Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 211–220 of 286

211

سَلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ كَمْ ءَاتَيْنَٰهُم مِّنْ ءَايَةٍۭ بَيِّنَةٍۢ ۗ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

Ask the Children of Israel how many a sign of evidence We have given them. And whoever exchanges the favor of Allah [for disbelief] after it has come to him - then indeed, Allah is severe in penalty.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ﴿سَلْ﴾ كانَ في الأصْلِ اسْألْ فَتُرِكَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي هي عَيْنُ الفِعْلِ لِكَثْرَةِ الدَّوْرِ في الكَلامِ تَخْفِيفًا، ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى السّاكِنِ الَّذِي قَبْلَها، وعِنْدَ هَذا التَّصْرِيفِ اسْتُغْنِيَ عَنْ ألِفِ الوَصْلِ، وقالَ قُطْرُبٌ: يُقالُ: سَألَ يَسْألُ مِثْلُ زَأرَ الأسَدُ يَزْأرُ، وسالَ يَسالُ، مِثْلُ خافَ يَخافُ، والأمْرُ فِيهِ: سَلْ مِثْلُ خَفْ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (سالَ سائِلٌ) عَلى وزْنِ قالَ، وكالَ، وقَوْلُهُ: ﴿كَمْ﴾ هو اسْمٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكُونِ مَوْضُوعٌ لِلْعَدَدِ، يُقالُ: إنَّهُ مِن تَأْلِيفِ كافِ التَّشْبِيهِ مَعَ ﴿ما﴾ ثُمَّ قُصِرَتْ (ما) وسُكِّنَتِ المِيمُ، وبُنِيَتْ عَلى السُّكُونِ؛ لِتَضَمُّنِها حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ، وهي تارَةً تُسْتَعْمَلُ في الخَبَرِ وتارَةً في الِاسْتِفْهامِ، وأكْثَرُ لُغَةِ العَرَبِ الجَرُّ بِهِ عِنْدَ الخَبَرِ، والنَّصْبُ عِنْدَ الِاسْتِفْهامِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَنْصِبُ بِهِ في الخَبَرِ، ويَجُرُّ بِهِ في الِاسْتِفْهامِ، وهي هَهُنا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً، وأنْ تَكُونَ خَبَرِيَّةً.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ لِيُخْبِرُوكَ عَنْ تِلْكَ الآياتِ فَتَعْلَمَها؛ وذَلِكَ لِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ عالِمًا بِتِلْكَ الأحْوالِ بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ في الزَّجْرِ عَنِ الإعْراضِ عَنْ دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى، وبَيانُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٨] فَأمَرَ بِالإسْلامِ ونَهى عَنِ الكُفْرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٩] أيْ فَإنْ أعْرَضْتُمْ عَنْ هَذا التَّكْلِيفِ صِرْتُمْ مُسْتَحِقِّينَ لِلتَّهْدِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٩] ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ التَّهْدِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٠] ثُمَّ ثَلَّثَ ذَلِكَ التَّهْدِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ يَعْنِي سَلْ هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ أنّا لَمّا آتَيْنا أسْلافَهم آياتٍ بَيِّناتٍ فَأنْكَرُوها، لا جَرَمَ اسْتَوْجَبُوا العِقابَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِهَؤُلاءِ الحاضِرِينَ عَلى أنَّهم لَوْ زَلُّوا عَنْ آياتِ اللَّهِ لَوَقَعُوا في العَذابِ كَما وقَعَ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمُونَ

صفحة ٤

فِيهِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الحِكايَةِ أنْ يَعْتَبِرُوا بِغَيْرِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ [الحَشْرِ: ٢] وقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [يُوسَفَ: ١١١] فَهَذا بَيانُ وجْهِ النَّظْمِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: فَرَّقَ أبُو عَمْرٍو في ﴿سَلْ﴾ بَيْنَ الِاتِّصالِ بِواوٍ وفاءٍ وبَيْنَ الِاسْتِئْنافِ، فَقَرَأ (سَلْهم) و﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ بِغَيْرِ هَمْزٍ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسَفَ: ٨٢] ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ﴾ [يُونُسَ: ٩٤] ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النِّساءِ: ٣٢] بِالهَمْزِ، وسَوّى الكِسائِيُّ بَيْنَ الكُلِّ، وقَرَأ الكُلَّ بِغَيْرِ هَمْزٍ. وجْهُ الفَرْقِ أنَّ التَّخْفِيفَ في …

Al-Baqara 2:211Listen in Qur'an →
212

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ

Beautified for those who disbelieve is the life of this world, and they ridicule those who believe. But those who fear Allah are above them on the Day of Resurrection. And Allah gives provision to whom He wills without account.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قَبْلُ حالَ مَن يُبَدِّلُ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ، وهُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالدَّلالَةِ والأنْبِياءِ وعَدَلُوا عَنْها، أتْبَعَهُ اللَّهُ تَعالى بِذِكْرِ السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَتْ هَذِهِ طَرِيقَتُهم فَقالَ: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا﴾ ومَحْصُولُ هَذا الكَلامِ تَعْرِيفُ المُؤْمِنِينَ ضَعْفَ عُقُولِ الكُفّارِ والمُشْرِكِينَ في تَرْجِيحِ الفانِي مِن زِينَةِ الدُّنْيا عَلى الباقِي مِن دَرَجاتِ الآخِرَةِ.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما لَمْ يَقُلْ: (زُيِّنَتْ) لِوُجُوهٍ:

أحَدُها وهو قَوْلُ الفَرّاءِ: أنَّ الحَياةَ والإحْياءَ واحِدٌ، فَإنْ أُنِّثَ فَعَلى اللَّفْظِ، وإنْ ذُكِّرَ فَعَلى المَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧٥]، ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هُودٍ: ٦٧] .

