Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 221–230 of 286

221

وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌۭ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكَةٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا۟ ۚ وَلَعَبْدٌۭ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِۦ ۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

And do not marry polytheistic women until they believe. And a believing slave woman is better than a polytheist, even though she might please you. And do not marry polytheistic men [to your women] until they believe. And a believing slave is better than a polytheist, even though he might please you. Those invite [you] to the Fire, but Allah invites to Paradise and to forgiveness, by His permission. And He makes clear His verses to the people that perhaps they may remember.

قَوْلُهُ: ولا تَنْكِحُوا قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَ في الشَّواذِّ بِضَمِّها، قِيلَ: والمَعْنى: كانَ المُتَزَوِّجُ لَها أنْكَحَها مِن نَفْسِها.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ النَّهْيُ عَنْ نِكاحِ المُشْرِكاتِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِالمُشْرِكاتِ الوَثَنِيّاتُ، وقِيلَ: إنَّها تَعُمُّ الكِتابِيّاتِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ مُشْرِكُونَ ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: إنِ اللَّهَ حَرَّمَ نِكاحَ المُشْرِكاتِ فِيها، والكِتابِيّاتُ مِنَ الجُمْلَةِ، ثُمَّ جاءَتْ آيَةُ المائِدَةِ فَخَصَّصَتِ الكِتابِيّاتِ مِن هَذا العُمُومِ.

وهَذا مَحْكِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومالِكٍ وسُفْيانَ بْنِ سَعِيدٍ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ والأوْزاعِيِّ.

وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِآيَةِ المائِدَةِ، وأنَّهُ يَحْرُمُ نِكاحُ الكِتابِيّاتِ والمُشْرِكاتِ، وهَذا أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ.

ويُجابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِآيَةِ المائِدَةِ بِأنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ مِن أوَّلِ ما نَزَلَ وسُورَةَ المائِدَةِ مِن آخِرِ ما نَزَلَ.

والقَوْلُ الأوَّلُ هو الرّاجِحُ.

وقَدْ قالَ بِهِ مَعَ مَن تَقَدَّمَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وطَلْحَةُ وجابِرٌ وحُذَيْفَةُ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ وطاوُسٌ وعِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ والضَّحّاكُ كَما حَكاهُ النَّحّاسُ والقُرْطُبِيُّ.

وقَدْ حَكاهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ المَذْكُورِينَ، وزادَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، وقالَ: لا يَصِحُّ عَنْ أحَدٍ مِنَ الأوائِلِ أنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ.

وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ لَفْظَ المُشْرِكِ لا يَتَناوَلُ أهْلَ الكِتابِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكم﴾ [البقرة: ١٠٥] . وقالَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] وعَلى فَرْضِ أنَّ لَفْظَ المُشْرِكِينَ يَعُمُّ، فَهَذا العُمُومُ مَخْصُوصٌ بِآيَةِ المائِدَةِ كَما قَدَّمْنا.

قَوْلُهُ: ﴿ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ أيْ ولَرَقِيقَةٌ مُؤْمِنَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأمَةِ الحُرَّةُ لِأنَّ النّاسَ كُلَّهم عَبِيدُ اللَّهِ وإماؤُهُ والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي لِأنَّهُ الظّاهِرُ مِنَ اللَّفْظِ ولِأنَّهُ أبْلَغُ، فَإنَّ تَفْضِيلَ الأمَةِ الرَّقِيقَةِ المُؤْمِنَةِ عَلى الحُرَّةِ المُشْرِكَةِ يُسْتَفادُ مِنهُ تَفْضِيلُ الحُرَّةِ المُؤْمِنَةِ عَلى الحُرَّةِ المُشْرِكَةِ بِالأوْلى.

وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ أيْ ولَوْ أعْجَبَتْكُمُ المُشْرِكَةُ مِن جِهَةِ كَوْنِها ذاتَ جَمالٍ أوْ مالٍ أوْ شَرَفٍ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ.

قَوْلُهُ: ﴿ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ﴾ أيْ لا تُزَوِّجُوهم بِالمُؤْمِناتِ ﴿حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ المُشْرِكَ لا يَطَأُ المُؤْمِنَةَ بِوَجْهٍ لِما في ذَلِكَ مِنَ الغَضاضَةِ عَلى الإسْلامِ، وأجْمَعَ القُرّاءُ عَلى ضَمِّ التّاءِ مَن " تُنْكِحُوا " .

وقَوْلُهُ: ولَعَبْدٌ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في قَوْلِهِ: ولَأمَةٌ والتَّرْجِيحُ كالتَّرْجِيحِ.

قَوْلُهُ: أُولَئِكَ إشارَةٌ إلى المُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ﴿يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ أيْ إلى الأعْمالِ المُوجِبَةِ لِلنّارِ، فَكانَ في مُصاهَرَتِهِمْ ومُعاشَرَتِهِمْ ومُصاحَبَتِهِمْ مِنَ الخَطَرِ العَظِيمِ ما لا يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ ويَدْخُلُوا …

Al-Baqara 2:221Listen in Qur'an →
222

وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًۭى فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ

And they ask you about menstruation. Say, "It is harm, so keep away from wives during menstruation. And do not approach them until they are pure. And when they have purified themselves, then come to them from where Allah has ordained for you. Indeed, Allah loves those who are constantly repentant and loves those who purify themselves."

قَوْلُهُ: ولا تَنْكِحُوا قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَ في الشَّواذِّ بِضَمِّها، قِيلَ: والمَعْنى: كانَ المُتَزَوِّجُ لَها أنْكَحَها مِن نَفْسِها.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ النَّهْيُ عَنْ نِكاحِ المُشْرِكاتِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِالمُشْرِكاتِ الوَثَنِيّاتُ، وقِيلَ: إنَّها تَعُمُّ الكِتابِيّاتِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ مُشْرِكُونَ ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: إنِ اللَّهَ حَرَّمَ نِكاحَ المُشْرِكاتِ فِيها، والكِتابِيّاتُ مِنَ الجُمْلَةِ، ثُمَّ جاءَتْ آيَةُ المائِدَةِ فَخَصَّصَتِ الكِتابِيّاتِ مِن هَذا العُمُومِ.

وهَذا مَحْكِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومالِكٍ وسُفْيانَ بْنِ سَعِيدٍ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ والأوْزاعِيِّ.

وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِآيَةِ المائِدَةِ، وأنَّهُ يَحْرُمُ نِكاحُ الكِتابِيّاتِ والمُشْرِكاتِ، وهَذا أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ.

ويُجابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِآيَةِ المائِدَةِ بِأنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ مِن أوَّلِ ما نَزَلَ وسُورَةَ المائِدَةِ مِن آخِرِ ما نَزَلَ.

