Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib

Ayahs 221–230 of 286

221

وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌۭ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكَةٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا۟ ۚ وَلَعَبْدٌۭ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِۦ ۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

And do not marry polytheistic women until they believe. And a believing slave woman is better than a polytheist, even though she might please you. And do not marry polytheistic men [to your women] until they believe. And a believing slave is better than a polytheist, even though he might please you. Those invite [you] to the Fire, but Allah invites to Paradise and to forgiveness, by His permission. And He makes clear His verses to the people that perhaps they may remember.

قوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾.

قال ابن عباس: "عَمَّ تحريمُ كل مشركة ثم استثنى منهن أهل الكتاب بقوله: ﴿وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥].

وقال عكرمة والحسن: "نسخ من ذلك نساء أهل الكتاب".

وكذلك قال مالك: "هي منسوخة"، وهو قول سفيان.

وقال ابن جبير: "الآية عامة محكمة مخصومة في مشركات العرب، لم يعن بها غيرهن".

وقد قيل: هي ناسخة للتي في النساء والمائدة روي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وعن عمر رضي الله عنه. والإجماع على خلاف ذلك، وطرق الأسانيد عنهم فيها ضعف.

وروي أن عمر فرق بين طلحة بن عبيد الله ويهودية، وبين حذيفة بن اليمان ونصرانية، وأراد أن يبطش بهما على نكاحهما.

وقال ابن عمر: "حرم الله المشركات في كتابه على المؤمنين، ولا أعرف شيئاً من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة: ربها عيسى". وقد سمى الله اليهود والنصارى مشركين في كتابه في "براءة" وغيرها؛ قال: ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. فهذا هو الشرك بعينه.

وأكثر الصحابة والفقهاء على جواز نكاح الكتابيات وهو نص القرآن، ولم يختلف الفقهاء في منع نكاح المسلم إماء أهل الكتاب إلا أبا حنيفة فإنه أجازه.

وأصل النكاح في اللغة الوطء. تقول العرب: "أَنْكَحْتُ الأَرْضَ الْبُرَّ" إذا بذرته فيها، ومن هاهنا ثبت أن قوله: ﴿حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] يراد به الوطء دون العقد، وبذلك أتت السنة، وقد كثر حتى استعمل اسماً للعقد إذ هو سبب الوطء.

وجاز أن تقول: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ﴾، والمشرك لا خير فيه، كما تقول العرب: "الآباء أحق بالميراث من الخال"، ولا حق للخال في الميراث.

وحكى نفطويه في كتاب "التوبة" له أن العرب تأتي بأفعل على ضربين: أحدهما تفضيل أحدهما على الآخر وفي الآخر فضل. والثاني أن يكون إيجاباً للأول ونفياً عن الثاني كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾ [الفرقان: ٢٤] فهو نفي عن أن يكون في النار خير.

وقيل: المعنى: وَلإِنْكَاحُ عبد مؤمن خير من إنكاح حر مشرك.

وهذه الآية نزلت في رجل نكح أمة فعذل عن ذلك وكان الذين [عذلوه يريدون] تزويج نساء أهل الشرك لحسبهن ومالهن وجمالهن، فأخبر الله تعالى أن "أمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم"، أي ولو أعجبكم حسنها وحسبها.

ثم أخبرنا بمنع نكاح المشرك المسلمة من أهل الكتاب كان أو من غيرهم، فأعلمنا أن عبداً مؤمناً خير من مشرك.

وبهذا يحتج من جعل الأول عاماً في الكتابية وغيرها.

* *

ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ﴾. أي يعملون بأعمالهم. ﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾.

أي بإعلامه الطريق [التي بها يتوصل] إلى الجنة والمغفرة كل من عنده.

وروي أن هذه الآية نزلت في كناز بن الحصين [الغنوي أبي] مرثد بعثه رسول الله [ﷺ] إلى مكة سراً ليخرج رجلاً من أصحابه أسر، وكان له بمكة امرأة يحبها في الجاهلية، يقال لها: عناق. فقال لها: إن الإسلام قد حرم ما كان في الجاهلية. فقالت له: تزوجني. فقال: لا، حتى آتي رسول الله فسأله. فلما قدم بالأسير إلى رسول الله ﷺ سأله هل يحل له تزويج تلك المرأة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ﴾ الآية، فهي في غير أهل الكتاب مخصوصة على هذا التأويل.

* *

قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ﴾.

كان أصحاب النبي [عليه السلام] في بدء الإسلام لا يساكنون النساء في المحيض ولا يواكلونهن، فسألوا النبي [عليه السلام] عن ذلك، فعرفهم الله تعالى في الآية أن [الذي يجتنب] من الحائض هو جماعها حتى تطهر، وأن ما سواء ذلك حلال.

