Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 221–230 of 286

221

وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌۭ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكَةٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا۟ ۚ وَلَعَبْدٌۭ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِۦ ۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

And do not marry polytheistic women until they believe. And a believing slave woman is better than a polytheist, even though she might please you. And do not marry polytheistic men [to your women] until they believe. And a believing slave is better than a polytheist, even though he might please you. Those invite [you] to the Fire, but Allah invites to Paradise and to forgiveness, by His permission. And He makes clear His verses to the people that perhaps they may remember.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٢١] ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ ولأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ولَوْ أعْجَبَتْكم ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكم أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ واللَّهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِإذْنِهِ ويُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ .

﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ أيْ: لا تَتَزَوَّجُوا الوَثَنِيّاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ تَعالى.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا تَحْرِيمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَزَوَّجُوا المُشْرِكاتِ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ، ثُمَّ إنْ كانَ عُمُومُها مُرادًا، وأنَّهُ يَدْخُلُ فِيها كُلُّ مُشْرِكَةٍ مِن كِتابِيَّةٍ ووَثَنِيَّةٍ، فَقَدْ خَصَّ مِن ذَلِكَ نِساءَ أهْلِ الكِتابِ بِقَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ [المائدة: ٥]

وقَدْ بَسَطَ العَلّامَةُ الرّازِيُّ هَهُنا الكَلامَ عَلى أنَّ لَفْظَ المُشْرِكِ هَلْ يَتَناوَلُ الكُفّارَ مِن أهْلِ الكِتابِ؟ فانْظُرْهُ.

والتَّحْقِيقُ: أنَّ المُشْرِكَ لا يَتَناوَلُ الكِتابِيَّ، لِأنَّ آياتِ القُرْآنِ صَرِيحَةٌ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما. وعُطِفَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ في مِثْلِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ٦] وسِرُّ ذَلِكَ أنَّ المُشْرِكَ هو مَن يَتَدَيَّنُ بِالشِّرْكِ. أيْ: يَكُونُ أصْلُ دِينِهِ الإشْراكَ، والكِتابِيُّ - وإنْ طَرَأ في دِينِهِ الشِّرْكُ - فَلَمْ يَكُنْ مِن أصْلِهِ وجَوْهَرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ مُواصَلَتِهِنَّ، وتَرْغِيبٌ في مُواصَلَةِ المُؤْمِناتِ؛ أيْ: ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ مَعَ ما بِها مِن خَساسَةِ الرِّقِّ وقِلَّةِ الخَطَرِ؛ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ مَعَ ما لَها مِن شَرَفِ الحُرِّيَّةِ ورِفْعَةِ الشَّأْنِ. فَإنَّ نُقْصانَ الرِّقِّيَّةِ فِيها مَجْبُورٌ بِالإيمانِ الَّذِي هو أجَلُّ كِمالاتِ الإنْسانِ: ﴿ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ أيِ: المُشْرِكَةُ بِحُسْنِها ونَسَبِها وغَيْرِهِما. فَإنَّ نُقْصانَ الكُفْرِ لا يُجْبَرُ بِها: ﴿ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ﴾ بِضَمِّ التّاءِ - مِنَ الإنْكاحِ، وهو التَّزْوِيجُ أيْ: لا تُزَوِّجُوا الكُفّارَ - بِأيِّ كُفْرٍ كانَ - مِنَ المُسْلِماتِ: ﴿حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ ويَتْرُكُوا ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ: ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ﴾ مَعَ ما بِهِ مِن ذُلِّ الرِّقِّيَّةِ: ﴿خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكُمْ﴾ بِداعِي الرَّغْبَةِ فِيهِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَإنَّ ذَهابَ الكَفاءَةِ بِالكُفْرِ غَيْرُ مَجْبُورٍ بِشَيْءٍ مِنها. وأفْهَمَ هَذا خَيْرِيَّةُ الحُرَّةِ والحُرِّ المُؤْمِنَيْنِ مِن بابِ الأوْلى، مَعَ التَّشْرِيفِ العَظِيمِ لَهُما بِتَرْكِ ذِكْرِهِما، إعْلامًا بِأنَّ خَيْرِيَّتَهُما أمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ وأنَّ المُفاضَلَةَ إنَّما هي بَيْنَ مَن كانُوا يُعِدُّونَهُ دَنِيًّا فَشَرَّفَهُ الإيمانُ، ومَن يَعُدُّونَهُ شَرِيفًا فَحَقَّرَهُ الكُفْرانُ. ولِذَلِكَ ذُكِرَ المَوْصُوفُ بِالإيمانِ في المَوْضِعَيْنِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ - وإنْ كانَ دَنِيًّا - مَوْضِعُ التَّفْضِيلِ لِعُلُوِّ وصْفِهِ. وأثْبَتَ الوَصْفُ بِالشِّرْكِ في المَوْضِعَيْنِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، لِأنَّهُ مَوْضِعُ التَّحْقِيرِ وإنْ عَلا في العُرْفِ مَوْصُوفُهُ - أفادَهُ البِقاعِيُّ.

ثُمَّ أشارَ إلى وجْهِ الحَظْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: المَذْكُورُونَ مِنَ المُشْرِكاتِ والمُشْرِكِينَ: …

Al-Baqara 2:221Listen in Qur'an →
222

وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًۭى فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ

And they ask you about menstruation. Say, "It is harm, so keep away from wives during menstruation. And do not approach them until they are pure. And when they have purified themselves, then come to them from where Allah has ordained for you. Indeed, Allah loves those who are constantly repentant and loves those who purify themselves."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٢٢] ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ .

﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ وهو الدَّمُ الخارِجُ مِنَ الرَّحِمِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ في وقْتٍ مَخْصُوصٍ. ويُسَمّى الحَيْضَ أيْضًا. أيْ: هَلْ يُسَبِّبُ ويَقْتَضِي مُجانَبَةَ مَسِّ مَن رَأتْهُ؟: ﴿قُلْ هو أذًى﴾ أيِ: الحَيْضُ شَيْءٌ يُسْتَقْذَرُ ويُؤْذِي مَن يَقْرَبُهُ، نَفْرَةً مِنهُ وكَراهَةً لَهُ ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ أيْ: فاجْتَنِبُوا مُجامَعَتَهُنَّ في زَمَنِهِ.

