Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 241–250 of 286

241

وَلِلْمُطَلَّقَٰتِ مَتَٰعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ

And for divorced women is a provision according to what is acceptable - a duty upon the righteous.

الحُكْمُ الثّامِنَ عَشَرَ

فِي المُطَلَّقاتِ

﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾

صفحة ١٣٧

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾

يُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أنْزَلَ قَوْلَهُ تَعالى: (ومَتِّعُوهُنَّ) إلى قَوْلِهِ: ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] قالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: إنْ أرَدْتُ فَعَلْتُ، وإنْ لَمْ أُرِدْ لَمْ أفْعَلْ، فَقالَ تَعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي عَلى كُلِّ مَن كانَ مُتَّقِيًا عَنِ الكُفْرِ، واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنَ المَتاعِ هَهُنا فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ هو المُتْعَةُ، فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ هَذِهِ المُتْعَةِ لِكُلِّ المُطَلَّقاتِ، فَمِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ وأوْجَبَ المُتْعَةَ لِجَمِيعِ المُطَلَّقاتِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وأبِي العالِيَةِ والزُّهْرِيِّ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ إلّا المُطَلَّقَةَ الَّتِي فُرِضَ لَها مَهْرٌ ولَمْ يُوجَدْ في حَقِّها المَسِيسُ، وهَذِهِ المَسْألَةُ قَدْ ذَكَرْناها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] .

فَإنْ قِيلَ: لِمَ أُعِيدَ هَهُنا ذِكْرُ المُتْعَةِ مَعَ أنَّ ذِكْرَها قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ .

قُلْنا: هُناكَ ذَكَرَ حُكْمًا خاصًّا، وهَهُنا ذَكَرَ حُكْمًا عامًّا.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ المُتْعَةِ النَّفَقَةُ، والنَّفَقَةُ قَدْ تُسَمّى مَتاعًا، وإذا حَمَلْنا هَذا المَتاعَ عَلى النَّفَقَةِ انْدَفَعَ التَّكْرارُ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، وهَهُنا آخِرُ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى الأحْكامِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-Baqara 2:241Listen in Qur'an →
242

كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

Thus does Allah make clear to you His verses that you might use reason.

الحُكْمُ الثّامِنَ عَشَرَ

فِي المُطَلَّقاتِ

﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾

صفحة ١٣٧

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾

يُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أنْزَلَ قَوْلَهُ تَعالى: (ومَتِّعُوهُنَّ) إلى قَوْلِهِ: ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] قالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: إنْ أرَدْتُ فَعَلْتُ، وإنْ لَمْ أُرِدْ لَمْ أفْعَلْ، فَقالَ تَعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي عَلى كُلِّ مَن كانَ مُتَّقِيًا عَنِ الكُفْرِ، واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنَ المَتاعِ هَهُنا فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ هو المُتْعَةُ، فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ هَذِهِ المُتْعَةِ لِكُلِّ المُطَلَّقاتِ، فَمِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ وأوْجَبَ المُتْعَةَ لِجَمِيعِ المُطَلَّقاتِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وأبِي العالِيَةِ والزُّهْرِيِّ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ إلّا المُطَلَّقَةَ الَّتِي فُرِضَ لَها مَهْرٌ ولَمْ يُوجَدْ في حَقِّها المَسِيسُ، وهَذِهِ المَسْألَةُ قَدْ ذَكَرْناها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] .

فَإنْ قِيلَ: لِمَ أُعِيدَ هَهُنا ذِكْرُ المُتْعَةِ مَعَ أنَّ ذِكْرَها قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ .

قُلْنا: هُناكَ ذَكَرَ حُكْمًا خاصًّا، وهَهُنا ذَكَرَ حُكْمًا عامًّا.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ المُتْعَةِ النَّفَقَةُ، والنَّفَقَةُ قَدْ تُسَمّى مَتاعًا، وإذا حَمَلْنا هَذا المَتاعَ عَلى النَّفَقَةِ انْدَفَعَ التَّكْرارُ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، وهَهُنا آخِرُ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى الأحْكامِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-Baqara 2:242Listen in Qur'an →
243

۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُوا۟ ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ

Have you not considered those who left their homes in many thousands, fearing death? Allah said to them, "Die"; then He restored them to life. And Allah is full of bounty to the people, but most of the people do not show gratitude.

القِصَّةُ الأُولى مِن قَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ عادَتَهُ تَعالى في القُرْآنِ أنْ يَذْكُرَ بَعْدَ بَيانِ الأحْكامِ القِصَصَ لِيُفِيدَ الِاعْتِبارَ لِلسّامِعِ، ويَحْمِلَهُ ذَلِكَ الِاعْتِبارُ عَلى تَرْكِ التَّمَرُّدِ والعِنادِ، ومَزِيدِ الخُضُوعِ والِانْقِيادِ، فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ .

