّهِ انْتَهى.

وقَدِ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن ذِكْرِ الحَياءِ فَقِيلَ: ساغَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ واقِعًا في الكَلامِ المَحْكِيِّ عَنِ الكُفّارِ، وقِيلَ: هو مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: هو جارٍ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ.

قالَ في الكَشّافِ: مِثْلُ تَرْكِهِ تَخْيِيبِ العَبْدِ وأنَّهُ لا يَرُدُّ يَدَيْهِ صِفْرًا مِن عَطائِهِ لِكَرَمِهِ بِتَرْكِ مَن يَتْرُكُ رَدَّ المُحْتاجِ إلَيْهِ حَياءً مِنهُ انْتَهى.

وقَدْ قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ ويَسْتَحِي بِياءٍ واحِدَةٍ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ، نُقِلَتْ فِيها حَرَكَةُ الياءِ الأُولى إلى الحاءِ فَسَكَنَتْ، ثُمَّ اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الثّانِيَةِ فَسَكَنَتْ، فَحُذِفَتْ إحْداهُما لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.

وضَرْبُ المَثَلِ: اعْتِمادُهُ وصُنْعُهُ.

وما في قَوْلِهِ: ما بَعُوضَةً إبْهامِيَّةٌ أيْ مُوجِبَةٌ لِإبْهامِ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ حَتّى يَصِيرَ أعَمَّ مِمّا كانَ عَلَيْهِ وأكْثَرَ شُيُوعًا في أفْرادِهِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: مَثَلًا وبَعُوضَةً نَعْتٌ لَها لِإبْهامِها، قالَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وثَعْلَبٌ، وقِيلَ: إنَّها زائِدَةٌ، و( بَعُوضَةً ) بَدَلٌ مِن مَثَلٍ.

ونَصْبُ بَعُوضَةٍ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ ظاهِرٌ، وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والتَّقْدِيرُ: أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَيْنَ بَعُوضَةٍ فَحَذَفَ لَفْظَ بَيْنَ.

وقَدْ رُوِيَ هَذا عَنِ الكِسائِيِّ، وقِيلَ: إنْ يَضْرِبْ بِمَعْنى يَجْعَلُ فَتَكُونُ ( بَعُوضَةً ) المَفْعُولَ الثّانِي.

وقَرَأ الضَّحّاكُ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ ورُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ " بَعُوضَةٌ " بِالرَّفْعِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ.

قالَ أبُو الفَتْحِ: وجْهُ …

Al-Baqara 2:27Listen in Qur'an →
28

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًۭا فَأَحْيَٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

How can you disbelieve in Allah when you were lifeless and He brought you to life; then He will cause you to die, then He will bring you [back] to life, and then to Him you will be returned.

كَيْفَ مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ لِخِفَّتِهِ وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ تَكْفُرُونَ، ويُسْألُ بِها عَنِ الحالِ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ هو لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ وهي مُتَضَمِّنَةٌ لِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، والواوُ في ( وكُنْتُمْ ) لِلْحالِ وقَدْ مُقَدَّرَةٌ كَما قالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ، وإنَّما صَحَّ جَعْلُ هَذا الماضِي حالًا لِأنَّ الحالَ لَيْسَ هو مُجَرَّدَ قَوْلِهِ: كُنْتُمْ أمْواتًا بَلْ هو وما بَعْدَهُ إلى قَوْلِهِ: تُرْجَعُونَ كَما جَزَمَ بِهِ صاحِبُ الكَشّافِ كَأنَّهُ قالَ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ وقِصَّتُكم هَذِهِ ؟: أيْ وأنْتُمْ عالِمُونَ بِهَذِهِ القِصَّةِ وبِأوَّلِها وآخِرِها.

والأمْواتُ جَمْعُ مَيِّتٍ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَرْتِيبِ هاتَيْنِ المَوْتَتَيْنِ والحَياتَيْنِ، فَقِيلَ: إنَّ المُرادَ كُنْتُمْ أمْواتًا قَبْلَ أنْ تُخْلَقُوا: أيْ مَعْدُومِينَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ إطْلاقُ اسْمِ المَوْتِ عَلى المَعْدُومِ لِاجْتِماعِهِما في عَدَمِ الإحْساسِ فَأحْياكم أيْ خَلَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكم ثُمَّ يُحْيِيكم يَوْمَ القِيامَةِ.

وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ هو المُرادُ بِالآيَةِ، وهو الَّذِي لا مَحِيدَ لِلْكَفّارِ عَنْهُ، وإذا أذْعَنَتْ نُفُوسُ الكُفّارِ بِكَوْنِهِمْ كانُوا مَعْدُومِينَ ثُمَّ أحْياءً في الدُّنْيا ثُمَّ أمْواتًا فِيها لَزِمَهُمُ الإقْرارُ بِالحَياةِ الأُخْرى.