وثانِيها: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ أنَّ تَأْنِيثَ الحَياةِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ حَيَوانًا بِإزائِهِ ذَكَرٌ، مِثْلُ امْرَأةٍ ورَجُلٍ، وناقَةٍ وجَمَلٍ، بَلْ مَعْنى الحَياةِ والعَيْشِ والبَقاءِ واحِدٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: زُيِّنَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا والبَقاءُ.

وثالِثُها وهو قَوْلُ ابْنِ الأنْبارِيِّ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: زُيِّنَتْ؛ لِأنَّهُ فُصِلَ بَيْنَ زُيِّنَ وبَيْنَ الحَياةِ الدُّنْيا بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وإذا فُصِلَ بَيْنَ فِعْلِ المُؤَنَّثِ وبَيْنَ الِاسْمِ بِفاصِلٍ، حَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ؛ لِأنَّ الفاصِلَ يُغْنِي عَنْ تاءِ التَّأْنِيثِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا:

فالرِّوايَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ ورُؤَساءِ قُرَيْشٍ، كانُوا يَسْخَرُونَ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وعَمّارٍ، وخَبّابٍ، وسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، وعامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ وأبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ بِسَبَبِ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الفَقْرِ والضَّرَرِ والصَّبْرِ عَلى أنْواعِ البَلاءِ، مَعَ أنَّ الكُفّارَ كانُوا في التَّنَعُّمِ والرّاحَةِ.

والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: نَزَلَتْ في رُؤَساءِ اليَهُودِ وعُلَمائِهِمْ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعٍ، سَخِرُوا مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ المُهاجِرِينَ، حَيْثُ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ.

والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، كانُوا يَسْخَرُونَ مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ وفُقَراءِ المُهاجِرِينَ، واعْلَمْ أنَّهُ لا مانِعَ مِن نُزُولِها في جَمِيعِهِمْ.

صفحة ٦

* * *

والمَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ هَذا التَّزْيِينِ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَذَكَرُوا وُجُوهًا:

أحَدُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُزَيِّنُ هو غُواةُ الجِنِّ والإنْسِ، زَيَّنُوا لِلْكُفّارِ الحِرْصَ عَلى الدُّنْيا، وقَبَّحُوا أمْرَ الآخِرَةِ في أعْيُنِهِمْ، وأوْهَمُوا أنْ لا صِحَّةَ لِما يُقالُ مِن أمْرِ الآخِرَةِ، فَلا تُنَغِّصُوا عِيشَتَكم في الدُّنْيا. قالَ: وأمّا الَّذِي يَقُولُهُ المُجَبِّرَةُ مِن أنَّهُ تَعالى زَيَّنَ ذَلِكَ فَهو باطِلٌ؛ لِأنَّ المُزَيِّنَ لِلشَّيْءِ هو المُخْبِرُ عَنْ حُسْنِهِ، فَإنْ كانَ المُزَيِّنُ هو اللَّهُ تَعالى، فَإمّا أنْ يَكُونَ صادِقًا في ذَلِكَ التَّزْيِينِ، …

Al-Baqara 2:212Listen in Qur'an →
213

كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّۦنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍ

Mankind was [of] one religion [before their deviation]; then Allah sent the prophets as bringers of good tidings and warners and sent down with them the Scripture in truth to judge between the people concerning that in which they differed. And none differed over the Scripture except those who were given it - after the clear proofs came to them - out of jealous animosity among themselves. And Allah guided those who believed to the truth concerning that over which they had differed, by His permission. And Allah guides whom He wills to a straight path.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ فَهو يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ إيتاءُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُمُ الكِتابَ كانَ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّناتِ، فَتَكُونُ هَذِهِ البَيِّناتُ مُغايِرَةً لا مَحالَةَ لِإيتاءِ الكِتابِ، وهَذِهِ البَيِّناتُ لا يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى شَيْءٍ سِوى الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ تَعالى عَلى إثْباتِ الأُصُولِ الَّتِي لا يُمْكِنُ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ إلّا بَعْدَ ثُبُوتِها؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُتَكَلِّمِينَ يَقُولُونَ: كُلُّ ما لا يَصِحُّ إثْباتُ النُّبُوَّةِ إلّا بَعْدَ ثُبُوتِهِ، فَذَلِكَ لا يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ وإلّا وقَعَ الدَّوْرُ، بَلْ لا بُدَّ مِن إثْباتِها بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، فَهَذِهِ الدَّلائِلُ هي البَيِّناتُ المُتَقَدِّمَةُ عَلى إيتاءِ اللَّهِ الكُتُبَ إيّاهم.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ فالمَعْنى أنَّ الدَّلائِلَ إمّا سَمْعِيَّةٌ وإمّا عَقْلِيَّةٌ، أمّا السَّمْعِيَّةُ فَقَدْ حَصَلَتْ بِإيتاءِ الكِتابِ، وأمّا العَقْلِيَّةُ فَقَدْ حَصَلَتْ بِالبَيِّناتِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى إيتاءِ الكِتابِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَدْ تَمَّتِ البَيِّناتُ ولَمْ يَبْقَ في العُدُولِ عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ، فَلَوْ حَصَلَ الإعْراضُ والعُدُولُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلّا بِسَبَبِ الحَسَدِ والبَغْيِ والحِرْصِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البَيِّنَةِ: ٤] .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ حالَ أهْلِ الكِتابِ وأنَّهم بَعْدَ كَمالِ البَيِّناتِ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ والجَهْلِ بِسَبَبِ البَغْيِ والحَسَدِ بَيَّنَ أنَّ حالَ هَذِهِ الأُمَّةِ بِخِلافِ حالِ أُولَئِكَ؛ فَإنَّ اللَّهَ عَصَمَهم عَنِ الزَّلَلِ وهَداهم إلى الحَقِّ في الأشْياءِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيها أهْلُ الكِتابِ، يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، ونَحْنُ أوَّلُ النّاسِ دُخُولًا الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهم، فَهَدانا اللَّهُ لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ، فَهَذا اليَوْمُ الَّذِي هَدانا لَهُ، والنّاسُ لَنا فِيهِ تَبَعٌ وغَدًا لِلْيَهُودِ، وبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصارى» “ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: اخْتَلَفُوا في القِبْلَةِ فَصَلَّتِ اليَهُودُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، والنَّصارى إلى المَشْرِقِ، فَهَدانا اللَّهُ لِلْكَعْبَةِ، واخْتَلَفُوا في الصِّيامِ، فَهَدانا اللَّهُ لِشَهْرِ رَمَضانَ، واخْتَلَفُوا في إبْراهِيمَ، فَقالَتِ اليَهُودُ: كانَ يَهُودِيًّا وقالَتِ النَّصارى: كانَ نَصْرانِيًّا، فَقُلْنا: إنَّهُ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، واخْتَلَفُوا في عِيسى، فاليَهُودُ فَرَّطُوا، والنَّصارى أفْرَطُوا، وقُلْنا القَوْلَ العَدْلَ.