* * *

أمّا قَوْلُهُ: (ألَمْ تَرَ) فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الرُّؤْيَةَ قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى رُؤْيَةِ البَصِيرَةِ والقَلْبِ، وذَلِكَ راجِعٌ إلى العِلْمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ [البقرة: ١٢٨] مَعْناهُ: عَلِّمْنا، وقالَ: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] أيْ: عَلَّمَكَ، ثُمَّ إنَّ هَذا اللَّفْظَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيما تَقَدَّمَ لِلْمُخاطَبِ العِلْمُ بِهِ، وفِيما لا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ يُرِيدُ تَعْرِيفَهُ ابْتِداءً: ألَمْ تَرَ إلى ما جَرى عَلى فُلانٍ، فَيَكُونُ هَذا ابْتِداءَ تَعْرِيفٍ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَعْرِفْ هَذِهِ القِصَّةَ إلّا بِهَذِهِ الآيَةِ، ويَجُوزُ أنْ نَقُولَ: كانَ العِلْمُ بِها سابِقًا عَلى نُزُولِ هَذِهِ

صفحة ١٣٨

الآيَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ عَلى وفْقِ ذَلِكَ العِلْمِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا الكَلامُ ظاهِرُهُ خِطابٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إلّا أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو وأُمَّتَهُ، إلّا أنَّهُ وقَعَ الِابْتِداءُ بِالخِطابِ مَعَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دُخُولُ لَفْظَةِ (إلى) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأجْلِ أنَّ (إلى) عِنْدَهم حَرْفٌ لِلِانْتِهاءِ كَقَوْلِكَ: مِن فُلانٍ إلى فُلانٍ، فَمَن عَلِمَ بِتَعْلِيمِ مُعَلِّمٍ، فَكَأنَّ ذَلِكَ المُعَلِّمَ أوْصَلَ ذَلِكَ المُتَعَلِّمَ إلى ذَلِكَ المَعْلُومِ وأنْهاهُ إلَيْهِ، فَحَسُنَ مِن هَذا الوَجْهِ دُخُولُ حَرْفِ (إلى) فِيهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] .

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ فَفِيهِ رِواياتٌ:

أحَدُها: قالَ السُّدِّيُّ: كانَتْ قَرْيَةٌ وقَعَ فِيها الطّاعُونُ، وهَرَبَ عامَّةُ أهْلِها، والَّذِينَ بَقُوا ماتَ أكْثَرُهم، وبَقِيَ قَوْمٌ مِنهم في المَرَضِ والبَلاءِ، ثُمَّ بَعْدَ ارْتِفاعِ المَرَضِ والطّاعُونِ، رَجَعَ الَّذِينَ هَرَبُوا سالِمِينَ، فَقالَ مَن بَقِيَ مِنَ المَرْضى: هَؤُلاءِ أحْرَصُ مِنّا، لَوْ صَنَعْنا ما صَنَعُوا لَنَجَوْنا مِنَ الأمْراضِ والآفاتِ، ولَئِنْ وقَعَ الطّاعُونُ ثانِيًا خَرَجْنا فَوَقَعَ وهَرَبُوا وهم بِضْعَةٌ وثَلاثُونَ ألْفًا، فَلَمّا خَرَجُوا مِن ذَلِكَ الوادِي، ناداهم مَلَكٌ مِن أسْفَلِ الوادِي، وآخَرُ مِن أعْلاهُ: أنْ مُوتُوا، فَهَلَكُوا وبَلِيَتْ أجْسامُهم، فَمَرَّ بِهِمْ نَبِيٌّ يُقالُ لَهُ حِزْقِيلُ، فَلَمّا رَآهم وقَفَ عَلَيْهِمْ وتَفَكَّرَ فِيهِمْ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: …

Al-Baqara 2:243Listen in Qur'an →
244

وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And fight in the cause of Allah and know that Allah is Hearing and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا خِطابٌ لِلَّذِينِ أُحْيُوا، قالَ الضَّحّاكُ: أحْياهم ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَذْهَبُوا إلى الجِهادِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما أماتَهم بِسَبَبِ أنْ كَرِهُوا الجِهادَ.

صفحة ١٤١

واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ لا يَتِمُّ إلّا بِإضْمارِ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وقِيلَ لَهم قاتِلُوا.

