Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 211–220 of 286

211

سَلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ كَمْ ءَاتَيْنَٰهُم مِّنْ ءَايَةٍۭ بَيِّنَةٍۢ ۗ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

Ask the Children of Israel how many a sign of evidence We have given them. And whoever exchanges the favor of Allah [for disbelief] after it has come to him - then indeed, Allah is severe in penalty.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢١١] ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾

﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ المُرادُ بِهَذا السُّؤالِ: تَقْرِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ وتَوْبِيخُهم عَلى طُغْيانِهِمْ وجُحُودِهِمُ الحَقَّ بَعْدَ وُضُوحِ الآياتِ، لا أنْ يُجِيبُوا فَيُعْلَمُ مِن جَوابِهِمْ أمْرٌ. كَما إذا أرادَ واحِدٌ مِنّا تَوْبِيخَ أحَدٍ، يَقُولُ لِمَن حَضَرَهُ: سَلْهُ كَمْ أنْعَمْتُ عَلَيْهِ؟ أيْ: كَمْ شاهَدُوا المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةَ عَلى أيْدِي أنْبِيائِهِمُ، القاطِعَةَ بِصِدْقِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيما جاءُوهم بِهِ: كَعَصا مُوسى، وفِلْقِهِ البَحْرَ، وضَرْبِهِ الحَجَرَ، وما كانَ مِن تَظْلِيلِ الغَمامِ عَلَيْهِمْ في شِدَّةِ الحَرِّ، ومِن إنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى وصِدْقِ مَن جَرَتْ عَلى يَدَيْهِ هَذِهِ الخَوارِقُ. ومَعَ هَذا أعْرَضَ كَثِيرٌ مِنهم عَنْها، وبَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِها كُفْرًا كَما أشْعَرَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ فالمُرادُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ: آياتُهُ، فَهو مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بِغَيْرِ اللَّفْظِ السّابِقِ، لِتَعْظِيمِ الآياتِ؛ ولا يَخْفى أنَّها مِن أجْلِ أقْسامِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّها أسْبابُ الهُدى والنَّجاةِ مِنَ الضَّلالَةِ. وتَبْدِيلُهم إيّاها: اسْتِبْدالُهم بِالإيمانِ بِها، الكُفْرَ بِها والإعْراضَ عَنْها. كَما قالَ تَعالى إخْبارًا عَنْ كُفّارِ قُرَيْشٍ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ [إبراهيم: ٢٩] وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ﴾ أيْ: وصَلَتْ إلَيْهِ وتَمَكَّنَ مِن مَعْرِفَتِها أوْ عَرَفَها، والتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ - مَعَ أنَّ التَّبْدِيلَ لا يُتَصَوَّرُ قَبْلَ المَجِيءِ - لِلْإشْعارِ بِأنَّهم قَدْ بَدَّلُوها بَعْدَ ما وقَفُوا عَلى تَفاصِيلِها، وفِيهِ تَقْبِيحٌ عَظِيمٌ بِهِمْ، ونَعْيٌ عَلى شَناعَةِ حالِهِمْ، واسْتِدْلالٌ عَلى اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ الشَّدِيدَ حَيْثُ بَدَّلُوا، بَعْدَ المَعْرِفَةِ..!.

Al-Baqara 2:211Listen in Qur'an →
212

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ

Beautified for those who disbelieve is the life of this world, and they ridicule those who believe. But those who fear Allah are above them on the Day of Resurrection. And Allah gives provision to whom He wills without account.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢١٢] ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ .

﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حَتّى بَدَّلُوا النِّعْمَةَ: ﴿الحَياةُ الدُّنْيا﴾ لِحُضُورِها، فَألْهَتْهم عَنْ غائِبِ الآخِرَةِ.

