Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 21–30 of 286

21

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

O mankind, worship your Lord, who created you and those before you, that you may become righteous -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢١ ] ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾

﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ عُلُوَّ طَبَقَةِ كِتابِهِ الكَرِيمِ، وتَحَزَّبَ النّاسُ في شَأْنِهِ إلى ثَلاثِ فِرَقٍ: مُؤْمِنَةٍ بِهِ مُحافِظَةٍ عَلى ما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ. وكافِرَةٍ قَدْ نَبَذَتْهُ وراءَ ظَهْرِها بِالمُجاهَرَةِ والشِّقاقِ، وأُخْرى مُذَبْذَبَةٌ بَيْنَهُما بِالمُخادَعَةِ والنِّفاقِ، وما اخْتَصَّتْ بِهِ كُلُّ فِرْقَةٍ مِمّا يُسْعِدُها ويُشْقِيها، ويُحْظِيها عِنْدَ اللَّهِ ويُرْدِيها؛ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ - وهو مِن الِالتِفاتِ المَذْكُورِ عِنْدَ قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] - وهو فَنٌّ مِنَ الكَلامِ جَزْلٌ، فِيهِ هَزٌّ وتَحْرِيكٌ مِنَ السّامِعِ -كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ لِصاحِبِكَ حاكِيًا عَنْ ثالِثٍ لَكُما: إنَّ فُلانًا مِن قِصَّتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، فَقَصَصْتَ عَلَيْهِ ما فَرَطَ مِنهُ، ثُمَّ عَدَلْتَ بِخِطابِكَ إلى الثّالِثِ، فَقُلْتَ: يا فُلانُ ! مِن حَقِّكَ أنْ تَلْزَمَ الطَّرِيقَةَ الحَمِيدَةَ في مَجارِي أُمُورِكَ، وتَسْتَوِي عَلى جادَّةِ السَّدادِ في مَصادِرِكَ ومَوارِدِكَ - نَبَّهْتَهُ بِالتِفاتِكَ نَحْوَهُ فَضْلَ تَنَبُّهٍ، واسْتَدْعَيْتَ إصْغاءَهُ إلى إرْشادِكَ زِيادَةَ اسْتِدْعاءٍ؛ وأوْجَدْتَهُ، بِالِانْتِقالِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُواجَهَةِ هازًّا مِن طَبْعِهِ، ما لا يَجِدُهُ إذا اسْتَمْرَرْتَ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ، وهَكَذا الِافْتِنانُ في الحَدِيثِ والخُرُوجُ فِيهِ مِن صِنْفٍ إلى صِنْفٍ، يَسْتَفْتِحُ الآذانَ لِلِاسْتِماعِ، ويَسْتَهِشُّ الأنْفُسَ لِلْقَبُولِ، وإنَّما كَثُرَ النِّداءُ في كِتابِهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ (يا أيُّها النّاسُ) لِاسْتِقْلالِهِ بِأوْجُهٍ مِنَ التَّأْكِيدِ، وأسْبابٍ مِنَ المُبالَغَةِ. كالإيضاحِ بَعْدَ الإبْهامِ. واخْتِيارُ لَفْظِ البَعِيدِ، وتَأْكِيدُ مَعْناهُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ.

ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ما نادى اللَّهُ لَهُ عِبادَهُ: مِن أوامِرِهِ، ونَواهِيهِ وعِظاتِهِ، وزَواجِرِهِ، ووَعْدِهِ، ووَعِيدِهِ، واقْتِصاصِ أخْبارِ الأُمَمِ الدّارِجَةِ عَلَيْهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ. . مِمّا أنْطَقَ بِهِ كِتابَهُ - أُمُورٌ عِظامٌ، وخُطُوبٌ جِسامٌ، ومَعانٍ عَلَّمَهم أنْ يَتَيَقَّظُوا لَها، ويَمِيلُوا بِقُلُوبِهِمْ وبَصائِرِهِمْ إلَيْها وهم عَنْها غافِلُونَ فاقْتَضَتِ الحالُ أنْ يُنادُوا بِالآكَدِ الأبْلَغِ - . أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - .

والمُرادُ بِالنّاسِ: كافَّةُ المُكَلَّفِينَ - مُؤْمِنُهم وكافِرُهُمْ- فَطَلَبُ العِبادَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ طَلَبُ الزِّيادَةِ فِيها، والثَّباتِ عَلَيْها، ومِنَ الكافِرِينَ ابْتِداؤُها "الَّذِي خَلَقَكُمْ" أنْعَمَ عَلَيْكم بِإخْراجِكم مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ "و" –خَلَقَ-: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ أيْ: كَيْ تَتَّقُونَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ [الملك: ٢] وفي إيرادِ "لَعَلَّ"، تَشْبِيهُ طَلَبِهِ تَعالى بِرَجاءِ الرّاجِي مِنَ المَرْجُوِّ مِنهُ أمْرًا هَيِّنَ الحُصُولِ؛ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا وضَعَ في أيْدِي المُكَلَّفِينَ زِمامَ الِاخْتِيارِ، وطَلَبَ مِنهُمُ الطّاعَةَ، ونَصَبَ لَهم أدِلَّةً عَقْلِيَّةً ونَقْلِيَّةً داعِيَةً إلَيْها؛ ووَعَدَ، وأوْعَدَ، وألْطَفَ بِما لا يُحْصى كَثْرَةً، لَمْ يَبْقَ لِلْمُكَلَّفِ عُذْرٌ، وصارَ حالُهُ في رُجْحانِ اخْتِيارِهِ لِلطّاعَةِ مَعَ …

Al-Baqara 2:21Listen in Qur'an →
22

ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًۭا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءًۭ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًۭا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

[He] who made for you the earth a bed [spread out] and the sky a ceiling and sent down from the sky, rain and brought forth thereby fruits as provision for you. So do not attribute to Allah equals while you know [that there is nothing similar to Him].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٢ ] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

" الَّذِي جَعَلَ" - خَلَقَ -: "لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا" بِساطًا ومِهادًا غَيْرَ حَزْنَةٍ، "والسَّماءَ بِناءً" البِناءُ، في الأصْلِ، مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَبْنِيُّ -بَيْتًا كانَ، أوْ قُبَّةً، أوْ خَباءً.

قالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ في مَعْنى الآيَةِ: أيْ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضَهُ بَعْضًا. و"السَّماءَ" يُرادُ بِها الجِنْسُ كالسَّماواتِ، والمَعْنِيُّ بِها الكَواكِبُ السَّيّاراتُ –قالَ-: فَجَمِيعُ السَّماواتِ أوِ الكَواكِبِ كالبِناءِ المُرْتَبِطِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مِن كُلِّ جِهَةٍ، المُتَماسِكُ كَأجْزاءِ الجِسْمِ الواحِدِ بِالجاذِبِيَّةِ الَّتِي تَحْفَظُ نِظامَها في مَداراتِها، وهو جَذْبُ الشَّمْسِ لَها.

"وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ" أيِ: السَّحابُ "ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا" النَّهْيُ مُتَفَرِّعٌ عَلى مَضْمُونِ ذَلِكَ الأمْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذا أُمِرْتُمْ بِعِبادَةِ مَن هَذا شَأْنُهُ - مِنَ التَّفَرُّدِ بِهَذِهِ الأفْعالِ الجَلِيلَةِ - فَلا تَجْعَلُوا لَهُ أنْدادًا شُرَكاءَ في العِبادَةِ، أيْ: أمْثالًا تَعْبُدُونَهم كَعِبادَتِهِ- جَمْعُ نِدٍّ. وهو المَثَلُ، ولا يُقالُ إلّا لِلْمَثَلِ المُخالِفِ المُناوِئِ - فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ صَلَحَ تَسْمِيَتُها أنْدادًا، وهم ما كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّها تُخالِفُهُ وتُناوِئُهُ، بَلْ كانُوا يَجْعَلُونَها شُفَعاءَ عِنْدَهُ ؟ أُجِيبَ: بِأنَّهم لَمّا تَقَرَّبُوا إلَيْها، وعَظَّمُوها، وسَمَّوْها آلِهَةً - أشْبَهَتْ حالُهم حالَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّها آلِهَةٌ مِثْلُهُ قادِرَةٌ عَلى مُخالَفَتِهِ، ومُضادَّتِهِ، فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ. وكَما تَهَكَّمَ بِهِمْ بِلَفْظِ النِّدِّ شَنَّعَ عَلَيْهِمْ، واسْتَفْظَعَ شَأْنَهم، بِأنْ جَعَلُوا أنْدادًا كَثِيرَةً لِمَن لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ قَطُّ.

"وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ" ما بَيْنَهُ وبَيْنَها مِنَ التَّفاوُتِ، وأنَّها لا تَفْعَلُ مِثْلَ أفْعالِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]؛ أوْ وأنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ - والتَّوْبِيخُ فِيهِ آكَدُ - أيْ: أنْتُمُ العَرّافُونَ المُمَيَّزُونَ، ثُمَّ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ في أمْرِ دِيانَتِكم مِن جَعْلِ الأصْنامِ لِلَّهِ أنْدادًا - هو غايَةُ الجَهْلِ، ونِهايَةُ سَخافَةِ العَقْلِ.

ومِمّا يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ - في الِاعْتِبارِ بِهَذِهِ الآيَةِ - ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدَّمَ مِن مُوجِباتِ عِبادَتِهِ، ومُلْزَماتِ حَقِّ الشُّكْرِ لَهُ: خَلْقَهم أحْياءَ قادِرِينَ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ سابِقَةُ أُصُولِ النِّعَمِ، ومُقَدِّمَتُها، والسَّبَبُ في التَّمَكُّنِ مِنَ العِبادَةِ والشُّكْرِ وغَيْرِهِما، ثُمَّ خَلَقَ الأرْضَ، الَّتِي هي مَكانُهم، ومُسْتَقَرُّهُمُ الَّذِي لا بُدَّ لَهم مِنهُ - وهي بِمَنزِلَةِ عَرَصَةِ المَسْكَنِ، ومُتَقَلَّبِهِ، ومُفْتَرِشِهِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ- الَّتِي هي كالقُبَّةِ المَضْرُوبَةِ، والخَيْمَةِ المُطَنَّبَةِ- عَلى هَذا القَرارِ، ثُمَّ ما سَوّاهُ عَزَّ وجَلَّ مِن شَبَهِ عَقْدِ النِّكاحِ بَيْنَ المُقِلَّةِ والمُظِلَّةِ بِإنْزالِ الماءِ مِنها عَلَيْها، والإخْراجِ بِهِ مِن بَطْنِها أشْباهَ النَّسْلِ المُنْتَجِ مِنَ الحَيَوانِ - مِن ألْوانِ الثِّمارِ - رِزْقًا لِبَنِي آدَمَ، لِيَكُونَ لَهم ذَلِكَ …

Al-Baqara 2:22Listen in Qur'an →
23

وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

And if you are in doubt about what We have sent down upon Our Servant [Muhammad], then produce a surah the like thereof and call upon your witnesses other than Allah, if you should be truthful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٣ ] ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَـزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

"وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا" - أيْ: مِنَ القُرْآنِ الَّذِي نَزَّلْناهُ – "عَلى عَبْدِنا" مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، والتَّعْبِيرُ عَنِ اعْتِقادِهِمْ في حَقِّهِ بِالرَّيْبِ - مَعَ أنَّهم جازِمُونَ بِكَوْنِهِ مِن كَلامِ البَشَرِ -كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ" إمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ أقْصى ما يُمْكِنُ صُدُورُهُ عَنْهم - وإنْ كانُوا في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ- هو الِارْتِيابُ في شَأْنِهِ (وأمّا الجَزْمُ المَذْكُورُ فَخارِجٌ مِن دائِرَةِ الِاحْتِمالِ، كَما أنَّ تَنْكِيرَهُ وتَصْدِيرَهُ بِكَلِمَةِ الشَّكِّ لِلْإشْعارِ بِأنَّ حَقَّهُ أنْ يَكُونَ ضَعِيفًا مَشْكُوكَ الوُقُوعِ)، وإمّا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ جَزْمَهم ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الرَّيْبِ الضَّعِيفِ لِكَمالِ وُضُوحِ دَلائِلِ الإعْجازِ، ونِهايَةِ قُوَّتِها، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: وإنِ ارْتَبْتُمْ فِيما نَزَّلْنا. . . إلَخْ، لِما أُشِيرَ إلَيْهِ - فِيما سَلَفَ - مِنَ المُبالَغَةِ في تَنْزِيهِ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ شائِبَةِ وُقُوعِ الرَّيْبِ فِيهِ -حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: "لا رَيْبَ فِيهِ"- والإشْعارُ بِأنَّ ذَلِكَ - إنْ وقَعَ - فَمِن جِهَتِهِمْ لا مِن جِهَتِهِ العالِيَةِ. واعْتِبارُ اسْتِقْرارِهِمْ فِيهِ، وإحاطَتِهِ بِهِمْ، لا يُنافِي اعْتِبارَ ضَعْفِهِ وقِلَّتِهِ: لِما أنَّ ما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ هو دَوامُ مُلابَسَتِهِمْ بِهِ، لا قِلَّتُهُ ولا كَثْرَتُهُ.

وفِي ذِكْرِهِ ﷺ بِعُنْوانِ العُبُودِيَّةِ، مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ - مِنَ التَّشْرِيفِ، والتَّنْوِيهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِصاصِهِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ، وانْقِيادِهِ لِأوامِرِهِ تَعالى - ما لا يَخْفى، والأمْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَأْتُوا بِسُورَةٍ" مِن بابِ التَّعْجِيزِ وإلْقامِ الحَجَرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أوْ مِن بابِ المُجاراةِ مَعَهم -بِحَسَبِ حُسْبانِهِمْ- حَيْثُ كانُوا يَقُولُونَ: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا.

و(السُّورَةُ): الطّائِفَةُ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ المُتَرْجَمَةُ، وأقَلُّها ثَلاثُ آياتٍ، وواوُها أصْلِيَّةٌ، مَنقُولَةٌ مِن سُورِ البَلَدِ - لِأنَّها مُحِيطَةٌ بِطائِفَةٍ مِنَ القُرْآنِ مُفْرِزَةٍ، مُحْوِزَةٍ، أوْ مُحْتَوِيَةٌ عَلى فُنُونٍ رائِقَةٍ مِنَ العُلُومِ، احْتِواءَ سُورِ المَدِينَةِ عَلى ما فِيها، أوْ مِنَ السُّورَةِ الَّتِي هي الرُّتْبَةُ. فَإنَّ سُوَرَ القُرْآنِ مَعَ كَوْنِها في أنْفُسِها رُتَبًا- مِن حَيْثُ الفَضْلُ والشَّرَفُ، أوْ مِن حَيْثُ الطُّولُ والقِصَرُ - فَهي مِن حَيْثُ انْتِظامُها مَعَ أخَواتِها في المُصْحَفِ: مَراتِبُ يَرْتَقِي إلَيْها القارِئُ شَيْئًا فَشَيْئًا. و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن مِثْلِهِ" بَيانِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةً لِسُورَةٍ، والضَّمِيرُ "مِمّا نَزَّلْنا" أيْ: بِسُورَةٍ كائِنَةٍ مِن مِثْلِهِ في عُلُوِّ الرُّتْبَةِ، وسُمُوِّ الطَّبَقَةِ، والنَّظْمِ الرّائِقِ، والبَيانِ البَدِيعِ، وحِيازَةِ سائِرِ نُعُوتِ الإعْجازِ. وقِيلَ "مِن" زائِدَةٌ -عَلى ما هو رَأْيُ الأخْفَشِ- بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إرْشادٌ لَهم إلى إنْهاضِ أُمَّةٍ جَمَّةٍ، لِيَحْتَشِدُوا في حَلَبَةِ المُعارَضَةِ …

Al-Baqara 2:23Listen in Qur'an →
24

فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ

But if you do not - and you will never be able to - then fear the Fire, whose fuel is men and stones, prepared for the disbelievers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٤ ] ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾

"فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا" أيْ: ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الإتْيانِ بِالمِثْلِ، بَعْدَ ما بَذَلْتُمْ في السَّعْيِ غايَةَ المَجْهُودِ "ولَنْ تَفْعَلُوا" اعْتِراضٌ بَيْنَ جُزْأيِ الشَّرْطِيَّةِ، مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ مُقَدَّمِها، ومُؤَكِّدٌ لِإيجابِ العَمَلِ بِتالِيها، وهي مُعْجِزَةٌ باهِرَةٌ: حَيْثُ أخْبَرَ بِالغَيْبِ الخاصِّ - عَلَّمَهُ بِهِ عَزَّ وجَلَّ - وقَدْ وقَعَ الأمْرُ كَذَلِكَ: "فاتَّقُوا النّارَ" جَوابُ الشَّرْطِ، عَلى أنَّ اتِّقاءَ النّارِ كِنايَةٌ عَنْ الِاحْتِرازِ مِنَ العِنادِ، إذْ -بِذَلِكَ- يَتَحَقَّقُ تَسَبُّبُهُ عَنْهُ، وتَرَتُّبُهُ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَإذا عَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ -كَما هو المُقَرَّرُ- فاحْتَرِزُوا مِن إنْكارِ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ؛ فَإنَّهُ مُسْتَوْجِبٌ لِلْعِقابِ بِالنّارِ، لَكِنْ أُوثِرَ عَلَيْهِ الكِنايَةُ المَذْكُورَةُ المَبْنِيَّةُ عَلى تَصْوِيرِ العِنادِ بِصُورَةِ النّارِ، وجَعْلِ الِاتِّصافِ بِهِ عَيْنَ المُلابَسَةِ بِها، لِلْمُبالَغَةِ في تَهْوِيلِ شَأْنِهِ، وتَفْظِيعِ أمْرِهِ، وإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ - بِتَحْذِيرِ المُخاطَبِينَ مِنهُ، وتَنْفِيرِهِمْ عَنْهُ، وحَثِّهِمْ عَلى الجَدِّ في تَحْقِيقِ المَكْنِيِّ بِهِ - وفِيهِ مِنَ الإيجازِ البَدِيعِ ما لا يَخْفى. حَيْثُ كانَ الأصْلُ: فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَقَدْ صَحَّ صِدْقُهُ عِنْدَكم، وإذا صَحَّ ذَلِكَ كانَ لُزُومُكُمُ العِنادَ، وتَرْكُكُمُ الإيمانَ بِهِ، سَبَبًا لِاسْتِحْقاقِكُمُ العِقابَ بِالنّارِ، فاحْتَرِزُوا مِنهُ واتَّقُوا النّارَ "الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ" صِفَةٌ لِلنّارِ مُوَرِّثَةٌ لَها زِيادَةَ هَوْلٍ وفَظاعَةً - أعاذَنا اللَّهُ مِنها بِرَحْمَتِهِ الواسِعَةِ - .