* *

ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾.

أي: في الفرج خاصة. فهذا يدل …

Al-Baqara 2:221Listen in Qur'an →
222

وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًۭى فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ

And they ask you about menstruation. Say, "It is harm, so keep away from wives during menstruation. And do not approach them until they are pure. And when they have purified themselves, then come to them from where Allah has ordained for you. Indeed, Allah loves those who are constantly repentant and loves those who purify themselves."

قوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾.

قال ابن عباس: "عَمَّ تحريمُ كل مشركة ثم استثنى منهن أهل الكتاب بقوله: ﴿وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥].

وقال عكرمة والحسن: "نسخ من ذلك نساء أهل الكتاب".

وكذلك قال مالك: "هي منسوخة"، وهو قول سفيان.

وقال ابن جبير: "الآية عامة محكمة مخصومة في مشركات العرب، لم يعن بها غيرهن".

وقد قيل: هي ناسخة للتي في النساء والمائدة روي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وعن عمر رضي الله عنه. والإجماع على خلاف ذلك، وطرق الأسانيد عنهم فيها ضعف.

وروي أن عمر فرق بين طلحة بن عبيد الله ويهودية، وبين حذيفة بن اليمان ونصرانية، وأراد أن يبطش بهما على نكاحهما.

وقال ابن عمر: "حرم الله المشركات في كتابه على المؤمنين، ولا أعرف شيئاً من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة: ربها عيسى". وقد سمى الله اليهود والنصارى مشركين في كتابه في "براءة" وغيرها؛ قال: ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. فهذا هو الشرك بعينه.

وأكثر الصحابة والفقهاء على جواز نكاح الكتابيات وهو نص القرآن، ولم يختلف الفقهاء في منع نكاح المسلم إماء أهل الكتاب إلا أبا حنيفة فإنه أجازه.

وأصل النكاح في اللغة الوطء. تقول العرب: "أَنْكَحْتُ الأَرْضَ الْبُرَّ" إذا بذرته فيها، ومن هاهنا ثبت أن قوله: ﴿حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] يراد به الوطء دون العقد، وبذلك أتت السنة، وقد كثر حتى استعمل اسماً للعقد إذ هو سبب الوطء.

وجاز أن تقول: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ﴾، والمشرك لا خير فيه، كما تقول العرب: "الآباء أحق بالميراث من الخال"، ولا حق للخال في الميراث.

وحكى نفطويه في كتاب "التوبة" له أن العرب تأتي بأفعل على ضربين: أحدهما تفضيل أحدهما على الآخر وفي الآخر فضل. والثاني أن يكون إيجاباً للأول ونفياً عن الثاني كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾ [الفرقان: ٢٤] فهو نفي عن أن يكون في النار خير.

وقيل: المعنى: وَلإِنْكَاحُ عبد مؤمن خير من إنكاح حر مشرك.

وهذه الآية نزلت في رجل نكح أمة فعذل عن ذلك وكان الذين [عذلوه يريدون] تزويج نساء أهل الشرك لحسبهن ومالهن وجمالهن، فأخبر الله تعالى أن "أمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم"، أي ولو أعجبكم حسنها وحسبها.

ثم أخبرنا بمنع نكاح المشرك المسلمة من أهل الكتاب كان أو من غيرهم، فأعلمنا أن عبداً مؤمناً خير من مشرك.

وبهذا يحتج من جعل الأول عاماً في الكتابية وغيرها.

* *

ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ﴾. أي يعملون بأعمالهم. ﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾.

أي بإعلامه الطريق [التي بها يتوصل] إلى الجنة والمغفرة كل من عنده.

وروي أن هذه الآية نزلت في كناز بن الحصين [الغنوي أبي] مرثد بعثه رسول الله [ﷺ] إلى مكة سراً ليخرج رجلاً من أصحابه أسر، وكان له بمكة امرأة يحبها في الجاهلية، يقال لها: عناق. فقال لها: إن الإسلام قد حرم ما كان في الجاهلية. فقالت له: تزوجني. فقال: لا، حتى آتي رسول الله فسأله. فلما قدم بالأسير إلى رسول الله ﷺ سأله هل يحل له تزويج تلك المرأة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ﴾ الآية، فهي في غير أهل الكتاب مخصوصة على هذا التأويل.

* *

قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ﴾.

كان أصحاب النبي [عليه السلام] في بدء الإسلام لا يساكنون النساء في المحيض ولا يواكلونهن، فسألوا النبي [عليه السلام] عن ذلك، فعرفهم الله تعالى في الآية أن [الذي يجتنب] من الحائض هو جماعها حتى تطهر، وأن ما سواء ذلك حلال.

* *

ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾.

