Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib

Ayahs 21–30 of 286

21

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

O mankind, worship your Lord, who created you and those before you, that you may become righteous -

قوله: ﴿يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ الآية.

قال ابن مسعود: "كل شيء في القرآن، ﴿يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ فهو مكي، وكل شيء في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ فهو مدني". وقاله عروة بن الزبير والضحاك.

قال أبو محمد: وهذا القول إنما هو على الأكثر وليس بعام، لأن البقرة والنساء مدنيتان وفيهما ﴿يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾. وفي كثير من السور المكية ﴿يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [البقرة: ١٠٤] ومعنى الآية يا أيها الناس، أخلصوا العبادة لربكم الذي خلقكم، وخلق الذين كانوا من قبلكم، وإنما خاطب الله الكفار بهذا لأنهم كانوا مقرين بأن الله خالقهم، دليل ذلك قوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. فقيل لهم: إذا كنتم مقرين بأن الله خالقكم فاعبدوه، ولا تجعلوا له شركاء، ومعنى الخلق الاختراع.

وقيل: هو التقدير، تقول: "خلقت الأديم" إذا دبرته وقدرته.

والخلق الذي هو الاختراع والابتداع على أربعة أوجه:

- الأول: خلق ما لم يكن كخلق الله العالم من غير شيء.

- والثاني: قلب عين إلى عين، كقلب الله النطفة علقة والعلقة مضغة، والمضغة عظاماً فالثاني غير الأول.

- والخلق الثالث: تغيير العين وهي موجودة كرد الله الصغير كبيراً، والأبيض أصفر، فالعين قائمة والصفة تغيرت.

- والرابع: تغير الحال والعين كما هو، نحو كون القائم قاعداً، والعاجز قادراً، فلم تتغير العين ولا الصفة، إنما تغيرت الحال.

* *

قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

أي تتقون ما نهاكم الله عنه.

وقيل: معناه لعلكم تتقون "الذي جعل". "فالذي" في موضع نصب بـ ﴿تَتَّقُونَ﴾. و "لعل" مردودة إلى المخاطبين. والمعنى اعبدوه واتقوه على رجائكم وطمعكم.

وحكى الزجاج: أن "لعل" بمعنى "كي" في هذا الموضع، وهو بعيد.

Al-Baqara 2:21Listen in Qur'an →
22

ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًۭا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءًۭ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًۭا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

[He] who made for you the earth a bed [spread out] and the sky a ceiling and sent down from the sky, rain and brought forth thereby fruits as provision for you. So do not attribute to Allah equals while you know [that there is nothing similar to Him].

قوله: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً﴾.

أي بساطاً، وإنما سميت الأرض أرضاً لارتعادها عند الزلازل. يقال: "رجل ما روض" إذا كانت به رعدة، "وأرض ماروضة" إذا كانت كثيرة الزلازل.

وقوله: (مهاداً) هو خصوص مهد الله من الأرض ما بالناس إليه حاجة ومنفعة. وإلا ففيها السهل والوعر والجبال والأودية والهبوط والصعود.

* *

قوله: ﴿وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً﴾.

أي مرتفعة عليكم. والسماء تذكر وتؤنث.

وقال المبرد: "السماء هنا جمع السماوات [كتمرة وتمر]، ودليله قوله: ﴿فَسَوَّٰهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٩]. ولم يقل "فسواها".

وتجمع السماء إذا كانت واحدة على ستة أبنية:

- جمعان مسلمان، تقول: سماوات وسماءات.

- وجمعان مكسران لأقل العدد، تقول: سماء واسم وأسمية.

- وجمعان مكسران لأكثر العدد، تقول سماء وسمايا وسمي، وإن شئت كسرت السين في "سمي". وقد جاء في الشعر "سَمَاءِيَا". وفيه اتساعات ثلاثة. قال: الشاعر:

؎ سَمَاءُ الإلهِ فوقَ سَبْعِ سَمَاءِيَا.

فعلى هذا يجوز أن تجمع سماء على سماء كصحار. فالشاعر شبه سماء برسالة لأن السَّمَاءَ فَعَالٌ، ورِسَالَةٌ فِعَالَةٌ، وهما أختان في عدد الحروف والحركات.

- والثالث فيها ألف بعدها كسرة، فكان يجب أن تقول "سمايا"، كما تقول: "رَسائِلٌ" و "خطايا"، فأتى به على الأصل، فقال "سمائي"، ثم لحقته ضرورة أخرى فأجرى المعتل مجرى السالم فقال: سمائي، وكان [حقه إذ] أتى به على الأصل أن يقول "سماء" كجوار وقاض لكنه أجراه للضرورة مجرى ما لا ينصرف من السالم ففتح، ثم أطلق الفتحة فصارت ألفاً، فقال "سماءيا". ففيه ثلاثة اتساعات.