قالَ غَيْرُهُ: والحَياةُ الَّتِي تَكُونُ في القَبْرِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ في حُكْمِ حَياةِ الدُّنْيا.

وقِيلَ: إنَّ المُرادَ كُنْتُمْ أمْواتًا في ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ أخْرَجَكم مِن ظَهْرِهِ كالذَّرِّ، ثُمَّ يُمِيتُكم مَوْتَ الدُّنْيا ثُمَّ يَبْعَثُكم.

وقِيلَ: كُنْتُمْ أمْواتًا أيْ نُطَفًا في أصْلابِ الرِّجالِ فَأحْياكم حَياةَ الدُّنْيا ثُمَّ يُمِيتُكم بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ ثُمَّ يُحْيِيكم في القُبُورِ ( ثُمَّ يُمِيتُكم ) في القَبْرِ ( ثُمَّ يُحْيِيكم ) الحَياةَ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَها مَوْتٌ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ هي ثَلاثُ مَوْتاتٍ وثَلاثُ إحْياءاتٍ، وكَوْنُهم مَوْتى في ظَهْرِ آدَمَ وإخْراجُهم مِن ظَهْرِهِ والشَّهادَةُ عَلَيْهِمْ غَيْرُ كَوْنِهِمْ نُطَفًا في أصْلابِ الرِّجالِ، فَعَلى هَذا يَجِيءُ أرْبَعُ مَوْتاتٍ وأرْبَعُ إحْياءاتٍ.

وقَدْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ أوَجَدَهم قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ كالبَهائِمِ وأماتَهم فَيَكُونُ عَلى هَذا خَمْسُ مَوْتاتٍ وخَمْسُ إحْياءاتٍ، ومَوْتَةٌ سادِسَةٌ لِلْعُصاةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ «ولَكِنْ ناسٌ أصابَتْهُمُ النّارُ بِذُنُوبِهِمْ فَأماتَهُمُ اللَّهُ إماتَةً، حَتّى إذا كانُوا فَحْمًا أذِنَ في الشَّفاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ، إلى أنْ قالَ: فَيَنْبِتُونَ نَباتَ الحَبَّةِ في حَمِيلِ السَّيْلِ» وهو في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ.

وقَوْلُهُ: ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ أيْ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم.

وقَدْ قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ومُجاهِدٌ وسَلامٌ ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ، وقَرَأ الجَماعَةُ بِضَمِّهِ.

قالَ في الكَشّافِ: عَطَفَ الأوَّلَ بِالفاءِ وما بَعْدَهُ بِـ " ثُمَّ "، لِأنَّ الإحْياءَ الأوَّلَ قَدْ تَعَقَّبَ المَوْتَ بِغَيْرِ تَراخٍ، وأمّا المَوْتُ فَقَدْ تَراخى عَنِ الإحْياءِ، والإحْياءُ الثّانِي كَذَلِكَ مُتَراخٍ عَنِ المَوْتِ إنْ أُرِيدَ بِهِ النُّشُورُ تَراخِيًّا ظاهِرًا، وإنْ أُرِيدَ بِهِ إحْياءُ القَبْرِ فَمِنهُ يُكْتَسَبُ العِلْمُ بِتَراخِيهِ، والرُّجُوعُ …

Al-Baqara 2:28Listen in Qur'an →
29

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍۢ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ

It is He who created for you all of that which is on the earth. Then He directed Himself to the heaven, [His being above all creation], and made them seven heavens, and He is Knowing of all things.

قالَ ابْنُ كَيْسانَ: ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ أيْ مِن أجْلِكم، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ المَخْلُوقَةِ الإباحَةُ حَتّى يَقُومَ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلى النَّقْلِ عَنْ هَذا الأصْلِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِها مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ مِن غَيْرِ ضَرَرٍ، وفي التَّأْكِيدِ بِقَوْلِهِ: جَمِيعًا أقْوى دَلالَةً عَلى هَذا.

وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ أكْلِ الطِّينِ، لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ لَنا ما في الأرْضِ دُونَ نَفْسِ الأرْضِ.

وقالَ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ: إنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ في جُمْلَةِ الأرْضِ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ في الأرْضِ فَيَكُونُ جامِعًا لِلْوَصْفَيْنِ، ولا شَكَّ أنَّ المَعادِنَ داخِلَةٌ في ذَلِكَ، وكَذَلِكَ عُرُوقُ الأرْضِ وما يَجْرِي مَجْرى البَعْضِ لَها ولِأنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا عَداهُ انْتَهى.