والقَوْلُ الثّانِي - وهو اخْتِيارُ جُمْهُورِ المُحَقِّقِينَ -: أنَّ هَذا اسْتِئْنافُ خِطابٍ لِلْحاضِرِينَ، يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِالجِهادِ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ بِلُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ قَدَّمَ عَلى الأمْرِ بِالقِتالِ ذِكْرَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ لِئَلّا يُنْكَصَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ بِحُبِّ الحَياةِ بِسَبَبِ خَوْفِ المَوْتِ، ولِيَعْلَمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّهُ بِتَرْكِ القِتالِ لا يَثِقُ بِالسَّلامَةِ مِنَ المَوْتِ، كَما قالَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٦] فَشَجَّعَهم عَلى القِتالِ الَّذِي بِهِ وعَدَ إحْدى الحُسْنَيَيْنِ، إمّا في العاجِلِ الظُّهُورُ عَلى العَدُوِّ، أوْ في الآجِلِ الفَوْزُ بِالخُلُودِ في النَّعِيمِ، والوُصُولُ إلى ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فالسَّبِيلُ هو الطَّرِيقُ، وسُمِّيَتِ العِباداتُ سَبِيلًا إلى اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ إنَّ الإنْسانَ يَسْلُكُها، ويَتَوَصَّلُ إلى اللَّهِ تَعالى بِها، ومَعْلُومٌ أنَّ الجِهادَ تَقْوِيَةٌ لِلدِّينِ، فَكانَ طاعَةً، فَلا جَرَمَ كانَ المُجاهِدُ مُقاتِلًا في سَبِيلِ اللَّهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: هو يَسْمَعُ كَلامَكم في تَرْغِيبِ الغَيْرِ في الجِهادِ، وفي تَنْفِيرِ الغَيْرِ عَنْهُ، وعَلِيمٌ بِما في صُدُورِكم مِنَ البَواعِثِ والأغْراضِ، وأنَّ ذَلِكَ الجِهادَ لِغَرَضِ الدِّينِ أوْ لِعاجِلِ الدُّنْيا.

Al-Baqara 2:244Listen in Qur'an →
245

مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضْعَافًۭا كَثِيرَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُۜطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

Who is it that would loan Allah a goodly loan so He may multiply it for him many times over? And it is Allah who withholds and grants abundance, and to Him you will be returned.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالقِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ عَلى قَوْلَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، والمُرادُ مِنها القَرْضُ في الجِهادِ خاصَّةً، فَنَدَبَ العاجِزَ عَنِ الجِهادِ أنْ يُنْفِقَ عَلى الفَقِيرِ القادِرِ عَلى الجِهادِ، وأمَرَ القادِرَ عَلى الجِهادِ أنْ يُنْفِقَ عَلى نَفْسِهِ في طَرِيقِ الجِهادِ، ثُمَّ أكَّدَ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ مَن عَلِمَ ذَلِكَ كانَ اعْتِمادُهُ عَلى فَضْلِ اللَّهِ تَعالى أكْثَرَ مِنِ اعْتِمادِهِ عَلى مالِهِ وذَلِكَ يَدْعُوهُ إلى إنْفاقِ المالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والِاحْتِرازِ عَنِ البُخْلِ بِذَلِكَ الإنْفاقِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الكَلامَ مُبْتَدَأٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ مِن هَذا القَرْضِ إنْفاقُ المالِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ غَيْرُهُ، والقائِلُونَ بِأنَّهُ إنْفاقُ المالِ لَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ ما لَيْسَ بِواجِبٍ مِنَ الصَّدَقَةِ، وهو قَوْلُ الأصَمِّ واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى سَمّاهُ بِالقَرْضِ، والقَرْضُ لا يَكُونُ إلّا تَبَرُّعًا.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتِ الآيَةُ في أبِي الدَّحْداحِ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي حَدِيقَتَيْنِ فَإنْ تَصَدَّقْتُ بِإحْداهُما فَهَلْ لِي مِثْلاها في الجَنَّةِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: وأُمُّ الدَّحْداحِ مَعِي ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: والصِّبْيَةُ مَعِي ؟ قالَ: نَعَمْ، فَتَصَدَّقَ بِأفْضَلِ حَدِيقَتَيْهِ، وكانَتْ تُسَمّى الجُنَيْنَةَ، قالَ:

صفحة ١٤٢

فَرَجَعَ أبُو الدَّحْداحِ إلى أهْلِهِ وكانُوا في الحَدِيقَةِ الَّتِي تَصَدَّقَ بِها، فَقامَ عَلى بابِ الحَدِيقَةِ، وذَكَرَ ذَلِكَ لِامْرَأتِهِ فَقالَتْ أُمُّ الدَّحْداحِ: بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيما اشْتَرَيْتَ، فَخَرَجُوا مِنها وسَلَّمُوها، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: كَمْ مِن نَخْلَةٍ رَداحٍ، تُدْلِي عُرُوقَها في الجَنَّةِ لِأبِي الدَّحْداحِ» .

