Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib

Ayahs 211–220 of 286

211

سَلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ كَمْ ءَاتَيْنَٰهُم مِّنْ ءَايَةٍۭ بَيِّنَةٍۢ ۗ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

Ask the Children of Israel how many a sign of evidence We have given them. And whoever exchanges the favor of Allah [for disbelief] after it has come to him - then indeed, Allah is severe in penalty.

قوله: ﴿سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ الآية.

كتبوا في المصحف ﴿نِعْمَةَ ٱللَّهِ﴾ هاهنا بالهاء، وكذلك في سائر القرآن إلا أحد عشر موضعاً كتبت بالتاء:

في البقرة: ﴿وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ [٢٣١].

وفي آل عمران ﴿وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ﴾ [١٠٣].

وفي المائدة: ﴿ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ﴾ [١١].

وفي إبراهيم: ﴿نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً﴾ [٢٨].

وفيها: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ [٣٤].

وفي النحل: ﴿وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [٧٢].

وفيها: ﴿نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [٨٣].

وفيها ﴿وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ﴾ [١١٤].

وفي لقمان: ﴿تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ﴾ [٣١].

وفي فاطر: ﴿نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ [٣].

وفي: والطور: ﴿فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ [٢٩].

والأصل في جميعها التاء، ولكن من وقف بالهاء فإنما ذلك للفرق بين الأفعال والأسماء نحو "قامت" و "شجرة".

[وقال] سيبويه: فعل ذلك للفرق بين التاء الأصلية والملحقة والزائدة في "العنت" و "ألفت"، و "عفريت"، و "ملكوت" و "شجرة". وهذه هي التاء الزائدة. ولغة طيء الوقف بالتاء.

وقال الفراء: "من وقف بالتاء، أراد الوصل، ومن وقف بالهاء أراد الوقف الصحيح". وأنكر ذلك ابن كيسان وغيره.

[وكل ما] كتب منه بالتاء، فمذهب المدنيين الوقف بالتاء على ما في المصحف. ومذهب أبي عمرو والكسائي وخلف وابن كيسان الوقف بالهاء على الأصل المشهور وقد قال ابن كيسان: "من وقف بالتاء فإنما نوى أصلها لأن أصلها التاء".

* *

وقوله: ﴿كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾.

يعني العصا وانفجار الحجر وانفلاق البحر ونحوه، ثم كفروا بعد ذلك وبدلوا هذه النعم، فأمر الله نبيه عليه السلام بالصبر وأخبره بفعل من قبله في سالف الدهر، وقال له: سلهم كم أعطوا من الآيات ثم لم ينفعهم ذلك.

* *

ومعنى ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ﴾ أي: من يغير ما عاهد الله عليه من قبول ما جاء به محمد ﷺ من الإسلام فيكفر، فإن الله يعاقبه.

Al-Baqara 2:211Listen in Qur'an →
212

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ

Beautified for those who disbelieve is the life of this world, and they ridicule those who believe. But those who fear Allah are above them on the Day of Resurrection. And Allah gives provision to whom He wills without account.

قوله: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ الآية.

أخبرنا الله تعالى أنه زين لهم حب الدنيا واتباعها، وأنهم يسخرون ممن اتبع الآخرة، وذلك أنهم قالوا: "لو كان محمد نبياً لاتبعه أشرافنا، وما نرى اتبعه إلا أهل الحاجة".

وقال الزجاج: "معنى ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي زينها لهم إبليس لأن الله تعالى قد زهد فيها".

وقيل: معناه خلق الأشياء الحسنة المعجبة، فنظر إليها الكفار بأكثر من مقدارها، ومثله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤].

* *

قوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

قال قطرب: "معناه يعطي العدد، لا من عدد أكثر منه، فيوجب بذلك بقاء الكثير".

وقيل: معناه أن ثمة أشياء لا يحاسب بها ويغفرها.

وقيل معناه: ليس يرزق المؤمن على قدر إيمانه، والكافر على قدر كفره، أي ليس يرزق في الدنيا على قدر العمل.

وقيل: معناه: بغير محاسبة أي ما يخاف أحداً ، يحاسبه عليه.

وقيل: معناه: بغير حسبان للمعطي. أي يعطيه من حيث لا يحتسب.