والقَوْلُ الأوَّلُ هو الرّاجِحُ.

وقَدْ قالَ بِهِ مَعَ مَن تَقَدَّمَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وطَلْحَةُ وجابِرٌ وحُذَيْفَةُ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ وطاوُسٌ وعِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ والضَّحّاكُ كَما حَكاهُ النَّحّاسُ والقُرْطُبِيُّ.

وقَدْ حَكاهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ المَذْكُورِينَ، وزادَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، وقالَ: لا يَصِحُّ عَنْ أحَدٍ مِنَ الأوائِلِ أنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ.

وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ لَفْظَ المُشْرِكِ لا يَتَناوَلُ أهْلَ الكِتابِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكم﴾ [البقرة: ١٠٥] . وقالَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] وعَلى فَرْضِ أنَّ لَفْظَ المُشْرِكِينَ يَعُمُّ، فَهَذا العُمُومُ مَخْصُوصٌ بِآيَةِ المائِدَةِ كَما قَدَّمْنا.

قَوْلُهُ: ﴿ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ أيْ ولَرَقِيقَةٌ مُؤْمِنَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأمَةِ الحُرَّةُ لِأنَّ النّاسَ كُلَّهم عَبِيدُ اللَّهِ وإماؤُهُ والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي لِأنَّهُ الظّاهِرُ مِنَ اللَّفْظِ ولِأنَّهُ أبْلَغُ، فَإنَّ تَفْضِيلَ الأمَةِ الرَّقِيقَةِ المُؤْمِنَةِ عَلى الحُرَّةِ المُشْرِكَةِ يُسْتَفادُ مِنهُ تَفْضِيلُ الحُرَّةِ المُؤْمِنَةِ عَلى الحُرَّةِ المُشْرِكَةِ بِالأوْلى.

وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ أيْ ولَوْ أعْجَبَتْكُمُ المُشْرِكَةُ مِن جِهَةِ كَوْنِها ذاتَ جَمالٍ أوْ مالٍ أوْ شَرَفٍ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ.

قَوْلُهُ: ﴿ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ﴾ أيْ لا تُزَوِّجُوهم بِالمُؤْمِناتِ ﴿حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ المُشْرِكَ لا يَطَأُ المُؤْمِنَةَ بِوَجْهٍ لِما في ذَلِكَ مِنَ الغَضاضَةِ عَلى الإسْلامِ، وأجْمَعَ القُرّاءُ عَلى ضَمِّ التّاءِ مَن " تُنْكِحُوا " .

وقَوْلُهُ: ولَعَبْدٌ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في قَوْلِهِ: ولَأمَةٌ والتَّرْجِيحُ كالتَّرْجِيحِ.

قَوْلُهُ: أُولَئِكَ إشارَةٌ إلى المُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ﴿يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ أيْ إلى الأعْمالِ المُوجِبَةِ لِلنّارِ، فَكانَ في مُصاهَرَتِهِمْ ومُعاشَرَتِهِمْ ومُصاحَبَتِهِمْ مِنَ الخَطَرِ العَظِيمِ ما لا يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ ويَدْخُلُوا …

Al-Baqara 2:222Listen in Qur'an →
223

نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌۭ لَّكُمْ فَأْتُوا۟ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ

Your wives are a place of sowing of seed for you, so come to your place of cultivation however you wish and put forth [righteousness] for yourselves. And fear Allah and know that you will meet Him. And give good tidings to the believers.

قَوْلُهُ: المَحِيضِ هو الحَيْضُ، وهو مَصْدَرٌ، يُقالُ: حاضَتِ المَرْأةُ حَيْضًا ومَحِيضًا فَهي حائِضٌ وحائِضَةٌ، كَذا قالَ الفَرّاءُ وأنْشَدَ:

؎كَحائِضَةٍ تَزْنِي بِها غَيْرَ طاهِرَةٍ

ونِساءٌ حُيَّضٌ وحَوائِضُ، والحِيضَةُ بِالكَسْرَةِ المَرَّةُ الواحِدَةُ وقِيلَ: الِاسْمُ، وقِيلَ: المَحِيضُ عِبارَةٌ عَنِ الزَّمانِ والمَكانِ، وهو مَجازٌ فِيهِما.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: المَحِيضُ اسْمُ الحَيْضِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ:

؎إلَيْكَ أشْكُو شِدَّةَ المَعِيشِ

أيِ العَيْشِ، وأصْلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ السَّيَلانِ والِانْفِجارِ يُقالُ: حاضَ السَّيْلُ وفاضَ، وحاضَتِ الشَّجَرَةُ: أيْ سالَتْ رُطُوبَتُها، ومِنهُ الحَيْضُ: أيِ الحَوْضُ؛ لِأنَّ الماءَ يَحُوضُ إلَيْهِ: أيْ يَسِيلُ.

وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ هو أذًى﴾ أيْ قُلْ: هو شَيْءٌ يُتَأذّى بِهِ: أيْ بِرائِحَتِهِ، والأذى كِنايَةٌ عَنِ القَذَرِ ويُطْلَقُ عَلى القَوْلِ المَكْرُوهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] .

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨] وقَوْلُهُ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ أيْ فاجْتَنِبُوهُنَّ في زَمانِ الحَيْضِ إنْ حُمِلَ المَحِيضُ عَلى المَصْدَرِ أوْ في مَحَلِّ الحَيْضِ إنْ حُمِلَ عَلى الِاسْمِ.

والمُرادُ مِن هَذا الِاعْتِزالِ تَرْكُ المُجامَعَةِ لا تَرْكُ المُجالَسَةِ أوِ المُلامَسَةِ فَإنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، بَلْ يَجُوزُ الِاسْتِمْتاعُ مِنها بِما عَدا الفَرْجَ أوْ بِما دُونَ الإزارِ عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ، وأمّا ما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ أنَّهُ يَجِبُ عَلى الرَّجُلِ أنْ يَعْتَزِلَ فِراشَ زَوْجَتِهِ إذا حاضَتْ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ في تَحْرِيمِ وطْءِ الحائِضِ وهو مَعْلُومٌ مِن ضَرُورَةِ الدِّينِ.

قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ " يَطَّهَّرْنَ " بِتَشْدِيدِ الطّاءِ وفَتْحِها وفَتْحِ الهاءِ وتَشْدِيدِها.

وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ " ويَتَطَهَّرْنَ " والطُّهْرُ انْقِطاعُ الحَيْضِ، والتَّطَهُّرُ: الِاغْتِسالُ.