و"الوَقُودُ": ما تُوقَدُ بِهِ النّارُ، وتُرْفَعُ مِنَ الحَطَبِ. وقُرِئَ بِضَمِّ الواوِ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ مُبالَغَةً - كَما يُقالُ: فُلانٌ فَخْرُ قَوْمِهِ، وزَيْنُ بَلَدِهِ - . فَإنْ قِيلَ: صِلَةُ الَّذِي والَّتِي يَجِبُ أنْ تَكُونَ قِصَّةً مَعْلُومَةً لِلْمُخاطَبِ، فَكَيْفَ عَلِمَ أُولَئِكَ أنَّ نارَ الآخِرَةِ تُوقَدُ بِالنّاسِ والحِجارَةِ ؟

قُلْتُ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَتَقَدَّمَ لَهم بِذَلِكَ سَماعٌ مِن آياتِ التَّنْزِيلِ المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْها، أوْ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ. والمُرادُ بِالحِجارَةِ الأصْنامُ، وبِالنّاسِ أنْفُسُهم - حَسْبَما ورَدَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] فَإنَّها مُفَسِّرَةٌ لِما نَحْنُ فِيهِ -، وحِكْمَةُ اقْتِرانِهِمْ مَعَ الحِجارَةِ في الوَقُودِ: أنَّهم لَمّا اعْتَقَدُوا في حِجارَتِهِمُ المَعْبُودَةِ مِن دُونِ اللَّهِ أنَّها الشُّفَعاءُ والشُّهَداءُ الَّذِينَ يَسْتَنْفِعُونَ بِهِمْ، ويَسْتَدْفِعُونَ المَضارَّ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِمَكانِهِمْ، جَعَلَها اللَّهُ عَذابَهم، فَقَرَنَهم بِها مُحْماةً في نارِ جَهَنَّمَ - إبْلاغًا في إيلامِهِمْ، وإغْراقًا في تَحْسِيرِهِمْ، ونَحْوَهُ ما يَفْعَلُهُ بِالكانِزِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا ذَهَبَهم وفِضَّتَهم عِدَّةً وذَخِيرَةً، فَشَحُّوا بِها، ومَنَعُوها مِنَ الحُقُوقِ، حَيْثُ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ. فَتُكْوى جِباهُهم وجُنُوبُهم.

"أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ" هُيِّئَتْ لَهم، وجُعِلَتْ عِدَّةً لِعَذابِهِمْ، والمُرادُ: إمّا جِنْسُ الكُفّارِ -والمُخاطَبُونَ داخِلُونَ فِيهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا- …

Al-Baqara 2:24Listen in Qur'an →
25

وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا۟ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍۢ رِّزْقًۭا ۙ قَالُوا۟ هَٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا۟ بِهِۦ مُتَشَٰبِهًۭا ۖ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

And give good tidings to those who believe and do righteous deeds that they will have gardens [in Paradise] beneath which rivers flow. Whenever they are provided with a provision of fruit therefrom, they will say, "This is what we were provided with before." And it is given to them in likeness. And they will have therein purified spouses, and they will abide therein eternally.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٥ ] ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وهم فِيها خالِدُونَ﴾

"وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ" (البِشارَةُ): الإخْبارُ بِما يُظْهِرُ سُرُورَ المُخْبَرِ بِهِ، ومِنهُ البَشَرَةُ: لِظاهِرِ الجِلْدِ. وتَباشِيرُ الصُّبْحِ ما ظَهَرَ مِن أوائِلِ ضَوْئِهِ. وأمّا "فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ" فَمِنَ العَكْسِ في الكَلامِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الِاسْتِهْزاءُ - الزّائِدُ في غَيْظِ المُسْتَهْزَأِ بِهِ، وتَألُّمِهِ، واغْتِمامِهِ- فَفِيهِ اسْتِعارَةُ أحَدِ الضِّدَّيْنِ لِلْآخَرِ تَهَكُّمًا وسُخْرِيَةً. و"الصّالِحاتِ" ما اسْتَقامَ مِنَ الأعْمالِ أيْ صَلُحَ لِتَرَتُّبِ الثَّوابِ عَلَيْهِ، وقَدْ أجْمَعَ السَّلَفُ عَلى أنَّ الإيمانَ: قَوْلٌ وعَمَلٌ، يَزِيدُ ويَنْقُصُ. ثُمَّ إنَّهُ إذا أطْلَقَ دَخَلَتْ فِيهِ الأعْمالُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: ««الإيمانُ بِضْعٌ وسِتُّونَ شُعْبَةً -أوْ بِضْعٌ وسَبْعُونَ شُعْبَةً- أعْلاها قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأدْناها إماطَةُ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ، والحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ»» .