Al-Baqara 2:212Listen in Qur'an →
213

كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّۦنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍ

Mankind was [of] one religion [before their deviation]; then Allah sent the prophets as bringers of good tidings and warners and sent down with them the Scripture in truth to judge between the people concerning that in which they differed. And none differed over the Scripture except those who were given it - after the clear proofs came to them - out of jealous animosity among themselves. And Allah guided those who believed to the truth concerning that over which they had differed, by His permission. And Allah guides whom He wills to a straight path.

قوله: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾ الآية.

الأمة هنا في قول ابن عباس وعكرمة: من كان بين آدم ونوح، وهم عشرة قرون، وكانوا على دين من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. قال ذلك ابن عباس وغيره. وأول من بعث الله نوحاً عليه السلام.

والأمة هنا معناها الأمم، ودل الواحد على الجماعة. وأصل الأمة الجماعة [تجتمع على دين] واحد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨] أي على دين واحد.

وقيل: معناه: كان آدم وحواء عليهما السلام أمة واحدة في الطاعة. وسميا بالجماعة لأنهما أصل لها.

وقال أبي بن كعب: "معناه كان جميع الخلق أمة واحدة إذ استخرجهم من [صلب آدم] وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. فأقروا كلهم فكانوا كلهم أمة واحدة مسلمين، ثم اختلفوا إذ ظهروا إلى الدنيا فبعث الله النبيين مبشرين من أقام على عهده بالجنة. ومنذرين من خالف ما عهدَهُ إليه بالنار".

وقال ابن زيد عن أبيه" لم يكن الناس أمة واحدة قط، إلا حين أخرجهم الله من ظهر آدم ﷺ".

وقيل: الناس هنا: نوح ومن كان معه في السفينة.

وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: "كانوا على الكفر فبعث الله النبيين".

* *

قوله: ﴿وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ﴾.

أي لم يختلف في التوراة إلا الذين نزلت عليهم.

﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ﴾ الآية.

أي الحجج أنه من عند الله، فكان خلافهم تعمداً للبغي بينهم لحب الدنيا وملكها والتنافس فيها فبغى بعضهم على بعض، وقتل بعضهم بعضاً على ذلك.

وقال زيد بن أسلم: "اختلفوا في يوم الجمعة؛ فاتخذ اليهود السبت، والنصارى الأحد، فهدى الله أمة محمد ليوم الجمعة. واختلفوا في القبلة؛ فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، وهدى الله أمة محمد صلى الله عليه [وسلم] للقبلة. واختلفوا في الصلاة؛ فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنه من يسجد ولا يركع ومنهم من يصلي ويتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في الصيام؛ فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم ﷺ؛ فقالت اليهود: كان يهودياً، وقالت النصارى: كان نصرانياً، وجعله الله حنيفاً مسلماً، فهدى الله أمة محمد ﷺ للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى ﷺ؛ فكفرت به اليهود، وقالوا في أُمِّهِ بهتاناً عظيماً، وجعلته النصارى إلهاً وولداً، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد ﷺ للحق من ذلك".

والبغي: الاعتداء والطغيان، يقال للبحر إذا فاض وكثر ماؤه: "بَغَى الْبَحْرُ" أي طغى. وتقدير الكلام: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه بغياً بينهم من بعد ما جاءتهم البينات.

وقد أنكر هذا قوم لأن المصدر لا يتقدم عليه ما تعلق به، وهذا الاعتراض لا يلزم لأن "من" متعلقة "بأُوتُوهُ" لا "بالبغي".

ومعنى: ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ﴾ أي الكتب.

* *

قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾.

أي ليحكم الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه بما فيه.

وقرأ الجحدري. "لِنَحْكُمَ" بالنون.

وقالوا أبو إسحاق: "معنى ﴿وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ﴾. أي في النبي محمد ﷺ ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ﴾، أي أعطوا علم نبوته، فعلوا ذلك للبغي.

* *

قوله: ﴿فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾.

أي هداهم الله لمعرفة ما اختلفوا فيه من الحق إذ هداهم للإيمان بما اختلف فيه الأولون من الحق.