أي: في الفرج خاصة. فهذا يدل …

Al-Baqara 2:222Listen in Qur'an →
223

نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌۭ لَّكُمْ فَأْتُوا۟ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ

Your wives are a place of sowing of seed for you, so come to your place of cultivation however you wish and put forth [righteousness] for yourselves. And fear Allah and know that you will meet Him. And give good tidings to the believers.

قوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾.

قال ابن عباس: "عَمَّ تحريمُ كل مشركة ثم استثنى منهن أهل الكتاب بقوله: ﴿وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥].

وقال عكرمة والحسن: "نسخ من ذلك نساء أهل الكتاب".

وكذلك قال مالك: "هي منسوخة"، وهو قول سفيان.

وقال ابن جبير: "الآية عامة محكمة مخصومة في مشركات العرب، لم يعن بها غيرهن".

وقد قيل: هي ناسخة للتي في النساء والمائدة روي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وعن عمر رضي الله عنه. والإجماع على خلاف ذلك، وطرق الأسانيد عنهم فيها ضعف.

وروي أن عمر فرق بين طلحة بن عبيد الله ويهودية، وبين حذيفة بن اليمان ونصرانية، وأراد أن يبطش بهما على نكاحهما.

وقال ابن عمر: "حرم الله المشركات في كتابه على المؤمنين، ولا أعرف شيئاً من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة: ربها عيسى". وقد سمى الله اليهود والنصارى مشركين في كتابه في "براءة" وغيرها؛ قال: ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. فهذا هو الشرك بعينه.

وأكثر الصحابة والفقهاء على جواز نكاح الكتابيات وهو نص القرآن، ولم يختلف الفقهاء في منع نكاح المسلم إماء أهل الكتاب إلا أبا حنيفة فإنه أجازه.

وأصل النكاح في اللغة الوطء. تقول العرب: "أَنْكَحْتُ الأَرْضَ الْبُرَّ" إذا بذرته فيها، ومن هاهنا ثبت أن قوله: ﴿حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] يراد به الوطء دون العقد، وبذلك أتت السنة، وقد كثر حتى استعمل اسماً للعقد إذ هو سبب الوطء.

وجاز أن تقول: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ﴾، والمشرك لا خير فيه، كما تقول العرب: "الآباء أحق بالميراث من الخال"، ولا حق للخال في الميراث.

وحكى نفطويه في كتاب "التوبة" له أن العرب تأتي بأفعل على ضربين: أحدهما تفضيل أحدهما على الآخر وفي الآخر فضل. والثاني أن يكون إيجاباً للأول ونفياً عن الثاني كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾ [الفرقان: ٢٤] فهو نفي عن أن يكون في النار خير.

وقيل: المعنى: وَلإِنْكَاحُ عبد مؤمن خير من إنكاح حر مشرك.

وهذه الآية نزلت في رجل نكح أمة فعذل عن ذلك وكان الذين [عذلوه يريدون] تزويج نساء أهل الشرك لحسبهن ومالهن وجمالهن، فأخبر الله تعالى أن "أمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم"، أي ولو أعجبكم حسنها وحسبها.

ثم أخبرنا بمنع نكاح المشرك المسلمة من أهل الكتاب كان أو من غيرهم، فأعلمنا أن عبداً مؤمناً خير من مشرك.

وبهذا يحتج من جعل الأول عاماً في الكتابية وغيرها.

* *

ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ﴾. أي يعملون بأعمالهم. ﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾.

أي بإعلامه الطريق [التي بها يتوصل] إلى الجنة والمغفرة كل من عنده.

وروي أن هذه الآية نزلت في كناز بن الحصين [الغنوي أبي] مرثد بعثه رسول الله [ﷺ] إلى مكة سراً ليخرج رجلاً من أصحابه أسر، وكان له بمكة امرأة يحبها في الجاهلية، يقال لها: عناق. فقال لها: إن الإسلام قد حرم ما كان في الجاهلية. فقالت له: تزوجني. فقال: لا، حتى آتي رسول الله فسأله. فلما قدم بالأسير إلى رسول الله ﷺ سأله هل يحل له تزويج تلك المرأة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ﴾ الآية، فهي في غير أهل الكتاب مخصوصة على هذا التأويل.

* *

قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ﴾.

كان أصحاب النبي [عليه السلام] في بدء الإسلام لا يساكنون النساء في المحيض ولا يواكلونهن، فسألوا النبي [عليه السلام] عن ذلك، فعرفهم الله تعالى في الآية أن [الذي يجتنب] من الحائض هو جماعها حتى تطهر، وأن ما سواء ذلك حلال.

* *

ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾.