وقَدْ ذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ ما هو أوْضَحُ مِن هَذا فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: هَلْ لِقَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ المَعْنى خَلَقَ لَكُمُ الأرْضَ وما فِيها وجْهُ صِحَّةٍ ؟ قُلْتُ: إنْ أرادَ بِالأرْضِ الجِهاتِ السُّفْلِيَّةَ دُونَ الغَبْراءِ كَما تُذْكَرُ السَّماءُ ويُرادُ الجِهاتُ العُلْوِيَّةُ جازَ ذَلِكَ، فَإنَّ الغَبْراءَ وما فِيها واقِعَةٌ في الجِهاتِ السُّفْلِيَّةِ انْتَهى.

وأمّا التُّرابُ فَقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ تَحْرِيمُهُ، وهو أيْضًا ضارٌّ فَلَيْسَ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ أكْلًا، ولَكِنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ في مَنافِعَ أُخْرى، ولَيْسَ المُرادُ مَنفَعَةً خاصَّةً كَمَنفَعَةِ الأكْلِ، بَلْ كُلُّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، و( جَمِيعًا ) مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.

والِاسْتِواءُ في اللُّغَةِ: الِاعْتِدالُ والِاسْتِقامَةُ، قالَهُ في الكَشّافِ، ويُطْلَقُ عَلى الِارْتِفاعِ والعُلُوِّ عَلى الشَّيْءِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] وقالَ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣] وهَذا المَعْنى هو المُناسِبُ لِهَذِهِ الآيَةِ.

وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ المُشْكِلاتِ.

وقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الأئِمَّةِ إلى الإيمانِ بِها وتَرْكِ التَّعَرُّضِ لِتَفْسِيرِها، وخالَفَهم آخَرُونَ.

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: " فَسَوّاهُنَّ " مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ كَقَوْلِهِمْ: زَيْدٌ رَجُلًا، وقِيلَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى السَّماءِ لِأنَّها في مَعْنى الجِنْسِ، والمَعْنى: أنَّهُ عَدَلَ خَلْقَهُنَّ فَلا اعْوِجاجَ فِيهِ.

وقَدِ اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾ عَلى أنَّ خَلْقَ الأرْضِ مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ.

وكَذَلِكَ الآيَةُ الَّتِي في حم السَّجْدَةِ.

وقالَ في النّازِعاتِ ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ [النازعات: ٢٧] فَوَصَفَ خَلْقَها ثُمَّ قالَ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] فَكَأنَّ السَّماءَ عَلى هَذا خُلِقَتْ قَبْلَ الأرْضِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] وقَدْ قِيلَ: إنَّ خَلْقَ جِرْمِ الأرْضِ مُتَقَدِّمٌ عَلى السَّماءِ ودَحْوُها مُتَأخِّرٌ.

وقَدْ ذَكَرَ نَحْوَ هَذا جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، وهَذا جَمٌّ جَيِّدٌ لا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ، ولَكِنْ خَلْقُ ما في الأرْضِ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الدَّحْوِ، والآيَةُ المَذْكُورَةُ هُنا دَلَّتْ عَلى أنَّهُ خَلَقَ ما في الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ، وهَذا يَقْتَضِي بَقاءَ الإشْكالِ وعَدَمَ التَّخَلُّصِ عَنْهُ بِمِثْلِ هَذا الجَمْعِ.

وقَوْلُهُ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ …

Al-Baqara 2:29Listen in Qur'an →
30

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And [mention, O Muhammad], when your Lord said to the angels, "Indeed, I will make upon the earth a successive authority." They said, "Will You place upon it one who causes corruption therein and sheds blood, while we declare Your praise and sanctify You?" Allah said, "Indeed, I know that which you do not know."

" إذْ " مِنَ الظُّرُوفِ المَوْضُوعَةِ لِلتَّوْقِيتِ وهي لِلْمُسْتَقْبَلِ، وإذا لِلْماضِي، وقَدْ تُوضَعُ إحْداهُما مَوْضِعَ الأُخْرى.

وقالَ المُبَرِّدُ: هي مَعَ المُسْتَقْبَلِ لِلْمُضِيِّ ومَعَ الماضِي لِلِاسْتِقْبالِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّها هُنا زائِدَةٌ.