قال النبي ﷺ: "نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُون يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ نَحْنُ أَوَّلُ النَّاسِ دُخُولاً الجَنَّة بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُو الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَهَدَانَا اللهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ "فَهَذا اليّوْم الذِي هَدَانَا اللهُ لَهُ وَالنّاس لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، غداً لليهود، وبعد غَدٍ …

Al-Baqara 2:213Listen in Qur'an →
214

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا۟ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ۗ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ

Or do you think that you will enter Paradise while such [trial] has not yet come to you as came to those who passed on before you? They were touched by poverty and hardship and were shaken until [even their] messenger and those who believed with him said, "When is the help of Allah?" Unquestionably, the help of Allah is near.

قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ﴾ الآية.

"أم" للخروج من حديث إلى حديث.

وقال الطبري: "أم" للاستفهام، ومعنى اللام "أحسبتم". قال: وإنما تكون "أم" للاستفهام إذا تقدمها كلام، فإن لم يتقدمها كلام لم تقع كذلك".

* *

قوله: ﴿حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ﴾.

النصب فيه على الغاية كأنك قلت: "وزلزلوا إلى أن يقول الرسول". فيكون الفعلان قد مضيا. ويجوز النصب في غير القرآن على أن تجعل الثاني من أجله وقع الأول، كأنك قلت: "كي يقول"، فالأول حدث كي يكون الثاني، ولا يحسن هذا في الآية.

والرفع في الآية على أن يكون ما بعدها جملة لا تعمل "حتى" فيه، أي "وزلزلوا، فقال الرسول"، ويكون الفعلان أيضاً مضيا أي حتى هذه حال الرسول، ويجوز الرفع في الكلام على أن يكون الأول قد مضى، والثاني في الحال؛ تقول: "سرت حتى أدخلها" أي حتى أنا الآن أدخلها، فالسير مضى، والدخول الآن، ولا يجوز هذا في الآية.

وقال أبو عمرو: "لما اختلف الفعلان في الآية، كان الوجه في الثاني النصب".

* *

قوله: ﴿أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾.

يجوز في "قريب" النصب على أنه نعت لظرف محذوف. ولا يثنى قريب ولا يجمع ولا يؤنث إلا أن يكون للنسب والقرابة، فيجوز ذلك فيه.

ومعنى الآية: أحسبتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة ولم يصبكم مثل ما أصاب من كان قبلكم من اتباع الأنبياء من الشدائد والخوف حتى قال الرسول والذين معه: ﴿مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ﴾، كأنهم استبطأوا النصر فأخبرهم الله تعالى أن نصر الله قريب.

وقيل: إن في الآية تقديماً وتأخيراً وحذفاً للاختصار والتقدير: وزلزلوا حتى يقولوا؟ ﴿مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ﴾، ويقول لهم الرسول: ﴿أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾ استبطأوا النصر وزاد عليهم الخوف، فقالوا: متى نصر الله؟ فقال لهم الرسول: ﴿أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾.

فقوله: ﴿أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾ من قول الرسول، وقوله: ﴿مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ﴾ من قول المؤمنين من أمة الرسول.

وهذه الآية في قول السدي وقتادة نزلت يوم الخندق حين اشتد على المؤمنين أمر الأحزاب وآذاهم البرد وضيق العيش، وفيه نزل: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ [الأحزاب: ٩] إلى ﴿قَدِيراً﴾ [الأحزاب: ٢٧].

قال السدي: [اشتد على المؤمنين الأمر] حتى قال قائلهم: ﴿مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ [الأحزاب: ١٢]. يريد قاله بعض المنافقين.

﴿وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [الأنفال: ٤٩]. أي شك. قالوا ذلك أيضاً كذلك حكى الله عنهم في سورة الأحزاب. وقيل: "إنها نزلت في المهاجرين إذ تركوا أموالهم ودورهم بمكة، فحكم فيها المشركون، فضاقت بهم الحال في المدينة فَآخَى النبي [عليه السلام] بينهم وبين الأنصار فَوَاسَوْهُمْ فنزلت الآية تعزية لهم وتصبيراً.

وذكر وهب بن منبه: "أن سبعين نبياً دفنوا في مسجد الخيف، كلهم ماتوا من الجوع والقمل".

وقال النبي [ﷺ]: سأل نبي من الأنبياء سعة الرزق فأوحى الله إليه: (أَمَا يَكْفِيكَ أَنِّي عَصَمْتُكَ مِنَ الْكُفْرِ)

فلو رضيَ اللهُ الدنيا لأحد من أوليائه ما نال منها الكافر جرعة ماء، ولكن الله لم يجعلها ثواباً لمؤمن ولا عقاباً لكافر.