وإذا عُطِفَ عَلَيْهِ -كَما في هَذِهِ الآيَةِ - فَهُنا، قَدْ يُقالُ: الأعْمالُ دَخَلَتْ فِيهِ، وعُطِفَتْ عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ، وقَدْ يُقالُ: لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ، ولَكِنْ مَعَ العَطْفِ -كَما في اسْمِ الفَقِيرِ والمِسْكِينِ. إذا أفْرَدَ أحَدَهُما تَناوَلَ الآخَرَ، وإذا عَطَفَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ فَهُما صِنْفانِ - وهَذا التَّفْصِيلُ في الإيمانِ هو كَذَلِكَ في لَفْظِ البِرِّ، والتَّقْوى، والمَعْرُوفِ. وفي الإثْمِ، والعُدْوانِ، والمُنْكَرِ، تَخْتَلِفُ دَلالَتُها في الإفْرادِ والِاقْتِرانِ لِمَن تَدَبَّرَ القُرْآنَ.

وقَدْ بَيَّنَ حَدِيثُ جِبْرِيلَ أنَّ الإيمانَ أصْلُهُ في القَلْبِ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ - كَما في المُسْنَدِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ - أنَّهُ قالَ: ««الإسْلامُ عَلانِيَةٌ والإيمانُ في القَلْبِ»» .

وقَدْ قالَ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««ألا إنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلُحَتْ صَلَحَ لَها سائِرُ الجَسَدِ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ لَها سائِرُ الجَسَدِ، ألا وهي القَلْبُ»» .

فَإذا كانَ الإيمانُ في القَلْبِ، فَقَدْ صَلَحَ القَلْبُ، فَيَجِبُ أنْ يَصْلُحَ سائِرُ الجَسَدِ، فَلِذَلِكَ هو ثَمَرَةُ ما في القَلْبِ. فَلِهَذا قالَ بَعْضُهُمُ: الأعْمالُ ثَمَرَةُ الإيمانِ، وصِحَّتُهُ؛ لِما كانَتْ لازِمَةً لِصَلاحِ القَلْبِ، دَخَلَتْ في الِاسْمِ، كَما نَطَقَ بِذَلِكَ الكِتابُ والسُّنَّةُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، هَذا ما أفادَهُ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى "أنَّ لَهم جَنّاتٍ" جَمْعُ (جَنَّةٍ): وهي البُسْتانُ مِنَ النَّخْلِ والشَّجَرِ المُتَكاثِفِ المُظَلِّلِ بِالتِفافِ أغْصانِهِ، وإنَّما سُمِّيَتْ: دارُ الثَّوابِ، بِها مَعَ أنَّ فِيها ما لا يُوصَفُ مِنَ الغُرُفاتِ والقُصُورِ، لِما أنَّها مَناطُ نَعِيمِها، ومُعْظَمُ مَلاذِّها. وجَمْعُها مَعَ التَّنْكِيرِ: لِاشْتِمالِها عَلى جِنانٍ كَثِيرَةٍ في كُلٍّ مِنها مَراتِبُ ودَرَجاتٌ مُتَفاوِتَةٌ بِحَسَبِ تَفاوُتِ الأعْمالِ وأصْحابِها.

وقَوْلُهُ: "تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ" صِفَةُ جَنّاتٍ، ثُمَّ إنْ أُرِيدَ بِها الأشْجارُ، فَجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها الأرْضُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْها، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ -أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها-، وإنْ …

Al-Baqara 2:25Listen in Qur'an →
26

۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِۦٓ أَن يَضْرِبَ مَثَلًۭا مَّا بَعُوضَةًۭ فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًۭا ۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرًۭا وَيَهْدِى بِهِۦ كَثِيرًۭا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلْفَٰسِقِينَ

Indeed, Allah is not timid to present an example - that of a mosquito or what is smaller than it. And those who have believed know that it is the truth from their Lord. But as for those who disbelieve, they say, "What did Allah intend by this as an example?" He misleads many thereby and guides many thereby. And He misleads not except the defiantly disobedient,

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦ ] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ﴾

"إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها" أيْ: يَذْكُرُ مَثَلًا ما. يُقالُ ضَرَبَ مَثَلًا، ذَكَرَهُ، فَيَتَعَدّى لِمَفْعُولٍ واحِدٍ. أوْ صُيِّرَ، فَلِمَفْعُولَيْنِ.

قالَ أبُو إسْحاقَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا﴾ [الكهف: ٣٢] أيِ: اذْكُرْ لَهم. وعِبارَةُ الجَوْهَرِيِّ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا أيْ: وصَفَ وبَيَّنَ. وفي شَرْحِ نَظْمِ الفَصِيحِ: ضَرْبُ المَثَلِ: إيرادُهُ لِيَمْتَثِلَ بِهِ، ويَتَصَوَّرَ ما أرادَ المُتَكَلِّمُ بَيانَهُ لِلْمُخاطَبِ. يُقالُ: ضَرَبَ الشَّيْءُ مَثَلًا، وضَرَبَ بِهِ، وتَمَثَّلَهُ، وتَمَثَّلَ بِهِ. ثُمَّ قالَ: وهَذا مَعْنى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: ضَرْبُ المَثَلِ اعْتِبارُ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ، وتَمْثِيلُهُ بِهِ. و"ما" هَذِهِ اسْمِيَّةٌ إبْهامِيَّةٌ، وهي الَّتِي إذا اقْتَرَنَتْ بِاسْمٍ نَكِرَةٍ أبْهَمَتْهُ إبْهامًا، وزادَتْهُ شِياعًا وعُمُومًا - كَقَوْلِكَ: أعْطِنِي كِتابًا ما،، تُرِيدُ أيَّ كِتابٍ كانَ -كَأنَّهُ قِيلَ: مَثَلًا ما مِنَ الأمْثالِ أيَّ مَثَلٍ كانَ. فَهي صِفَةٌ لِما قَبْلَها. أوْ حَرْفِيَّةٌ مَزِيدَةٌ لِتَقْوِيَةِ النِّسْبَةِ وتَوْكِيدِها -كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا حَقًّا، أوِ البَتَّةَ.