وفي الوقف على السماء المنصوبة خمسة أوجه:

- [أولها: أن تَقِفَ] على همزة ساكنة بعد مدة.

- والثاني: أن تروم حركة الهمزة وتمد.

- والثالث: أن تجعل الهمزة بين بين، وتروم الحركة وتمد.

- والرابع: أن تبدل من الهمزة أيضاً ثم تحذفها لسكونها وسكون الألف التي قبلها ولا تمد.

- والخامس: أن تبدل أيضاً وتحذف وتمد لتدل المدة على الأصل لأن الحذف عارض. وفي الوقف على بناء المنصوب أوجه:

- "بناء" بهمزة مفتوحة بعدها ألف، وقبلها ألف، فتمد قبل الهمزة مداً مشبعاً، وبعدها مداً ممكناً، وعليه أكثر القراء.

- والثاني: أن تجعل الهمزة بين بين، وتمد. وهو مذهب حمزة في الوقف.

- والثالث: أن تحذف الهمزة، وتحذف الألف لالتقاء ألفين، ولا تمد، فيصير بلفظ المقصور لغة للعرب، لم يقرأ به أحد.

- والرابع: أن تحذف الهمزة والألف على ما ذكرنا، وتمد لتدل على أن أصله المد.

- والخامس: أن تبدل من الهمزة ياء، فتقول "بنايا" لغة للعرب لم يقرأ بها أحد حكى عن العرب: "اشتريت مايا"، يريدون ماء يشبهونه بـ "خطايا". وقد كان أصل خطاياءا، منقول من خطائي، ثم أبدلوا من الهمزة ياء.

وقد قال ابن كيسان: "لا يكتب هذا المثال إلا بألفين، وإن شئت بثلاث ألفات وهو الأصل فيها. وكتب في المصاحف بألف واحدة اختصاراً".

* *

وقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً﴾.

أي مهاداً، لا حزنة كلها، ولا جبال كلها.

وقال بعض الصحابة في قوله: ﴿ٱلسَّمَاءَ بِنَآءً﴾، "بني السماء على الأرض كهيئة القبة، فهي سقف على الأرض".

* *

وقوله: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ الآية.

في الوقف على "السماء" المخفوض و "ماء". كالذي في الأول. "وبناء" مثل "ماء" في النصب.

* *

وقوله: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾.

"مِنْ" للتبعيض. و "السماء" في هذا الموضع يراد بها السحاب، لأن الماء منها ينزل كما قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً﴾ [النبأ: ١٤]. والمعصرات السحائب وكل ما علا فوقك فهو سماء. وسقف البيت سماؤه، وهو سماء لمن تحته.

* *

وقوله: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾.

أي أمثالاً. ونِدُّ الشيء مثله، والند خلاف الضد.

وقيل: شركاء. وقيل: أشباها. وقيل: أكفاء.

وروى ابن مسعود "أنه سأل النبي [عليه السلام] أي الذَّنْبِ …

Al-Baqara 2:22Listen in Qur'an →
23

وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

And if you are in doubt about what We have sent down upon Our Servant [Muhammad], then produce a surah the like thereof and call upon your witnesses other than Allah, if you should be truthful.

قوله: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ الآية.

أي إن كنتم أيها الناس في شك من القرآن أنه ليس من عند الله فأتوا بسورة من مثل القرآن.

وقيل: من مثل محمد ﷺ في صدقه وأمانته. وقال ابن كيسان: "معناه أنهم زعموا أن محمداً شاعر وأنه ساحر، فقيل: إيتوا بسورة من مفترٍ أو من شاعر أو من ساحر.

وقيل: معنى: "من مثله" من مثل التوراة والإنجيل.

والاختيار عند الطبري أن يكون معناه من مثل القرآن في بيانه، دليله قوله تعالى في موضع آخر: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨]. ولا يحسن هنا إلا مثل القرآن. فحمل الآيتين على معنى واحد أولى. ولم يعن بقوله: ﴿مِّن مِّثْلِهِ﴾ إذا جعلت الهاء للقرآن في التأليف والمعاني لأنه لا مثل للقرآن إنما عني ﴿مِّن مِّثْلِهِ﴾ في البيان لأن الله أنزله بلسان عربي مبين. فقيل لهم: كلامكم فيه البيان، وهذا القرآن فيه البيان فأتوا من كلامكم بسورة مثل القرآن في البيان، فأما التأليف والمعاني والرَّصف، فهي معان، بَايَن القرآن فيها المخلوقات، فلا مثل له في ذلك، يضاف إليه فاعلمه.