إذا عَرَفْتَ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ظَهَرَ أنَّ المُرادَ بِهَذا القَرْضِ ما كانَ تَبَرُّعًا لا واجِبًا.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا القَرْضِ الإنْفاقُ الواجِبُ في سَبِيلِ اللَّهِ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وذَلِكَ كالزَّجْرِ، وهو إنَّما يَلِيقُ بِالواجِبِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو الأقْرَبُ أنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كِلا القِسْمَيْنِ، كَما أنَّهُ داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ﴾ [البقرة: ٢٦١] مَن قالَ: المُرادُ مِن هَذا القَرْضِ شَيْءٌ سِوى إنْفاقِ المالِ، قالُوا: رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أصْحابِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَوْلُ الرَّجُلِ: ”سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ“ قالَ القاضِي: وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ الإقْراضِ لا يَقَعُ عَلَيْهِ في عُرْفِ اللُّغَةِ، ثُمَّ قالَ: ولا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذا القَوْلِ عَلى الصِّحَّةِ، إلّا أنْ نَقُولَ: الفَقِيرُ الَّذِي لا …

Al-Baqara 2:245Listen in Qur'an →
246

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلَإِ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰٓ إِذْ قَالُوا۟ لِنَبِىٍّۢ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًۭا نُّقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُوا۟ ۖ قَالُوا۟ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبْنَآئِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْا۟ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ

Have you not considered the assembly of the Children of Israel after [the time of] Moses when they said to a prophet of theirs, "Send to us a king, and we will fight in the way of Allah "? He said, "Would you perhaps refrain from fighting if fighting was prescribed for you?" They said, "And why should we not fight in the cause of Allah when we have been driven out from our homes and from our children?" But when fighting was prescribed for them, they turned away, except for a few of them. And Allah is Knowing of the wrongdoers.

القِصَّةُ الثّانِيَةُ

قِصَّةُ طالُوتَ

﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألّا تُقاتِلُوا قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألّا تُقاتِلُوا قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾

المَلَأُ الأشْرافُ مِنَ النّاسِ، وهو اسْمُ الجَماعَةِ، كالقَوْمِ والرَّهْطِ والجَيْشِ، وجَمْعُهُ أمْلاءٌ، قالَ الشّاعِرُ:

وقالَ لَها الأمْلاءُ مِن كُلِّ مَعْشَرٍ وخَيْرُ أقاوِيلِ الرِّجالِ سَدِيدُها

وأصْلُها مِنَ المَلْءِ، وهُمُ الَّذِينَ يَمْلَئُونَ العُيُونَ هَيْبَةً ورِواءً، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يَمْلَئُونَ المَكانَ إذا حَضَرُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: المَلَأُ الرُّؤَساءُ، سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَمْلَئُونَ القُلُوبَ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ، مِن قَوْلِهِمْ: مَلَأ الرَّجُلُ يَمْلَأُ مِلْأةً فَهو مَلِيءٌ.

* * *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: تَعَلُّقُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعالى لَمّا فَرَضَ القِتالَ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] ثُمَّ أمَرَنا بِالإنْفاقِ فِيهِ لِما لَهُ مِنَ التَّأْثِيرِ في كَمالِ المُرادِ بِالقِتالِ ذَكَرَ قِصَّةَ بَنِي إسْرائِيلَ، وهي أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالقِتالِ نَكَثُوا وخالَفُوا فَذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، ونَسَبَهم إلى الظُّلْمِ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ لا يُقَدِّمَ المَأْمُورُونَ بِالقِتالِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى المُخالَفَةِ، وأنْ يَكُونُوا مُسْتَمِرِّينَ في القِتالِ مَعَ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ الَّذِي ذَكَرْناهُ حاصِلٌ، سَواءٌ عَلِمْنا أنَّ النَّبِيَّ مَن كانَ مِن أُولَئِكَ، وأنَّ أُولَئِكَ المَلَأ مَن كانُوا أوْ لَمْ نَعْلَمْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هو التَّرْغِيبُ في بابِ الجِهادِ وذَلِكَ لا يَخْتَلِفُ، وإنَّما يُعْلَمُ مَن ذَلِكَ النَّبِيُّ ومَن ذَلِكَ المَلَأُ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ وهو مَفْقُودٌ، وأمّا خَبَرُ الواحِدِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ إلّا الظَّنَّ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونِ بْنِ أفْرايِمَ بْنِ يُوسُفَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ كَما يَحْتَمِلُ الِاتِّصالَ يَحْتَمِلُ الحُصُولَ مِن بَعْدِ زَمانٍ، ومِنهم مَن قالَ: كانَ اسْمُ ذَلِكَ النَّبِيِّ أشْمُوِيلَ مِن بَنِي هارُونَ واسْمُهُ بِالعَرَبِيَّةِ: إسْماعِيلُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وقالَ

صفحة ١٤٥

السُّدِّيُّ: هو شَمْعُونُ، سَمَّتْهُ أُمُّهُ بِذَلِكَ، لِأنَّها دَعَتِ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْزُقَها ولَدًا فاسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَها، فَسَمَّتْهُ شَمْعُونَ، يَعْنِي سَمِعَ دُعاءَها فِيهِ، والسِّينُ تَصِيرُ شِينًا بِالعِبْرانِيَّةِ، وهو مِن ولَدِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