قالَ الرّاغِبُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ أذًى﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَقْلَ يَقْتَضِي تَجَنُّبَهُ، كَأنْ قِيلَ: الحَيْضُ أذى وكُلُّ أذًى مُتَحاشى مِنهُ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَتَحَمَّلُ الأذى ولا يَراهُ مُحَرًّمًا، صَرَّحَ بِتَحْرِيمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ﴾

رَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ عَنْ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ اليَهُودَ كانُوا إذا حاضَتِ المَرْأةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤاكِلُوها ولَمْ يُجامِعُوهُنَّ في البُيُوتِ. فَسَألَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ النَّبِيَّ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلّا النِّكاحَ» . فَبَلَغَ ذَلِكَ اليَهُودَ فَقالُوا: ما يُرِيدُ هَذا الرَّجُلُ أنْ يَدَعَ مِن أمْرِنا شَيْئًا إلّا خالَفْنا فِيهِ! فَجاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وعَبّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقالا: يا رَسُولُ! إنَّ اليَهُودَ تَقُولُ كَذا وكَذا، فَلا نُجامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى ظَنَنّا أنْ قَدْ وجَدَ عَلَيْهِما. فَخَرَجا فاسْتَقْبَلَتْهُما هَدِيَّةٌ مِن لَبَنٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَأرْسَلَ في آثارِهِما، فَسَقاهُما، فَعَرَفا أنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِما».

﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ تَأْكِيدٌ لِحُكْمِ الِاعْتِزالِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ عَدَمُ قُرْبانِهِنَّ، لا عَدَمُ القُرْبِ مِنهُنَّ، وكَنّى بِقُرْبانِهِنَّ، المَنهِيِّ عَنْهُ، عَنْ مُباضَعَتِهِنَّ. فَدَلَّ عَلى جَوازِ التَّمَتُّعِ بِهِنَّ حِينَئِذٍ فِيما دُونَ الفَرَجِ.

فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنا حائِضٌ».

وفِيهِما عَنْها أيْضًا قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَّكِئُ في حِجْرِي وأنا حائِضٌ، ثُمَّ يَقْرَأُ القُرْآنَ».

ورَوى مُسْلِمٌ عَنْها أيْضًا قالَتْ: «كُنْتُ أشْرَبُ وأنا حائِضٌ، ثُمَّ أُناوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ فَيَضَعُ فاهُ عَلى مَوْضِعِ فِيَّ فَيَشْرَبُ، وأتَعَرَّقُ العَرْقَ وأنا حائِضٌ، ثُمَّ أُناوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ فَيَضَعُ فاهُ عَلى مَوْضِعِ فِيَّ».

وفِي الصَّحِيحَيْنِ - واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ - عَنْ مَيْمُونَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُباشِرُ نِساءَهُ فَوْقَ الإزارِ وهُنَّ حُيَّضٌ».

وفِي لَفْظٍ لَهُ: «كانَ يَضْطَجِعُ مَعِي وأنا حائِضٌ وبَيْنِي وبَيْنَهُ ثَوْبٌ».

وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ بَيانٌ لِغايَةِ الِاعْتِزالِ. وقَدْ قُرِئَ في السَّبْعِ: بِفَتْحِ الطّاءِ والهاءِ مَعَ التَّشْدِيدِ، وبِسُكُونِ الطّاءِ وضَمِّ الهاءِ مُخَفَّفَةً. والقِراءَةُ الأُولى تَدُلُّ صَرِيحًا عَلى أنَّ غايَةَ حُرْمَةِ القُرْبانِ هو الِاغْتِسالُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾ إلخ. والقِراءَةُ الثّانِيَةُ وإنْ دَلَّتْ عَلى أنَّ الغايَةَ هو …

Al-Baqara 2:222Listen in Qur'an →
223

نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌۭ لَّكُمْ فَأْتُوا۟ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ

Your wives are a place of sowing of seed for you, so come to your place of cultivation however you wish and put forth [righteousness] for yourselves. And fear Allah and know that you will meet Him. And give good tidings to the believers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٢٣] ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ وقَدِّمُوا لأنْفُسِكم واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ رَوى الشَّيْخانِ عَنْ جابِرٍ قالَ: كانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: إذا أُتِيَتِ المَرْأةُ مِن دُبُرِها في قُبُلِها ثُمَّ حَمَلَتْ كانَ ولَدُها أحْوَلَ. قالَ: فَأنْزَلَتْ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾

وعِنْدَ مُسْلِمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: إنْ شاءَ مُجَبِّيَةً، وإنْ شاءَ غَيْرَ مُجَبِّيَةٍ، غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ في صِمامٍ واحِدٍ.

قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ: هَذِهِ الزِّيادَةُ يُشْبِهُ أنْ تَكُونَ مِن تَفْسِيرِ الزُّهْرِيِّ، لِخُلُوِّها مِن رِوايَةِ غَيْرِهِ مِن أصْحابِ ابْنِ المُنْكَدِرِ، مَعَ كَثْرَتِهِمْ.