أي: في الفرج خاصة. فهذا يدل …

Al-Baqara 2:223Listen in Qur'an →
224

وَلَا تَجْعَلُوا۟ ٱللَّهَ عُرْضَةًۭ لِّأَيْمَٰنِكُمْ أَن تَبَرُّوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَتُصْلِحُوا۟ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And do not make [your oath by] Allah an excuse against being righteous and fearing Allah and making peace among people. And Allah is Hearing and Knowing.

قوله: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾.

معناه: أن يقول الرجل إذا سئل في خير أو صلاح: عَليَّ يمين أن لا أفعل. فيجعل اليمين علة لترك فعل الخير. فأمرهم الله بأن يبروا أيمانهم ويتقوه في فعل الخير ويصلحوا بين الناس، قاله طاوس وغيره.

وقال ابن عباس: "هو الرجل يحلف ألا يكلم قرابته، ولا يتصدق عليهم، أو يكون بينه وبين رجل مغاضبة فيحلف ألا يصلح بينه وبين خصمه، فأمر أن يُكفِّر ويفعل ما حلف عليه".

وقال الضحاك: "هو الرجل يُحَرِّمُ ما أحل الله له على نفسه ويحلف، فأمره الله أن يُكفِّر ويأتي الحلال".

وقال السدي: "﴿عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾: هو أن يعرض بينك وبين الرجل أمر فتحلف ألا تكلمه ولا تصله".

وقال مالك: "بلغني أنه يحلف بالله في كل شيء.

قال ابن عباس: "معناه لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن لا تصنعوا الخير، ولكن كفِّروا أيمانكم واصنعوا الخير".

* *

وقوله: ﴿أَن تَبَرُّواْ﴾ هو الرجل يحلف ألا يبر رحمه.

* *

ثم قال: ﴿وَتُصْلِحُواْ﴾ هو الرجل يحلف ألا يصلح بين اثنين إذا عصياه، غضباً عليهما في مخالفته، فأمر أن يكفر ويأتي ما حلف عليه.

وجامع القول في هذا ما روي عن ابن عباس أنه قال: "هو الرجل يحلف على شيء من الخير والبر ألا يفعله، فأمر أن يفعل ويكفّر".

وقالت عائشة رضي الله عنها: "لا تحلفوا بالله وإن بررتم".

وقال ابن جريج: "نزلت الآية في أمر أبي بكر حيث حلف ألا يتصدق على مسطح ولا يعطيه شيئاً".

والعرضة في كلام العرب القوة والشدة؛ يقال: "هذا الأمر عرضة لك" أي قوة لك على أسبابك. فمعناه على هذا: لا تجعلوا يمينكم قوة لكم في ترك فعل الخير.

وقال السدي: "نزلت هذه الآية قبل نزول الكفارات".

وقال غيره: "نزلت بعد نزولها".

Al-Baqara 2:224Listen in Qur'an →
225

لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَٰنِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ

Allah does not impose blame upon you for what is unintentional in your oaths, but He imposes blame upon you for what your hearts have earned. And Allah is Forgiving and Forbearing.

قوله: ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ﴾.

قال ابن عباس: "هو ما سبق به اللسان على عجلة كقولك: "لا والله، بلى والله". وكذلك قالت عائشة رضي الله عنها.

وقال مجاهد: "هما الرجلان يتبايعان فيقول أحدهما: والله لا أبيعك بكذا. ويقول الآخر: والله لا أشتريه بكذا وكذا، فهو اللغو".

وقال أبو هريرة: "لغو اليمين أن يحلف الرجل على الشيء يظن أنه هو بيقين منه، ثم يظهر له خلاف ظنه". وهذا القول أحسن الأقوال في لغو اليمين المعفو عنها. وروي مثله عن ابن عباس.

وروي عنه أيضاً أنه قال: "هو الرجل يحلف على الشيء فيرى الذي هو خير منه فأمره الله أن يكفر عن يمينه ويفعله ، وأعلمه أنه لا يؤاخذه على ذلك". فهذه ثلاثة أقوال عن ابن عباس.

وقال عطاء بن يسار: "هو الخطأ في اليمين".

وقال الحسن وغيره: "هو الرجل يحلف على الشيء، وهو يظن أنه صادق، ثم يظهر له خلاف ذلك، فلا كفارة عليه ولا إثم"، وهو قول أبي هريرة المختار.

وقال طاوس: "هو الرجل يحلف في الغضب، فلا كفارة عليه ولا إثم"، وذكر قول النبي [عليه السلام]: "لاَ يَمِينَ فِي غَضَبٍ

وقال ابن جبير: "هو الرجل يحلف أن يفعل ما نهى الله عنه أو يترك ما أمر الله به، فيمينه لغو، ولا كفارة عليه".

وقد قال ابن المسيب وابن الزبير: "لا كفارة في معصية". وكذلك قال ابن عباس.