قالَ الحَرالِيُّ: فَفي ضِمْنِهِ إشْعارٌ بِأنَّ اسْتِحْسانَ بَهْجَةِ الدُّنْيا كُفْرٌ ما، مِن حَيْثُ إنَّ نَظَرَ العَقْلِ والإيمانِ يُبَصِّرُ طَيَّتَها، ويَشْهَدُ جِيفَتَها، فَلا يَغْتَرُّ بِزِينَتِها، وهي آفَةُ الخَلْقِ في انْقِطاعِهِمْ عَنِ الحَقِّ؛ فَأبْهَمَ تَعالى المُزَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ لِيَشْمَلَ أدْنى التَّزْيِينِ الواقِعِ عَلى لِسانِ الشَّيْطانِ، وأخْفى التَّزْيِينَ الَّذِي يَكُونُ مِنِ اسْتِدْراجِ اللَّهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨]

وفِي كَلامِهِ إشْعارٌ بِما يُجابُ عَنْ وُرُودِ التَّزْيِينِ، مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى تارَةً وإلى غَيْرِهِ أُخْرى، في عِدَّةِ آياتٍ مِنَ التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ.

ولِلرّاغِبِ كَلامٌ بَدِيعٌ يَنْحَلُّ بِهِ مِثْلُ هَذا الإشْكالِ وهو قَوْلُهُ:

إنَّ الفِعْلَ كَما يُنْسَبُ إلى المُباشِرِ لَهُ، يُنْسَبُ إلى ما هو سَبَبُهُ ومُسَهِّلُهُ، وعَلى هَذا يَصِحُّ أنْ يُنْسَبَ فِعْلٌ واحِدٌ تارَةً إلى اللَّهِ تَعالى وتارَةً إلى غَيْرِهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢] فَأسْنَدَ الفِعْلَ في الأوَّلِ إلى المُباشِرِ لَهُ، وفي الثّانِي إلى الآمِرِ بِهِ؛ وهَكَذا، يُتَصَوَّرُ ما ذُكِرَ، تَزُولُ الشُّبْهَةُ فِيما يُرى مِنَ الأفْعالِ مَنسُوبًا إلى اللَّهِ تَعالى، مَنفِيًّا عَنِ اللَّهِ تَعالى، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]

﴿ويَسْخَرُونَ﴾ - أيْ: يَهْزَأُونَ -: ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] الآياتِ: ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وإنَّما ذُكِرُوا بِعُنْوانِ التَّقْوى لِحَضِّهِمْ عَلَيْها، وإيذانًا بِتَرَتُّبِ الحُكْمِ عَلَيْها: ﴿فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لِأنَّهم في عِلِّيِّينَ وهم في أسْفَلِ سافِلِينَ، أوْ لِأنَّهم يَتَطاوَلُونَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ فَيَسْخَرُونَ مِنهم كَما سَخِرُوا مِنهم في الدُّنْيا، كَما قالَ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥]

ولِذا قالَ الرّاغِبُ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ حالَ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ أعْلى مِن حالِ الكُفّارِ في الدُّنْيا.

والثّانِي أنَّ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ هم في الغُرُفاتِ، والكُفّارَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ. انْتَهى.

لَطائِفُ:

قالَ السَّيْلَكُوتِيُّ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلخ جُمْلَةٌ مُعَلِّلَةٌ لِما سَبَقَ مِن أحْوالِ الكُفّارِ مِنَ المُنافِقِينَ وأهْلِ الكِتابِ؛ يَعْنِي أنَّ جَمِيعَ ما ذُكِرَ مِن صِفاتِهِمُ الذَّمِيمَةِ، لِأجْلِ تَهالُكِهِمْ في مَحَبَّةِ الحَياةِ …

Al-Baqara 2:212Listen in Qur'an →
213

كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّۦنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍ

Mankind was [of] one religion [before their deviation]; then Allah sent the prophets as bringers of good tidings and warners and sent down with them the Scripture in truth to judge between the people concerning that in which they differed. And none differed over the Scripture except those who were given it - after the clear proofs came to them - out of jealous animosity among themselves. And Allah guided those who believed to the truth concerning that over which they had differed, by His permission. And Allah guides whom He wills to a straight path.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢١٣] ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ وأنْـزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهم فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .

﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: وُجِدُوا أُمَّةً واحِدَةً تَتَّحِدُ مَقاصِدُها ومَطالِبُها ووُجْهَتُها لِتُصْلِحَ ولا تُفْسِدَ. وتُحْسِنَ ولا تُسِيءَ، وتَعْدِلَ ولا تَظْلِمَ، أيْ: ما وُجِدُوا إلّا لِيَكُونُوا كَذَلِكَ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] أيِ: انْحَرَفُوا عَنِ الِاتِّحادِ والِاتِّفاقِ، الَّذِي يُثْمِرُ كُلَّ خَيْرٍ لَهم وسَعادَةً، إلى الِاخْتِلافِ والشِّقاقِ المُسْتَتْبِعِ الفَسادَ وهَلاكَ الحَرْثِ والنَّسْلِ، ولَمّا كانُوا لَمْ يُخْلَقُوا سُدًى مِنَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِما يُبَصِّرُهم سَبِيلَ الرَّشادِ في الِاتِّحادِ عَلى الحَقِّ مِن بَعْثَةِ الأنْبِياءِ وما نَزَلَ مَعَهم مِنَ الكِتابِ الفَصْلِ، كَما أشارَتْ تَتِمَّةُ الآيَةِ: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ الَّذِينَ رَفَعَهم عَلى بَقِيَّةِ خَلْقِهِ فَأنْبَأهم بِما يُرِيدُ مِن أمْرِهِ، وأرْسَلَهم إلى خَلْقِهِ: ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ لِمَن آمَنَ وأطاعَ: ﴿ومُنْذِرِينَ﴾ لِمَن كَفَرَ وعَصى: ﴿وأنْـزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ أيْ: كَلامَهُ الجامِعَ لِما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في بابِ الدِّينِ عَلى الِاسْتِقامَةِ والهِدايَةِ التّامَّةِ؛ لِكَوْنِهِ مُتَلَبِّسًا: ﴿بِالحَقِّ﴾ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ مِنَ الِاعْتِقاداتِ والأعْمالِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قَبْلَ ذَلِكَ أُمَّةً واحِدَةً، فَسَلَكُوا بِهِمْ، بَعْدَ جُهْدٍ، السَّبِيلَ الأقْوَمَ، ثُمَّ ضَلُّوا عَلى عِلْمٍ بَعْدَ مَوْتِ الرُّسُلِ، فاخْتَلَفُوا في الدِّينِ لِاخْتِلافِهِمْ في الكِتابِ: ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ أيِ: الكِتابَ الهادِيَ الَّذِي لا لَبْسَ فِيهِ، المُنَزَّلَ لِإزالَةِ الِاخْتِلافِ: ﴿إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أيْ: عَلِمُوهُ فَبَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ بِأنْ أوْقَعُوا الخِلافَ فِيما أُنْزِلَ لِرَفْعِ الخِلافِ. ولَمْ يَكُنِ اخْتِلافُهم لِالتِباسٍ عَلَيْهِمْ مِن جِهَتِهِ بَلْ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ: الدَّلائِلُ الواضِحَةُ -: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: حَسَدًا وقَعَ بَيْنَهُمْ: ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِالكِتابِ: ﴿لِما اخْتَلَفُوا﴾ أيْ: أهْلُ الضَّلالَةِ: ﴿فِيهِ مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ: لِلْحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ. وفي إبْهامِهِ أوَّلًا، وتَفْسِيرِهِ ثانِيًا، ما لا يَخْفى مِنَ التَّفْخِيمِ: ﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ: بِتَيْسِيرِهِ ولُطْفِهِ ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ. وفي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ عائِشَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ - إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي يَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ! فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ! عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ! أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِما اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِكَ إنَّكَ تَهْدِي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ...!»» .

Al-Baqara 2:213Listen in Qur'an →
214

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا۟ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ۗ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ

Or do you think that you will enter Paradise while such [trial] has not yet come to you as came to those who passed on before you? They were touched by poverty and hardship and were shaken until [even their] messenger and those who believed with him said, "When is the help of Allah?" Unquestionably, the help of Allah is near.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢١٤] ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ .

﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الأنْبِياءِ ومَن مَعَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ: والحالُ أنَّهُ لَمْ يَأْتِكم مَثَلُهم بَعْدُ، ولَمْ تُبْتَلُوا بِما ابْتُلُوا بِهِ مِنَ الأحْوالِ الهائِلَةِ الَّتِي هي مَثَلٌ في الفَظاعَةِ والشِّدَّةِ، سُنَّةُ اللَّهِ الَّتِي لا تَتَبَدَّلُ: ﴿مَسَّتْهُمُ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كانَ مَثَلُهُمْ؟ فَقِيلَ: مَسَّتْهُمُ ﴿البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ أيِ: الشَّدائِدُ والآلامُ: ﴿وزُلْزِلُوا﴾ أيْ: أُزْعِجُوا، مِمّا دَهَمَهم مِنَ الأهْوالِ والإفْراغِ، إزْعاجًا شَدِيدًا شَبِيهًا بِالزَّلْزَلَةِ الَّتِي تَكادُ تَهُدُّ الأرْضَ وتَدُكُّ الجِبالَ: ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ أيِ: انْتَهى أمْرُهم مِنَ الشِّدَّةِ إلى حَيْثُ اضْطَرَّهُمُ الضَّجَرُ إلى أنْ يَقُولَ الرَّسُولُ - وهو أعْلَمُ النّاسِ بِشُؤُونِ اللَّهِ تَعالى، وأوْثَقُهم بِنَصْرِهِ، وداعِيهم إلى الصَّبْرِ -: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ - وهُمُ الأثْبَتُ بَعْدَهُ، العازِمُونَ عَلى الصَّبْرِ، المُوقِنُونَ بِوَعْدِ النَّصْرِ -: ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ - اسْتِبْطاءً لَهُ، واسْتِطالَةً لِمُدَّةِ الشِّدَّةِ والعَناءِ - فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] أيْ: فاصْبِرُوا كَما صَبَرُوا تَظْفَرُوا..!. وقَدْ حَصَلَ مِن هَذا الِابْتِلاءِ جانِبٌ عَظِيمٌ لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم يَوْمَ الأحْزابِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] الآياتِ.

ورَوى البُخارِيُّ عَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «شَكَوْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ في ظِلِّ الكَعْبَةِ، فَقُلْنا: ألا تَسْتَنْصِرَ لَنا؟ ألا تَدْعُوَ لَنا؟ فَقالَ: «قَدْ كانَ مَن قَبْلَكم يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ في الأرْضِ فَيُجْعَلُ فِيها. فَيُجاءُ بِالمِنشارِ، فَيُوضَعُ عَلى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، ويُمَشَّطُ بِأمْشاطِ الحَدِيدِ ما دُونُ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ، فَما يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ. واللَّهِ! لَيُتِمَنَّ اللَّهُ هَذا الأمْرَ حَتّى يَسِيرَ الرّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لا يَخافُ إلّا اللَّهَ والذِّئْبَ عَلى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكم تَسْتَعْجِلُونَ» ...»

وفِي رِوايَةٍ: «وهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً، وقَدْ لَقَيْنا مِنَ المُشْرِكِينَ شِدَّةً...»

ولِما سَألَ هِرَقْلُ أبا سُفْيانَ: هَلْ قاتَلْتُمُوهُ؟ قالَ: نَعَمْ! قالَ: فَكَيْفَ كانَتِ الحَرْبُ بَيْنَكم قالَ: سِجالًا، يُدالُ عَلَيْنا ونُدالُ عَلَيْهِ. قالَ: كَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلى ثُمَّ تَكُونُ لَها العاقِبَةُ!.

وهَذِهِ الآيَةُ كَآيَةِ: ﴿الم﴾ [العنكبوت: ١] ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ …

Al-Baqara 2:214Listen in Qur'an →
215

يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍۢ فَلِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌۭ

They ask you, [O Muhammad], what they should spend. Say, "Whatever you spend of good is [to be] for parents and relatives and orphans and the needy and the traveler. And whatever you do of good - indeed, Allah is Knowing of it."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢١٥] ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ .

﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: أيَّ شَيْءٍ يُنْفِقُونَهُ مِن أصْنافِ الأمْوالِ؟: ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ﴾ قَبْلَ غَيْرِهِما لِيَكُونَ أداءً لِحَقِّ تَرْبِيَتِهِما مَعَ كَوْنِهِ صِلَةَ الوَصْلِ وصَدَقَةً: ﴿والأقْرَبِينَ﴾ بَعْدَهُما لِيَكُونَ صِلَةً وصَدَقَةً: ﴿واليَتامى﴾ بَعْدَهم لِأنَّ فِيهِمُ الفَقْرَ مَعَ العَجْزِ: ﴿والمَساكِينِ﴾ بَعْدَهم لِاحْتِياجِهِمْ: ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ بَعْدَهم لِأنَّهُ كالفَقِيرِ لِغَيْبَةِ مالِهِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ طابَقَ الجَوابُ السُّؤالَ، فَإنَّهم سَألُوا عَنْ بَيانِ ما يُنْفِقُونَ، وأُجِيبُوا بِبَيانِ المَصْرِفِ؟ فالجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ قَدْ تَضَمَّنَ بَيانَ ما يُنْفِقُونَهُ - وهو كُلُّ مالٍ عَدُّوهُ خَيْرًا - وبُنِي الكَلامُ عَلى ما هو أهَمُّ، وهو بَيانُ المَصْرِفِ، لِأنَّ النَّفَقَةَ لا يُعْتَدُّ بِها إلّا أنْ تَقَعَ مَوْقِعَها. قالَ الشّاعِرُ:

؎إنَّ الصَّنِيعَةَ لا تَكُونُ صَنِيعَةً حَتّى يُصابَ بِها طَرِيقُ المَصْنَعِ

؎فَإذا صَنَعْتَ صَنِيعَةً فاعْمَدْ بِها ∗∗∗ لِلَّهِ أوْ لِذَوِي القَرابَةِ أوْ دَعِ

فَيَكُونُ الكَلامُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] فِيما تَقَدَّمَ هَذا.

وقالَ القَفّالُ: إنَّهُ وإنْ كانَ السُّؤالُ وارِدًا بِلَفْظٍ ما إلّا أنَّ الِمَقْصُودَ السُّؤالُ عَنِ الكَيْفِيَّةِ، لِأنَّهم كانُوا عالِمِينَ أنَّ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ إنْفاقُ مالٍ يَخْرُجُ قُرْبَةً إلى اللَّهِ تَعالى. وإذا كانَ هَذا مَعْلُومًا لَمْ يَنْصَرِفِ الوَهْمُ إلى أنَّ ذَلِكَ المالَ أيُّ شَيْءٍ هُوَ؟ وإذا خَرَجَ هَذا عَنْ أنْ يَكُونَ مُرادًا تَعَيَّنَ أنَّ المَطْلُوبَ بِالسُّؤالِ: أنَّ مَصْرِفَهُ أيُّ شَيْءٍ هُوَ؟ وحِينَئِذٍ يَكُونُ الجَوابُ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ [البقرة: ٧١] وإنَّما كانَ هَذا الجَوابُ مُوافِقًا لِذَلِكَ السُّؤالِ، لِأنَّهُ كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ البَقَرَةَ هي البَهِيمَةُ الَّتِي شَأْنُها وصِفَتُها كَذا. فَقَوْلُهُ: ما هي لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى طَلَبِ الماهِيَّةِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ طَلَبَ الصِّفَةِ الَّتِي بِها تَتَمَيَّزُ تِلْكَ البَقَرَةِ عَنْ غَيْرِها، فَبِهَذا الطَّرِيقِ قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ الجَوابَ مُطابِقٌ لِذَلِكَ السُّؤالِ. فَكَذا هَهُنا، لَمّا عَلِمْنا أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ الَّذِي أُمِرُوا بِإنْفاقِهِ ما هو - وجَبَ أنْ يُقْطَعَ بِأنَّ مُرادَهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ماذا يُنْفِقُونَ﴾ ؟ لَيْسَ هو طَلَبَ الماهِيَّةِ، بَلْ طَلَبَ المَصْرِفِ، فَلِهَذا حَسُنَ هَذا الجَوابُ...!.

وأجابَ الرّاغِبُ بِجَوابَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهم سَألُوا عَنْهُما وقالُوا: ما نُنْفِقُ؟ وعَلى مَن نُنْفِقُ؟ ولَكِنْ حَذَفَ حِكايَةَ السُّؤالِ، أحَدُهُما: إيجازًا ودَلَّ عَلَيْهِ بِالجَوابِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: المُنْفَقُ الخَيْرُ، والمُنْفَقُ عَلَيْهِمْ هَؤُلاءِ؛ فَلَفَّفَ أحَدَ الجَوّابِينَ في الآخَرِ، وهَذا طَرِيقٌ مَعْرُوفٌ في البَلاغَةِ.

الجَوابُ الثّانِي: أنَّ السُّؤالَ ضَرْبانِ: سُؤالُ جَدَلٍ، …

Al-Baqara 2:215Listen in Qur'an →
216

كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

Fighting has been enjoined upon you while it is hateful to you. But perhaps you hate a thing and it is good for you; and perhaps you love a thing and it is bad for you. And Allah Knows, while you know not.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢١٦] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكم وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .

﴿كُتِبَ﴾ أيْ: فُرِضَ: ﴿عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ أيْ: قِتالُ المُتَعَرِّضِينَ لِقِتالِكُمْ، كَما قالَ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠] المُرادُ بِقِتالِهِمُ الجِهادُ فِيهِمْ بِما يُبِيدُهم أوْ يَقْهَرُهم ويَخْذُلُهم ويُضْعِفُ قُوَّتَهم.

قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: سَيْفُ الجِهادِ والقِتالِ هو آيَةُ العِزِّ، وبِهِ مُصِّرَتِ الأمْصارُ، ومُدَّنَتِ المُدُنُ، وانْتَشَرَتِ المَبادِئُ والمَذاهِبُ، وأُيِّدَتِ الشَّرائِعُ والقَوانِينُ؛ وبِهِ حَمِيَ الإسْلامُ مِن أنْ تَعْبَثَ بِهِ أيْدِي العابِثِينَ في الغابِرِ، وهو الَّذِي يَحْمِيهِ مِن طَمَعِ الطّامِعِينَ في الحاضِرِ؛ وبِهِ امْتَدَّتْ سَيْطَرَةُ الإسْلامِ إلى ما وراءَ جِبالِ الأُورالِ شَمالًا، وخَطِّ الِاسْتِواءِ جَنُوبًا، وجُدْرانِ الصِّينِ شَرْقًا، وجِبالِ البِيرْنَهْ غَرْبًا..!

قالَ: فَيَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ أنْ لا يَتَمَلَّصُوا مِن قَوْلِ بَعْضِ الأُورُبِّيِّينَ: إنَّ الدِّينَ الإسْلامِيَّ قَدِ انْتَشَرَ بِالسَّيْفِ! فَإنَّ هَذا القَوْلَ لا يَضُرُّ جَوْهَرَ الدِّينِ شَيْئًا؛ فَإنَّ المُنْصِفِينَ مِنَ الأُورُبِّيِّينَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ قامَ بِالدَّعْوَةِ والإقْناعِ، وأنَّ السَّيْفَ لَمْ يُجَرَّدْ إلّا لِحِمايَةِ الدَّعْوَةِ. وإنَّما التَّمَلُّصُ مِنهُ يَضُرُّ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ يُقْعِدُهم عَنْ نُصْرَةِ الدِّينِ بِالسَّيْفِ، ويَقُودُهم إلى التَّخاذُلِ والتَّواكُلِ، ويَحْمِلُهم عَلى الِاعْتِقادِ بِتَرْكِ الوَسائِلِ، فَيَسْتَخِذُونَ إلى الضَّعْفِ كَما هي حالَتُهُمُ اليَوْمَ، وتَبْتَلِعُهُمُ الأُمَمُ القَوِيَّةُ الَّتِي جَعَلَتْ شِعارَ تَمَدُّنِها: السَّيْفُ أوِ القُوَّةُ..!

قالَ: يَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ أنْ يَدْرُسُوا آياتِ الجِهادِ صَباحَ مَساءَ، ويُطِيلُوا النَّظَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] لَعَلَّهم يَتَحَفَّزُونَ إلى مُجاراةِ الأُمَمِ القَوِيَّةِ المُجاهِدَةِ في الأُمَمِ الضَّعِيفَةِ..!.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الكَراهَةِ، فَوَضَعَ المَصْدَرَ مَوْضِعَ الوَصْفِ مُبالَغَةً، كَقَوْلِ الخَنْساءِ:

؎فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ

كَأنَّهُ في نَفْسِهِ كَراهَةً لِفَرْطِ كَراهَتِهِمْ لَهُ، أوْ هو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ - كالخُبْزِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ - أيْ: وهو مَكْرُوهٌ لَكُمْ، وهَذا الكُرْهُ إنَّما حَصَلَ مِن حَيْثُ نُفُورُ الطَّبْعِ عَنِ القِتالِ - لِما فِيهِ مِن مُؤْنَةِ المالِ، ومَشَقَّةِ النَّفْسِ، وخَطَرِ الرُّوحِ والخَوْفِ - فَلا يُنافِي الإيمانَ؛ لِأنَّ كَراهَةَ الطَّبْعِ جَبَلِيَّةٌ، لا تُنافِي الرِّضاءَ بِما كُلِّفَ بِهِ، كالمَرِيضِ الشّارِبِ لِلدَّواءِ البَشِعِ.