وفي اشتقاق السورة أربعة أقاويل:

- قيل: سميت سورة لأنها يرتفع بها من منزلة إلى منزلة، ويشرف فيها قارئها وحافظها على ما لم يكن عنده من العلم كإشرافه على سور البناء، فهي [منزلة رفعة].

كما قال:

ألَمْ تَرَ أنَّ الله أعْطَاكَ سورة.

أي منزلة في الشرف.

- والثاني: إنما قيل لها سورة: لتمامها وكَمَالِهَا. يقال للناقة التامة: السورة.

- والثالث: إنما سميت سورة لشرفها وارتفاعها في القَدْرِ، كما يقال لما ارتفع من البناء على هيئة سور.

- والرابع: إنما سميت سورة لأنها بقية من القرآن وقطعة منه: يقال: "أَسْأَرْتُ في الإناء سُؤراً، أي أبقيت فيه بقية، "ودخل فلان في سائر الناس" أي في بقاياهم. فيكون أصله على هذا القول الرابع الهمز.

* *

قوله: ﴿وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم﴾.

أي ادعوا آلهتكم للمعونة على الإتيان بسورة من مثل القرآن.

وقيل: شهداءكم. معناه: أعوانكم على ما أنتم عليه.

وقيل: معناه: ادعوا شهداءكم إذا أتيتم بالسورة يشهدون لكم أنها مثل القرآن. ومعنى ادعوهم: استعينوا بهم.

وقيل: الشهداء العلماء، أي استعينوا بهم على ذلك، وواحد الشهداء شهيد، وواحد الشهود شاهد، وواحد الأشهاد شهيد وشاهد أيضاً، وهو من نوادر الجموع.

فإن قيل لك: قد قال الله تعالى لهم في موضع آخر: ﴿فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ﴾ [هود: ١٣] وهم قد عجزوا عن الإتيان بسورة، وإنما يطالب من عجز عن الشيء بأقل منه لا بأكثر.

- فالجواب عن ذلك أن قوله تعالى: ﴿فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]، نزل قبل: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ﴾ لأن الأول مكي وهذا مدني، فلما عجزوا عن عشر سور، قيل لهم: فأتوا بسورة.

وقيل: إنما طولبوا في البقرة بسورة من مثله غير محدودة في مدح و [لا] ذم ولا تعظيم ولا غيره، بل تجمع معاني كما تجمع ذلك سور القرآن، وكلفوا في العشر السور أن تكون مفتريات، ومن كلف معنى واحداً أخف ممن كلف معاني لا تحصى ولا تدرك.

فالتكليف في سورة البقرة أثقل وأضعف، وإن كانت سورة واحدة، وهو في هود أخف، وإن كان بعشر سور لأنها في معنى واحد وقع بها التكليف في هود، وفي معان كثيرة وقع بها التكليف في البقرة.

Al-Baqara 2:23Listen in Qur'an →
24

فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ

But if you do not - and you will never be able to - then fear the Fire, whose fuel is men and stones, prepared for the disbelievers.

قوله: ﴿وَلَن تَفْعَلُواْ﴾.

أعلمهم الله أنهم لا يقدرون على ذلك، فهو رد ونفي لما كلفوا، أي إن كنتم صادقين. ﴿وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ أي لن تطيقوا ذلك أبداً. فعلى هذا التأويل لا يحسن الوقف على "صادقين".

* *

قوله: ﴿ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾.

و "الوقود" بفتح الواو: الحطب، وبضم الواو: التوقد.

وحكى الأخفش عن بعض العرب أن الفتح والضم معاً بمعنى الحطب.

وقال الكسائي: "الفتح هو الحطب، والضم هو الفعل"، يعني المصدر.

فعلى هذا لا تحسن القراءة إلا بفتح الواو لأنه تعالى أخبر أن الذي تتوقد به النار هو الناس أعاذنا الله منها ووفقنا لما ينجينا منها، وختم لنا بخير يبعدنا منها. ﴿وَٱلْحِجَارَةُ﴾. قيل: يعني حجارة الكبريت.

وقيل: هي حجارة من كبريت خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض.

وعن النبي [عليه السلام] أنه قال: "هِيَ حِجَارَةٌ مِنْ كِبْرِيتٍ أَسْوَدَ فِي النَّارِ

وروى أصبغ بن الفرج "أن عيسى بن مريم عليه السلام بينما هو في سياحته إذ سمع أنيناً فمضى إليه يؤمه حتى انتهى إليه، فإذا هو حجر يبكي، فقال له عيسى: ألا أراك تبكي وأنت حجر؟ قال: نعم يا روح الله إني أسمع الله يقول: ﴿نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] فادع [لي الله] يا روح الله ألا يجعلني منها".