والمُجَبِّيَةُ كَمُلَبِّيَةٍ: المُنْكَبَّةُ عَلى وجْهِها، والصِّمامُ الواحِدُ: الفَرْجُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الحَرْثُ: إلْقاءُ البَذْرِ في الأرْضِ، هَذا أصْلُهُ؛ والكَلامُ إمّا بِحَذْفِ المُضافِ، أيْ: مَواضِعُ حَرْثٍ، أوِ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ: مَحْرُوثاتٌ. وإنَّما شُبِّهْنَ بِذَلِكَ لِما بَيَّنَ ما يَلْقى في أرْحامِهِنَّ وبَيْنَ البُذُورِ مِنَ المُشابَهَةِ. مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنهُما مادَّةٌ لِما يَحْصُلُ مِنهُ. ولَمّا عَبَّرَ تَعالى عَنْهُنَّ بِالحَرْثِ عَبَّرَ عَنْ مُجامَعَتِهِنَّ بِالإتْيانِ كَما تَقَدَّمَ، فَقالَ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ أيْ: فَأْتُوهُنَّ كَما تَأْتُونَ أراضِيكُمُ الَّتِي تُرِيدُونَ أنْ تَحْرُثُوها مِن أيِّ جِهَةٍ شِئْتُمْ، لا تَحْظَرُ عَلَيْكم جِهَةٌ دُونَ جِهَةٍ. والمَعْنى: جامِعُوهُنَّ مِن أيِّ جِهَةٍ شِئْتُمْ ولا تُبالُوا بِقَوْلِ اليَهُودِ. وفي تَخْصِيصِ الحَرْثِ بِالذِّكْرِ تَعْمِيمُ جَمِيعِ الكَيْفِيّاتِ المُوصِّلَةِ إلَيْهِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] -: ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] -: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ مِنَ الكِناياتِ اللَّطِيفَةِ، والتَّعْرِيضاتِ المُسْتَحْسَنَةِ. وهَذِهِ وأشْباهُها في كَلامِ اللَّهِ آدابٌ حَسَنَةٌ، عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَعَلَّمُوها، ويَتَأدَّبُوا بِها، ويَتَكَلَّفُوا مِثْلَها في مُحاوَرَتِهِمْ ومُكاتَبَتِهِمْ.

وقَدْ ورَدَ - في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ - رِوايَةٌ أُخْرى أخْرَجَها أبُو داوُدَ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ هَذا الحَيُّ مِنَ الأنْصارِ وهم أهْلُ وثَنٍ مَعَ هَذا الحَيِّ مِن يَهُودَ وهم أهْلُ كِتابٍ كانُوا يَرَوْنَ لَهم فَضْلًا عَلَيْهِمْ في العِلْمِ، فَكانُوا يَقْتَدُونَ بِكَثِيرٍ مِن فِعْلِهِمْ. وكانَ مِن أمْرِ أهْلِ الكِتابِ أنَّهم لا يَأْتُونَ النِّساءَ إلّا عَلى حَرْفٍ، وذَلِكَ أسْتَرُ ما تَكُونُ المَرْأةُ. فَكانَ هَذا الحَيُّ مِنَ الأنْصارِ قَدْ أُخِذُوا بِذَلِكَ مِن فِعْلِهِمْ. وكانَ هَذا الحَيُّ مِن قُرَيْشٍ يَشْرَحُونَ النِّساءَ شَرْحًا مُنْكَرًا، ويَتَلَذَّذُونَ مِنهُنَّ مُقْبِلاتٍ ومُدْبِراتٍ ومُسْتَلْقِياتٍ. فَلَمّا قَدِمَ المُهاجِرُونَ المَدِينَةَ تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنهُمُ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ. فَذَهَبَ يَصْنَعُ بِها ذَلِكَ فَأنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ وقالَتْ: إنَّما كُنّا نُؤْتى عَلى حَرْفٍ، فاصْنَعْ ذَلِكَ، وإلّا فاجْنُبْنِي، حَتّى سَرى أمْرُهُما. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ أيْ: مُقْبِلاتٍ ومُدْبِراتٍ ومُسْتَلْقِياتٍ، يَعْنِي بِذَلِكَ مَوْضِعَ …

Al-Baqara 2:223Listen in Qur'an →
224

وَلَا تَجْعَلُوا۟ ٱللَّهَ عُرْضَةًۭ لِّأَيْمَٰنِكُمْ أَن تَبَرُّوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَتُصْلِحُوا۟ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And do not make [your oath by] Allah an excuse against being righteous and fearing Allah and making peace among people. And Allah is Hearing and Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٢٤] ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ العُرْضَةُ بِضَمِّ العَيْنِ، فُعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ - كالقُبْضَةِ والغُرْفَةِ - وهي اسْمُ ما تَعْرِضُهُ دُونَ الشَّيْءِ، مِن عَرْضِ العُودِ عَلى الإناءِ. فَيَعْتَرِضُ دُونَهُ ويَصِيرُ حاجِزًا ومانِعًا مِنهُ. تَقُولُ: فُلانٌ عُرْضَةٌ دُونَ الخَيْرِ. وكانَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلى بَعْضِ الخَيْراتِ - مِن صِلَةِ رَحِمٍ، أوْ إصْلاحِ ذاتِ بَيْنٍ، أوْ إحْسانٍ إلى أحَدٍ - ثُمَّ يَقُولُ: أخافُ اللَّهَ أنْ أحْنَثَ في يَمِينِي. فَيَتْرُكُ البِرَّ إرادَةَ البِرِّ في يَمِينِهِ. فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ أيْ: حاجِزًا لِما حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ. وسَمّى المَحْلُوفَ عَلَيْهِ يَمِينًا لِتَلَبُّسِهِ بِاليَمِينِ كَحَدِيثِ: ««مَن حَلِفَ عَلى يَمِينٍ»» الآتِي ذِكْرُهُ، أيْ: عَلى شَيْءٍ مِمّا يَحْلِفُ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِـ: ﴿أيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] أيْ: لِلْأُمُورِ المَحْلُوفِ عَلَيْها الَّتِي هي البِرُّ والتَّقْوى والإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ: الآيَةُ: كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] والمَعْنى المُتَقَدِّمُ في الآيَةِ اتَّفَقَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ. ورَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَجْعَلَنَّ اللَّهَ عُرْضَةً لِيَمِينِكَ أنْ لا تَصْنَعَ الخَيْرَ ولَكِنْ كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ واصْنَعِ الخَيْرَ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنِّي، واللَّهِ! إنْ شاءَ اللَّهُ، لا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها إلّا أتَيْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ وتَحَلَّلْتُها»» . ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن حَلِفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ولْيَفْعَلِ الَّذِي هو خَيْرٌ»» .