* * *

وبَقِيَ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: مِنَ الأصْحابِ مَن تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، قالَ: لِأنَّ الهِدايَةَ هي العِلْمُ والمَعْرِفَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَهَدى اللَّهُ﴾ نَصٌّ في أنَّ الهِدايَةَ حَصَلَتْ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإيمانَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الوَجْهَ ضَعِيفٌ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الهِدايَةَ غَيْرٌ، والِاهْتِداءَ غَيْرٌ، والَّذِي يَدُلُّ هَهُنا عَلى أنَّ الهِدايَةَ لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ عِبارَةً عَنِ الإيمانِ …

Al-Baqara 2:213Listen in Qur'an →
214

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا۟ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ۗ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ

Or do you think that you will enter Paradise while such [trial] has not yet come to you as came to those who passed on before you? They were touched by poverty and hardship and were shaken until [even their] messenger and those who believed with him said, "When is the help of Allah?" Unquestionably, the help of Allah is near.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾

فِي النَّظْمِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ السّالِفَةِ: ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والمُرادُ أنَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى الحَقِّ وطَلَبِ الجَنَّةِ، فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ الطَّلَبَ لا يَتِمُّ ولا يَكْمُلُ إلّا بِاحْتِمالِ الشَّدائِدِ في التَّكْلِيفِ فَقالَ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآيَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ في الآيَةِ السّالِفَةِ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ هَداهم لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم بَعْدَ تِلْكَ الهِدايَةِ احْتَمَلُوا الشَّدائِدَ في إقامَةِ الحَقِّ وصَبَرُوا عَلى البَلْوى، فَكَذا أنْتُمْ يا أصْحابَ مُحَمَّدٍ لا تَسْتَحِقُّونَ الفَضِيلَةَ في الدِّينِ إلّا بِتَحَمُّلِ هَذِهِ المِحَنِ.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اسْتَقْصَيْنا الكَلامَ في لَفْظِ (أمْ) في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى:

صفحة ١٧

﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٣] والَّذِي نُرِيدُهُ هَهُنا أنْ نَقُولَ: (أمْ) اسْتِفْهامٌ مُتَوَسِّطٌ كَما أنَّ (هَلْ) اسْتِفْهامٌ سابِقٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَقُولَ: هَلْ عِنْدَكَ رَجُلٌ، أعِنْدَكَ رَجُلٌ ؟ ابْتِداءً، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أمْ عِنْدَكَ رَجُلٌ، فَأمّا إذا كانَ مُتَوَسِّطًا جازَ سَواءٌ كانَ مَسْبُوقًا بِاسْتِفْهامٍ آخَرَ أوْ لا يَكُونُ، أمّا إذا كانَ مَسْبُوقًا بِاسْتِفْهامٍ آخَرَ فَهو كَقَوْلِكَ: أنْتَ رَجُلٌ لا تُنْصِفُ، أفَعَنْ جَهْلٍ تَفْعَلُ هَذا أمْ لَكَ سُلْطانٌ ؟ وأمّا الَّذِي لا يَكُونُ مَسْبُوقًا بِالِاسْتِفْهامِ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [السَّجْدَةِ: ٣] وهَذا القِسْمُ يَكُونُ في تَقْدِيرِ القِسْمِ الأوَّلِ، والتَّقْدِيرُ: أفَيُؤْمِنُونَ بِهَذا أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ؟ فَكَذا تَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ، فَصَبَرُوا عَلى اسْتِهْزاءِ قَوْمِهِمْ بِهِمْ، أفَتَسْلُكُونَ سَبِيلَهم، أمْ تَحْسَبُونَ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ مِن غَيْرِ سُلُوكِ سَبِيلِهِمْ ؟ هَذا ما لَخَّصَهُ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: ولَمْ يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا، وذَكَرَ الكُوفِيُّونَ مِن أهْلِ النَّحْوِ أنَّ (لَمّا) إنَّما هي (لَمْ) و(ما) زائِدَةٌ، وقالَسِيبَوَيْهِ: (ما) لَيْسَتْ زائِدَةً؛ لِأنَّ (لَمّا) تَقَعُ في مَواضِعَ لا تَقَعُ فِيها (لَمْ) يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: أقَدِمَ فُلانٌ ؟ فَيَقُولُ: (لَمّا) ولا يَقُولُ: (لَمْ) مُفْرَدَةً، قالَ المُبَرِّدُ: إذا قالَ القائِلُ: لَمْ يَأْتِنِي زَيْدٌ، فَهو نَفْيٌ لِقَوْلِكَ: أتاكَ زَيْدٌ. وإذا قالَ: لَمّا يَأْتِنِي فَمَعْناهُ أنَّهُ لَمْ يَأْتِنِي بَعْدُ وأنا أتَوَقَّعُهُ. قالَ النّابِغَةُ:

أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ

فَعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ إتْيانَ ذَلِكَ مُتَوَقَّعٌ مُنْتَظَرٌ.

* * *

المَسْألَةُ …

Al-Baqara 2:214Listen in Qur'an →
215

يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍۢ فَلِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌۭ

They ask you, [O Muhammad], what they should spend. Say, "Whatever you spend of good is [to be] for parents and relatives and orphans and the needy and the traveler. And whatever you do of good - indeed, Allah is Knowing of it."

قوله تعالى: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بالَغَ في بَيانِ أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ يَكُونَ مُعْرِضًا عَنْ طَلَبِ العاجِلِ، وأنْ يَكُونَ مُشْتَغِلًا بِطَلَبِ الآجِلِ، وأنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَبْذُلُ النَّفْسَ والمالَ في ذَلِكَ شَرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في بَيانِ الأحْكامِ، وهو مِن هَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٣] لِأنَّ مِن عادَةِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ بَيانُ التَّوْحِيدِ وبَيانُ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ وبَيانُ الأحْكامِ مُخْتَلِطًا بَعْضُها بِالبَعْضِ؛ لِيَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُقَوِّيًا لِلْآخَرِ ومُؤَكِّدًا لَهُ.

الحُكْمُ الأوَّلُ

فِيما يَتَعَلَّقُ بِالنَّفَقَةِ هو هَذِهِ الآيَةُ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في «رَجُلٍ أتى النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: إنَّ لِي دِينارًا. فَقالَ: أنْفِقْهُ عَلى نَفْسِكَ. قالَ: إنَّ لِي دِينارَيْنِ. قالَ: أنْفِقْهُما عَلى أهْلِكَ. قالَ: إنَّ لِي ثَلاثَةً. قالَ: أنْفِقْها عَلى خادِمِكَ. قالَ: إنَّ لِي أرْبَعَةً. قالَ: أنْفِقْها عَلى والِدَيْكَ. قالَ: إنَّ لِي خَمْسَةً. قالَ: أنْفِقْها عَلى قَرابَتِكَ. قالَ: إنَّ لِي سِتَّةً. قالَ: أنْفِقْها في سَبِيلِ اللَّهِ وهو أحْسَنُها» . ورَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا هَرِمًا، وهو الَّذِي قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وعِنْدَهُ مالٌ عَظِيمٌ، فَقالَ: ماذا نُنْفِقُ مِن أمْوالِنا وأيْنَ نَضَعُها ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِلنَّحْوِيِّينَ في (ماذا) قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَجْعَلَ (ما) مَعَ (ذا) بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ ويَكُونُ المَوْضِعُ نَصْبًا بـِ ”﴿يُنْفِقُونَ﴾“، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ العَرَبَ يَقُولُونَ: عَمّاذا تَسْألُ ؟ بِإثْباتِ الألِفِ في (ما)، فَلَوْلا

صفحة ٢١

أنَّ (ما) مَعَ (ذا) بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ لَقالُوا: عَمَّذا تَسْألُ ؟ بِحَذْفِ الألِفِ كَما حَذَفُوها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النَّبَأِ: ١] وقَوْلُهُ: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ [النّازِعاتِ: ٤٣] فَلَمّا لَمْ يَحْذِفُوا الألِفَ مِن آخِرِ (ما) عَلِمْتَ أنَّهُ مَعَ (ذا) بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ ولَمْ يَحْذِفُوا الألِفَ مِنهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ آخِرَ الِاسْمِ، والحَذْفُ يَلْحَقُها إذا كانَ آخِرًا إلّا أنْ يَكُونَ في شِعْرٍ؛ كَقَوْلِهِ:

عَلا ما قامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ

والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَجْعَلَ (ذا) بِمَعْنى الَّذِي ويَكُونُ (ما) رَفْعًا بِالِابْتِداءِ خَبَرُها (ذا) . والعَرَبُ قَدْ يَسْتَعْمِلُونَ (ذا) بِمَعْنى الَّذِي، فَيَقُولُونَ: مَن ذا يَقُولُ ذاكَ ؟ أيْ مَن ذا الَّذِي يَقُولُ ذاكَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: يَسْألُونَكَ ما الَّذِي يُنْفِقُونَ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّ القَوْمَ سَألُوا عَمّا يُنْفِقُونَ لا عَمَّنْ تُصْرَفُ النَّفَقَةُ إلَيْهِمْ، فَكَيْفَ أجابَهم بِهَذا ؟

والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ حَصَلَ في الآيَةِ ما يَكُونُ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ، وضَمَّ إلَيْهِ زِيادَةً بِها يَكْمُلُ ذَلِكَ المَقْصُودُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ جَوابٌ عَنِ السُّؤالِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الإنْفاقَ لا …

Al-Baqara 2:215Listen in Qur'an →
216

كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

Fighting has been enjoined upon you while it is hateful to you. But perhaps you hate a thing and it is good for you; and perhaps you love a thing and it is bad for you. And Allah Knows, while you know not.