وعلى ذلك أكثر أهل اللغة أن "الوَقُود" بالفتح الحطب، وبالضم التلهب.

وقد روي عن الحسن وطلحة بن مصرف ومجاهد أنهم قرأوا بالضم فيكون ذلك على اللغة التي حكاها الأخفش أن الفتح والضم بمعنى الحطب.

Al-Baqara 2:24Listen in Qur'an →
25

وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا۟ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍۢ رِّزْقًۭا ۙ قَالُوا۟ هَٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا۟ بِهِۦ مُتَشَٰبِهًۭا ۖ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

And give good tidings to those who believe and do righteous deeds that they will have gardens [in Paradise] beneath which rivers flow. Whenever they are provided with a provision of fruit therefrom, they will say, "This is what we were provided with before." And it is given to them in likeness. And they will have therein purified spouses, and they will abide therein eternally.

قوله: ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ﴾.

البشارة والبشرى في اللغة من البشرة؛ فإذا قيل: استبشر فلان، فمعناه ظهر أمر في بشرته. وسميت الجنة جنة لأنها تجن من دخلها، أي تستره أشجارها وثمارها.

والجنة عند العرب البستان ذو النخل والشجر.

* *

وقوله: ﴿مِن تَحْتِهَا﴾.

أي من تحت شجرها ومساكنها، أي من دونها. يقال: داري تحت دارك، أي دونها، أي بجوارها.

قوله: ﴿قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾.

معناه: أنهم لما أتوا بِثِمارِ الجنة شبهوها بثمار الدنيا في المنظر، وهي مخالفة لها في الطعم والرائحة، فمعنى ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي في الدنيا.

وقيل: المعنى: قالوا: هذا الذي رزقنا وعدنا به في الدنيا.

وقيل: معناه: إنهم أتوا بثمار في الجنة فأكلوا، ثم أتوا بمثلها في المنظر ومخالفاً في الطعم، فقالوا عند نظرهم إلى الثانية: هذا الذي أكلنا من قبل، أي من قبل هذا الوقت في الجنة. فيخبرون أن الطعم مختلف.

* *

قوله: ﴿وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً﴾.

أي يشبه بعضه بعضاً في المنظر ويختلف في الطعم والرائحة، وذلك أَجَلٌّ في الملك والنعيم. وهذا القول مروي عن ابن مسعود وابن عباس. وهو مرفوع إلى النبي ﷺ.

وقيل: معنى ﴿مُتَشَٰبِهاً﴾ أي أنه خيار حسن لا رذل فيه؛ يشبه بعضه بعضاً في الطيب والحسن. وهو قول الحسن. واحتج بأن ثمار الدنيا فيها الحسن والرذل والوسط، وثمار الجنة خيار كله.

وقيل: معنى ﴿مُتَشَٰبِهاً﴾: أي يشبه اسمه اسم ثمار الدنيا، إلا أنه لا يشبهه في الطعم ولا في اللون ولا في الرائحة، وهو قول مروي عن عبد الرحمن بن زيد وعن ابن عباس.

* *

قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾.

أي مطهرة من أوساخ بني آدم؛ لا يحضن ولا يتمخطن ولا يتغوطن ولا يبلن، فهن سالمات من جميع الأقذار ولا يلدن.

Al-Baqara 2:25Listen in Qur'an →
26

۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِۦٓ أَن يَضْرِبَ مَثَلًۭا مَّا بَعُوضَةًۭ فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًۭا ۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرًۭا وَيَهْدِى بِهِۦ كَثِيرًۭا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلْفَٰسِقِينَ

Indeed, Allah is not timid to present an example - that of a mosquito or what is smaller than it. And those who have believed know that it is the truth from their Lord. But as for those who disbelieve, they say, "What did Allah intend by this as an example?" He misleads many thereby and guides many thereby. And He misleads not except the defiantly disobedient,

قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً﴾.

حكى الطبري أن "يستحيي" بمعنى "يخشى"، كما وقع "يخشى" بمعنى "يستحيي" في قوله: ﴿وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. أي وتستحيي من الناس.