وفِي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وهو النَّهْيُ عَنِ الجَراءَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِكَثْرَةِ الحَلِفِ بِهِ. وذَلِكَ لِأنَّ مَن أكْثَرَ ذِكْرَ شَيْءٍ في مَعْنًى مِنَ المَعانِي فَقَدْ جَعَلَهُ عُرْضَةً لَهُ. يَقُولُ الرَّجُلُ: قَدْ جَعَلْتَنِي عُرْضَةً لِلَوْمِكَ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎ولا تَجْعَلِينِي عُرْضَةً لِلْوائِمِ

وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعالى مَن أكْثَرَ الحَلِفَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] وقالَ تَعالى: ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] والعَرَبُ كانُوا يَمْدَحُونَ المَرْءَ بِالإقْلالِ مِنَ الحَلِفِ كَما قالَ كُثَيِّرٌ:

؎قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ ∗∗∗ وإنْ سَبَقَتْ مِنهُ الألْيَةُ بَرَّتِ

والحِكْمَةُ في الأمْرِ بِتَقْلِيلِ الأيْمانِ: أنَّ مَن حَلَفَ في كُلِّ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ بِاللَّهِ، انْطَلَقَ لِسانُهُ بِذَلِكَ. ولا يَبْقى لِلْيَمِينِ في قَلْبِهِ وقْعٌ. فَلا يُؤْمَنُ إقْدامُهُ عَلى اليَمِينِ الكاذِبَةِ. فَيَخْتَلُّ ما هو الغَرَضُ الأصْلِيُّ في اليَمِينِ. وأيْضًا، كُلَّما كانَ الإنْسانُ أكْثَرَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعالى …

Al-Baqara 2:224Listen in Qur'an →
225

لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَٰنِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ

Allah does not impose blame upon you for what is unintentional in your oaths, but He imposes blame upon you for what your hearts have earned. And Allah is Forgiving and Forbearing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٢٥] ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكم واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ .

﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ أيْ: لا يُعاقِبُكم ولا يُلْزِمُكم بِما صَدَرَ مِنكم مِنَ الأيْمانِ اللّاغِيَةِ - إذا لَمْ تَقْصِدُوا هَتْكَ حُرْمَتِهِ - وهي الَّتِي لا يَقْصِدُها الحالِفُ، بَلْ تَجْرِي عَلى لِسانِهِ عادَةً مِن غَيْرِ تَعْقِيدٍ ولا قَصْدٍ إلَيْها. كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩] وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أيْ: تَعَمَّدَتْهُ قُلُوبُكم فاجْتَمَعَ فِيهِ، مَعَ اللَّفْظِ، النِّيَّةُ. يَعْنِي: رَبْطَ القَلْبِ بِهِ لِفَواتِ تَعْظِيمِ أمْرِهِ، ولِهَتْكِ حُرْمَتِهِ بِنَقْضِ اليَمِينِ المَقْصُودَةِ.

رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَوْلِ الرَّجُلِ: لا واللَّهِ، وبَلى واللَّهِ! أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومالِكٌ وأبُو داوُدَ، وهَذا لَفْظُ البُخارِيِّ.

وقَدْ نَقَلَ ابْنُ المُنْذِرِ نَحْوَ هَذا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وغَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ. ولَفْظُ رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّما اللَّغْوُ في المُزاحَةِ والهَزْلِ وهو قَوْلُ الرَّجُلِ: لا واللَّهِ! وبَلى واللَّهِ! فَذاكَ لا كَفّارَةَ فِيهِ. إنَّما الكَفّارَةُ فِيما عَقَّدَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ أنْ يَفْعَلَهُ ثُمَّ لا يَفْعَلَهُ.

ويُرْوى في تَفْسِيرِ لَغْوِ اليَمِينِ: هو أنْ يَحْلِفَ عَلى الشَّيْءِ يَظُنُّهُ، ثُمَّ يَظْهَرُ خِلافُهُ. ويُرْوى: أنْ يَحْلِفَ وهو غَضْبانُ: ويُرْوى غَيْرُ ذَلِكَ، كَما ساقَها ابْنُ كَثِيرٍ، مُسْنَدَةً.

وقَدْ ظَهَرَ - لِلْفَقِيرِ - أنْ لا تَنافِيَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ، لِأنَّ كُلَّ ما لا عَقْدَ لِلْقَلْبِ مَعَهُ مِنَ الأيْمانِ فَهو لَغْوٌ بِأيِّ صُورَةٍ كانَتْ وحالَةٍ وقَعَتْ. فَكُلُّ ما رُوِيَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ فَهو مِمّا يَشْمَلُهُ اللَّغْوُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

والمُرادُ مِنَ المُؤاخَذَةِ: إيجابُ الكَفّارَةِ. كَما بَيَّنَ ذَلِكَ في آيَةِ المائِدَةِ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ يَعْنِي: لِعِبادِهِ فِيما لَغَوْا مِن أيْمانِهِمْ فَلَمْ يُؤاخِذْهم بِهِ: ﴿حَلِيمٌ﴾ يَعْنِي في تَرْكِ مُعاجَلَةِ أهْلِ العِصْيانِ بِالعُقُوبَةِ تَرَبُّصًا بِالتَّوْبَةِ. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِلْحُكْمَيْنِ السّابِقَيْنِ. فائِدَتُهُ الِامْتِنانُ عَلى المُؤْمِنِينَ، وشُمُولُ مَغْفِرَتِهِ وإحْسانِهِ لَهم.

Al-Baqara 2:225Listen in Qur'an →
226

لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍۢ ۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

For those who swear not to have sexual relations with their wives is a waiting time of four months, but if they return [to normal relations] - then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٢٦ - ٢٢٧] ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] .

﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى حُكْمِ الإيلاءِ، وهو لُغَةً: الِامْتِناعُ بِاليَمِينِ، وخُصَّ في عُرْفِ الشَّرْعِ: بِالِامْتِناعِ بِاليَمِينِ مِن وطْءِ الزَّوْجَةِ. ولِهَذا عَدّى فِعْلَهُ بِأداةِ مِن تَضْمِينًا لَهُ مَعْنى، يَمْتَنِعُونَ مِن نِسائِهِمْ: وهو أحْسَنُ مِن إقامَةِ " مِن " مَقامَ " عَلى ". وجَعَلَ سُبْحانَهُ لِلْأزْواجِ مُدَّةَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ يَمْتَنِعُونَ فِيها مِن نِسائِهِمْ بِالإيلاءِ، فَإذا مَضَتْ فَإمّا أنْ يَفِيءَ وإمّا أنْ يُطَلِّقَ.