و"بَعُوضَةً" بَدَلٌ مِن "مَثَلًا". أوْ هُما مَفْعُولا "يَضْرِبُ"؛ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الجَعْلِ والتَّصْيِيرِ. ومَعْنى الآيَةِ: إنَّهُ تَعالى لا يَتْرُكُ ضَرْبَ المَثَلِ بِالبَعُوضَةِ، تَرْكَ مَن يَسْتَحْيِي أنْ يَتَمَثَّلَ بِها لِحَقارَتِها. أيْ لا يَسْتَصْغِرُ شَيْئًا يَضْرِبُ بِهِ مَثَلًا -ولَوْ كانَ في الحَقارَةِ والصِّغَرِ كالبَعُوضَةِ- كَما لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ خَلْقِها، كَذَلِكَ لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ ضَرْتِ المَثَلِ بِها. كَما ضَرَبَ المَثَلَ بِالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] وقالَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١] وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أمْثالِ الكِتابِ العَزِيزِ، فَما اسْتَنْكَرَهُ السُّفَهاءُ، وأهْلُ العِنادِ والمِراءِ، واسْتَغْرَبُوهُ مِن أنْ تَكُونَ المُحَقَّراتُ مِنَ الأشْياءِ، ومَضْرُوبًا بِها المَثَلُ- لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلِاسْتِنْكارِ والِاسْتِغْرابِ. مِن قِبَلِ أنَّ التَّمْثِيلَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ لِما فِيهِ مِن كَشْفِ المَعْنى، ورَفْعِ الحِجابِ عَنِ الغَرَضِ المَطْلُوبِ، وإدْناءِ المُتَوَهِّمِ مِنَ المُشاهَدِ. فَإنْ كانَ المُتَمَثِّلُ لَهُ عَظِيمًا، كانَ المُتَمَثِّلُ بِهِ مِثْلَهُ، وإنْ كانَ حَقِيرًا كانَ المُتَمَثِّلُ بِهِ كَذَلِكَ. فَلَيْسَ العِظَمُ والحَقارَةُ في المَضْرُوبِ بِهِ المَثَلُ إذًا، إلّا أمْرًا تَسْتَدْعِيهِ حالُ المُتَمَثَّلِ لَهُ وتَسْتَجِرُّهُ إلى نَفْسِها، فَيَعْمَلُ الضّارِبُ لِلْمَثَلِ عَلى حَسَبِ تِلْكَ القَضِيَّةِ. …

Al-Baqara 2:26Listen in Qur'an →
27

ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

Who break the covenant of Allah after contracting it and sever that which Allah has ordered to be joined and cause corruption on earth. It is those who are the losers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى

[٢٧ ] ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾

"الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ" صِفَةٌ لِلْفاسِقِينَ لِلذَّمِّ، و"العَهْدُ" الَّذِي وُصِفُوا بِنَقْضِهِ: هو وصِيَّةُ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ، وأمْرُهُ إيّاهم بِما أمَرَهم بِهِ مِن طاعَتِهِ، ونَهْيُهُ إيّاهم عَمّا نَهاهم عَنْهُ مِن مَعْصِيَتِهِ في كُتُبِهِ، وعَلى لِسانِ رُسُلِهِ - ونَقْضُهم ذَلِكَ هو تَرْكُهُمُ العَمَلَ بِهِ: "ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ" عامٌّ في كُلِّ قَطِيعَةٍ لا يَرْضاها اللَّهُ تَعالى: كَقَطْعِ الرَّحِمِ، والإعْراضِ عَنْ مُوالاةِ المُؤْمِنِينَ، والتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والكُتُبِ في التَّصْدِيقِ، وسائِرُ ما فِيهِ رَفْضُ خَيْرٍ أوْ تَعاطِي شَرٍّ، فَإنَّهُ يَقْطَعُ ما بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ العَبْدِ مِنَ الوَصْلَةِ الَّتِي هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ مِن كُلِّ وصْلٍ وفَصْلٍ "ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ" بِالمَنعِ عَنِ الإيمانِ، والِاسْتِهْزاءِ بِالحَقِّ، وقَطْعِ الوُصَلِ الَّتِي بِها نِظامُ العالَمِ وصَلاحُهُ: "أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ" لِأنَّهُمُ اسْتَبْدَلُوا النَّقْضَ بِالوَفاءِ، والقَطْعَ بِالوَصْلِ، والفَسادَ بِالصَّلاحِ، وعِقابَها بِثَوابِها. وهَذِهِ الصِّفاتُ المَسُوقَةُ في الآيَةِ صِفاتُ الكُفّارِ المُبايِنَةِ لِصِفاتِ المُؤْمِنِينَ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ الرَّعْدِ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الرعد: ١٩] ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ [الرعد: ٢٠] ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ [الرعد: ٢١] الآياتِ -إلى أنْ قالَ-: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٥]

Al-Baqara 2:27Listen in Qur'an →
28

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًۭا فَأَحْيَٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

How can you disbelieve in Allah when you were lifeless and He brought you to life; then He will cause you to die, then He will bring you [back] to life, and then to Him you will be returned.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى

[٢٨ ] ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

"كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ" التِفاتٌ إلى خِطابِ المَذْكُورِينَ، مَبْنِيٌّ عَلى إيرادِ ما عَدَّدَ مِن قَبائِحِهِمُ السّابِقَةِ، لِتَزايُدِ السُّخْطِ المُوجِبِ لِلْمُشافَهَةِ بِالتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ بِمَعْنى إنْكارِ الواقِعِ، واسْتِبْعادُهُ، والتَّعْجِيبُ مِنهُ، لِأنَّ مَعَهم ما يَصْرِفُ عَنِ الكُفْرِ، ويَدْعُو إلى الإيمانِ "وكُنْتُمْ أمْواتًا" أجْسامًا لا حَياةَ لَها عَناصِرَ، وأغْذِيَةً، ونُطَفًا، ومُضَغًا مُخَلَّقَةً وغَيْرَ مُخَلَّقَةٍ -وإطْلاقُ الأمْواتِ عَلى تِلْكَ الأجْسامِ الجَمادِيَّةِ، إمّا حَقِيقَةً- بِناءً عَلى أنَّ المَيِّتَ عادِمُ الحَياةِ مُطْلَقًا. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ١١] و: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ [يس: ٣٣] أوِ اسْتِعارَةً، جَرْيًا عَلى أنَّ إطْلاقَ المَيِّتِ فِيما تَصِحُّ فِيهِ الحَياةُ، لِاجْتِماعِهِما في أنْ لا رُوحَ ولا إحْساسَ. "فَأحْياكُمْ" بِخَلْقِ الأرْواحِ، ونَفَخَها فِيكم. وإنَّما عَطْفُهُ بِالفاءِ لِأنَّهُ مُتَّصِلٌ بِما عَطَفَ عَلَيْهِ، غَيْرُ مُتَراخٍ عَنْهُ، بِخِلافِ البَواقِي "ثُمَّ يُمِيتُكُمْ" عِنْدَما تُقْضى آجالُكم "ثُمَّ يُحْيِيكُمْ" بِالنُّشُورِ، والبَعْثِ، لِلْحِسابِ والجَزاءِ "ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ" -بَعْدَ الحَشْرِ- فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم: إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. فَما أعْجَبَ كُفْرَكم مَعَ عِلْمِكم بِحالَتِكم هَذِهِ. . . !