و "تستحيي" فعل عينه ولامه حرفا علة صحت عينه واعتلت لامه، فتقول في الاسم: "هو مُسْتَحِي" بحذف لام الفعل في الرفع والخفض كقاض، وإثبات عينه. وتثبت اللام مع الغين في النصب، وتقول في التثنية: "رأيتهما مسْتَحْيِيَيْن" بثلاث ياءات فإن جمعت قلت: "هَؤُلاَءِ مُسْتَحْيُونَ"، بياء واحدة في الرفع. وفي النصب والخفض، "مُسْتَحْيينَ" بياءين. فالأولى عين الفعل، والثانية ياء الجمع، ولام الفعل محذوفة في الجمع المنصوب والمرفوع والمخفوض لأن العلة لحقتها، بأن استثقلت عليها الحركة وهي كسرة لأن أصلها "مُسْتَحْيُونَ". فلما سكنت حذفت لسكونها وسكون الحاء قبلها. وبنو تميم يحذفون لام الفعل، ويعلون العين في الجمع، فيقولون: هُمْ مُسْتَحُونَ".

ومن العرب من يحذف إحدى الياءين في الفعل فيقول: "يَسْتَحِي"، فيلقي حركة الياء الأولى على الحاء، فيكسرها ويحذف الياء لالتقاء الساكنين.

* *

وقوله: ﴿أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً﴾.

معناه: إن الله جَلَّ ذكره لما ضرب المثل بالصيب وبالذي استوقد ناراً، قال المنافقون: "الله أعظم من أن يضرب مثلاً بهذا"، فأنزل الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً﴾ الآية.

قال الربيع: "هو مثل ضربه الله للدنيا، وذلك أن البعوضة تَحْيَا ما جاعت، فإذا شبعت ماتت، فكذلك الكافر إذا امتلأ من الدنيا أخذه الله، كما قال: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤].

وقال قتادة: "معناه إن الله لا يستحيي أن يذكر شيئاً من الحق قَلَّ أوْ كَثُرَ".

وقيل: إن هذا المثل مردود على "ما" في غير هذه السورة، وذلك أن الله جَلَّ ذكره لما ضرب المثل بالعنكبوت والذباب تكلموا وقالوا: ماذا أراد الله بهذا مثلاً، كما حكى الله تعالى عنهم فأنزل الله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً﴾ الآية.

واختار الطبري أن يكون مردوداً على إنكارهم للأمثال في هذه السورة دون غيرها.

* *

وقوله: ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً﴾.

"ما" و "ذا" اسم واحد للاستفهام في موضع نصب بـ "أراد" تقديره: أي شيء أراد الله.

﴿مَثَلاً﴾: نصب على التفسير.

ويجوز أن [تكون "ما"] استفهاماً في موضع رفع بالابتداء. و "ذا" بمعنى "الذي"، "وهو" الخبر وصلته ما بعده. وأراد" واقع على هاء محذوفة، أي أراده الله.

* *

ومعنى ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ أي دونها في الصغر.

وقيل: معناه: فما أكبر منها، وهو اختيار الطبري، لأن البعوضة متناهية في الصغر، وإن كان ثم ما هو أصغر منها.

* *

قوله: ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾.

أي يعلمون أن هذا المثل حق.

* *

قوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً﴾.

أي يضل بهذا المثل خلقاً كثيراً، وهذا من قول المنافقين.

وقيل: هو من قول الله جَلَّ ذكره، ودَلَّ عليه قوله: ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾، وهذا لا يكون من قول المنافقين لأنهم لا يقرون أن هذا المثل يهدى به أحد، فهو من قول الله بلا اختلاف. وكذلك قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ﴾ هو من قول الله؛ إذ لا يجوز أن يكون من قول المنافقين، لأنهم قد ضلوا به، ولا يقرون على أنفسهم بالفسق. فكذلك يجب أن يكون الذي قبله. ويدل على أنه كله من قول الله عز وجل قوله في موضع آخر: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [المدثر: ٣١] يعني المنافقين ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ﴾ [المدثر: ٣١].

فقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ يعني به …

Al-Baqara 2:26Listen in Qur'an →
27

ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

Who break the covenant of Allah after contracting it and sever that which Allah has ordered to be joined and cause corruption on earth. It is those who are the losers.

وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ﴾.

العهد هاهنا، هو ما أخذه الله عليهم إذ أخرجهم من ظهر آدم وبنيه كالذر، ودليله قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢].

وقيل: العهد هاهنا هو ما أخذه الله على النبيين ومن اتبعهم ألا يكفروا بمحمد ﷺ ودليله قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران: ٨١].

* *

قوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾.

معناه: يقطعون أمر دينه لئلا يتبع فيوصل الإيمان به.