وبِسَبَبِ اخْتِلافِ القُرّاءِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الحائِضَ لا يَحِلُّ وطْؤُها لِزَوْجِها حَتّى تَتَطَهَّرَ بِالماءِ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ويَحْيى بْنُ بُكَيْرٍ: إذا طَهُرَتِ الحائِضُ وتَيَمَّمَتْ حَيْثُ لا ماءَ حَلَّتْ لِزَوْجِها وإنْ لَمْ تَغْتَسِلْ.

وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: إنَّ انْقِطاعَ الدَّمِ يُحِلُّها لِزَوْجِها، ولَكِنْ تَتَوَضَّأُ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: إنِ انْقَطَعَ دَمُها بَعْدَ مُضِيِّ عَشَرَةِ أيّامٍ جازَ لَهُ أنْ يَطَأها قَبْلَ الغُسْلِ، وإنْ كانَ انْقِطاعُهُ قَبْلَ العَشْرِ لَمْ يَجُزْ حَتّى تَغْتَسِلَ أوْ يَدْخُلَ عَلَيْها وقْتُ الصَّلاةِ.

وقَدْ رَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ قِراءَةَ التَّشْدِيدِ.

والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ لِلْحَلِّ غايَتَيْنِ كَما تَقْتَضِيهِ القِراءَتانِ: إحْداهُما انْقِطاعُ الدَّمِ، والأُخْرى التَّطَهُّرُ مِنهُ، والغايَةُ الأُخْرى مُشْتَمِلَةٌ عَلى زِيادَةٍ عَلى الغايَةِ الأُولى، فَيَجِبُ المَصِيرُ إلَيْها.

وقَدْ دَلَّ أنَّ الغايَةَ الأُخْرى هي المُعْتَبَرَةُ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ المُعْتَبَرَ التَّطَهُّرُ، لا مُجَرَّدَ انْقِطاعِ الدَّمِ.

وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ القِراءَتَيْنِ بِمَنزِلَةِ الآيَتَيْنِ، فَكَما …

Al-Baqara 2:223Listen in Qur'an →
224

وَلَا تَجْعَلُوا۟ ٱللَّهَ عُرْضَةًۭ لِّأَيْمَٰنِكُمْ أَن تَبَرُّوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَتُصْلِحُوا۟ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And do not make [your oath by] Allah an excuse against being righteous and fearing Allah and making peace among people. And Allah is Hearing and Knowing.

قَوْلُهُ: المَحِيضِ هو الحَيْضُ، وهو مَصْدَرٌ، يُقالُ: حاضَتِ المَرْأةُ حَيْضًا ومَحِيضًا فَهي حائِضٌ وحائِضَةٌ، كَذا قالَ الفَرّاءُ وأنْشَدَ:

؎كَحائِضَةٍ تَزْنِي بِها غَيْرَ طاهِرَةٍ

ونِساءٌ حُيَّضٌ وحَوائِضُ، والحِيضَةُ بِالكَسْرَةِ المَرَّةُ الواحِدَةُ وقِيلَ: الِاسْمُ، وقِيلَ: المَحِيضُ عِبارَةٌ عَنِ الزَّمانِ والمَكانِ، وهو مَجازٌ فِيهِما.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: المَحِيضُ اسْمُ الحَيْضِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ:

؎إلَيْكَ أشْكُو شِدَّةَ المَعِيشِ

أيِ العَيْشِ، وأصْلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ السَّيَلانِ والِانْفِجارِ يُقالُ: حاضَ السَّيْلُ وفاضَ، وحاضَتِ الشَّجَرَةُ: أيْ سالَتْ رُطُوبَتُها، ومِنهُ الحَيْضُ: أيِ الحَوْضُ؛ لِأنَّ الماءَ يَحُوضُ إلَيْهِ: أيْ يَسِيلُ.

وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ هو أذًى﴾ أيْ قُلْ: هو شَيْءٌ يُتَأذّى بِهِ: أيْ بِرائِحَتِهِ، والأذى كِنايَةٌ عَنِ القَذَرِ ويُطْلَقُ عَلى القَوْلِ المَكْرُوهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] .

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨] وقَوْلُهُ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ أيْ فاجْتَنِبُوهُنَّ في زَمانِ الحَيْضِ إنْ حُمِلَ المَحِيضُ عَلى المَصْدَرِ أوْ في مَحَلِّ الحَيْضِ إنْ حُمِلَ عَلى الِاسْمِ.

والمُرادُ مِن هَذا الِاعْتِزالِ تَرْكُ المُجامَعَةِ لا تَرْكُ المُجالَسَةِ أوِ المُلامَسَةِ فَإنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، بَلْ يَجُوزُ الِاسْتِمْتاعُ مِنها بِما عَدا الفَرْجَ أوْ بِما دُونَ الإزارِ عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ، وأمّا ما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ أنَّهُ يَجِبُ عَلى الرَّجُلِ أنْ يَعْتَزِلَ فِراشَ زَوْجَتِهِ إذا حاضَتْ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ في تَحْرِيمِ وطْءِ الحائِضِ وهو مَعْلُومٌ مِن ضَرُورَةِ الدِّينِ.

قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ " يَطَّهَّرْنَ " بِتَشْدِيدِ الطّاءِ وفَتْحِها وفَتْحِ الهاءِ وتَشْدِيدِها.

وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ " ويَتَطَهَّرْنَ " والطُّهْرُ انْقِطاعُ الحَيْضِ، والتَّطَهُّرُ: الِاغْتِسالُ.

وبِسَبَبِ اخْتِلافِ القُرّاءِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الحائِضَ لا يَحِلُّ وطْؤُها لِزَوْجِها حَتّى تَتَطَهَّرَ بِالماءِ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ويَحْيى بْنُ بُكَيْرٍ: إذا طَهُرَتِ الحائِضُ وتَيَمَّمَتْ حَيْثُ لا ماءَ حَلَّتْ لِزَوْجِها وإنْ لَمْ تَغْتَسِلْ.

وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: إنَّ انْقِطاعَ الدَّمِ يُحِلُّها لِزَوْجِها، ولَكِنْ تَتَوَضَّأُ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: إنِ انْقَطَعَ دَمُها بَعْدَ مُضِيِّ عَشَرَةِ أيّامٍ جازَ لَهُ أنْ يَطَأها قَبْلَ الغُسْلِ، وإنْ كانَ انْقِطاعُهُ قَبْلَ العَشْرِ لَمْ يَجُزْ حَتّى تَغْتَسِلَ أوْ يَدْخُلَ عَلَيْها وقْتُ الصَّلاةِ.

وقَدْ رَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ قِراءَةَ التَّشْدِيدِ.

والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ لِلْحَلِّ غايَتَيْنِ كَما تَقْتَضِيهِ القِراءَتانِ: إحْداهُما انْقِطاعُ الدَّمِ، والأُخْرى التَّطَهُّرُ مِنهُ، والغايَةُ الأُخْرى مُشْتَمِلَةٌ عَلى زِيادَةٍ عَلى الغايَةِ الأُولى، فَيَجِبُ المَصِيرُ إلَيْها.