وفِي القامُوسِ وشَرْحِهِ: الكَرْهُ بِالفَتْحِ ويُضَمُّ: لُغَتانِ جَيِّدَتانِ بِمَعْنى الإباءِ والمَشَقَّةِ.

قالَ ثَعْلَبٌ: قَرَأ نافِعٌ، وأهْلُ المَدِينَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ: وهو كُرْهٌ لَكم بِالضَّمِّ في هَذا الحَرْفِ خاصَّةً، وسائِرِ القُرْآنِ بِالفَتْحِ. وكانَ عاصِمٌ يَضُمُّ هَذا الحَرْفَ والَّذِي في الأحْقافِ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ويَقْرَأُ سائِرَهُنَّ بِالفَتْحِ. وكانَ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ يَضُمُّونَ هَذِهِ الحُرُوفَ الثَّلاثَةَ والَّذِي في النِّساءِ: ﴿لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] …

Al-Baqara 2:216Listen in Qur'an →
217

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍۢ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌۭ فِيهِ كَبِيرٌۭ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَٰعُوا۟ ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌۭ فَأُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

They ask you about the sacred month - about fighting therein. Say, "Fighting therein is great [sin], but averting [people] from the way of Allah and disbelief in Him and [preventing access to] al-Masjid al-Haram and the expulsion of its people therefrom are greater [evil] in the sight of Allah. And fitnah is greater than killing." And they will continue to fight you until they turn you back from your religion if they are able. And whoever of you reverts from his religion [to disbelief] and dies while he is a disbeliever - for those, their deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and those are the companions of the Fire, they will abide therein eternally.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢١٧] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ولا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكم إنِ اسْتَطاعُوا ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ قالَ الرّاغِبُ: السّائِلُ عَنْ ذَلِكَ، قِيلَ: أهْلُ الشِّرْكِ قَصْدًا إلى تَعْيِيرِ المُسْلِمِينَ لِما تَجاوَزُوهُ مِنَ القَتْلِ في الشَّهْرِ الحَرامِ. وقِيلَ: هم أهْلُ الإسْلامِ.

وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في " الكَبِيرِ " والبَيْهَقِيُّ في " سُنَنِهِ "، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَهْطًا، وبَعَثَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ، فَلَقُوا ابْنَ الحَضْرَمِيِّ فَقَتَلُوهُ ولَمْ يَدْرُوا أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ مِن رَجَبٍ أوْ مِن جُمادى. فَقالَ المُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: قَتَلْتُمْ في الشَّهْرِ الحَرامٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ لَمْ يَكُونُوا أصابُوا وِزْرًا فَلَيْسَ لَهم أجْرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨] الآيَةَ».