وقَدِ اشْتُهِرَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أنَّ الإيلاءَ إنَّما يَكُونُ في حالِ الغَضَبِ دُونَ الرِّضا، كَما وقَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ نِسائِهِ وظاهِرُ القُرْآنِ مَعَ الجُمْهُورِ. وقَدْ تَناظَرَ في هَذِهِ المَسْألَةِ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ورَجُلٌ آخَرُ. فاحْتَجَّ عَلى مُحَمَّدٍ بِقَوْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، فاحْتَجَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ بِالآيَةِ فَسَكَتَ. وقَدِ اتَّفَقَ الأئِمَّةُ عَلى أنَّ المَوْلى إذا فاءَ إلى المُواصَلَةِ لَزِمَتْهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وإنَّما تُرِكَ ذِكْرُها هُنا؛ لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ في التَّنْزِيلِ العَزِيزِ. فَعُمُومُ وُجُوبِ التَّكْفِيرِ ثابِتٌ عَلى حالِفٍ.

قالَ العَلّامَةُ صِدِّيقُ خانٍ في " تَفْسِيرِهِ ": اعْلَمْ أنَّ أهْلَ كُلِّ مَذْهَبٍ قَدْ فَسَّرُوا هَذِهِ الآيَةَ بِما يُطابِقُ مَذْهَبَهُمْ، وتَكَلَّفُوا بِما لا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ ولا دَلِيلَ آخَرَ، ومَعْناها ظاهِرٌ واضِحٌ، وهو أنَّ اللَّهَ جَعَلَ الأجَلَ لِمَن يُوَلِّي أيْ: يَحْلِفُ مِنِ امْرَأتِهِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ قالَ مُخْبِرًا لِعِبادِهِ بِحُكْمِ هَذا المُولِي بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ أيْ: رَجَعُوا إلى بَقاءِ الزَّوْجِيَّةِ واسْتِدامَةِ النِّكاحِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لا يُؤاخِذُهم بِتِلْكَ اليَمِينِ، بَلْ يَغْفِرُ لَهم ويَرْحَمُهم؛ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧] أيْ: وقَعَ العَزْمُ مِنهم عَلَيْهِ والقَصْدُ لَهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] لِذَلِكَ مِنهُمْ: ﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] بِهِ. فَهَذا مَعْنى الآيَةِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ. فَمَن حَلِفَ أنْ لا يَطَأُ امْرَأتَهُ - ولَمْ يُقَيِّدْ بِمُدَّةٍ، أوْ قَيَّدَ بِزِيادَةٍ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ - كانَ عَلَيْنا إمْهالُهُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ. فَإذا مَضَتْ فَهو بِالخِيارِ: إمّا رَجَعَ إلى نِكاحِ امْرَأتِهِ، وكانَتْ زَوْجَتَهُ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ كَما كانَتْ زَوْجَتَهُ قَبْلَها، أوْ طَلَّقَها، وكانَ لَهُ حُكْمُ المُطَلِّقِ لِامْرَأتِهِ ابْتِداءً. وأمّا إذا وقَّتَ بِدُونِ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ: فَإنْ أرادَ أنْ يَبَرَّ في يَمِينِهِ اعْتَزَلَ امْرَأتَهُ الَّتِي حَلَفَ مِنها حَتّى تَنْقَضِيَ المُدَّةُ. كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ آلى مِن نِسائِهِ شَهْرًا. فَإنَّهُ اعْتَزَلَهُنَّ حَتّى مَضى الشَّهْرُ. وإنْ أرادَ أنْ يَطَأ امْرَأتَهُ قَبْلَ مُضِيِّ تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي هي دُونَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ حَنِثَ في يَمِينِهِ ولَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ. وكانَ مُمْتَثِلًا لِما صَحَّ عَنْهُ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ««مَن حَلِفَ …

Al-Baqara 2:226Listen in Qur'an →
227

وَإِنْ عَزَمُوا۟ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And if they decide on divorce - then indeed, Allah is Hearing and Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٢٦ - ٢٢٧] ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] .

﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى حُكْمِ الإيلاءِ، وهو لُغَةً: الِامْتِناعُ بِاليَمِينِ، وخُصَّ في عُرْفِ الشَّرْعِ: بِالِامْتِناعِ بِاليَمِينِ مِن وطْءِ الزَّوْجَةِ. ولِهَذا عَدّى فِعْلَهُ بِأداةِ مِن تَضْمِينًا لَهُ مَعْنى، يَمْتَنِعُونَ مِن نِسائِهِمْ: وهو أحْسَنُ مِن إقامَةِ " مِن " مَقامَ " عَلى ". وجَعَلَ سُبْحانَهُ لِلْأزْواجِ مُدَّةَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ يَمْتَنِعُونَ فِيها مِن نِسائِهِمْ بِالإيلاءِ، فَإذا مَضَتْ فَإمّا أنْ يَفِيءَ وإمّا أنْ يُطَلِّقَ.

وقَدِ اشْتُهِرَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أنَّ الإيلاءَ إنَّما يَكُونُ في حالِ الغَضَبِ دُونَ الرِّضا، كَما وقَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ نِسائِهِ وظاهِرُ القُرْآنِ مَعَ الجُمْهُورِ. وقَدْ تَناظَرَ في هَذِهِ المَسْألَةِ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ورَجُلٌ آخَرُ. فاحْتَجَّ عَلى مُحَمَّدٍ بِقَوْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، فاحْتَجَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ بِالآيَةِ فَسَكَتَ. وقَدِ اتَّفَقَ الأئِمَّةُ عَلى أنَّ المَوْلى إذا فاءَ إلى المُواصَلَةِ لَزِمَتْهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وإنَّما تُرِكَ ذِكْرُها هُنا؛ لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ في التَّنْزِيلِ العَزِيزِ. فَعُمُومُ وُجُوبِ التَّكْفِيرِ ثابِتٌ عَلى حالِفٍ.