وقَدْ دَلَّ أنَّ الغايَةَ الأُخْرى هي المُعْتَبَرَةُ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ المُعْتَبَرَ التَّطَهُّرُ، لا مُجَرَّدَ انْقِطاعِ الدَّمِ.

وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ القِراءَتَيْنِ بِمَنزِلَةِ الآيَتَيْنِ، فَكَما …

Al-Baqara 2:224Listen in Qur'an →
225

لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَٰنِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ

Allah does not impose blame upon you for what is unintentional in your oaths, but He imposes blame upon you for what your hearts have earned. And Allah is Forgiving and Forbearing.

العُرْضَةُ: النُّصْبَةُ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ.

يُقالُ: جَعَلْتُ فُلانًا عُرْضَةً لِكَذا: أيْ نُصْبَةً، وقِيلَ: العُرْضَةُ مِنَ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْمَرْأةُ عُرْضَةٌ لِلنِّكاحِ: إذا صَلَحَتْ لَهُ وقَوِيَتْ عَلَيْهِ، ولِفُلانٍ عُرْضَةٌ: أيْ قُوَّةٌ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:

؎مِن كُلِّ نَضّاخَةِ الدِّقْرِيِّ إذْ عَرِقَتْ عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ

ومِثْلُهُ قَوْلُ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ:

؎وأدْماءَ مِثْلَ العَجْلِ يَوْمًا عَرَضْتُها ∗∗∗ لِرَحْلِي وفِيها هِزَّةٌ وتَقاذُفُ

ويُطْلَقُ العُرْضَةُ عَلى الهِمَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎هُمُ الأنْصارُ عُرْضَتُها اللِّقاءُ

أيْ هِمَّتُها، ويُقالُ: فُلانٌ عُرْضَةٌ لِلنّاسِ، لا يَزالُونَ يَقَعُونَ فِيهِ، فَعَلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ أنَّ العُرْضَةَ النُّصْبَةُ كالقُبْضَةِ والغُرْفَةِ، يَكُونُ ذَلِكَ اسْمًا لِما تَعْرِضُهُ دُونَ الشَّيْءِ: أيْ تَجْعَلُهُ حاجِزًا لَهُ ومانِعًا مِنهُ، أيْ: لا تَجْعَلُوا اللَّهَ حاجِزًا ومانِعًا لِما حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الرَّجُلَ كانَ يَحْلِفُ عَلى بَعْضِ الخَيْرِ مِن صِلَةِ رَحِمٍ أوْ إحْسانٍ إلى الغَيْرِ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ بِأنْ لا يَفْعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَمْتَنِعُ مِن فِعْلِهِ مُعَلِّلًا لِذَلِكَ الِامْتِناعِ بِأنَّهُ قَدْ حَلَفَ أنْ لا يَفْعَلَهُ، وهَذا المَعْنى هو الَّذِي ذَكَرَهُ الجُمْهُورُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، يَنْهاهُمُ اللَّهُ أنْ يَجْعَلُوهُ عُرْضَةً لِأيْمانِهِمْ: أيْ حاجِزًا لِما حَلَفُوا عَلَيْهِ ومانِعًا مِنهُ، وسُمِّيَ المَحْلُوفُ عَلَيْهِ يَمِينًا لِتَلَبُّسِهِ بِاليَمِينِ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ عَطْفٌ بَيانٌ لِ " أيْمانِكم " أيْ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ مانِعًا لِلْأيْمانِ الَّتِي هي بِرُّكم وتَقْواكم وإصْلاحُكم بَيْنَ النّاسِ، ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: لِأيْمانِكم بِقَوْلِهِ: لا تَجْعَلُوا أيْ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ لِأيْمانِكم مانِعًا وحاجِزًا، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ عُرْضَةً: أيْ لا تَجْعَلُوهُ شَيْئًا مُعْتَرِضًا بَيْنَكم وبَيْنَ البِرِّ وما بَعْدَهُ.

وعَلى المَعْنى الثّانِي، وهو أنَّ العُرْضَةَ الشِّدَّةُ والقُوَّةُ - يَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: لا تَجْعَلُوا اليَمِينَ بِاللَّهِ قُوَّةً لِأنْفُسِكم، وعُدَّةً في الِامْتِناعِ مِنَ الخَيْرِ، ولا يَصِحُّ تَفْسِيرُ الآيَةِ عَلى المَعْنى الثّالِثِ، وهو تَفْسِيرُ العُرْضَةِ بِالهِمَّةِ، وأمّا عَلى المَعْنى الرّابِعِ، وهو مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ لا يَزالُ عُرْضَةً لِلنّاسِ: أيْ يَقَعُونَ فِيهِ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ عَلَيْهِ: ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ مُعَرَّضًا لِأيْمانِكم، فَتَبْذُلُونَهُ بِكَثْرَةِ الحَلِفِ بِهِ، ومِنهُ: ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ المُكْثِرِينَ لِلْحِلْفِ فَقالَ: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] .

وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَتَمادَحُ بِقِلَّةِ الأيْمانِ حَتّى قالَ قائِلُهم:

؎قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ ∗∗∗ وإنْ نَدَرَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ

وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أنْ تَبَرُّوا﴾ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ أيْ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ مُعَرَّضًا لِأيْمانِكم إرادَةَ أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا لِأنَّ مَن يُكْثِرُ الحَلِفَ بِاللَّهِ يَجْتَرِئُ عَلى الحِنْثِ ويَفْجُرُ في يَمِينِهِ.

وقَدْ قِيلَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ أقْوالٌ هي راجِعَةٌ إلى هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الزَّجّاجِ: مَعْنى الآيَةِ أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ إذا طُلِبَ مِنهُ الفِعْلُ الَّذِي فِيهِ خَيْرٌ اعْتَلَّ بِاللَّهِ، فَقالَ: عَلَيَّ …

Al-Baqara 2:225Listen in Qur'an →
226

لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍۢ ۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

For those who swear not to have sexual relations with their wives is a waiting time of four months, but if they return [to normal relations] - then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ: يُؤْلُونَ أيْ يَحْلِفُونَ: والمَصْدَرُ إيلًا وألِيَّةً وإلْوَةً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: " الَّذِينَ آلُوا " يُقالُ: آلى يُؤالِي ويَأْتَلِي بِالتّاءِ ائْتِلاءً: أيْ حَلَفَ، ومِنهُ: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، ومِنهُ:

؎قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ

البَيْتَ.