المَسْألَةُ …

Al-Baqara 2:246Listen in Qur'an →
247

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًۭا ۚ قَالُوٓا۟ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةًۭ مِّنَ ٱلْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُۥ بَسْطَةًۭ فِى ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ ۖ وَٱللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُۥ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ

And their prophet said to them, "Indeed, Allah has sent to you Saul as a king." They said, "How can he have kingship over us while we are more worthy of kingship than him and he has not been given any measure of wealth?" He said, "Indeed, Allah has chosen him over you and has increased him abundantly in knowledge and stature. And Allah gives His sovereignty to whom He wills. And Allah is all-Encompassing [in favor] and Knowing."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ أجابَهم إلى ما سَألُوا، ثُمَّ إنَّهم تَوَلَّوْا فَبَيَّنَ أنَّ أوَّلَ ما تَوَلَّوْا إنْكارُهم إمْرَةَ طالُوتَ، وذَلِكَ لِأنَّهم طَلَبُوا مِن نَبِيِّهِمْ أنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُعَيِّنَ لَهم مَلِكًا فَأجابَهم بِأنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَهم طالُوتَ مَلِكًا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: طالُوتُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، كَجالُوتَ وداوُدَ، وإنَّما امْتَنَعَ مِنَ الصَّرْفِ لِتَعْرِيفِهِ وعُجْمَتِهِ، وزَعَمُوا أنَّهُ مِنَ الطُّولِ؛ لِما وُصِفَ بِهِ مِنَ البَسْطَةِ في الجِسْمِ، ووَزْنُهُ إنْ كانَ مِنَ الطُّولِ فَعَلُوتُ، وأصْلُهُ طَوَلُوتُ، إلّا أنَّ امْتِناعَ صَرْفِهِ يَدْفَعُ أنْ يَكُونَ مِنهُ، إلّا أنْ يُقالَ: هو اسْمٌ عِبْرانِيٌّ وافَقَ عَرَبِيًّا كَما وافَقَ

صفحة ١٤٧

حِطَّةٌ حِنْطَةً، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ أحَدُ سَبَبَيْهِ العُجْمَةَ لِكَوْنِهِ عِبْرانِيًّا، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَيَّنَهُ لِأنْ يَكُونَ مَلِكًا لَهم أظْهَرُوا التَّوَلِّيَ عَنْ طاعَتِهِ، والإعْراضَ عَنْ حُكْمِهِ، وقالُوا: ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ واسْتَبْعَدُوا جِدًّا أنْ يَكُونَ هو مَلِكًا عَلَيْهِمْ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وسَبَبُ هَذا الِاسْتِبْعادِ أنَّ النُّبُوَّةَ كانَتْ مَخْصُوصَةً بِسِبْطٍ مُعَيَّنٍ مِن أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو سِبْطُ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ، ومِنهُ مُوسى وهارُونُ، وسِبْطُ المَمْلَكَةِ، سِبْطُ يَهُوذا، ومِنهُ داوُدُ وسُلَيْمانُ، وأنَّ طالُوتَ ما كانَ مِن أحَدِ هَذَيْنِ السِّبْطَيْنِ، بَلْ كانَ مِن ولَدِ بِنْيامِينَ فَلِهَذا السَّبَبِ أنْكَرُوا كَوْنَهُ مَلِكًا لَهم، وزَعَمُوا أنَّهم أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ، ثُمَّ إنَّهم أكَّدُوا هَذِهِ الشُّبْهَةَ بِشُبْهَةٍ أُخْرى، وهي قَوْلُهم: ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ فَقِيرٌ، واخْتَلَفُوا فَقالَ وهْبٌ، كانَ دَبّاغًا، وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ مُكارِيًا، وقالَ آخَرُونَ، كانَ سَقّاءً.

فَإنْ قِيلَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الواوَيْنِ في قَوْلِهِ: (ونَحْنُ أحَقُّ) وفي قَوْلِهِ: (ولَمْ يُؤْتَ) .

قُلْنا: الأُولى لِلْحالِ، والثّانِيَةُ لِعَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ حالًا، والمَعْنى: كَيْفَ يَتَمَلَّكُ عَلَيْنا والحالُ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ التَّمَلُّكَ لِوُجُودِ مَن هو أحَقُّ بِالمُلْكِ، وأنَّهُ فَقِيرٌ ولا بُدَّ لِلْمَلِكِ مِن مالٍ يَعْتَضِدُ بِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ شُبَهِهِمْ بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ تَعالى خَصَّهُ بِالمُلْكِ والإمْرَةِ.

واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا كانُوا مُقِرِّينَ بِنُبُوَّةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ، كانَ إخْبارُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ طالُوتَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ حُجَّةً قاطِعَةً في ثُبُوتِ المُلْكِ لَهُ؛ لِأنَّ تَجْوِيزَ الكَذِبِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَقْتَضِي رَفْعَ الوُثُوقِ بِقَوْلِهِمْ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في ثُبُوتِ نَبُوَّتِهِمْ ورِسالَتِهِمْ، وإذا ثَبَتَ صِدْقُ المُخْبِرِ ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّهُ بِالمُلْكِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ كانَ مَلِكًا واجِبَ الطّاعَةِ وكانَتِ الِاعْتِراضاتُ ساقِطَةً. …

Al-Baqara 2:247Listen in Qur'an →
248

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِۦٓ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

And their prophet said to them, "Indeed, a sign of his kingship is that the chest will come to you in which is assurance from your Lord and a remnant of what the family of Moses and the family of Aaron had left, carried by the angels. Indeed in that is a sign for you, if you are believers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكم وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا مُقِرِّينَ بِنُبُوَّةِ النَّبِيِّ الَّذِي كانَ فِيهِمْ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم ﴿إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ كالظّاهِرِ في أنَّهم كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِنُبُوَّةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ، ومُقِرِّينَ بِأنَّهُ مَبْعُوثٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ النَّبِيَّ لَمّا قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا﴾ كانَ هَذا دَلِيلًا قاطِعًا في كَوْنِ طالُوتَ مَلِكًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لِكَمالِ رَحْمَتِهِ بِالخَلْقِ، ضَمَّ إلى ذَلِكَ الدَّلِيلِ دَلِيلًا آخَرَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ النَّبِيِّ صادِقًا في ذَلِكَ الكَلامِ، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ طالُوتَ نَصَّبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُلْكِ، وإكْثارُ الدَّلائِلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى جائِزٌ، ولِذَلِكَ أنَّهُ كَثُرَتْ مُعْجِزاتُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ مَجِيءَ ذَلِكَ التّابُوتِ لا بُدَّ وأنْ يَقَعَ عَلى وجْهٍ يَكُونُ خارِقًا لِلْعادَةِ حَتّى يَصِحَّ أنْ يَكُونَ آيَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ، دالَّةً عَلى صِدْقِ تِلْكَ الدَّعْوى، ثُمَّ قالَ أصْحابُ الأخْبارِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تابُوتًا فِيهِ صُوَرُ الأنْبِياءِ مِن أوْلادِهِ، فَتَوارَثَهُ أوْلادُ آدَمَ إلى أنْ وصَلَ إلى يَعْقُوبَ، ثُمَّ بَقِيَ في أيْدِي بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانُوا إذا اخْتَلَفُوا في شَيْءٍ تَكَلَّمَ وحَكَمَ بَيْنَهم وإذا حَضَرُوا القِتالَ قَدَّمُوهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلى عَدُوِّهِمْ، وكانَتِ المَلائِكَةُ تَحْمِلُهُ فَوْقَ العَسْكَرِ وهم يُقاتِلُونَ العَدُوَّ فَإذا سَمِعُوا مِنَ التّابُوتِ صَيْحَةً اسْتَيْقَنُوا بِالنُّصْرَةِ، فَلَمّا عَصَوْا وفَسَدُوا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَمالِقَةَ فَغَلَبُوهم عَلى التّابُوتِ وسَلَبُوهُ، فَلَمّا سَألُوا نَبِيَّهُمُ البَيِّنَةَ عَلى مُلْكِ طالُوتَ، قالَ ذَلِكَ النَّبِيُّ: إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنَّكم تَجِدُونَ التّابُوتَ في دارِهِ، ثُمَّ إنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ سَلَبُوا ذَلِكَ التّابُوتَ كانُوا قَدْ جَعَلُوهُ في مَوْضِعِ البَوْلِ والغائِطِ، فَدَعا النَّبِيُّ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلى أُولَئِكَ الكُفّارِ البَلاءَ حَتّى إنَّ كُلَّ مَن بالَ عِنْدَهُ أوْ تَغَوَّطَ ابْتَلاهُ اللَّهُ تَعالى بِالبَواسِيرِ، فَعَلِمَ الكُفّارُ أنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ اسْتِخْفافِهِمْ بِالتّابُوتِ، فَأخْرَجُوهُ ووَضَعُوهُ عَلى ثَوْرَيْنِ فَأقْبَلَ الثَّوْرانِ يَسِيرانِ ووَكَّلَ اللَّهُ تَعالى بِهِما أرْبَعَةً مِنَ المَلائِكَةِ …

Al-Baqara 2:248Listen in Qur'an →
249

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍۢ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّىٓ إِلَّا مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةًۢ بِيَدِهِۦ ۚ فَشَرِبُوا۟ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ قَالُوا۟ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍۢ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةًۭ كَثِيرَةًۢ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ

And when Saul went forth with the soldiers, he said, "Indeed, Allah will be testing you with a river. So whoever drinks from it is not of me, and whoever does not taste it is indeed of me, excepting one who takes [from it] in the hollow of his hand." But they drank from it, except a [very] few of them. Then when he had crossed it along with those who believed with him, they said, "There is no power for us today against Goliath and his soldiers." But those who were certain that they would meet Allah said, "How many a small company has overcome a large company by permission of Allah. And Allah is with the patient."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ.