وقال الشعبي: "كفارة من حلف على المعصية أن يتوب منها".

وقال: [زيد بن] أسلم: "هو الرجل يقول: أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا وكذا، وأخرجني الله من مالي إن لم أصنع كذا، وشبهه مما يدعو به على نفسه. فهو لغو ولا كفارة فيه".

وقال ابن زيد: "هو قول الرجل: "أنا كافر إن فعلت كذا، وجعلت مع الله إلاهاً إن صنعت كذا، وشبهه، فلا كفارة فيه".

وقال الضحاك: "اللغو من الأيمان، هي اليمين المكفرة يحلف ألا يفعل فيكفر ويفعل، ولا يؤاخذه الله بذلك، ولكن يؤاخذه بما يحلف عليه وقلبه يتيقن أن يمينه كذبة. فتلك اليمين لا كفارة فيها، وهي اليمين الغموس، وهي أعظم من أن تكفر".

وقيل: لغو اليمين الحنث، لا يؤاخذ الله من حنث في يمينه وكفر، لأن التكفير يسقط الإثم".

وقال إبراهيم: "هو الرجل يحلف ألا يفعل الشيء، ثم ينسى فيفعله، فيمينه لغو".

واللغو في كلام العرب ما لا يحتاج إليه.

قال نفطويه: "اللغو في نفس اللغة الشيء المطرح يقال: ألغيت هذا، أي طرحته". واللغة في الأيمان ما لم تكن النية معتقدة له، إنما جرى في عرض الكلام. وهو معنى قول ابن عباس وعائشة.

والسهو داخل في هذه الآية بغير نية، ويدخل فيه أيضاً ما ليس بيمين نحو قول الرجل: "لا وحياتك" وشبهه، وهذا يرجع إلى قول أبي هريرة وقول الحسن المتقدمي الذكر.

وكان ابن عباس لا يرى الكفارة إلا في الأيمان التي تكون لغواً. فأما ما كسبت القلوب، وعقدت اليمين فيه وهي تعلم أنها كاذبة، فلا كفارة فيه، والله يؤاخذ على ذلك بما شاء إن شاء.

وتقدير الآية التي في المائدة على هذا القول: "لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم فكفارته إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان". أي حلفتم وأنتم تعلمون أنكم كاذبون.

[كذلك التقدير] عند ابن عباس وابن جبير والضحاك وغيرهم.

وقال قتادة: "المؤاخذة هنا في الأيمان الفاجرة إنما هي إلزام الرجل الكفارة على يمينه؛ فمن حلف وهو يعلم أنه كاذب وجبت عليه الكفارة، وهي المؤاخذة التي ذكر الله. ومن حلف وهو يظن أنه صادق، فهو لغو يمين ولا كفارة فيه، ولا إثم".

وروي عن الربيع مثله. وهو قول عطاء والحكم.

وقال السدي مثل ذلك إلا أنه قال: "يؤاخذه في الدنيا بالكفارة على يمينه الفاجرة ويؤاخذه في الآخرة إن شاء الله عليها إذ حلف وهو يعلم أنه كاذب".

والأيمان عند أكثر الفقهاء ثلاثة:

- اللغو؛ وهو قوله: "لا والله وبلى والله فلا شيء فيها".

- والثانية: العمد"؛ وهو أن …

Al-Baqara 2:225Listen in Qur'an →
226

لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍۢ ۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

For those who swear not to have sexual relations with their wives is a waiting time of four months, but if they return [to normal relations] - then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

وقوله: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ الآية.

الإيلاء عند ابن عباس هو: أن يحلف الرجل في الغضب ألا يجامع امرأته. وكذلك روي عن علي رضي الله عنه، وهو قول النخعي وقتادة والحسن. فإن حلف في غير غضب، فليس بمولي لأنه إصلاح.

وقد قال مالك رضي الله عنه: "من حلف ألا يطأ امرأته حتى تفطم ولدها فليس بمولي".

وقال ابن مسعود: "يكون مولياً إذا حلف في الرضا والغضب ألا يطأ".

وبه قال الثوري وأهل العراق والشافعي وابن حنبل، وهو قول مالك. كما أن سائر الأيمان من طلاق وغيره سواء في الرضا والغضب.

وروي عن ابن عباس أنه قال: "لا يكون مولياً حتى يحلف ألا يطأها أبداً".

وقال مالك رضي الله عنه والشافعي: "إذا حلف ألا يطأ أكثر من أربعة أشهر، وتمت الأربعة أخذ بالوطء أو الطلاق؛ يطلق طلقة بائنة تملك بها نفسها، وله مراجعتها إن شاء بعقد مجدد وصداق".