وقيل: معناه: يقطعون الرحم والقرابة التي بينهم وبين النبي ﷺ وأصحابه، لأنهم إذا كذبوه فقد قطعوه. فَـ "أَنْ" في موضع خفض على البدل من الهاء في "به" أو في موضع نصب على البدل من "ما" أو على أنه مفعول من أجله.

* *

قوله: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ﴾.

الفساد في الأرض في هذا الموضع عبادة غير الله تعالى: [وهي أعظم الفساد].

* *

وقوله: ﴿أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ﴾.

أصل الخسران النقص. والخاسر الناقص نفسه حظها من رحمة الله [عز وجل] بمعصيته كما يخسر الرجل في تجارته.

وقيل: معنى "الخاسرين" الهالكون.

Al-Baqara 2:27Listen in Qur'an →
28

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًۭا فَأَحْيَٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

How can you disbelieve in Allah when you were lifeless and He brought you to life; then He will cause you to die, then He will bring you [back] to life, and then to Him you will be returned.

قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ﴾ الآية.

أي من أين يتجه لكم الكفر بالله مع نعمه عليكم إذ كنتم أمواتاً فأحياكم. أي لم تكونوا شيئاً فأوجدكم.

وفي "كيْفَ" معنى التعجب من فعلهم وليست باستفهام، ولكنها توبيخ وتعجب.

والعرب تسمي الشيء الممتنع ميتاً؛ يقولون: "هَذَا أَمْرٌ مَيِّتٌ" إذا كان ممتنعاً.

وقيل: معناه كنتم تراباً، يعني به آدم ﷺ فجعلكم ذوي حياة.

وقيل: معناه فأحياكم يعني في القبر للمساءلة ثم يميتكم في القبر بعد المساءلة، ثم يحييكم يوم القيامة. ويلزم قائل هذا أن تكون الآية إنما خوطب بها أهل القبور، وذلك بعيد إلا أن يحمل على أنه [خطاب لمن حضر]. والمراد به آباؤهم وأسلافهم.

ويكون "تكفرون" بمعنى في موضع "كفرتم" وفيه بعد. و "قد" مضمرة مع "كنتم" لأنه حال مما قبله.

وقيل: المعنى أنهم كانوا أمواتاً في أصلاب الآباء ثم أحياهم في الأرحام، ثم يميتهم في الدنيا عند انقضاء آجالهم، ثم يحييهم يوم القيامة.

وقيل: المعنى أنه أحياهم إذ أخرجهم من ظهر آدم لأخذ الميثاق، وقد كانوا أمواتاً لا حياة فيهم.

وقيل: أيضاً: الموتة الأولى هي موتة النطفة في وقت خروجها من الرجل إلى الرحم لأن كل ما في الحي فهو حي حتى [يفارقه فيكون] في عداد الأموات، وكذلك الأعضاء إذا فارقت الحي فهي ميتة، فكل ما في الإنسان من أعضائه وما يلزم جسده حي حتى يفارقه فيكون ميتاً.

وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: "أماته ثم أحياه في قبره - يعني لِلْمُسَاءَلَةِ - ثم أماته، ثم أحياه يوم القيامة". وهذا قول قد تقدم نظيره.

وقال ابن مسعود: "هي مثل قوله: ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]".

وسترى تفسير هذا في موضعه.

وقد قيل: إن معنى الآية: وكنتم أمواتَ الذِّكْرِ، فأحياكم حتى ذكرتم، ثم يميتكم، أي يردكم رفاتاً لا تذكرون، ثم يحييكم للحساب والجزاء فتذكرون.

وهو مروي عن ابن عباس. وهو اختيار الطبري.

والهاء في ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تعود على الله عز وجل.

وقيل: تعود على الأحياء للخلود في الجنة، أو في النار، أي ثم إلى الأحياء ترجعون. والأول أحسن.

Al-Baqara 2:28Listen in Qur'an →
29

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍۢ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ

It is He who created for you all of that which is on the earth. Then He directed Himself to the heaven, [His being above all creation], and made them seven heavens, and He is Knowing of all things.

قوله: ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ﴾.

معناه: أقبل عليها. تقول العرب: "فلان مقبل على فلان، ثم استوى إليَّ يمشي"، أي أقبل إليّ.

وقيل: معناه تحول أمره وفعله إلى السماء.

وقال القتبي: "استوى، عمد إليها".

وقال ابن كيسان: "استوى قصد".

قال غيره: "معناه قصد إلى خلقها بالإرادة لا بالانتقال".

يقال: "لما استويت إلى موضع كذا، ظهر لي كذا"، أي لما قصدت بإرادتي إلى أمر كذا، ظهر لي كذا.

وقيل: استوى: استولى. تقول العرب: "استوى فلان على المملكة". أي استولى عليها واحتوى عليها.