* *

قوله: ﴿ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ﴾ الفقر والمرض.

وقيل: القتل والفقر.

وقال القتبي: "البأساء: الشدة، والضراء: البلاء".

* *

ومعنى ﴿وَزُلْزِلُواْ﴾ خوفوا وحركوا.

وأصله من "زال الشيء من مكانه". ومعنى "زلزلته" كررت زلزلته.

Al-Baqara 2:214Listen in Qur'an →
215

يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍۢ فَلِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌۭ

They ask you, [O Muhammad], what they should spend. Say, "Whatever you spend of good is [to be] for parents and relatives and orphans and the needy and the traveler. And whatever you do of good - indeed, Allah is Knowing of it."

قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾.

سأل أصحاب النبي [عليه السلام] على من ينبغي أن يفضلوا، فأنزل الله الآية، وهذا قبل أن تفرض الزكاة.

وقيل: هي منسوخة بالزكاة.

وقيل: هي محكمة فيها صفة أين يوضع التطوع، والزكاة مفروضة على بابها.

وهذه الآية تدل على أن النفقة على الوالدين من الصدقة.

Al-Baqara 2:215Listen in Qur'an →
216

كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

Fighting has been enjoined upon you while it is hateful to you. But perhaps you hate a thing and it is good for you; and perhaps you love a thing and it is bad for you. And Allah Knows, while you know not.

قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ﴾.

أكثر العلماء على أن الجهاد فرض يحمله الإمام ومن معه عن الناس، وليس على كل رجل ذلك فرض.

* *

ومعنى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ فرض عليكم، وهو كالصلاة على الموتى ودفنهم، دليله قوله: ﴿فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [النساء: ٩٥]. فأخبر أن الكل له الحسنى وهي الجنة، وأن المجاهدين أفضل له.

وقال ابن جبير: "هو فرض على جميع المسلمين".

وقد قيل: هي ناسخة واجبة لما أمروا به من العفو والصفح بمكة.

وقيل: هي منسوخة بقوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢].

وقيل: هي على الندب لا على الوجوب.

وقد قال عطاء: "هي فرض على الصحابة خاصة". وهو قول مطعون فيه.

* *

قوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾.

الكره بضم الكاف ما كان من نفسك، وبالفتح ما أُكْرِهْتَ عليه فيه.

وقال معاذ بن مسلم: "الكُره المشقة، والكَره الإجبار".

وقيل: هما لغتان: كالضُّعف والضَّعف.

وقيل: الكره بالضم الاسم، وبالفتح المصدر.

* *

قوله: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.

معناه: إن كرهتم القتال فهو خير لكم، لأن فيه الظفر والغنيمة والشهادة.

* *

﴿وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾.

أي إنكم إن تحبوا القعود عن الجهاد فهو شر لكم لأنكم تحرمون الظفر والغنيمة و [الأجر. أو] الشهادة.

﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ﴾: أي يعلم ما هو خير لكم ممّا هو شر لكم، فلا تكرهوا ما كتب عليكم من جهاد عدوكم فإنكم لا تعلمون.

Al-Baqara 2:216Listen in Qur'an →
217

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍۢ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌۭ فِيهِ كَبِيرٌۭ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَٰعُوا۟ ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌۭ فَأُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

They ask you about the sacred month - about fighting therein. Say, "Fighting therein is great [sin], but averting [people] from the way of Allah and disbelief in Him and [preventing access to] al-Masjid al-Haram and the expulsion of its people therefrom are greater [evil] in the sight of Allah. And fitnah is greater than killing." And they will continue to fight you until they turn you back from your religion if they are able. And whoever of you reverts from his religion [to disbelief] and dies while he is a disbeliever - for those, their deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and those are the companions of the Fire, they will abide therein eternally.

قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ الآية.

قال السدي: "بعث رسول الله ﷺ سرية في سبعة نفر فبينما هم سائرون إذا بنفر من المشركين ببطن نخلة فاقتتلوا، فأسر المسلمون منهم وقتلوا وغنموا، وكانت أول غنيمة غنمها أصحاب النبي [عليه السلام. وكان] ذلك في الشهر الحرام فتكلم الناس في القتل في الشهر الحرام.