الحُكْمُ الثّانِي فِيما يَتَعَلَّقُ بِالقِتالِ:

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكم وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكم وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ في القِتالِ مُدَّةَ إقامَتِهِ بِمَكَّةَ، فَلَمّا هاجَرَ أُذِنَ لَهُ في قِتالِ مَن يُقاتِلُهُ مِنَ المُشْرِكِينَ، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ في قِتالِ المُشْرِكِينَ عامَّةً، ثُمَّ فَرَضَ اللَّهُ الجِهادَ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ قَوْمٌ: إنَّها تَقْتَضِي وُجُوبَ القِتالِ عَلى الكُلِّ. وعَنْ مَكْحُولٍ أنَّهُ كانَ يَحْلِفُ عِنْدَ البَيْتِ بِاللَّهِ أنَّ الغَزْوَ واجِبٌ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وعَطاءٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَقْتَضِي وُجُوبَ القِتالِ عَلى أصْحابِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَقَطْ.

حُجَّةُ الأوَّلِينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُتِبَ﴾ يَقْتَضِي الوُجُوبَ وقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ يَقْتَضِيهِ أيْضًا، والخِطابُ بِالكافِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ لا يَمْنَعُ مِنَ الوُجُوبِ عَلى المَوْجُودِينَ وعَلى مَن سَيُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٣] .

فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ الآيَةِ هَلْ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ واجِبًا عَلى الأعْيانِ أوْ عَلى الكِفايَةِ.

قُلْنا: بَلْ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ واجِبًا عَلى الأعْيانِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ أيْ: عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِكم كَما في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ حُجَّةُ عَطاءٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُتِبَ﴾ يَقْتَضِي الإيجابَ، ويَكْفِي في العَمَلِ بِهِ مَرَّةٌ واحِدَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذا الخِطابِ بِالمَوْجُودِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، إلّا أنّا قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٣] حالُ المَوْجُودِينَ فِيهِ كَحالِ مَن سَيُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ، بِدَلالَةٍ مُنْفَصِلَةٍ، وهي الإجْماعُ، وتِلْكَ الدَّلالَةُ مَفْقُودَةٌ هَهُنا، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى الوَضْعِ الأصْلِيِّ، قالُوا: ومِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [الحَدِيدِ: ١٠] ولَوْ كانَ القاعِدُ مُضَيِّعًا فَرْضًا لَما كانَ مَوْعُودًا بِالحُسْنى، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: الفَرْضُ كانَ ثابِتًا ثُمَّ نُسِخَ، إلّا أنَّ التِزامَ القَوْمِ بِالنَّسْخِ مِن غَيْرِ أنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ غَيْرُ جائِزٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٢] والقَوْلُ بِالنَّسْخِ غَيْرُ جائِزٍ عَلى ما بَيَّنّاهُ، والإجْماعُ اليَوْمَ مُنْعَقِدٌ عَلى أنَّهُ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ، إلّا أنْ يَدْخُلَ المُشْرِكُونَ دِيارَ المُسْلِمِينَ فَإنَّهُ يَتَعَيَّنُ الجِهادُ حِينَئِذٍ عَلى الكُلِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.

صفحة ٢٤

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ فِيهِ إشْكالٌ، وهو أنَّ الظّاهِرَ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ أنَّ هَذا الخِطابَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، والعَقْلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا؛ لِأنَّ الكافِرَ لا يُؤْمَرُ بِقِتالِ …

Al-Baqara 2:216Listen in Qur'an →
217

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍۢ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌۭ فِيهِ كَبِيرٌۭ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَٰعُوا۟ ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌۭ فَأُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

They ask you about the sacred month - about fighting therein. Say, "Fighting therein is great [sin], but averting [people] from the way of Allah and disbelief in Him and [preventing access to] al-Masjid al-Haram and the expulsion of its people therefrom are greater [evil] in the sight of Allah. And fitnah is greater than killing." And they will continue to fight you until they turn you back from your religion if they are able. And whoever of you reverts from his religion [to disbelief] and dies while he is a disbeliever - for those, their deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and those are the companions of the Fire, they will abide therein eternally.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ولا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكم إنِ اسْتَطاعُوا ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا السّائِلَ أكانَ مِنَ المُسْلِمِينَ أوْ مِنَ الكافِرِينَ ؟ والقائِلُونَ بِأنَّهُ مِنَ المُسْلِمِينَ فَرِيقانِ:

الفَرِيقُ الأوَّلُ: الَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ تَعالى لَمّا كَتَبَ عَلَيْهِمُ القِتالَ وقَدْ كانَ عِنْدَ القَوْمِ لِلشَّهْرِ الحَرامِ والمَسْجِدِ الحَرامِ أعْظَمُ الحُرْمَةِ في المَنعِ مِنَ القِتالِ لَمْ يَبْعُدْ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالقِتالِ مُقَيَّدًا بِأنْ يَكُونَ في غَيْرِ هَذا الزَّمانِ، وفي غَيْرِ هَذا المَكانِ، فَدَعاهم ذَلِكَ إلى أنْ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقالُوا: أيَحِلُّ لَنا قِتالُهم في هَذا الشَّهْرِ وفي هَذا المَوْضِعِ ؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَعَلى هَذا الوَجْهِ الظّاهِرُ أنَّ هَذا السُّؤالَ كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ.