واختار الطبري وغيره أن يكون "استوى" بمعنى "علا" على المفهوم في لسان العرب. قال أبو محمد: وليس: "علا" في هذا المعنى أنه تعالى علا من سفل كان فيه إلى علو، ولا هو علو انتقال من مكان إلى مكان، ولا علو بحركة تعالى الله ربنا عن ذلك كله، لا يجوز أن يوصف بشيء من ذلك، لأنها صفات توجب الحدوث للموصوف بها، والله جَلَّ ذكره أول بلا نهاية لكن نقول: إنه علو قدرة واقتدار ولم يزل تعالى قادراً له الأسماء الحسنى والصفات العلا.

فإنما دخلت "ثمَّ" في قوله: ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ﴾ بمعنى القصد لخلق ما أراد أن يخلق على ما تقدم في علمه قبل، بلا أمد.

والهاء في ﴿فَسَوَّٰهُنَّ﴾ تعود على السماء لأنها جمع سماوة.

وقيل: السماء تدل على الجمع.

وقيل: لما كانت السماء واسعة الأقطار، يقع على كل قطر منها اسم سماء جمع على هذا المعنى. والمعنى فَسَوَّى منهن سبع سماوات.

وقيل: سبع سماوات بدل من الهاء والنون، فلا تقدير حرف جر على هذا محذوف منه. وقد روي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهم في تفسير ذلك: "أن الله جَلَّ ذكره كان عرشه على الماء كما أخبرنا به في كتابه. قالوا: ثم أخرج من الماء دخاناً، فارتفع الدخان فوق الماء، فسما الدخان على الماء فَسَمَّاه سماء. ثم إنه تعالى بقدرته أيبس الماء، فجعله أرضاً واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين وذلك في يوم الأحد ويوم الاثنين، وجعل الأرض على حوت وهو النون، والحوت في الماء، والماء على ظهر صفا، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة على الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان، فهي ليست في الأرض، ولا في السماء، فتحرك الحوت واضطرب، فتزلزلت الأرض فأرسى عليها الجبال، فذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١]. وخلق الجبال في الأرض وجعل فيها أقوات أهلها وشجرها ومصالحها في يومين، الثلاثاء والأربعاء، ودل على ذلك قوله: ﴿خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ٩-١٠] - يعني اليومين الأولين والآخرين -، ثم قال: ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]. فجعل الدخان سماء واحدة، ثم فتقها سبع سماوات، وذلك في يومين الخميس والجمعة، ولذلك سمي يوم الجمعة لأنه اجتمع فيه تمام خلق السماوات والأرضين".

وقال مجاهد: "خلق الله الأرض قبل السماء، فثار منها دخان، فخلق منه السماوات". وقد ذكر الله خلق الأرض قبل السماء في سورة السجدة، ثم ذكر في "والنازعات" دحو الأرض بعد السماء، فقال: ﴿وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، فقال ابن عباس في معنى ذلك: "إنه تعالى خلق الأرض بأقواتها قبل السماء غير أنه لم يدحها، ثم خلق السماوات، ثم دحا الأرض بعد ذلك".

وقال ابن سلام: "بدأ الله الخلق يوم الأحد ، فخلق الأرضين يوم الأحد والاثنين، وخلق الأقوات والجبال في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السماوات في الخميس والجمعة وخلق آدم ﷺ في آخر ساعة من يوم الجمعة".

قال أبو محمد: ولو شاء تعالى ذكره لخلق ذلك كله في أقل من طرف عين، يفعل ما يشاء لا إله إلا هو، لا معقب لحكمه.

* *

قوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .

أي …

Al-Baqara 2:29Listen in Qur'an →
30

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And [mention, O Muhammad], when your Lord said to the angels, "Indeed, I will make upon the earth a successive authority." They said, "Will You place upon it one who causes corruption therein and sheds blood, while we declare Your praise and sanctify You?" Allah said, "Indeed, I know that which you do not know."

قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ﴾ الآية.

معناه: واذكر يا محمد إذ قال ربك.

وقيل: معناه: ابتدأ خلقكم ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ﴾ لأنه ذكر معنى ذلك قبل هذا فقال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] أي خلقكم إذ قال ربك. ودخلت الواو في "إذ" عطفاً على ما قبلها لأنه تعالى ذكر خلقه نعمه في إحيائهم بعد الموت، وأنه [خلق لهم] ما في الأرض جميعاً، وسوى لهم السماوات وغير ذلك من نعمه فعدد على خلقه نعمه. ثم قال: واذكروا فعلي بأبيكم آدم إذ قلت للملائكة اسجدوا له تفضيلاً له وابتلاء للملائكة. وإلى هذا المعنى ذهب الطبري في هذه الواو، [وفي و "إذا"].