وروي أن النبي ﷺ قال لهم: "ما أمرتكم أَنْ تَقْتُلُوا فِي الْشَهْرِ الْحَرَامِ". فسقط في أيدي القوم [وأخذهم الناس باللائمة]، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ [كَبِيرٌ]﴾" فأخبرهم أنه منكر عظيم.

* *

ثم قال: ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.

أي وصدكم أيها المشركون عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وكفركم بالله تعالى وإخراجكم أهل المسجد الحرام منه. يريد الله النبي ﷺ وأصحابه ذلك كله من فعلكم أكبر عند الله من القتل، أي الشرك الذي أنتم عليه أكبر من القتل في الشهر الحرام. وكذلك قال ابن عباس.

وقال الضحاك: "لما قتل عمرو بن الحضرمي في سرية بعثها رسول الله [عليه السلام] إلى بطن نخلة وأمر عليها عبد الله بن جحش، عَيَّرَ المشركون المسلمين بالقتل في الشهر الحرام فأنزل الله الآية فأخبرهم أن ذلك كبير، وأن صد المشركين محمداً ﷺ وأصحابه عن سبيل الله عز وجل وعن المسجد الحرام والكفر بالله تعالى أكبر عند الله سبحانه من القتل الذي أنكروه. والآية عند أكثر العلماء والصحابة منسوخة لأنه تعالى قال: ﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ أي عظيم فأخبر أنه شيء عظيم منكر في الشهر الحرام وأنه محظور ثم نسخته آية السيف في براءة: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. فأبيح ذلك في الحرام وغيره، ونسخه أيضاً قوله: ﴿وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ٣٦].

والأشهر الحرم المذكورة في براءة ليست المعلومة، إنما هي أشهر كان فيها عَهْدٌ بينهم وبين النبي [عليه السلام] فأمر بقتلهم حيث وجدوا إذا انسلخت تلك الأشهر وهي أربعة أشهر بعد يوم النحر لمن كان له عهد، ومن لم يكن له عهد فإلى انسلاخ الحرم عهده.

وقال عطاء: "الآية محكمة، والقتال محظور في الأشهر الحرم".

وروى ابن وهب أن النبي [ﷺ] رد الغنيمة والأسى وودى القتيل.

Al-Baqara 2:217Listen in Qur'an →
218

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Indeed, those who have believed and those who have emigrated and fought in the cause of Allah - those expect the mercy of Allah. And Allah is Forgiving and Merciful.

قوله: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ﴾.

كتبت "رحمت" بالتاء وذلك في سبعة مواضع؛ هذا، وفي الأعراف: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [٥٦]، وفي هود: ﴿رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ﴾ [٧٣]، وفي مريم: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ [١]، وفي الروم: ﴿إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ﴾ [٥٠]. وفي الزخرف: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [٣٢]، وفيها ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [٣٢] وما عداها كتبت بالهاء.

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ﴾ الآية.

نزلت هذه الآية حين قتلت السرية عمرو بن الحضرمي وأنكر عليهم القتل في الشهر الحرم الحرام، وقال بعض المسلمين في السرية، قد أصابوا وزراً، فأعلم الله أن من هاجر وجاهد فهو يرجو رحمة الله، وأنه غفور لما وقع منهم من القتل في الشهر الحرام ورحيم بهم.

وروي أن عبد الله بن جحش وأصحابه قالوا: يا رسول الله، أنطمع أن يكون خروجنا [غزوة نعطى] فيها أجر المجاهد، فأنزل الله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ﴾، الآية.

Al-Baqara 2:218Listen in Qur'an →
219

۞ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌۭ كَبِيرٌۭ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ

They ask you about wine and gambling. Say, "In them is great sin and [yet, some] benefit for people. But their sin is greater than their benefit." And they ask you what they should spend. Say, "The excess [beyond needs]." Thus Allah makes clear to you the verses [of revelation] that you might give thought.

قوله: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾.

من قرأ بالثاء فقراءته مختارة، لأن الكثرة تشتمل على العظم والكبر، والكبر والعظم لا يشتمل على الكثرة فبالثاء أعم وأولى. وكل ما كثر فقد عظم وليس كل ما عظم بكثير، فوصف الإثم بالكثرة أبلغ من وصفه بالعظم، وقد قال تعالى: ﴿وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان: ١٤] وأيضاً فإن الإثم الأول بمعنى الآثام لقوله: "ومنافع" ولم يقرأ "ومنفعة". والآثام فبالكثرة توصف أولى من العِظم. وأما الثاني فهو إجماع بالباء لأنه يراد به التوحيد لا الجمع.