فَإنْ قِيلَ: إنْ عَلِمُوا أنَّهم كانُوا أمْواتًا فَأحْياهم ثُمَّ يُمِيتُهُمْ، لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ يُحْيِيهِمْ ثُمَّ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ، فَكَيْفَ نَظَّمَ ما يُنْكِرُونَهُ، مِنَ الإحْياءِ الأخِيرِ والرَّجْعِ، في سِلْكِ ما يَعْتَرِفُونَ بِهِ مِنَ الإحْياءِ الأوَّلِ، والإماتَةِ. . . . ؟

قُلْتُ: تُمَكِّنُهم مِنَ العِلْمِ بِهِما -لِما نَصَبَ لَهم مِنَ الدَّلائِلِ- مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ عِلْمِهِمْ في إزاحَةِ العُذْرِ. سِيَّما وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى ما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِما، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَرَ عَلى إحْيائِهِمْ أوَّلًا، قَدَرَ عَلى أنْ يُحْيِيَهم ثانِيًا، فَإنَّ بَدْءَ الخَلْقِ لَيْسَ بِأهْوَنَ عَلَيْهِ مِن إعادَتِهِ. . ! أوِ الخِطابَ، مَعَ أهْلِ الكِتابَيْنِ، وإنْكارَ اجْتِماعِ الكُفْرِ مَعَ القِصَّةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى- إمّا لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى آياتٍ بَيِّناتٍ تَصْرِفُهم عَنِ الكُفْرِ، أوْ عَلى نِعَمٍ جِسامٍ حَقُّها أنْ تُشْكَرَ ولا تُكْفَرَ، أوْ لِإرادَةِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا. فَإنَّ ما عَدَّدَهُ آياتٌ، وهي -مَعَ كَوْنِها آياتٍ- مِن أعْظَمِ النِّعَمِ.

Al-Baqara 2:28Listen in Qur'an →
29

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍۢ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ

It is He who created for you all of that which is on the earth. Then He directed Himself to the heaven, [His being above all creation], and made them seven heavens, and He is Knowing of all things.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٩ ] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

"هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا" بَيانُ نِعْمَةٍ أُخْرى مُرَتَّبَةٍ عَلى الأُولى، فَإنَّها خَلْقُهم أحْياءً قادِرِينَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وهَذِهِ خَلْقُ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ بَقاؤُهم، ويَتِمُّ بِهِ مَعاشُهم، ومَعْنى "لَكُمْ" لِأجْلِكم، ولِانْتِفاعِكم. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ المَخْلُوقَةِ الإباحَةُ حَتّى يَقُومَ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلى النَّقْلِ عَنْ هَذا الأصْلِ. ولا فَرْقَ بَيْنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِها، مِمّا يَنْتَفِعُ بِهِ مِن غَيْرِ ضَرَرٍ. وفي التَّأْكِيدِ بِقَوْلِهِ "جَمِيعًا" أقْوى دَلالَةً عَلى هَذا.

﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ الرِّياحِيُّ: اسْتَوى إلى السَّماءِ أيِ: ارْتَفَعَ. نَقَلَهُ عَنْهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، ورَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ. وقالَ البَغَوِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: ارْتَفَعَ إلى السَّماءِ. وقالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ في "ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ": ارْتَفَعَ. رَواهُ أبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في شَرْحِ المُوَطَّأِ، نَقَلَهُ الذَّهَبِيُّ في "كِتابِ العُلُوِّ" . وقَدِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ "ثُمَّ اسْتَوى" عَلى أنَّ خَلْقَ الأرْضِ مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ، وكَذَلِكَ الآيَةُ الَّتِي في (حم السَّجْدَةِ) . وقَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ (والنّازِعاتِ): ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] إنَّما يُفِيدُ تَأخُّرَ دُحُوِّها، لا خَلْقَ جِرْمِها، فَإنَّ خَلْقَ الأرْضِ وتَهْيِئَتَها -لِما يُرادُ مِنها- قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ. ودُحُوُّها بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ، والدُّحُوُّ: هو البَسْطُ، وإنْباتُ العُشْبِ مِنها، وغَيْرُ ذَلِكَ. مِمّا فَسَّرَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ [النازعات: ٣١] الآيَةَ -وكانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ خَرِبَةً وخالِيَةً. عَلى أنَّ "بَعْدَ" تَأْتِي بِمَعْنى "مَعَ"؛ كَقَوْلِهِ: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] أيْ: مَعَ ذَلِكَ، فَلا إشْكالَ. وتَقْدِيمُ الأرْضِ –هُنا-؛ لِأنَّها أدَلُّ لِشِدَّةِ المُلابَسَةِ والمُباشَرَةِ ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ أيْ: صَيَّرَهُنَّ، كَما في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَقَضاهُنَّ﴾ [فصلت: ١٢]

(تَنْبِيهٌ) قالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ: السَّماواتُ السَّبْعُ -المَذْكُورَةُ كَثِيرًا في القُرْآنِ- هي هَذِهِ السَّيّاراتُ السَّبْعُ. وإنَّما خُصَّتْ بِالذِّكْرِ -مَعَ أنَّ السَّيّاراتِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ- لِأنَّها أكْبَرُ السَّيّاراتِ وأعْظَمُها؛ عَلى أنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ لَمْ يَذْكُرْها في مَوْضِعٍ واحِدٍ -عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ- فَلا يُنافِي ذَلِكَ أنَّها أكْثَرُ مِن سَبْعٍ.

وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ اللُّغَةِ: إنَّ العَرَبَ تَسْتَعْمِلُ لَفْظَ سَبْعٍ، وسَبْعِينَ، وسَبْعِمِائَةٍ لِلْمُبالَغَةِ فِي الكَثْرَةِ. فالعَدَدُ إذَنْ غَيْرُ مُرادٍ. ومِنهُ آيَةُ: ﴿سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] وآيَةُ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] وآيَةُ: ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] واللَّهُ أعْلَمُ.

وذَهَبَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ إلى أنَّ الحَصْرَ في السَّبْعِ حَقِيقِيٌّ، وأنَّ المُرادَ بِهِ العالَمُ الشَّمْسِيُّ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ. وعِبارَتُهُ: إنْ قِيلَ: إنَّ كُلَّ ما يَعْلُو الأرْضَ -مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ- هو سَماءٌ، فَلِماذا خَصَّصَ تَعالى عَدَدًا هو سَبْعٌ ؟

فالجَوابُ: …

Al-Baqara 2:29Listen in Qur'an →
30

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And [mention, O Muhammad], when your Lord said to the angels, "Indeed, I will make upon the earth a successive authority." They said, "Will You place upon it one who causes corruption therein and sheds blood, while we declare Your praise and sanctify You?" Allah said, "Indeed, I know that which you do not know."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٠ ] ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ أيْ: قَوْمًا يَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا، قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وقالَ ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] وقالَ: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠] وقالَ: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩] ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: خَلِيفَةٌ مِنكم، لِأنَّهم كانُوا سُكّانَ الأرْضِ، فَخَلَفَهم فِيها آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ، وأنْ يُرادَ: خَلِيفَةٌ مِنِّي، لِأنَّ آدَمَ كانَ خَلِيفَةَ اللَّهِ في أرْضِهِ، وكَذَلِكَ كَلُّ نَبِيٍّ: ﴿إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ [ص: ٢٦] والغَرَضُ مِن إخْبارِ المَلائِكَةِ بِذَلِكَ، هو أنْ يَسْألُوا ذَلِكَ السُّؤالَ، ويُجابُوا بِما أُجِيبُوا بِهِ، فَيَعْرِفُوا حِكْمَتَهُ في اسْتِخْلافِهِمْ قَبْلَ كَوْنِهِمْ، صِيانَةً لَهم عَنِ اعْتِراضِ الشُّبْهَةِ في وقْتِ اسْتِخْلافِهِمْ، أوِ الحِكْمَةُ: تَعْلِيمُ العِبادِ المُشاوَرَةَ في أُمُورِهِمْ قَبْلَ أنْ يُقْدِمُوا عَلَيْها، وعَرْضُها عَلى ثِقاتِهِمْ ونُصَحائِهِمْ -وإنْ كانَ هو بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ البالِغَةِ غَنِيًّا عَنِ المُشاوَرَةِ- أوْ تَعْظِيمُ شَأْنِ المَجْعُولِ، وإظْهارُ فَضْلِهِ، بِأنْ بَشَّرَ بِوُجُودِ سُكّانِ مَلَكُوتِهِ، ونَوَّهَ بِذِكْرِهِ في المَلَأِ الأعْلى قَبْلَ إيجادِهِ، ولَقَّبَهُ بِالخَلِيفَةِ.

﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ هَذا تَعَجُّبٌ مِن أنْ يَسْتَخْلِفَ -لِعِمارَةِ الأرْضِ وإصْلاحِها- مَن يُفْسِدُ فِيها، واسْتِعْلامٌ عَنِ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ. أيْ: كَيْفَ تَسْتَخْلِفُ هَؤُلاءِ، مَعَ أنَّ مِنهم مَن يُفْسِدُ في الأرْضِ ويَسْفِكُ الدِّماءَ ؟ فَإنْ كانَ المُرادُ عِبادَتَكَ، فَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، ونُقَدِّسُ لَكَ -أيْ ولا يَصْدُرُ عَنّا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ- وهَلّا وقَعَ الِاقْتِصارُ عَلَيْنا ... ؟ فَقالَ تَعالى مُجِيبًا لَهم "إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ" أيْ: إنَّ لِي حِكْمَةً -فِي خَلْقِ الخَلِيقَةِ- لا تَعْلَمُونَها.

فَإنْ قُلْتَ: مِن أيْنَ عَرَفَ المَلائِكَةُ ذَلِكَ حَتّى تَعَجَّبُوا مِنهُ، وإنَّما هو غَيْبٌ ؟ أُجِيبَ: بِأنَّهم عَرَفُوهُ: إمّا بِعِلْمٍ خاصٍّ، أوْ بِما فَهِمُوهُ مِنَ الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ. فَإنَّهُ أخْبَرَهم أنَّهُ يَخْلُقُ هَذا الصِّنْفَ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] أوْ فَهِمُوا مِنَ "الخَلِيفَةِ" أنَّهُ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ النّاسِ، ما يَقَعُ بَيْنَهم مِنَ المَظالِمِ، ويَرْدَعُهم عَنِ المَحارِمِ والمَآثِمِ.

قالَ العَلّامَةُ بُرْهانُ الدِّينِ البِقاعِيُّ في تَفْسِيرِهِ: وما يُقالُ مِن أنَّهُ كانَ قَبْلَ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، في الأرْضِ خَلْقٌ يَعْصُونَ، قاسَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ حالَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ -كَلامٌ لا أصْلَ لَهُ. بَلْ آدَمُ أوَّلُ ساكِنِيها بِنَفْسِهِ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ أيْ: نُنَزِّهُكَ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِكَ، مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِكَ- عَلى ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيْنا مِن فُنُونِ النِّعَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَوْفِيقُنا لِهَذِهِ العِبادَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ونُقَدِّسُ …

Al-Baqara 2:30Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.