الفَرِيقُ الثّانِي: وهم أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: رَوَوْا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ الأسَدِيَّ وهو ابْنُ عَمَّتِهِ قَبْلَ قِتالِ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ، وبَعْدَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِن مَقْدِمِهِ المَدِينَةَ في ثَمانِيَةِ رَهْطٍ، وكَتَبَ لَهُ كِتابًا وعَهْدًا ودَفَعَهُ إلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يَفْتَحَهُ بَعْدَ مَنزِلَتَيْنِ، ويَقْرَأهُ عَلى أصْحابِهِ، ويَعْمَلَ بِما فِيهِ، فَإذا فِيهِ: أمّا بَعْدُ، فَسِرْ عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعالى بِمَنِ اتَّبَعَكَ حَتّى تَنْزِلَ بَطْنَ نَخْلٍ، فَتَرَصَّدَ بِها عِيرَ قُرَيْشٍ لَعَلَّكَ أنْ تَأْتِيَنا مِنهُ بِخَيْرٍ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَمْعًا وطاعَةً لِأمْرِهِ، فَقالَ لِأصْحابِهِ: مَن أحَبَّ مِنكُمُ الشَّهادَةَ فَلْيَنْطَلِقْ مَعِي فَإنِّي ماضٍ لِأمْرِهِ، ومَن أحَبَّ التَّخَلُّفَ فَلْيَتَخَلَّفْ، فَمَضى حَتّى بَلَغَ بَطْنَ نَخْلٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ عَمْرُو بْنُ الحَضْرَمِيِّ وثَلاثَةٌ مَعَهُ، فَلَمّا رَأوْا أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَلَقُوا رَأْسَ واحِدٍ مِنهم وأوْهَمُوا بِذَلِكَ أنَّهم قَوْمٌ عُمّارٌ، ثُمَّ أتى واقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الحَنْظَلِيُّ وهو أحَدُ مِن كانَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ ورَمى عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ فَقَتَلَهُ، وأسَرُّوا اثْنَيْنِ وساقُوا العِيرَ بِما فِيهِ حَتّى قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَضَجَّتْ قُرَيْشٌ وقالُوا: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الحَرامَ، شَهْرٌ يَأْمَنُ فِيهِ الخائِفُ فَيَسْفِكُ فِيهِ الدِّماءَ، والمُسْلِمُونَ أيْضًا قَدِ اسْتَبْعَدُوا ذَلِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنِّي ما أمَرْتُكم بِالقِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا قَتَلْنا ابْنَ الحَضْرَمِيِّ، ثُمَّ أمْسَيْنا فَنَظَرْنا إلى هِلالِ رَجَبٍ فَلا نَدْرِي أفِي رَجَبٍ أصَبْناهُ أمْ في جُمادى. فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العِيرَ والأُسارى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الغَنِيمَةَ»، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالأظْهَرُ أنَّ هَذا السُّؤالَ إنَّما صَدَرَ عَنِ المُسْلِمِينَ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ أكْثَرَ …

Al-Baqara 2:217Listen in Qur'an →
218

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Indeed, those who have believed and those who have emigrated and fought in the cause of Allah - those expect the mercy of Allah. And Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

صفحة ٣٤

فِي الآيَةِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهانِ:

الأوَّلُ: «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَبْ أنَّهُ لا عِقابَ فِيما فَعَلْنا، فَهَلْ نَطْمَعُ مِنهُ أجْرًا وثَوابًا ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»؛ لِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ كانَ مُؤْمِنًا، وكانَ مُهاجِرًا، وكانَ بِسَبَبِ هَذِهِ المُقاتَلَةِ مُجاهِدًا.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ الجِهادَ مِن قَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٦] وبَيَّنَ أنَّ تَرْكَهُ سَبَبٌ لِلْوَعِيدِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مَن يَقُومُ بِهِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولا يَكادُ يُوجَدُ وعِيدٌ إلّا ويَعْقُبُهُ وعْدٌ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿هاجَرُوا﴾ أيْ فارَقُوا أوْطانَهم وعَشائِرَهم، وأصْلُهُ مِنَ الهَجْرِ الَّذِي هو ضِدُّ الوَصْلِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْكَلامِ القَبِيحِ: هُجْرٌ؛ لِأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُهْجَرَ، والهاجِرَةُ وقْتٌ يُهْجَرُ فِيهِ العَمَلُ، والمُهاجَرَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الهِجْرَةِ، وجازَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّ الأحْبابَ والأقارِبَ هَجَرُوهُ بِسَبَبِ هَذا الدِّينِ، وهو أيْضًا هَجَرَهم بِهَذا السَّبَبِ، فَكانَ ذَلِكَ مُهاجَرَةً، وأمّا المُجاهَدَةُ فَأصْلُها مِنَ الجَهْدِ الَّذِي هو المَشَقَّةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى المُجاهَدَةِ أنْ يَضُمَّ جُهْدَهُ إلى جُهْدٍ آخَرَ في نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ، كَما أنَّ المُساعَدَةَ عِبارَةٌ عَنْ ضَمِّ الرَّجُلِ ساعِدَهُ إلى ساعِدٍ آخَرَ لِيَحْصُلَ التَّأْيِيدُ والقُوَّةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المُجاهَدَةِ بَذْلَ الجُهْدِ في قِتالِ العَدُوِّ، وعِنْدَ فِعْلِ العَدُوِّ مِثْلَ ذَلِكَ فَتَصِيرُ مُفاعَلَةً.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الرَّجاءُ، وهو عِبارَةٌ عَنْ ظَنِّ المَنافِعِ الَّتِي يَتَوَقَّعُها، وأرادَ تَعالى في هَذا المَوْضِعِ أنَّهم يَطْمَعُونَ في ثَوابِ اللَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ ما كانَ قاطِعًا بِالفَوْزِ والثَّوابِ في عَمَلِهِ، بَلْ كانَ يَتَوَقَّعُهُ ويَرْجُوهُ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ جُعِلَ الوَعْدُ مُطْلَقًا بِالرَّجاءِ، ولَمْ يَقَعْ بِهِ كَما في سائِرِ الآياتِ ؟

قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ مَذْهَبَنا أنَّ الثَّوابَ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ غَيْرُ واجِبٍ عَقْلًا، بَلْ بِحُكْمِ الوَعْدِ، فَلِذَلِكَ عَلَّقَهُ بِالرَّجاءِ.

وثانِيها: هَبْ أنَّهُ واجِبٌ عَقْلًا بِحُكْمِ الوَعْدِ، ولَكِنَّهُ تَعَلَّقَ بِأنْ لا يَكْفُرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا الشَّرْطُ مَشْكُوكٌ فِيهِ لا مُتَيَقَّنٌ، فَلا جَرَمَ كانَ الحاصِلُ هو الرَّجاءَ لا القَطْعَ.

وثالِثُها: أنَّ المَذْكُورَ هَهُنا هو الإيمانُ، والهِجْرَةُ، والجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولا بُدَّ لِلْإنْسانِ مَعَ ذَلِكَ مِن سائِرِ الأعْمالِ، وهو أنْ يَرْجُوَ أنْ يُوَفِّقَهُ اللَّهُ لَها، كَما وفَّقَهُ لِهَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَلا جَرَمَ عَلَّقَهُ عَلى الرَّجاءِ.

ورابِعُها: لَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ شَكَّكَ العَبْدَ في هَذِهِ المَغْفِرَةِ، بَلِ المُرادُ وصْفُهم بِأنَّهم يُفارِقُونَ الدُّنْيا مَعَ الهِجْرَةِ والجِهادِ، مُسْتَقْصِرِينَ أنْفُسَهم في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، يَرَوْنَ أنَّهم لَمْ يَعْبُدُوهُ حَقَّ عِبادَتِهِ، …

Al-Baqara 2:218Listen in Qur'an →
219

۞ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌۭ كَبِيرٌۭ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ

They ask you about wine and gambling. Say, "In them is great sin and [yet, some] benefit for people. But their sin is greater than their benefit." And they ask you what they should spend. Say, "The excess [beyond needs]." Thus Allah makes clear to you the verses [of revelation] that you might give thought.

الحُكْمُ الثّالِثُ

فِي الخَمْرِ

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّهم عَنْ أيِّ شَيْءٍ سَألُوا؛ فَإنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهم سَألُوا عَنْ حَقِيقَتِهِ وماهِيَّتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم سَألُوا عَنْ حِلِّ الِانْتِفاعِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم سَألُوا عَنْ حِلِّ شُرْبِهِ وحُرْمَتِهِ، إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ بِذِكْرِ الحُرْمَةِ دَلَّ تَخْصِيصُ الجَوابِ عَلى أنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ كانَ واقِعًا عَنِ الحِلِّ والحُرْمَةِ.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالُوا: نَزَلَتْ في الخَمْرِ أرْبَعُ آياتٍ، نَزَلَ بِمَكَّةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ [النَّحْلِ: ٦٧] وكانَ المُسْلِمُونَ يَشْرَبُونَها وهي حَلالٌ لَهم، ثُمَّ «إنَّ عُمَرَ ومُعاذًا ونَفَرًا مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفْتِنا في الخَمْرِ، فَإنَّها مُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ، مُسْلِبَةٌ لِلْمالِ. فَنَزَلَ فِيها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ فَشَرِبَها قَوْمٌ وتَرَكَها آخَرُونَ، ثُمَّ دَعا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ناسًا مِنهم، فَشَرِبُوا وسَكِرُوا، فَقامَ بَعْضُهم يُصَلِّي فَقَرَأ: قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ. فَنَزَلَتْ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النِّساءِ: ٤٣] فَقَلَّ مَن شَرِبَها، ثُمَّ اجْتَمَعَ قَوْمٌ مِنَ الأنْصارِ وفِيهِمْ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، فَلَمّا سَكِرُوا افْتَخَرُوا وتَناشَدُوا الأشْعارَ حَتّى أنْشَدَ سَعْدٌ شِعْرًا فِيهِ هِجاءٌ لِلْأنْصارِ، فَضَرَبَهُ أنْصارِيٌّ بَلَحْيِ بَعِيرٍ فَشَجَّهُ شَجَّةً مُوضِحَةً، فَشَكا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا. فَنَزَلَ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ [المائِدَةِ: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٩١] فَقالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا يا رَبِّ» .

قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: والحِكْمَةُ في وُقُوعِ التَّحْرِيمِ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ أنَّ القَوْمَ قَدْ كانُوا ألِفُوا شُرْبَ الخَمْرِ، وكانَ انْتِفاعُهم بِذَلِكَ كَثِيرًا، فَعَلِمَ أنَّهُ لَوْ مَنَعَهم دَفْعَةً واحِدَةً لَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَلا جَرَمَ اسْتَعْمَلَ في التَّحْرِيمِ هَذا التَّدْرِيجَ، وهَذا الرِّفْقَ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ بِأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النِّساءِ: ٤٣] فاقْتَضى ذَلِكَ تَحْرِيمَ شُرْبِ الخَمْرِ وقْتَ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ شارِبَ الخَمْرِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُصَلِّيَ إلّا مَعَ السُّكْرِ، فَكانَ المَنعُ مِن ذَلِكَ مَنعًا مِنَ الشُّرْبِ ضِمْنًا، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ المائِدَةِ فَكانَتْ في غايَةِ القُوَّةِ في التَّحْرِيمِ، وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ عِنْدَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ، فَنَفْتَقِرُ إلى بَيانِ أنَّ الخَمْرَ ما هو ؟ ثُمَّ إلى بَيانِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى تَحْرِيمِ شُرْبِ الخَمْرِ.

صفحة ٣٦

أمّا المَقامُ الأوَّلُ: في بَيانِ أنَّ الخَمْرَ ما هو ؟ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: كُلُّ …

Al-Baqara 2:219Listen in Qur'an →
220

فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَٰمَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌۭ لَّهُمْ خَيْرٌۭ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

To this world and the Hereafter. And they ask you about orphans. Say, "Improvement for them is best. And if you mix your affairs with theirs - they are your brothers. And Allah knows the corrupter from the amender. And if Allah had willed, He could have put you in difficulty. Indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

الحُكْمُ الخامِسُ

فِي اليَتامى

﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكم إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكم إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا قَدِ اعْتادُوا الِانْتِفاعَ بِأمْوالِ اليَتامى، ورُبَّما تَزَوَّجُوا بِاليَتِيمَةِ طَمَعًا في مالِها أوْ يُزَوِّجُها مِنِ ابْنٍ لَهُ؛ لِئَلّا يَخْرُجَ مالُها مِن يَدِهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النِّساءِ: ١٠] وأنْزَلَ في الآياتِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النِّساءِ: ٣] وقَوْلَهُ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾

صفحة ٤٤

﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [النِّساءِ: ١٢٧] وقَوْلَهُ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الأنْعامِ: ١٥٢] فَعِنْدَ ذَلِكَ تَرَكَ القَوْمُ مُخالَطَةَ اليَتامى، والمُقارَبَةَ مِن أمْوالِهِمْ، والقِيامَ بِأُمُورِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اخْتَلَّتْ مَصالِحُ اليَتامى وساءَتْ مَعِيشَتُهم، فَثَقُلَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ، وبَقَوْا مُتَحَيِّرِينَ إنْ خالَطُوهم وتَوَلَّوْا أمْرَ أمْوالِهِمْ، اسْتَعَدُّوا لِلْوَعِيدِ الشَّدِيدِ، وإنْ تَرَكُوا وأعْرَضُوا عَنْهم، اخْتَلَّتْ مَعِيشَةُ اليَتامى، فَتَحَيَّرَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ.

ثُمَّ هَهُنا يُحْتَمَلُ أنَّهم سَألُوا الرَّسُولَ عَنْ هَذِهِ الواقِعَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ السُّؤالَ كانَ في قَلْبِهِمْ، وأنَّهم تَمَنَّوْا أنْ يُبَيِّنَ اللَّهُ لَهم كَيْفِيَّةَ الحالِ في هَذا البابِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، ويُرْوى أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ تِلْكَ الآياتُ اعْتَزَلُوا أمْوالَ اليَتامى، واجْتَنَبُوا مُخالَطَتَهم في كُلِّ شَيْءٍ، حَتّى كانَ يُوضَعُ لِلْيَتِيمِ طَعامٌ فَيَفْضُلُ مِنهُ شَيْءٌ فَيَتْرُكُونَهُ ولا يَأْكُلُونَهُ حَتّى يَفْسَدَ، وكانَ صاحِبُ اليَتِيمِ يُفْرِدُ لَهُ مَنزِلًا وطَعامًا وشَرابًا فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلى ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما لِكُلِّنا مَنازِلُ تَسْكُنُها الأيْتامُ ولا كُلُّنا يَجِدُ طَعامًا وشَرابًا يُفْرِدُهُما لِلْيَتِيمِ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: قالَ القاضِي: هَذا الكَلامُ يَجْمَعُ النَّظَرَ في صَلاحِ مَصالِحِ اليَتِيمِ بِالتَّقْوِيمِ والتَّأْدِيبِ وغَيْرِهِما، لِكَيْ يَنْشَأ عَلى عِلْمٍ وأدَبٍ وفَضْلٍ؛ لِأنَّ هَذا الصُّنْعَ أعْظَمُ تَأْثِيرًا فِيهِ مِن إصْلاحِ حالِهِ بِالتِّجارَةِ، ويَدْخُلُ فِيهِ أيْضًا إصْلاحُ مالِهِ كَيْ لا تَأْكُلَهُ النَّفَقَةُ مِن جِهَةِ التِّجارَةِ، ويَدْخُلُ فِيهِ أيْضًا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهم ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النِّساءِ: ٢] ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿خَيْرٌ﴾ يَتَناوَلُ حالَ المُتَكَفِّلِ، …

Al-Baqara 2:220Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.