قالَ العَلّامَةُ صِدِّيقُ خانٍ في " تَفْسِيرِهِ ": اعْلَمْ أنَّ أهْلَ كُلِّ مَذْهَبٍ قَدْ فَسَّرُوا هَذِهِ الآيَةَ بِما يُطابِقُ مَذْهَبَهُمْ، وتَكَلَّفُوا بِما لا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ ولا دَلِيلَ آخَرَ، ومَعْناها ظاهِرٌ واضِحٌ، وهو أنَّ اللَّهَ جَعَلَ الأجَلَ لِمَن يُوَلِّي أيْ: يَحْلِفُ مِنِ امْرَأتِهِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ قالَ مُخْبِرًا لِعِبادِهِ بِحُكْمِ هَذا المُولِي بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ أيْ: رَجَعُوا إلى بَقاءِ الزَّوْجِيَّةِ واسْتِدامَةِ النِّكاحِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لا يُؤاخِذُهم بِتِلْكَ اليَمِينِ، بَلْ يَغْفِرُ لَهم ويَرْحَمُهم؛ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧] أيْ: وقَعَ العَزْمُ مِنهم عَلَيْهِ والقَصْدُ لَهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] لِذَلِكَ مِنهُمْ: ﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] بِهِ. فَهَذا مَعْنى الآيَةِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ. فَمَن حَلِفَ أنْ لا يَطَأُ امْرَأتَهُ - ولَمْ يُقَيِّدْ بِمُدَّةٍ، أوْ قَيَّدَ بِزِيادَةٍ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ - كانَ عَلَيْنا إمْهالُهُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ. فَإذا مَضَتْ فَهو بِالخِيارِ: إمّا رَجَعَ إلى نِكاحِ امْرَأتِهِ، وكانَتْ زَوْجَتَهُ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ كَما كانَتْ زَوْجَتَهُ قَبْلَها، أوْ طَلَّقَها، وكانَ لَهُ حُكْمُ المُطَلِّقِ لِامْرَأتِهِ ابْتِداءً. وأمّا إذا وقَّتَ بِدُونِ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ: فَإنْ أرادَ أنْ يَبَرَّ في يَمِينِهِ اعْتَزَلَ امْرَأتَهُ الَّتِي حَلَفَ مِنها حَتّى تَنْقَضِيَ المُدَّةُ. كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ آلى مِن نِسائِهِ شَهْرًا. فَإنَّهُ اعْتَزَلَهُنَّ حَتّى مَضى الشَّهْرُ. وإنْ أرادَ أنْ يَطَأ امْرَأتَهُ قَبْلَ مُضِيِّ تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي هي دُونَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ حَنِثَ في يَمِينِهِ ولَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ. وكانَ مُمْتَثِلًا لِما صَحَّ عَنْهُ ﷺ مِن قَوْلِهِ: ««مَن حَلِفَ …

Al-Baqara 2:227Listen in Qur'an →
228

وَٱلْمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٍۢ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِىٓ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوٓا۟ إِصْلَٰحًۭا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

Divorced women remain in waiting for three periods, and it is not lawful for them to conceal what Allah has created in their wombs if they believe in Allah and the Last Day. And their husbands have more right to take them back in this [period] if they want reconciliation. And due to the wives is similar to what is expected of them, according to what is reasonable. But the men have a degree over them [in responsibility and authority]. And Allah is Exalted in Might and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٢٨] ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ إنْ أرادُوا إصْلاحًا ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

" ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ "، هَذا أمْرٌ لِلْمُطَلَّقاتِ بِأنْ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، أيْ: بِأنْ تَمْكُثَ إحْداهُنَّ بَعْدَ طَلاقِ زَوْجِها لَها ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، ثُمَّ تَتَزَوَّجُ إنَّ شاءَتْ. وأُرِيدَ بِالمُطَلَّقاتِ: المَدْخُولُ بِهِنَّ مِن ذَواتِ الأقْراءِ، لِما دَلَّتِ الآياتُ والأخْبارُ أنَّ حُكْمَ غَيْرِهِنَّ خِلافُ ما ذُكِرَ. أمّا غَيْرُ المَدْخُولَةِ فَلا عِدَّةَ عَلَيْها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ﴾ [الأحزاب: ٤٩] وأمّا الَّتِي لَمْ تَحُضْ فَعِدَّتُها ثَلاثَةُ أشْهُرٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] وأمّا الحامِلُ فَعِدَّتُها وضْعُ الحَمْلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]

فَهَذِهِ الآيَةُ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَما مَعْنى الإخْبارُ عَنْهُنَّ بِالتَّرَبُّصِ؟ قُلْتُ: هو خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ، وأصْلُ الكَلامِ ولْيَتَرَبَّصِ المُطَلَّقاتُ، وإخْراجُ الأمْرِ في صُورَةِ الخَبَرِ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ وإشْعارٌ بِأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُتَلَقّى بِالمُسارَعَةِ إلى امْتِثالِهِ. فَكَأنَّهُنَّ امْتَثَلْنَ الأمْرَ بِالتَّرَبُّصِ. فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ مَوْجُودًا. ونَحْوُهُ قَوْلُهم في الدُّعاءِ: " رَحِمَكَ اللَّهُ " أُخْرِجَ في صُورَةِ الخَبَرِ ثِقَةً بِالِاسْتِجابَةِ. كَأنَّما وُجِدَتِ الرَّحْمَةُ، فَهو يُخْبِرُ عَنْها. وبِناؤُهُ عَلى المُبْتَدَأِ مِمّا زادَهُ أيْضًا فَضْلَ تَوْكِيدٍ. ولَوْ قِيلَ: ويَتَرَبَّصُ المُطَلَّقاتُ لَمْ يَكُنْ بِتِلْكَ الوَكادَةِ.. فَإنْ قُلْتُ: هَلّا قِيلَ: يَتَرَبَّصْنَ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، كَما قِيلَ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، وما مَعْنى ذِكْرُ الأنْفُسِ؟ قُلْتُ: في ذِكْرِ الأنْفُسِ تَهْيِيجٌ لَهُنَّ عَلى التَّرَبُّصِ وزِيادَةُ بَعْثٍ، لِأنَّ فِيهِ ما يَسْتَنْكِفْنَ مِنهُ فَيَحْمِلُهُنَّ عَلى أنْ يَتَرَبَّصْنَ. وذَلِكَ أنَّ أنْفُسَ النِّساءِ طَوامِحُ إلى الرِّجالِ. فَأُمِرْنَ أنْ يَقْمَعْنَ أنْفُسَهُنَّ ويُغَلِّبَنَّها عَلى الطُّمُوحِ ويُجْبِرَنَّها عَلى التَّرَبُّصِ.