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ وجْهَ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها يَظْهَرُ بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ باقِي الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ أنَّهُ لَمّا أتاهم بِآيَةِ التّابُوتِ أذْعَنُوا لَهُ، وأجابُوا إلى المَسِيرِ تَحْتَ رايَتِهِ. فَلَمّا فَصَلَ بِهِمْ أيْ: فارَقَ بِهِمْ حَدَّ بَلَدِهِ وانْقَطَعَ عَنْهُ، ومَعْنى الفَصْلِ القَطْعُ، يُقالُ: قَوْلٌ فَصْلٌ، إذا كانَ يَقْطَعُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وفَصَلْتُ اللَّحْمَ عَنِ العَظْمِ فَصْلًا وفاصَلَ الرَّجُلِ شَرِيكَهُ وامْرَأتَهُ فِصالًا، ويُقالُ لِلْفِطامِ فِصالٌ، لِأنَّهُ يَقْطَعُ عَنِ الرَّضاعِ، وفَصَلَ عَنِ المَكانِ قَطَعَهُ بِالمُجاوَزَةِ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: فَصَلَ عَنْ مَوْضِعِ كَذا أصْلُهُ فَصَلَ نَفْسَهُ، ثُمَّ لِأجْلِ الكَثْرَةِ في الِاسْتِعْمالِ حَذَفُوا المَفْعُولَ حَتّى صارَ في حُكْمِ غَيْرِ المُتَعَدِّي كَما يُقالُ: انْفَصَلَ، والجُنُودُ جَمْعُ جُنْدٍ وكُلُّ صِنْفٍ مِنَ الخَلْقِ جُنْدٌ عَلى حِدَةٍ، يُقالُ لِلْجَرادِ الكَثِيرَةِ: إنَّها جُنُودُ اللَّهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ» “ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّ طالُوتَ قالَ لِقَوْمِهِ: لا يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ مَعِي رَجُلٌ يَبْنِي بِناءً لَمْ يَفْرُغْ مِنهُ، ولا تاجِرٌ مُشْتَغِلٌ بِالتِّجارَةِ، ولا مُتَزَوِّجٌ بِامْرَأةٍ لَمْ يَبْنِ عَلَيْها، ولا أبْغِي إلّا الشّابَّ النَّشِيطَ الفارِغَ فاجْتَمَعَ إلَيْهِ مِمَّنِ اخْتارَ ثَمانُونَ ألْفًا.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا القائِلَ مَن كانَ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّهُ هو طالُوتُ وهَذا هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى مَذْكُورٍ سابِقٍ، والمَذْكُورُ السّابِقُ هو طالُوتُ، ثُمَّ عَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ مِن طالُوتَ لَكِنَّهُ تَحَمَّلَهُ مِن نَبِيِّ الوَقْتِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ طالُوتُ نَبِيًّا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ فَلا بُدَّ مِن وحْيٍ أتاهُ عَنْ رَبِّهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ مَعَ المُلْكِ كانَ نَبِيًّا.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو النَّبِيُّ المَذْكُورُ في أوَّلِ الآيَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ قالَ لَهم نَبِيُّهم: ﴿إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ ونَبِيُّ ذَلِكَ الوَقْتِ هو أشْمُوِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في حِكْمَةِ هَذا الِابْتِلاءِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ القاضِي: كانَ مَشْهُورًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم يُخالِفُونَ الأنْبِياءَ والمُلُوكَ مَعَ ظُهُورِ الآياتِ الباهِرَةِ فَأرادَ اللَّهُ تَعالى إظْهارَ عَلامَةٍ قَبْلَ لِقاءِ العَدُوِّ يَتَمَيَّزُ بِها مَن يَصْبِرُ عَلى الحَرْبِ مِمَّنْ لا يَصْبِرُ؛ لِأنَّ الرُّجُوعَ قَبْلَ لِقاءِ العَدُوِّ لا يُؤَثِّرُ كَتَأْثِيرِهِ حالَ لِقاءِ العَدُوِّ، فَلَمّا كانَ هَذا هو الصَّلاحَ قَبْلَ مُقاتَلَةِ العَدُوِّ لا جَرَمَ قالَ: فَإنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ابْتَلاهم لِيَتَعَوَّدُوا الصَّبْرَ عَلى الشَّدائِدِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في النَّهَرِ أقْوالٌ:

أحَدُها: وهو قَوْلُ قَتادَةَ والرَّبِيعِ، أنَّهُ نَهَرٌ بَيْنَ الأُرْدُنِ وفِلَسْطِينَ.