ومن قرأ بالباء فحجته إجماعهم على ﴿أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ بالباء، أي أعظم. وقوله: ﴿حُوباً كَبِيراً﴾ [النساء: ٢]، وقول العرب: "إِثْمٌ صَغِيرٌ"، يدل على جواز "كبير" وحُسْنِه وترك استعمالهم "لإثم قليل"، يدل على بعد "كثير". وإجماع المسلمين على قولهم: "صغائر وكبائر"، يدل على حسن "كبير". ونزلت الآية جواباً لمن سأل النبي [عليه السلام] عن الخمر والميسر.

والخمر: ما خامر العقل أي ستره، فكل شراب ستر العقل وأحاله فهو خمر، يقال: "دخل فِي خِمَارِ النَّاسِ" أي هو مستتر في الناس، ويقال للضبع: "خَامِرِي أُمِّ عَامِر"، أي استتري. وخمار المرأة قناعها لأنه يسترها. وقولهم: "اخْتَمَرَ الْعَجِينُ"، أي غطى فطورته الاختمار.

والميسر القمار سمي بذلك لما كانوا ييسرون من الجزور وغيرها للقمار عليها.

وقال مجاهد: "كل القمار من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز".

وقال عطاء: "حتى لعب الصبيان بالكعاب".

وقال القاسم: "كل ما أنهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر".

قال ابن عباس: "كان الرجل في الجاهلية يخاطر عن أهله وماله، فأيهما قامر صاحبه ذهب بأهل الآخر وماله".

وأشعار العرب: تدل على أن الميسر كان قماراً بينهم في الجزور خاصة.

وقيل: سمي ميسراً لأنهم كانوا يجزرون الجزور. وكل شيء جزرته فقد يسرته والياسر الجازر. فقيل للضاربين بالقداح: ياسرون، لأنه سبب لتجزئة الجزور.

ويقال للضارب بالقداح "يَسَرٌ وأَيْسَارٌ".

وقيل: إن "يَسْراً" جمع "لِيَاسِرٍ"، ثم يجمع "يَسَرٌ" على "أَيْسَارٍ" وكانت العرب أهل المقدرة منهم يقامرون على الإبل في الشدائد، ويجعلون لحومها للفقراء منهم لتعدل أحوال الناس، ولذلك قال: "﴿وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾".

والقداح التي كانوا يقامرون بها عشرة: منها سبعة ذوات خطوط، على كل واحد علامة يعرف بها، وهي: الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل، والمعلى. ومنها ثلاثة لا خطوط فيها، يقال لها: "الأغفال والغفل من الدواب الذي لا سمة له؛ وهي: السفيح والمنيح، والوغد وليس لها سهام. والسبعة الأول للفذ منها نصيب، وللتوأم نصيبان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة، وعلى كل واحد من العلامة على قدر ما له من الأنصباء.

* *

وقوله: ﴿وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾.

هي أثمانها وما كانوا يصيبون من الجزور.

* *

﴿وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾.

أي الإثم فيهما بعد التحريم أكبر من النفع قبل التحريم. قال سعيد بن جبير: "لما نزلت: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ كره الخمر قوم للإثم، وشربها قوم للمنافع وهو الفرح الذي فيها حتى نزلت ﴿لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ﴾ [النساء: ٤٣]، فتركوها عند الصلاة حتى نزلت ﴿إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فحرمت".

فهذا يدل على أنها منسوخة بما في "المائدة".

وروي أن عمر رضي الله عنه كان يقول: "اللهم بيّن لنا في الخمر"، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ﴾ الآية، فقرئت عليه، فقال: [اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فإنها تذهب العقل والمال]، فنزلت ﴿لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ﴾، فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في …

Al-Baqara 2:219Listen in Qur'an →
220

فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَٰمَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌۭ لَّهُمْ خَيْرٌۭ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

To this world and the Hereafter. And they ask you about orphans. Say, "Improvement for them is best. And if you mix your affairs with theirs - they are your brothers. And Allah knows the corrupter from the amender. And if Allah had willed, He could have put you in difficulty. Indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

قوله: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾.