وقد قال جماعة: "إن الطلاق يقع بمضي الأربعة أشهر ولا يوقف بعدها"، وهو قول ابن مسعود وابن عباس وجماعة معهما.

وإيجاب توقيفه بعد الأربعة الأشهر هو قول عمر وعثمان وعلي وابن عمر وعائشة وأبي الدرداء وغيرهم من الصحابة، وعليه أكثر الفقهاء: مالك والشافعي وغيرهما.

والإجماع على أن الطلاق بكلام يسمع يدل على تمام الأربعة أشهر لا يكون طلاقاً حتى يتكلم به، وهو قول ابن عمر وأبي الدرداء.

وكل يمين عند مالك لا يقدر صاحبها عند الوطء من أجلها فهو مول بها ولو حلف لغريمه ألا يطأ امرأته حتى يوفيه حقه فهو مول عند مالك. فكل يمين منعت من الوطء فصاحبها مول عند مالك والشافعي والشعبي والنخعي وسفيان وأصحاب الرأي ، وأبي ثور وأبي عبيد، وهو مروي عن ابن عباس.

إلا أن مذهب مالك أنه إذا حلف ألا يطأ فتمضي أربعة أشهر من يوم حلف، يوقف، فإما فاء، و [إما طلق]، سواء رفع إلى السلطان بعد الأربعة أشهر وقبلها، إنما يحسب من يوم حلف، وإذا حلف على أمر يفعله بالطلاق منع من الوطء حتى يفعل ودخل عليه الإيلاء، لكن لا يوقف إلا بمضي الأربعة الأشهر من يوم يرفع إلى السلطان، ولا يحسب له من يوم حلف.

ومن قال لامرأته: "[إن قربتك فأنت] علي كظهر أمي"، فهو مول عند مالك. فإذا انقضت أربعة أشهر، فإما أن يطلق وإما أن يكفر ويطأ.

* *

وقوله: ﴿يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾.

قيل معناه: على وطء نسائهم، "فمن" بمعنى "على" وفيه حذف مضاف معناه: "على وطء نسائهم"، ثم حذف الوطء كما قال: ﴿مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] أي "على ألسنة رسلك"، ثم حذف الألسنة.

* *

وقوله: ﴿فَإِنْ فَآءُو﴾.

أي رجعوا إلى الوطء، وكفّروا عن أيمانهم، فإن الله غفور لهم على يمينهم، رحيم بهم أن يعاقبهم بعد كفارتهم.

Al-Baqara 2:226Listen in Qur'an →
227

وَإِنْ عَزَمُوا۟ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And if they decide on divorce - then indeed, Allah is Hearing and Knowing.

قوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ﴾.

أي إن لم يكفروا ولا فاءوا إلى الوطء؛ أي رجعوا إليه وأرادوا الطلاق، فإن الله سميع لقولهم، عليم باعتقادهم وعزيمتهم.

Al-Baqara 2:227Listen in Qur'an →
228

وَٱلْمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٍۢ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِىٓ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوٓا۟ إِصْلَٰحًۭا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

Divorced women remain in waiting for three periods, and it is not lawful for them to conceal what Allah has created in their wombs if they believe in Allah and the Last Day. And their husbands have more right to take them back in this [period] if they want reconciliation. And due to the wives is similar to what is expected of them, according to what is reasonable. But the men have a degree over them [in responsibility and authority]. And Allah is Exalted in Might and Wise.

قوله: ﴿وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ﴾.

ومعناه: المطلقات المدخول بهن ذوات الحيض - غير الحوامل - يتربصن عن التزويج ثلاثة أطهار، وقيل: ثلاثة حيض.

والقرء في اللغة: الوقت، فيصلح للطهر، ويصلح للحيض. والحيض عند أبي حنيفة وغيره أولى به. وهو قول أحد عشر من الصحابة وجماعة من التابعين والفقهاء.

وهو عند مالك الطهر، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين. فإذا طلقها وهي طاهر في طهر لم يمسها فيه فهو قرء تعتد به، وإن لم يبق منه إلا أقله. فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت للأزواج، وهو قول عائشة. وابن عمر وزيد بن ثابت والقاسم وسالم وسليمان بن يسار .

وبه قال الشافعي وغيره من الفقهاء. ويدل على أن المراد بالأقراء في هذه الآية الأطهار قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فلهن أن يعتدن بما يطلقن فيه وهو الطهر الذي لم تمس فيه.

والطلاق في الحيض عند أهل العلم مكروه، فدل ذلك على أن الطلاق إنما يكون في الطهر لا في الحيض: [وهو قول النبي عليه السلام]: "فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِراً مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ". فإذا طلقت في الطهر اعتدت به قرءاً.