وحَكاهُ الزَّجّاجُ وابْنُ النَّحّاسِ وقالا: هي ظَرْفُ زَمانٍ لَيْسَتْ مِمّا يُزادُ، وهي هُنا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ أوْ قالُوا، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ " خَلَقَ لَكم "، ولَيْسَ بِظاهِرٍ، والمَلائِكَةُ جَمْعُ مَلَكٍ بِوَزْنِ فَعَلٍ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ، جَمْعُ مَلْأكٍ بِوَزْنِ مَفْعَلٍ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، مِن لَأكَ: إذا أرْسَلَ، والألُوكَةُ: الرِّسالَةُ.

قالَ لَبِيَدٌ:

؎وغُلامٍ أرْسَلَتْهُ أُمُّهُ بِألُوكٍ فَبَذَلْنا ما سَألْ

وقالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ:

؎أبْلِغِ النُّعْمانَ عَنِّي مَأْلَكًا ∗∗∗ أنَّهُ قَدْ طالَ حَبْسِي وانْتِظارِ

ويُقالُ ألِكْنِي: أيْ أرْسِلْنِي.

وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: لا اشْتِقاقَ لِمَلَكٍ عِنْدَ العَرَبِ، والهاءُ في المَلائِكَةِ تَأْكِيدٌ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، ومِثْلُهُ الصُّلادِمَةُ، والصُّلادِمُ الخَيْلُ الشِّدادُ، وإحْداها صِلْدَمٌ، وقِيلَ: هي لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ وجاعِلٌ هُنا مَن جَعَلَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ.

وذَكَرَ المُطَرِّزِيُّ أنَّهُ بِمَعْنى خالِقٍ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والأرْضُ هُنا: هي هَذِهِ الغَبْراءُ، ولا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَكانٍ دُونَ مَكانٍ - وقِيلَ: إنَّها مَكَّةُ.

والخَلِيفَةُ هُنا مَعْناهُ الخالِفُ لِمَن كانَ قَبْلَهُ مِنَ المَلائِكَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَخْلُوفِ: أيْ يَخْلُفُهُ غَيْرُهُ، قِيلَ: هو آدَمُ، وقِيلَ: كُلُّ مَن لَهُ خِلافَةٌ في الأرْضِ، ويُقَوِّي الأوَّلَ قَوْلُهُ: خَلِيفَةٌ دُونَ خَلائِفَ، واسْتُغْنِيَ بِآدَمَ عَنْ ذِكْرِ ما بَعْدَهُ قِيلَ: خاطَبَ اللَّهُ المَلائِكَةَ بِهَذا الخِطابِ لا لِلْمَشُورَةِ ولَكِنْ لِاسْتِخْراجِ ما عِنْدَهم، وقِيلَ: خاطَبَهم بِذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَصْدُرَ مِنهم ذَلِكَ السُّؤالُ فَيُجابُونَ بِذَلِكَ الجَوابِ، وقِيلَ: لِأجْلِ تَعْلِيمِ عِبادِهِ مَشْرُوعِيَّةَ المُشاوَرَةِ لَهم.

وأمّا قَوْلُهم: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ فَظاهِرُهُ أنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا اسْتِخْلافَ بَنِي آدَمَ في الأرْضِ لِكَوْنِهِمْ مَظِنَّةً لِلْإفْسادِ في الأرْضِ، وإنَّما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ قَبْلَ أنْ يَتَقَدَّمَ لَهم مَعْرِفَةً بِبَنِي آدَمَ، بَلْ قَبْلَ وُجُودِ آدَمَ فَضْلًا عَنْ ذُرِّيَّتِهِ، لِعِلْمٍ قَدْ عَلِمُوهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، قالَ بِهَذا جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ في الكَلامِ حَذْفًا، والتَّقْدِيرُ: إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً يَفْعَلُ كَذا وكَذا، فَقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ وقَوْلُهُ: يُفْسِدُ قائِمٌ مَقامَ المَفْعُولِ الثّانِي.

والفَسادُ: ضِدُّ الصَّلاحِ، وسَفْكُ الدَّمِ: صَبُّهُ، قالَهُ ابْنُ فارِسٍ والجَوْهَرِيُّ: ولا يُسْتَعْمَلُ السَّفْكُ إلّا في الدَّمِ، وواحِدُ الدِّماءِ دَمٌ، وأصْلُهُ دَمِيَ حُذِفَ لامُهُ، وجُمْلَةُ ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ حالِيَّةٌ.

والتَّسْبِيحُ في كَلامِ العَرَبِ التَّنْزِيهُ والتَّبْعِيدُ مِنَ السُّوءِ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ.

قالَ الأعْشى:

؎أقُولُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ ∗∗∗ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ

وبِحَمْدِكَ في مَوْضِعِ الحالِ: أيْ حامِدِينَ لَكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الحَمْدِ.

والتَّقْدِيسُ: التَّطْهِيرُ، …

Al-Baqara 2:30Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.