وقَدْ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الإيلاءِ، فَقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ الإيلاءَ هو أنْ يَحْلِفَ أنْ لا يَطَأ امْرَأتَهُ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَإنْ حَلَفَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَما دُونِهِما لَمْ يَكُنْ مُولِيًا وكانَتْ عِنْدَهم يَمِينًا مَحْضًا، وبِهَذا قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وأبُو ثَوْرٍ.وقالَ الثَّوْرِيُّ والكُوفِيُّونَ: الإيلاءُ أنْ يَحْلِفَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَصاعِدا، وهو قَوْلُ عَطاءٍ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لا يَكُونُ مُولِيًا حَتّى يَحْلِفَ أنْ لا يَمَسَّها أبَدًا.

وقالَتْ طائِفَةٌ: إذا حَلَفَ أنْ لا يَقْرَبَ امْرَأتَهُ يَوْمًا أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ ثُمَّ لَمْ يَطَأْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ بانَتْ مِنهُ بِالإيلاءِ.

وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى والحَكَمُ وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ وقَتادَةُ وإسْحاقُ.

قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وأنْكَرَ هَذا القَوْلَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ.

قَوْلُهُ: ﴿مِن نِسائِهِمْ﴾ يَشْمَلُ الحَرائِرَ والإماءَ إذا كُنَّ زَوْجاتٍ، وكَذَلِكَ يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ العَبْدُ إذا حَلَفَ مِن زَوْجَتِهِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وأبُو ثَوْرٍ قالُوا: وإيلاؤُهُ كالحُرِّ.

وقالَ مالِكٌ والزُّهْرِيُّ وعَطاءٌ وأبُو حَنِيفَةَ وإسْحاقُ: إنَّ أجْلَهُ شَهْرانِ.

وقالَ الشَّعْبِيُّ: إيلاءُ الأمَةِ نِصْفُ إيلاءِ الحُرَّةِ.

والتَّرَبُّصُ: التَّأنِّي والتَّأخُّرُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها ∗∗∗ تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ حَلِيلُها

وقَّتَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ المُدَّةِ دَفْعًا لِلضِّرارِ عَنِ الزَّوْجَةِ.

وقَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُؤْلُونَ السَّنَةَ والسَّنَتَيْنِ وأكْثَرَ مِن ذَلِكَ يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ ضِرارَ النِّساءِ.

وقَدْ قِيلَ: إنَّ الأرْبَعَةَ الأشْهُرَ هي الَّتِي لا تُطِيقُ المَرْأةُ الصَّبْرَ عَنْ زَوْجِها زِيادَةً عَلَيْها.

قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ أيْ رَجَعُوا ومِنهُ: ﴿حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] أيْ تَرْجِعَ، ومِنهُ قِيلَ لِلظِّلِّ بَعْدَ الزَّوالِ فَيْءٌ لِأنَّهُ رَجَعَ عَنْ جانِبِ المَشْرِقِ إلى جانِبِ المَغْرِبِ، يُقالُ: فاءَ يَفِيءُ فَيْئَةً وفُيُوءًا، وإنَّهُ لِسَرِيعُ الفَيْئَةِ: أيِ الرَّجْعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَفاءَتْ ولَمْ تَقْضِ الَّذِي أقْبَلَتْ لَهُ ∗∗∗ ومِن حاجَةِ الإنْسانِ ما لَيْسَ قاضِيا

قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وأجْمَعَ كُلُّ مَن يُحْفَظُ عَنْهُ العِلْمُ عَلى أنَّ الفَيْءَ الجِماعُ لِمَن لا عُذْرَ لَهُ، فَإنْ كانَ لَهُ عُذْرُ مَرَضٍ أوْ سِجْنٍ فَهي امْرَأتُهُ، فَإذا زالَ العُذْرُ فَأبى الوَطْءَ، فُرِّقَ بَيْنِهِما إنْ كانَتِ المُدَّةُ قَدِ انْقَضَتْ، قالَهُ مالِكٌ، وقالَتْ طائِفَةٌ: إذا أشْهَدَ عَلى فَيْئَتِهِ بِقَلْبِهِ في حالِ العُذْرِ أجْزَأهُ.

وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ والنَّخَعِيُّ والأوْزاعِيُّ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.وقَدْ أوْجَبَ الجُمْهُورُ عَلى المُولِي إذا فاءَ بِجِماعِ امْرَأتِهِ الكَفّارَةَ.

وقالَ الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ: لا كَفّارَةَ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ العَزْمُ: العَقْدُ عَلى الشَّيْءِ، ويُقالُ عَزَمَ يَعْزِمُ عَزْمًا وعَزِيمَةً وعُزْمانًا، واعْتَزَمَ اعْتِزامًا، فَمَعْنى عَزَمُوا …

Al-Baqara 2:226Listen in Qur'an →
227

وَإِنْ عَزَمُوا۟ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And if they decide on divorce - then indeed, Allah is Hearing and Knowing.

قَوْلُهُ: والمُطَلَّقاتُ يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِهِ المُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ، ثُمَّ خُصِّصَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] فَوَجَبَ بِناءُ العامِّ عَلى الخاصِّ، وخَرَجَتْ مِن هَذا العُمُومِ المُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ وكَذَلِكَ خَرَجَتِ الحامِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وكَذَلِكَ خَرَجَتِ الآيِسَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] والتَّرَبُّصُ: الِانْتِظارُ، قِيلَ: هو خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ: أيْ لِيَتَرَبَّصْنَ، قَصَدَ بِإخْراجِهِ مُخْرَجَ الخَبَرِ تَأْكِيدَ وُقُوعِهِ، وزادَهُ تَأْكِيدًا وُقُوعُهُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ.

قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا باطِلٌ، وإنَّما هو خَبَرٌ عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ، فَإنْ وُجِدَتْ مُطَلَّقَةٌ لا تَتَرَبَّصُ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الشَّرْعِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ وُقُوعُ خَبَرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى خِلافِ مُخْبِرِهِ.

والقُرُوءُ جَمْعُ قُرْءٍ.

ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ قَرَأ " قُرُوٍّ " بِتَشْدِيدِ الواوِ.

وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالهَمْزِ.

وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الرّاءِ والتَّنْوِينِ.

قالَ الأصْمَعِيُّ: الواحِدُ قُرْءٌ بِضَمِّ القافِ.

وقالَ أبُو زَيْدٍ بِالفَتْحِ: وكِلاهُما قالَ أقَرَأتِ المَرْأةُ: حاضَتْ، وأقْرَأتْ: طَهُرَتْ.

وقالَ الأخْفَشُ: أقَرَأتِ المَرْأةُ: إذا صارَتْ صاحِبَةَ حَيْضٍ، فَإذا حاضَتْ قُلْتَ: قَرَأتْ بِلا ألِفٍ.

وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ مِنَ العَرَبِ مَن يُسَمِّي الحَيْضَ قُرْءًا، ومِنهم مَن يُسَمِّي الطُّهْرَ قُرْءًا، ومِنهم مَن يَجْمَعُهُما جَمِيعًا فَيُسَمِّي الحَيْضَ مَعَ الطُّهْرِ قُرْءًا، ويَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ القُرْءَ في الأصْلِ: الوَقْتُ، يُقالُ: هَبَّتِ الرِّياحُ لِقُرْئِها ولِقارِئِها: أيْ لِوَقْتِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎كَرَهْتُ العَقْرَ عَقْرَ بَنِي شَلِيلٍ إذا هَبَّتْ لِقارِئِها الرِّياحُ

فَيُقالُ لِلْحَيْضِ قُرْءٌ، ولِلطُّهْرِ قُرْءٌ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما لَهُ وقْتٌ مَعْلُومٌ.

وقَدْ أطْلَقَتْهُ العَرَبُ تارَةً عَلى الأطْهارِ، وتارَةً عَلى الحَيْضِ، فَمِن إطْلاقِهِ عَلى الأطْهارِ قَوْلُ الأعْشى:

؎أفِي كُلِّ عامٍ أنْتَ جاشِمُ غَزْوَةٍ ∗∗∗ تَشَدُّ لْأقْصاها عَزِيمَ عَزائِكا

؎مُوَرِّثَةٍ مالًا وفي الحَيِّ رِفْعَةٌ ∗∗∗ لِما ضاعَ فِيها مِن قُرُوءِ نِسائِكا

أيْ أطْهارِهِنَّ، ومِن إطْلاقِهِ عَلى الحَيْضِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎يا رُبَّ ذِي حَنْقٍ عَلَيَّ قارِضِ ∗∗∗ لَهُ قُرُوٌّ كَقُرُوِّ الحائِضِ

يَعْنِي أنَّهُ طَعَنَهُ فَكانَ لَهُ دَمٌ كَدَمِ الحائِضِ.

وقالَ قَوْمٌ: هو مَأْخُوذٌ مِن قُرِيَ الماءُ في الحَوْضِ وهو جَمْعُهُ ومِنهُ القُرْآنُ لِاجْتِماعِ المَعانِي فِيهِ.

قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:

؎ذِراعَيْ عَيْطَلٍ أدْماءَ بِكْرٍ ∗∗∗ هِجانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقَرا جَنِينا

أيْ لَمْ تَجْمَعْهُ في بَطْنِها.

والحاصِلُ أنَّ القُرُوءَ في لُغَةِ العَرَبِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الحَيْضِ والطُّهْرِ، ولِأجْلِ هَذا الِاشْتِراكِ، اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في تَعْيِينِ ما هو المُرادُ بِالقُرُوءِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ، فَقالَ أهْلُ الكُوفَةِ: هي الحَيْضُ وهو قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي مُوسى ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.

وقالَ أهْلُ الحِجازِ: هي الأطْهارُ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ والزُّهْرِيِّ وأبانَ بْنِ عُثْمانَ والشّافِعِيِّ، واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ وقَعَ الِاتِّفاقُ بَيْنَهم عَلى …

Al-Baqara 2:227Listen in Qur'an →
228

وَٱلْمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٍۢ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِىٓ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوٓا۟ إِصْلَٰحًۭا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

Divorced women remain in waiting for three periods, and it is not lawful for them to conceal what Allah has created in their wombs if they believe in Allah and the Last Day. And their husbands have more right to take them back in this [period] if they want reconciliation. And due to the wives is similar to what is expected of them, according to what is reasonable. But the men have a degree over them [in responsibility and authority]. And Allah is Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ: والمُطَلَّقاتُ يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِهِ المُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ، ثُمَّ خُصِّصَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] فَوَجَبَ بِناءُ العامِّ عَلى الخاصِّ، وخَرَجَتْ مِن هَذا العُمُومِ المُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ وكَذَلِكَ خَرَجَتِ الحامِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وكَذَلِكَ خَرَجَتِ الآيِسَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] والتَّرَبُّصُ: الِانْتِظارُ، قِيلَ: هو خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ: أيْ لِيَتَرَبَّصْنَ، قَصَدَ بِإخْراجِهِ مُخْرَجَ الخَبَرِ تَأْكِيدَ وُقُوعِهِ، وزادَهُ تَأْكِيدًا وُقُوعُهُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ.

قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا باطِلٌ، وإنَّما هو خَبَرٌ عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ، فَإنْ وُجِدَتْ مُطَلَّقَةٌ لا تَتَرَبَّصُ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الشَّرْعِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ وُقُوعُ خَبَرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى خِلافِ مُخْبِرِهِ.

والقُرُوءُ جَمْعُ قُرْءٍ.

ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ قَرَأ " قُرُوٍّ " بِتَشْدِيدِ الواوِ.

وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالهَمْزِ.

وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الرّاءِ والتَّنْوِينِ.

قالَ الأصْمَعِيُّ: الواحِدُ قُرْءٌ بِضَمِّ القافِ.

وقالَ أبُو زَيْدٍ بِالفَتْحِ: وكِلاهُما قالَ أقَرَأتِ المَرْأةُ: حاضَتْ، وأقْرَأتْ: طَهُرَتْ.

وقالَ الأخْفَشُ: أقَرَأتِ المَرْأةُ: إذا صارَتْ صاحِبَةَ حَيْضٍ، فَإذا حاضَتْ قُلْتَ: قَرَأتْ بِلا ألِفٍ.

وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ مِنَ العَرَبِ مَن يُسَمِّي الحَيْضَ قُرْءًا، ومِنهم مَن يُسَمِّي الطُّهْرَ قُرْءًا، ومِنهم مَن يَجْمَعُهُما جَمِيعًا فَيُسَمِّي الحَيْضَ مَعَ الطُّهْرِ قُرْءًا، ويَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ القُرْءَ في الأصْلِ: الوَقْتُ، يُقالُ: هَبَّتِ الرِّياحُ لِقُرْئِها ولِقارِئِها: أيْ لِوَقْتِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎كَرَهْتُ العَقْرَ عَقْرَ بَنِي شَلِيلٍ إذا هَبَّتْ لِقارِئِها الرِّياحُ

فَيُقالُ لِلْحَيْضِ قُرْءٌ، ولِلطُّهْرِ قُرْءٌ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما لَهُ وقْتٌ مَعْلُومٌ.