صفحة ١٥٣

والثّانِي: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ …

Al-Baqara 2:249Listen in Qur'an →
250

وَلَمَّا بَرَزُوا۟ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًۭا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

And when they went forth to [face] Goliath and his soldiers, they said, "Our Lord, pour upon us patience and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المُبارَزَةُ في الحُرُوبِ، هي أنْ يَبْرُزَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم لِصاحِبِهِ وقْتَ القِتالِ، والأصْلُ فِيها أنَّ الأرْضَ الفَضاءَ الَّتِي لا حِجابَ فِيها يُقالُ لَها البَرازُ، فَكانَ البُرُوزُ عِبارَةً عَنْ حُصُولِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في الأرْضِ المُسَمّاةِ بِالبَرازِ، وهو أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِحَيْثُ يَرى صاحِبَهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّ العُلَماءَ والأقْوِياءَ مِن عَسْكَرِ طالُوتَ لَمّا قَرَّرُوا مَعَ العَوامِّ والضُّعَفاءِ أنَّهُ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ، وأوْضَحُوا أنَّ الفَتْحَ والنُّصْرَةَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ، لا جَرَمَ لَمّا بَرَزَ عَسْكَرُ طالُوتَ إلى عَسْكَرِ جالُوتَ ورَأوُا القِلَّةَ في جانِبِهِمْ، والكَثْرَةَ في جانِبِ عَدُوِّهِمْ، لا جَرَمَ اشْتَغَلُوا بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، فَقالُوا: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ ونَظِيرُهُ ما حَكى اللَّهُ عَنْ قَوْمٍ آخَرِينَ أنَّهم قالُوا حِينَ الِالتِقاءِ مَعَ المُشْرِكِينَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧] وهَكَذا كانَ

صفحة ١٥٨

يَفْعَلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في كُلِّ المَواطِنِ، ورُوِيَ عَنْهُ في قِصَّةِ بَدْرٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي ويَسْتَنْجِزُ مِنَ اللَّهِ وعْدَهُ، وكانَ مَتى لَقِيَ عَدُوًّا قالَ: ”«اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن شُرُورِهِمْ وأجْعَلُكَ في نُحُورِهِمْ» “ وكانَ يَقُولُ: ”«اللَّهُمَّ بِكَ أصُولُ وبِكَ أجُولُ» “ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الإفْراغُ: الصَّبُّ، يُقالُ: أفْرَغْتُ الإناءَ إذا صَبَبْتَ ما فِيهِ، وأصْلُهُ مِنَ الفَراغِ، يُقالُ: فُلانٌ فارِغٌ؛ مَعْناهُ أنَّهُ خالٍ مِمّا يَشْغَلُهُ، والإفْراغُ: إخْلاءُ الإناءِ مِمّا فِيهِ، وإنَّما يَخْلُو بِصَبِّ كُلِّ ما فِيهِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في طَلَبِ الصَّبْرِ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ إذا صَبَّ الشَّيْءَ في الشَّيْءِ فَقَدْ أثْبَتَ فِيهِ بِحَيْثُ لا يَزُولُ عَنْهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى التَّأْكِيدِ.

والثّانِي: أنَّ إفْراغَ الإناءِ هو إخْلاؤُهُ، وذَلِكَ يَكُونُ بِصَبِّ كُلِّ ما فِيهِ، فَمَعْنى: أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا: أيِ اصْبُبْ عَلَيْنا أتَمَّ صَبٍّ وأبْلَغَهُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ الأُمُورَ المَطْلُوبَةَ عِنْدَ المُحارَبَةِ مَجْمُوعُ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ:

فَأوَّلُها: أنْ يَكُونَ الإنْسانُ صَبُورًا عَلى مُشاهَدَةِ المَخاوِفِ والأُمُورِ الهائِلَةِ، وهَذا هو الرُّكْنُ الأعْلى لِلْمُحارِبِ، فَإنَّهُ إذا كانَ جَبانًا لا يَحْصُلُ مِنهُ مَقْصُودٌ أصْلًا.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ قَدْ وجَدَ مِنَ الآلاتِ والأدَواتِ والِاتِّفاقاتِ الحَسَنَةِ مِمّا يُمَكِّنُهُ أنْ يَقِفَ ويَثْبُتَ ولا يَصِيرَ مُلْجَأً إلى الفِرارِ.

وثالِثُها: أنْ تَزْدادَ قُوَّتُهُ عَلى قُوَّةِ عَدُوِّهِ حَتّى يُمْكِنَهُ أنْ يَقْهَرَ العَدُوَّ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَرْتَبَةُ الأُولى هي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ .

والثّانِيَةُ: هي المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ .

والثّالِثَةُ: هي المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وانْصُرْنا عَلى …

Al-Baqara 2:250Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.