من قرأ بالثاء فقراءته مختارة، لأن الكثرة تشتمل على العظم والكبر، والكبر والعظم لا يشتمل على الكثرة فبالثاء أعم وأولى. وكل ما كثر فقد عظم وليس كل ما عظم بكثير، فوصف الإثم بالكثرة أبلغ من وصفه بالعظم، وقد قال تعالى: ﴿وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان: ١٤] وأيضاً فإن الإثم الأول بمعنى الآثام لقوله: "ومنافع" ولم يقرأ "ومنفعة". والآثام فبالكثرة توصف أولى من العِظم. وأما الثاني فهو إجماع بالباء لأنه يراد به التوحيد لا الجمع.

ومن قرأ بالباء فحجته إجماعهم على ﴿أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ بالباء، أي أعظم. وقوله: ﴿حُوباً كَبِيراً﴾ [النساء: ٢]، وقول العرب: "إِثْمٌ صَغِيرٌ"، يدل على جواز "كبير" وحُسْنِه وترك استعمالهم "لإثم قليل"، يدل على بعد "كثير". وإجماع المسلمين على قولهم: "صغائر وكبائر"، يدل على حسن "كبير". ونزلت الآية جواباً لمن سأل النبي [عليه السلام] عن الخمر والميسر.

والخمر: ما خامر العقل أي ستره، فكل شراب ستر العقل وأحاله فهو خمر، يقال: "دخل فِي خِمَارِ النَّاسِ" أي هو مستتر في الناس، ويقال للضبع: "خَامِرِي أُمِّ عَامِر"، أي استتري. وخمار المرأة قناعها لأنه يسترها. وقولهم: "اخْتَمَرَ الْعَجِينُ"، أي غطى فطورته الاختمار.

والميسر القمار سمي بذلك لما كانوا ييسرون من الجزور وغيرها للقمار عليها.

وقال مجاهد: "كل القمار من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز".

وقال عطاء: "حتى لعب الصبيان بالكعاب".

وقال القاسم: "كل ما أنهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر".

قال ابن عباس: "كان الرجل في الجاهلية يخاطر عن أهله وماله، فأيهما قامر صاحبه ذهب بأهل الآخر وماله".

وأشعار العرب: تدل على أن الميسر كان قماراً بينهم في الجزور خاصة.

وقيل: سمي ميسراً لأنهم كانوا يجزرون الجزور. وكل شيء جزرته فقد يسرته والياسر الجازر. فقيل للضاربين بالقداح: ياسرون، لأنه سبب لتجزئة الجزور.

ويقال للضارب بالقداح "يَسَرٌ وأَيْسَارٌ".

وقيل: إن "يَسْراً" جمع "لِيَاسِرٍ"، ثم يجمع "يَسَرٌ" على "أَيْسَارٍ" وكانت العرب أهل المقدرة منهم يقامرون على الإبل في الشدائد، ويجعلون لحومها للفقراء منهم لتعدل أحوال الناس، ولذلك قال: "﴿وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾".

والقداح التي كانوا يقامرون بها عشرة: منها سبعة ذوات خطوط، على كل واحد علامة يعرف بها، وهي: الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل، والمعلى. ومنها ثلاثة لا خطوط فيها، يقال لها: "الأغفال والغفل من الدواب الذي لا سمة له؛ وهي: السفيح والمنيح، والوغد وليس لها سهام. والسبعة الأول للفذ منها نصيب، وللتوأم نصيبان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة، وعلى كل واحد من العلامة على قدر ما له من الأنصباء.

* *

وقوله: ﴿وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾.

هي أثمانها وما كانوا يصيبون من الجزور.

* *

﴿وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾.

أي الإثم فيهما بعد التحريم أكبر من النفع قبل التحريم. قال سعيد بن جبير: "لما نزلت: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ كره الخمر قوم للإثم، وشربها قوم للمنافع وهو الفرح الذي فيها حتى نزلت ﴿لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ﴾ [النساء: ٤٣]، فتركوها عند الصلاة حتى نزلت ﴿إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فحرمت".

فهذا يدل على أنها منسوخة بما في "المائدة".

وروي أن عمر رضي الله عنه كان يقول: "اللهم بيّن لنا في الخمر"، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ﴾ الآية، فقرئت عليه، فقال: [اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فإنها تذهب العقل والمال]، فنزلت ﴿لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ﴾، فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في …

Al-Baqara 2:220Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.