ودخول الهاء في ثلاثة يدل على أنه الأطهار، لأن الطهر مذكر والحيض مؤنث، فلو أريد به الحيض لم تدخله الهاء.

قال ابن عباس: "استثنى الله من هذه الآية اللواتي لم يدخل بهن والحوامل".

وقال قتادة: "هو نسخ".

وقال غيرهما: "هو تبيين، لأن هذه الآية يراد بها الخصوص فبين المراد في "الأحزاب" وسورة الطلاق، فهي مبينة لا منسوخة.

* *

قوله: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ﴾.

أكثر أهل التفسير على أن الذي نهين عنه أن يكتمن هو الحيض والولد وذلك أن تقول: "إني قد حضت الثلاثة، وهي لم تحض لتذهب ما يجب لزوجها من الرجعة، أو تكتم الولد ليذهب حقه من الرجعة حتى تلد وهو لا يعلم، فلا يكون له في الرجعة بعد الولادة حق.

وقيل: هو الحمل خاصة؛ وذلك أنهن كن في الجاهلية يكتمن الولد خوفاً ألا يراجعهن أزواجهن، فيتزوجن وهن حوامل، فيلحقن الولد بالزوج الثاني، فحرم ذلك عليهن. قال ذلك قتادة وغيره.

وقال السدي: "كان الرجل في الجاهلية إذا أراد الطلاق سأل امرأته هل بها حمل خوف أن يطلقها وهي حامل، فتلحق ولده غيره، فإن كانت تكرهه كتمت حملها ليطلقها، فتلحق الولد غيره، فحرم ذلك.

وهذا القول يدفعه قوله: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ﴾ بعد ذكر الطلاق ووقوعه، فإنما ظاهر القرآن يدل على النهي أن يكتمن ذلك في العدة ليذهب حق الرجل من الرجعة؛ إما أن تقول: "قد حضت"، ولم تحض، وإما أن تقول "لست بحامل"، وهي حامل، فَتَجْحَدُ حتى تضع فتذهب رجعته. وهذه الآية تدل على أن المرأة مؤتمنة على عدتها وحملها.

ومعنى: ﴿إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ﴾.

أي: يحجزهن إيمانهن عن فعل ذلك، وليس ذلك يجوز أن يفعله من لا يؤمن.

* *

قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾.

أي: أزواج المطلقات أحق بردهن في العدة إن أرادوا بالرد الإصلاح. فإن أراد المضارة، فلا يحل له ذلك.

* *

قوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾.

أي للزوجات على الأزواج من الإحسان والصحبة الجميلة مثل ما للأزواج على الزوجات.

وقيل: معناه: يتزين الرجل للمرأة كما تتزين له. روي ذلك عن ابن عباس.

* *

قوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.

أي في الميراث والجهاد والشهادة ونحو ذلك، وأن فراقهن بيد الأزواج.

وقال الشعبي: "الدرجة هو ما ساق إليها من الصداق، وأنها إذا قذفته حُدَّتْ، وإذا قذفها لم يُحد، وَلاَعَنَ.

وعن ابن عباس: "(دَرَجَةٌ): أداء حقها إليها ومؤنتها وتركه الواجب له عليها إحساناً".

وقيل: "الدرجة هو ما زين الله به الرجل من اللحية". رواه عبيد بن الصباح عن حميد.

وقال ابن إسحاق: "المرأة تنال من …

Al-Baqara 2:228Listen in Qur'an →
229

ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌۢ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌۢ بِإِحْسَٰنٍۢ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا۟ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

Divorce is twice. Then, either keep [her] in an acceptable manner or release [her] with good treatment. And it is not lawful for you to take anything of what you have given them unless both fear that they will not be able to keep [within] the limits of Allah. But if you fear that they will not keep [within] the limits of Allah, then there is no blame upon either of them concerning that by which she ransoms herself. These are the limits of Allah, so do not transgress them. And whoever transgresses the limits of Allah - it is those who are the wrongdoers.

قوله: ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: فعليكم إمساك، هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه؛ وذلك أن الرجل كان يطلق امرأته ما شاء من الطلاق، فإذا كادت تحل راجعها، فنسخ الله ذلك بأنه إذا طلق ثلاثاً، لم تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر.

وقيل: إنها منسوخة بقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وقيل: هي محكمة، وقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] تبيين لقوله: ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ﴾ .

ومن قال: إنها محكمة منهم، قال: "لا ينبغي أن يطلق إلا اثنتين، ثم إن شاء طلق الثالثة أو أمسك لقوله: ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ﴾. قاله عكرمة.

وقال الشافعي: "يطلقها في كل طهر لم يجامعها فيه ما شاء".

وقال أكثر الناس: "يطلقها في كل طهر طلقة واحدة".