* *

وقوله: ﴿لِلْمَلَٰئِكَةِ﴾، اختلف في اشتقاق "ملك" وتقديره ومعناه.

فقيل: واحدها مَلَكٌ، وأصله "ملأك" على وزن "مَفْعَل"، الهمزة بعد اللام وهي عين الفعل فجمع على الأصل على مفاعل، فقيل: "مَلائِكٌ" وزيدت الهاء للمبالغة. وقيل لتأنيت الصيغة.

وقال ابن كيسان: "هو مشتق من "ملكت"، والهمزة في "مَلأْك" زائدة كزيادتها في شَمْأَلٍ، إذ هو من "شملت الريح" أي عمت".

وقال غيره: هو مشتق من الأُلُوكَةِ، وهي الرسالة بالهمزة بالفعل لكن قلبت همزته وهي فاء، فصارت عيناً فأخرت بعد اللام وأَصْلُها "مَأْلَكٌ" ثم نقلت الهمزة بعد اللام فصارت "مَلَكاً"، وجمع على ذلك، ولم يرد إلى أصله وكان حقه أن يرده الجمع إلى أصله، [فخرج عن الأصل في الجمع].

وقيل: هو مشتق من المَلأَكَةِ وهي الرسالة أيضاً حكاها أبو عبيد، يقال: "لأَكَ إِليهِ يَلأَكُ مَلأَكَةً" إذا أرسل إليه رسالة.

ويقال في لغة أخرى: "أَلَكَْتُ إِلَيْهِ أَألْكُ مَأْلَكَةً" إذا أرسلت.

فعلى القول الأول من هذين القولين يكون "مَلَكٌ" مخفف الهمزة، ألقيت حركة الهمزة على اللام وأصله "مَلأَكٌ"، وجمعه "مَلاَئِكَةٌ". والهمزة عين الفعل ولا قلب فيه، إنما فيه في الواحد تخفيف الهمزة [بنقل حركتها] إلى الساكن قبلها وهو اللام.

وعلى القول الثاني يكون "مَلأَكٌ" مقلوباً وأصله: "مَأْلَكٌ"، والهمزة فاء الفعل، ثم قلبت الهمزة، فصارت بعد اللام، ثم خففت الهمزة فألقيت حركتها على اللام قبلها كالأول فصار ملكاً، فجمع على قلبه، ولم يرده الجمع إلى أصله لقلة استعماله بالهمز في الواحد. ولو جمع على أصله لقال: "مَآلِكَة"، ولكن لم يسمع جمعه على الأصل.

قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.

معناه: إني جاعل في الأرض خلقاً يخلف بعضهم بعضاً لا بقاء لهم.

وقيل: معناه: إني جاعل في الأرض خلقاً يخلفون من كان فيها ممن هلك، وذلك أن أهل التفسير ذكروا أنه روي أن الأرض كان فيها خلق من الجن فأفسدوا فيها فأهلكهم الله. والهاء في "خليفة" للمبالغة.

وقيل: دخلت لأنه بمعنى داهية في المدح والذم، بمعنى بهيمة. قاله الفراء.

وقيل: الهاء [لتأنيث الصيغة]، وهي بمعنى فاعلة على هذا القول كرحيم بمعنى راحم. وعلى القول الأول يكون خليفة: فعيلة، بمعنى مفعولة أي مخلوقة؛ أي يخلف بعضهم بعضاً لا بقاء لهم، فكل واحد مخلوف، لأن من يأتي من بعده يخلفه، فهو كجريح وقتيل، بمعنى مجروح ومقتول.

ومعنى "جاعل" خالق ومستخلف.

قال ابن عباس: "أخرج الله آدم ﷺ من الجنة قبل أن يخلقه، وقرأ ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. يريد أنه [قدَّر ذلك وعلمه وشاءه] قبل أن يخلق آدم.

* *

قوله: ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ الآية.

روى كثير من المفسرين أن الملائكة علمت بفساد من سكن الأرض من الجن وسفكهم للدماء، فقالوا على طريق الاسترشاد وطلب الفائدة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ﴾؛ أي أيكونون مثل أولئك الذين أفسدوا؟، فسألوا مسترشدين لا منكرين، إذ لا علم عندهم بما يكون من أمر الخليفة التي أعلمهم الله أنه خالقها.

وقيل: إنهم قالوا ذلك على طريق التعجب كما تقول العرب "أتحسن إلى فلان وهو يسيء …

Al-Baqara 2:30Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.