وقَدْ أطْلَقَتْهُ العَرَبُ تارَةً عَلى الأطْهارِ، وتارَةً عَلى الحَيْضِ، فَمِن إطْلاقِهِ عَلى الأطْهارِ قَوْلُ الأعْشى:

؎أفِي كُلِّ عامٍ أنْتَ جاشِمُ غَزْوَةٍ ∗∗∗ تَشَدُّ لْأقْصاها عَزِيمَ عَزائِكا

؎مُوَرِّثَةٍ مالًا وفي الحَيِّ رِفْعَةٌ ∗∗∗ لِما ضاعَ فِيها مِن قُرُوءِ نِسائِكا

أيْ أطْهارِهِنَّ، ومِن إطْلاقِهِ عَلى الحَيْضِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎يا رُبَّ ذِي حَنْقٍ عَلَيَّ قارِضِ ∗∗∗ لَهُ قُرُوٌّ كَقُرُوِّ الحائِضِ

يَعْنِي أنَّهُ طَعَنَهُ فَكانَ لَهُ دَمٌ كَدَمِ الحائِضِ.

وقالَ قَوْمٌ: هو مَأْخُوذٌ مِن قُرِيَ الماءُ في الحَوْضِ وهو جَمْعُهُ ومِنهُ القُرْآنُ لِاجْتِماعِ المَعانِي فِيهِ.

قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:

؎ذِراعَيْ عَيْطَلٍ أدْماءَ بِكْرٍ ∗∗∗ هِجانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقَرا جَنِينا

أيْ لَمْ تَجْمَعْهُ في بَطْنِها.

والحاصِلُ أنَّ القُرُوءَ في لُغَةِ العَرَبِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الحَيْضِ والطُّهْرِ، ولِأجْلِ هَذا الِاشْتِراكِ، اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في تَعْيِينِ ما هو المُرادُ بِالقُرُوءِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ، فَقالَ أهْلُ الكُوفَةِ: هي الحَيْضُ وهو قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي مُوسى ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.

وقالَ أهْلُ الحِجازِ: هي الأطْهارُ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ والزُّهْرِيِّ وأبانَ بْنِ عُثْمانَ والشّافِعِيِّ، واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ وقَعَ الِاتِّفاقُ بَيْنَهم عَلى …

Al-Baqara 2:228Listen in Qur'an →
229

ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌۢ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌۢ بِإِحْسَٰنٍۢ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا۟ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

Divorce is twice. Then, either keep [her] in an acceptable manner or release [her] with good treatment. And it is not lawful for you to take anything of what you have given them unless both fear that they will not be able to keep [within] the limits of Allah. But if you fear that they will not keep [within] the limits of Allah, then there is no blame upon either of them concerning that by which she ransoms herself. These are the limits of Allah, so do not transgress them. And whoever transgresses the limits of Allah - it is those who are the wrongdoers.

المُرادُ بِالطَّلاقِ المَذْكُورِ هو الرَّجْعِيُّ بِدَلِيلِ ما تَقَدَّمَ في الآيَةِ الأُولى: أيِ الطَّلاقُ الَّذِي تَثْبُتُ فِيهِ الرَّجْعَةُ لِلْأزْواجِ هو مَرَّتانِ: أيِ الطَّلْقَةُ الأُولى والثّانِيَةُ، إذْ لا رَجْعَةَ بَعْدَ الثّالِثَةِ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: مَرَّتانِ ولَمْ يَقُلْ طَلْقَتانِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الطَّلاقُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، لا طَلْقَتانِ دَفْعَةً واحِدَةً، كَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثّانِيَةِ إلّا أحَدُ أمْرَيْنِ، إمّا إيقاعُ الثّالِثَةِ الَّتِي بِها تَبِينُ الزَّوْجَةُ، أوِ الإمْساكُ لَها واسْتِدامَةُ نِكاحِها، وعَدَمُ إيقاعِ الثّالِثَةِ عَلَيْها قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ أيْ فَإمْساكٌ بَعْدَ الرَّجْعَةِ لِمَن طَلَّقَها زَوْجُها طَلْقَتَيْنِ بِمَعْرُوفٍ: أيْ بِما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ النّاسِ مِن حُسْنِ العِشْرَةِ ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ أيْ بِإيقاعِ طَلْقَةٍ ثالِثَةٍ عَلَيْها مِن دُونِ ضِرارٍ لَها، وقِيلَ المُرادُ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ بِرَجْعَةٍ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثّانِيَةِ ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ أيْ بِتَرْكِ الرَّجْعَةِ بَعْدَ الثّانِيَةِ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها.

والأوَّلُ أظْهَرُ.

وقَوْلُهُ: ﴿الطَّلاقُ﴾ مُبْتَدَأٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ: أيْ عَدَدُ الطَّلاقِ الَّذِي تَثْبُتُ فِيهِ الرَّجْعَةُ مَرَّتانِ.

وقَدْ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في إرْسالِ الثَّلاثِ دُفْعَةً واحِدَةً هَلْ يَقَعُ ثَلاثًا أوْ واحِدَةً فَقَطْ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ الجُمْهُورُ، وذَهَبَ إلى الثّانِي مَن عَداهم وهو الحَقُّ.

وقَدْ قَرَّرْتُهُ في مُؤَلَّفاتِي تَقْرِيرًا بالِغًا، وأفْرَدْتُهُ بِرِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.

قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ الخِطابُ لِلْأزْواجِ: أيْ لا يَحِلُّ لِلْأزْواجِ أنْ يَأْخُذُوا مِمّا دَفَعُوهُ إلى نِسائِهِمْ مِنَ المَهْرِ شَيْئًا عَلى وجْهِ المُضارَّةِ لَهُنَّ، وتَنْكِيرُ شَيْئًا لِلتَّحْقِيرِ: أيْ شَيْئًا نَزْرًا فَضْلًا عَنِ الكَثِيرِ، وخَصَّ ما دَفَعُوهُ إلَيْهِنَّ بِعَدَمِ حَلِّ الأخْذِ مِنهُ مَعَ كَوْنِهِ لا يَحِلُّ لِلْأزْواجِ أنْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِن أمْوالِهِنَّ الَّتِي يَمْلِكْنَها مِن غَيْرِ المَهْرِ لِكَوْنِ ذَلِكَ هو الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ نَفْسُ الزَّوْجِ، وتَتَطَلَّعُ لِأخْذِهِ دُونَ ما عَداهُ، مِمّا هو في مِلْكِها، عَلى أنَّهُ إذا كانَ أخَذَ ما دَفَعَهُ إلَيْها لا يَحِلُّ لَهُ كانَ ما عَداهُ مَمْنَوْعًا مِنهُ بِالأوْلى، وقِيلَ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ لِلْأئِمَّةِ والحُكّامِ لِيُطابِقَ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ فَإنَّ الخِطابَ فِيهِ لِلْأئِمَّةِ والحُكّامِ، وعَلى هَذا يَكُونُ إسْنادُ الأخْذِ إلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمُ الآمِرِينَ بِذَلِكَ.

والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ فَإنَّ إسْنادَهُ إلى غَيْرِ الأزْواجِ بِعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّ إيتاءَ الأزْواجِ لَمْ يَكُنْ عَنْ أمْرِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الثّانِي أوْلى لِئَلّا يَتَشَوَّشَ النَّظْمُ.

قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَخافا﴾ أيْ لا يَجُوزُ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلّا أنْ يَخافا ﴿ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ أيْ عَدَمَ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ الَّتِي حَدَّها لِلزَّوْجَيْنِ، وأوْجَبَ عَلَيْهِما الوَفاءَ بِها مِن حُسْنِ العِشْرَةِ والطّاعَةِ، فَإنْ خافا ذَلِكَ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ أيْ لا جُناحَ عَلى الرَّجُلِ في الأخْذِ، وعَلى المَرْأةِ في الإعْطاءِ بِأنْ تَفْتَدِيَ نَفْسَها مِن ذَلِكَ النِّكاحِ بِبَذْلِ …

Al-Baqara 2:229Listen in Qur'an →
230

فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُۥ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

And if he has divorced her [for the third time], then she is not lawful to him afterward until [after] she marries a husband other than him. And if the latter husband divorces her [or dies], there is no blame upon the woman and her former husband for returning to each other if they think that they can keep [within] the limits of Allah. These are the limits of Allah, which He makes clear to a people who know.

المُرادُ بِالطَّلاقِ المَذْكُورِ هو الرَّجْعِيُّ بِدَلِيلِ ما تَقَدَّمَ في الآيَةِ الأُولى: أيِ الطَّلاقُ الَّذِي تَثْبُتُ فِيهِ الرَّجْعَةُ لِلْأزْواجِ هو مَرَّتانِ: أيِ الطَّلْقَةُ الأُولى والثّانِيَةُ، إذْ لا رَجْعَةَ بَعْدَ الثّالِثَةِ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: مَرَّتانِ ولَمْ يَقُلْ طَلْقَتانِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الطَّلاقُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، لا طَلْقَتانِ دَفْعَةً واحِدَةً، كَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثّانِيَةِ إلّا أحَدُ أمْرَيْنِ، إمّا إيقاعُ الثّالِثَةِ الَّتِي بِها تَبِينُ الزَّوْجَةُ، أوِ الإمْساكُ لَها واسْتِدامَةُ نِكاحِها، وعَدَمُ إيقاعِ الثّالِثَةِ عَلَيْها قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ أيْ فَإمْساكٌ بَعْدَ الرَّجْعَةِ لِمَن طَلَّقَها زَوْجُها طَلْقَتَيْنِ بِمَعْرُوفٍ: أيْ بِما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ النّاسِ مِن حُسْنِ العِشْرَةِ ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ أيْ بِإيقاعِ طَلْقَةٍ ثالِثَةٍ عَلَيْها مِن دُونِ ضِرارٍ لَها، وقِيلَ المُرادُ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ بِرَجْعَةٍ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثّانِيَةِ ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ أيْ بِتَرْكِ الرَّجْعَةِ بَعْدَ الثّانِيَةِ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها.

والأوَّلُ أظْهَرُ.

وقَوْلُهُ: ﴿الطَّلاقُ﴾ مُبْتَدَأٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ: أيْ عَدَدُ الطَّلاقِ الَّذِي تَثْبُتُ فِيهِ الرَّجْعَةُ مَرَّتانِ.

وقَدْ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في إرْسالِ الثَّلاثِ دُفْعَةً واحِدَةً هَلْ يَقَعُ ثَلاثًا أوْ واحِدَةً فَقَطْ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ الجُمْهُورُ، وذَهَبَ إلى الثّانِي مَن عَداهم وهو الحَقُّ.

وقَدْ قَرَّرْتُهُ في مُؤَلَّفاتِي تَقْرِيرًا بالِغًا، وأفْرَدْتُهُ بِرِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.

قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ الخِطابُ لِلْأزْواجِ: أيْ لا يَحِلُّ لِلْأزْواجِ أنْ يَأْخُذُوا مِمّا دَفَعُوهُ إلى نِسائِهِمْ مِنَ المَهْرِ شَيْئًا عَلى وجْهِ المُضارَّةِ لَهُنَّ، وتَنْكِيرُ شَيْئًا لِلتَّحْقِيرِ: أيْ شَيْئًا نَزْرًا فَضْلًا عَنِ الكَثِيرِ، وخَصَّ ما دَفَعُوهُ إلَيْهِنَّ بِعَدَمِ حَلِّ الأخْذِ مِنهُ مَعَ كَوْنِهِ لا يَحِلُّ لِلْأزْواجِ أنْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِن أمْوالِهِنَّ الَّتِي يَمْلِكْنَها مِن غَيْرِ المَهْرِ لِكَوْنِ ذَلِكَ هو الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ نَفْسُ الزَّوْجِ، وتَتَطَلَّعُ لِأخْذِهِ دُونَ ما عَداهُ، مِمّا هو في مِلْكِها، عَلى أنَّهُ إذا كانَ أخَذَ ما دَفَعَهُ إلَيْها لا يَحِلُّ لَهُ كانَ ما عَداهُ مَمْنَوْعًا مِنهُ بِالأوْلى، وقِيلَ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ لِلْأئِمَّةِ والحُكّامِ لِيُطابِقَ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ فَإنَّ الخِطابَ فِيهِ لِلْأئِمَّةِ والحُكّامِ، وعَلى هَذا يَكُونُ إسْنادُ الأخْذِ إلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمُ الآمِرِينَ بِذَلِكَ.

والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ فَإنَّ إسْنادَهُ إلى غَيْرِ الأزْواجِ بِعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّ إيتاءَ الأزْواجِ لَمْ يَكُنْ عَنْ أمْرِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الثّانِي أوْلى لِئَلّا يَتَشَوَّشَ النَّظْمُ.

قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَخافا﴾ أيْ لا يَجُوزُ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلّا أنْ يَخافا ﴿ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ أيْ عَدَمَ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ الَّتِي حَدَّها لِلزَّوْجَيْنِ، وأوْجَبَ عَلَيْهِما الوَفاءَ بِها مِن حُسْنِ العِشْرَةِ والطّاعَةِ، فَإنْ خافا ذَلِكَ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ أيْ لا جُناحَ عَلى الرَّجُلِ في الأخْذِ، وعَلى المَرْأةِ في الإعْطاءِ بِأنْ تَفْتَدِيَ نَفْسَها مِن ذَلِكَ النِّكاحِ بِبَذْلِ …

Al-Baqara 2:230Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.