* *

ومعنى ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ﴾: أي: الطلاق الذي يجوز معه الرجعة وتملك المرأة بعده مرتان، فهو تبيين للعدد.

[وقوله]: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ﴾.

هي الثالثة التي لا ملك للرجل على المرأة بعدها، روي ذلك عن النبي [عليه السلام].

وقيل: معنى ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ﴾: يتركها فلا يراجعها حتى توفي عدتها.

وعن ابن عباس: ﴿تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ﴾: "لا يظلمها من حقها شيئاً".

قال ابن عباس: "﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [النساء: ٢١] هو ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، أي صحبة حسنة، أو ﴿تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ﴾، لا يظلمها من حقها شيئاً".

* *

قوله: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾.

أي مما أعطيتموهن إذا أردتم فراقهن.

* *

قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾.

اختار أبو عبيد الضم في ﴿يَخَافَآ﴾ على قراءة حمزة، واحتج بقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾، فجعل الخوف لغيرهما، ولم يقل: "فإن خافا". وفيه حجة لمن جعل الخلع إلى السلطان".

والخوف هنا عند أبي عبيدة بمعنى اليقين. وهذا النص إنما هو في الخلع الذي يكون بين الزوجين، فيأخذ منها ما اتفقا عليه، ويتركها لقوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ﴾.

ولا يحل للزوج أن يأخذ من المرأة شيئاً على طلاقها إذا كانت المضارة من قبله، وإنما يأخذ منها على الطلاق إذا كانت هي التي كرهته، وأحبت فراقه من غير مضارة منه لها.

وهذه الآية عند بعضهم منسوخة، ولا يجوز أن يأخذ منها شيئاً نسخها قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ [النساء: ٢٠].

وأكثر الناس على أنها محكمة، وأن له أن يأخذ منها ما اتفقا عليه، وتلك الآية في النساء إنما هي لمن أراد الاستبدال، وهذه لمن خيف منهما ألا يقيما حدود الله، فهما محكمتان.

وروي أن هذه الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي [بن] سلول وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس، وكانت تبغضه ويحبها، فأتت أباها فردها ولم يشكها، فصارت إلى النبي ﷺ وقالت: "إن ثابتاً [يظلمني ويضربني]. فأحضر رسول الله ﷺ ثابتاً فقال: "والله يا رسول الله ما على وجه الأرض أحد أحب إلي منها سواك". فقال للمرأة: "مَا تَقُولِينَ؟. فقالت: "يا رسول الله، ما كنت لأخبرك بخبر ينزل عليك الوحي بإبطاله، هو كما وصف، وفرق بيني وبينه". فقال ثابت: "فترد إلي الحديقة التي جعلتها لها". فأمرها النبي ﷺ بردها، ثم طلقها، وكان ذلك أول خلع كان في الإسلام. والخلع جائز بغير سلطان، وإنما يكون الخلع والافتداء إذا كان النشوز من قبل المرأة.

قال ابن عباس: "هو أن يظهر من المرأة سوء الخلق والعشرة للرجل، فله أن يأخذ ما أعطته ويفارقها، فإن كانت راضية به، فلا يحل له أن يضارر بها حتى تفتدي منه، فإن فعل كان ما أخذ حراماً".

وإنما الخلع إذا كان الشيء المنكر من قبلها؛ فتقول: "لا أغتسل لك من جنابة، ولا أَبَرُّ لَكَ قسماً" ثم افتدت منه وخالعها، فذلك جائز حسن.

وقال …

Al-Baqara 2:229Listen in Qur'an →
230

فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُۥ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

And if he has divorced her [for the third time], then she is not lawful to him afterward until [after] she marries a husband other than him. And if the latter husband divorces her [or dies], there is no blame upon the woman and her former husband for returning to each other if they think that they can keep [within] the limits of Allah. These are the limits of Allah, which He makes clear to a people who know.

قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ الآية.

قال ابن عباس: "إن طلقها ثلاثاً لم تحل إلا بعد زوج ونكاح جديد".

وقال الضحاك: "وغيره - كل الفقهاء -: "إن طلقها واحدة بعد اثنتين لم تحل له إلا بعد زواج".

* *

قوله: ﴿حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾.

يريد الوطء بالعقد الصحيح لقوله ﷺ: "حَتَّى تَذُوقَ الْعُسَيْلَةَ". ومعنى: ﴿فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ أي من بعد الثالثة، ولذلك بنيت "بعد" للحذف والذي بعدها.

وعن ابن المسيب: "أنها إذا نكحت نكاحاً صحيحاً لا يراد به تحليل حلت [به له]، وإن لم يقع وطء". وهو شاذ.

Al-Baqara 2:230Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.