و(القُرْءُ): مِنَ الأضْدادِ. يُطْلَقُ عَلى الحَيْضِ والطُّهْرِ. نَصَّ عَلَيْهِ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ: أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ وعَمْرُو بْنُ العَلاءِ وغَيْرُهم. والبَحْثُ في تَرْجِيحِ أحَدِهِما طَوِيلُ الذَّيْلِ، اسْتَوْفاهُ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في " زادِ المَعادِ " فانْظُرْهُ. ولِمَن نَظَرَ إلى مَوْضُوعِهِ اللُّغَوِيِّ أنْ يَقُولَ: تَنْقَضِي العِدَّةُ بِثَلاثَةِ أطْهارٍ أوْ بِثَلاثِ حِيَضٍ. فَأيُّهُما اعْتَبَرَتْهُ المُعْتَدَّةُ خَرَجَتْ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾ - أيِ: المُطَلَّقاتِ -: ﴿أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ مِنَ الحَيْضِ أوِ الوَلَدِ، اسْتِعْجالًا في العِدَّةِ أوْ …

Al-Baqara 2:228Listen in Qur'an →
229

ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌۢ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌۢ بِإِحْسَٰنٍۢ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا۟ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

Divorce is twice. Then, either keep [her] in an acceptable manner or release [her] with good treatment. And it is not lawful for you to take anything of what you have given them unless both fear that they will not be able to keep [within] the limits of Allah. But if you fear that they will not keep [within] the limits of Allah, then there is no blame upon either of them concerning that by which she ransoms herself. These are the limits of Allah, so do not transgress them. And whoever transgresses the limits of Allah - it is those who are the wrongdoers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٢٩] ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ .

﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ الطَّلاقُ بِمَعْنى التَّطْلِيقِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ، وهو مُبْتَدَأٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. أيْ: عَدَدُ الطَّلاقِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الزَّوْجُ فِيهِ الرَّدَّ والرَّجْعَةَ مَرَّتانِ، أيِ: اثْنَتانِ، وإيثارُ ما ورَدَ بِهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ حَقَّهُما أنْ يَقَعا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لا دُفْعَةً واحِدَةً، وإنْ كانَ حُكْمُ الرَّدِّ ثابِتًا حِينَئِذٍ أيْضًا.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ رافِعَةٌ لِما كانَ عَلَيْهِ الأمْرُ في ابْتِداءِ الإسْلامِ: مِن أنَّ الرَّجُلَ كانَ أحَقَّ بِرَجْعَةِ امْرَأتِهِ وإنْ طَلَّقَها مِائَةَ مَرَّةٍ ما دامَتْ في العِدَّةِ، فَلَمّا كانَ هَذا فِيهِ ضَرَرٌ عَلى الزَّوْجاتِ، قَصَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى ثَلاثِ طَلَقاتٍ، وأباحَ الرَّجْعَةَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ، وأبانَها بِالكُلِّيَّةِ في الثّالِثَةِ، فَقالَ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ الآيَةَ.

قالَ الإمامُ أبُو داوُدَ في " سُنَنِهِ ": بابُ نَسْخِ المُراجَعَةِ بَعْدَ الطَّلَقاتِ الثَّلاثِ. ثُمَّ أسْنَدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ فَهو أحَقُّ بِرَجْعَتِها، وإنْ طَلَّقَها ثَلاثًا. فَنُسِخَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ الآيَةَ. ورَواهُ النَّسائِيُّ وغَيْرُهُ. ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النّاسُ والرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ ما شاءَ أنْ يُطَلِّقَها وهي امْرَأتُهُ إذا ارْتَجَعَها وهي في العِدَّةِ وإنْ طَلَّقَها مِائَةَ مَرَّةٍ أوْ أكْثَرَ، حَتّى قالَ رَجُلٌ لِامْرَأتِهِ: واللَّهِ لا أُطَلِّقُكِ فَتَبِينِينَ مِنِّي ولا أُؤْوِيكِ أبَدًا..! قالَتْ: وكَيْفَ ذاكَ؟ قالَ: أُطَلِّقُكِ. فَكُلَّما هَمَّتْ عِدَّتُكِ أنْ تَنْقَضِيَ راجَعْتُكِ. فَذَهَبَتِ المَرْأةُ حَتّى دَخَلَتْ عَلى عائِشَةَ فَأخْبَرَتْها، فَسَكَتَتْ عائِشَةُ حَتّى جاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَأخْبَرَتْهُ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ الآيَةَ. قالَتْ عائِشَةُ فاسْتَأْنَفَ النّاسُ الطَّلاقَ مُسْتَقْبَلًا. مَن كانَ طَلَّقَ ومَن لَمْ يَكُنْ طَلَّقَ». ثُمَّ أسْنَدَ عَنْ عُرْوَةَ ولَمْ يَذْكُرْ عائِشَةَ، وقالَ: هو أصَحُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ أيْ: فالحُكْمُ بَعْدَ تَطْلِيقِ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ: أنْ يُمْسِكَها بِمَعْرُوفٍ فَيُحْسِنَ صَحابَتَها؛ أوْ يُسَرِّحَها بِإحْسانٍ فَلا يَظْلِمُها مِن حَقِّها شَيْئًا، ولا يَذْكُرُها بَعْدَ المُفارَقَةِ بِسُوءٍ، ولا يُنَفِّرُ النّاسَ عَنْها.

قالَ الرّازِيُّ: الحِكْمَةُ في إثْباتِ حَقِّ الرَّجْعَةِ: أنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَكُونُ مَعَ صاحِبِهِ لا يَدْرِي أنَّهُ هَلْ تَشُقُّ عَلَيْهِ مُفارَقَتُهُ أوْ لا؟ فَإذا فارَقَهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ. فَلَوْ جَعَلَ اللَّهُ الطَّلْقَةَ الواحِدَةَ مانِعَةً مِنَ الرُّجُوعِ لَعَظُمَتِ المَشَقَّةُ عَلى الإنْسانِ بِتَقْدِيرِ أنْ تَظْهَرَ المَحَبَّةُ بَعْدَ المُفارَقَةِ، ثُمَّ لَمّا كانَ كَمالُ التَّجْرِبَةِ لا يَحْصُلُ بِالمَرَّةِ …

Al-Baqara 2:229Listen in Qur'an →
230

فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُۥ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

And if he has divorced her [for the third time], then she is not lawful to him afterward until [after] she marries a husband other than him. And if the latter husband divorces her [or dies], there is no blame upon the woman and her former husband for returning to each other if they think that they can keep [within] the limits of Allah. These are the limits of Allah, which He makes clear to a people who know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٣٠] ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .

﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ - أيْ: بَعْدَ التَّطْلِيقَتَيْنِ -: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ﴾ - بِرَجْعَةٍ ولا بِنِكاحٍ جَدِيدٍ: ﴿مِن بَعْدُ﴾ - أيْ: - مِن بَعْدِ هَذا الطَّلاقِ -: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أيْ: حَتّى تَذُوقَ وطْءَ زَوْجٍ آخَرَ، وهي العُسَيْلَةُ الَّتِي صَرَّحَ بِها النَّبِيُّ ﷺ في نِكاحٍ صَحِيحٍ. وفي جَعْلِ هَذا غايَةً لِلْحَلِّ، زَجْرٌ لِمَن لَهُ غَرَضٌ ما في امْرَأتِهِ عَنْ طَلاقِها ثَلاثًا، لِأنَّ كُلَّ ذِي مُرُوءَةٍ يَكْرَهُ أنْ يَفْتَرِشَ امْرَأتَهُ آخَرُ.

فُرُوعٌ مُهِمَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ:

الأوَّلُ: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في " زادِ المَعادِ ": حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المُطَلَّقَةِ ثَلاثًا لا تَحِلُّ لِلْأوَّلِ حَتّى يَطَأها الزَّوْجُ الثّانِي. ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «أنَّ امْرَأةَ رِفاعَةَ القَرْظِيِّ جاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ رِفاعَةَ طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاقِي. وإنِّي نَكَحْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ القَرْظِيَّ، وإنَّ ما مَعَهُ مِثْلُ الهُدْبَةِ! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلى رِفاعَةَ؟ لا، حَتّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ»» . وفي " سُنَنِ النَّسائِيِّ ". عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««العُسَيْلَةُ الجِماعُ ولَوْ لَمْ يَنْزِلْ»» . وفِيها عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ ثَلاثًا فَيَتَزَوَّجُها الرَّجُلُ فَيُغْلِقُ البابَ ويُرْخِي السِّتْرَ ثُمَّ يُطَلِّقُها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها؟ قالَ: «لا تَحِلُّ لِلْأوَّلِ حَتّى يُجامِعَها الآخَرُ»» . فَتَضَمَّنَ هَذا الحُكْمُ أُمُورًا:

أحَدُها: أنَّهُ لا يُقْبَلُ قَوْلُ المَرْأةِ عَلى الرَّجُلِ: أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى جِماعِها.

الثّانِي: أنَّ إصابَةَ الزَّوْجِ الثّانِي شَرْطٌ في حِلِّها لِلْأوَّلِ، خِلافًا لِمَنِ اكْتَفى بِمُجَرَّدِ العَقْدِ، فَإنَّ قَوْلَهُ مَرْدُودٌ بِالسُّنَّةِ الَّتِي لا مَرَدَّ لَها.

الثّالِثُ: أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ الإنْزالُ بَلْ يَكْفِي مُجَرَّدُ الجِماعِ الَّذِي هو ذَوْقُ العُسَيْلَةِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ مُجَرَّدَ العَقْدِ المَقْصُودِ - الَّذِي هو نِكاحُ رَغْبَةٍ - كافِيًا، ولا اتِّصالَ الخَلْوَةِ بِهِ وإغْلاقَ الأبْوابِ وإرْخاءَ السُّتُورِ حَتّى يَتَّصِلَ بِهِ الوَطْءُ.... وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَكْفِي مُجَرَّدُ عَقْدِ التَّحْلِيلِ الَّذِي لا غَرَضَ لِلزَّوْجِ والزَّوْجَةِ فِيهِ سِوى صُورَةِ العَقْدِ وإحْلالُها لِلْأوَّلِ بِطَرِيقِ الأوْلى.

فَإنَّهُ إذا كانَ عَقْدُ الرَّغْبَةِ المَقْصُودُ لِلدَّوامِ غَيْرَ كافٍ حَتّى يُوجَدَ فِيهِ الوَطْءُ، فَكَيْفَ يَكْفِي عَقْدُ تَيْسٍ مُسْتَعارٍ لِيُحِلَّها، لا رَغْبَةَ لَهُ في إمْساكِها، وإنَّما هو عارِيَةٌ كَحِمارِ الفُرْسِ المُسْتَعارِ لِلضِّرابِ!.

وقالَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - قَبْلَ ذَلِكَ: وأمّا نِكاحُ المُحَلِّلِ، فَفي " التِّرْمِذِيِّ " و" المُسْنَدِ " مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: ««لَعَنَ اللَّهُ المُحَلِّلُ والمُحَلَّلُ لَهُ»»، قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وفي " المُسْنَدِ " مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ …

Al-Baqara 2:230Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.