وأخْرَجَهُ ابْنُ مَندَهْ مِنَ الصَّحابَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ومُلَخَّصُ ما ذَكَرَهُ الإمامُ ابْنُ القَيِّمُ في " زادِ المَعادِ " وابْنُ هِشامٍ في " السِّيرَةِ " في الكَلامِ عَلى هَذِهِ السِّرِّيَّةِ ونُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ الأسَدِيَّ إلى نَخْلَةَ في رَجَبٍ عَلى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ، كُلُّ اثْنَيْنِ يَعْتَقِبانِ عَلى بَعِيرٍ، فَوَصَلُوا إلى بَطْنِ نَخْلَةَ يَرْصُدُونَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وفي هَذِهِ السِّرِّيَّةِ سُمِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ لَهُ كِتابًا وأمَرَهُ أنْ لا يَنْظُرَ فِيهِ حَتّى يَسِيرَ يَوْمَيْنِ ثُمَّ يَنْظُرَ فِيهِ. فَلَمّا سارَ يَوْمَيْنِ فَتَحَ الكِتابِ فَوَجَدَ فِيهِ: إذا نَظَرْتَ في كِتابِي هَذا فامْضِ حَتّى تَنْزِلَ بِنَخْلَةَ - بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ - فَتَرْصُدَ بِها عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وتَعْلَمَ لَنا مِن أخْبارِهِمْ، فَقالَ: سَمْعًا وطاعَةً! وأخْبَرَ أصْحابَهُ بِذَلِكَ وبِأنَّهُ لا يَسْتَكْرِهُهم فَمَن أحَبَّ الشَّهادَةَ فَلْيَنْهَضْ، ومَن كَرِهَ المَوْتَ فَلْيَرْجِعْ، فَأمّا أنا فَناهِضٌ! فَنَهَضُوا كُلُّهُمْ، فَلَمّا كانَ في أثْناءِ الطَّرِيقِ أضَلَّ سَعْدُ بْنُ أبِي وقاصٍّ وعُتْبَةُ بْنُ غَزْوانَ بَعِيرًا لَهُما كانا يَتَعَقَّبانِهِ، فَتَخَلَّفا في طَلَبِهِ. فَبَعُدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ حَتّى نَزَلَ بِنَخْلَةَ، فَمَرَّتْ بِهِ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ تَحْمِلُ زَبِيبًا وأُدُمًا وتِجارَةً فِيها عَمْرُو بْنُ الحَضْرَمِيِّ وعُثْمانُ ونَوْفَلٌ ابْنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ والحَكَمُ بْنُ كَيْسانَ مَوْلى بَنِي المُغِيرَةِ، فَتَشاوَرَ المُسْلِمُونَ وقالُوا: نَحْنُ في آخِرِ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ لَئِنْ تَرَكْتُمُ القَوْمَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيَدْخُلَنَّ الحَرَمَ فَلْيَمْتَنِعَنَّ مِنكم بِهِ، ولَئِنْ قَتَلْتُمُوهم لَتَقْتُلَنَّهم في الشَّهْرِ الحَرامِ! فَتَرَدَّدَ القَوْمُ وهابُوا الإقْدامَ …

Al-Baqara 2:217Listen in Qur'an →
218

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Indeed, those who have believed and those who have emigrated and fought in the cause of Allah - those expect the mercy of Allah. And Allah is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢١٨] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِحُرْمَةِ الشَّهْرِ في نَفْسِهِ وجَوازِ قِتالِ المُخْرِجِينَ أهْلَ المَسْجِدِ الحَرامِ مِنهُ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ تَرَكُوا مَكَّةَ وعَشائِرَهم إذْ أُخْرِجُوا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ: ﴿وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولَوْ في الشَّهْرِ الحَرامِ لِلدَّفْعِ عَنْ أنْفُسِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ﴾ وإنْ باشَرُوا القِتالَ فِي الشَّهْرِ الحَرامِ: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ أيْ: جَنَّتَهُ عَلى إيمانِهِمْ وهِجْرَتِهِمْ وجِهادِهِمْ. وإنَّما ثَبَتَ لَهُمُ الرَّجاءُ دُونَ الفَوْزِ بِالمَرْجُوِّ لِلْإيذانِ بِأنَّهم عالِمُونَ بِأنَّ العَمَلَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْأجْرِ، وإنَّما هو عَلى طَرِيقِ التَّفَضُّلِ مِنهُ سُبْحانَهُ، لا لِأنَّ في فَوْزِهِمُ اشْتِباهًا: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ لِهَتْكِهِمْ حُرْمَةَ الشَّهْرِ: ﴿رَحِيمٌ﴾ بِما تَجاوَزَ عَنْ قِتالِهِمْ، مَعَ قِيامِ دَلِيلِ الحُرْمَةِ فَلَمْ يُعاقِبْهم.

Al-Baqara 2:218Listen in Qur'an →
219

۞ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌۭ كَبِيرٌۭ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ

They ask you about wine and gambling. Say, "In them is great sin and [yet, some] benefit for people. But their sin is greater than their benefit." And they ask you what they should spend. Say, "The excess [beyond needs]." Thus Allah makes clear to you the verses [of revelation] that you might give thought.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢١٩] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ .

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ هَذِهِ الآيَةُ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في الخَمْرِ، عَلى ما قالَهُ ابْنُ عُمَرَ والشَّعْبِيُّ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ. ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ في المائِدَةِ.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ - لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ -: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي في البَقَرَةِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ الآيَةَ. فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا. فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في النِّساءِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فَكانَ مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - إذا أقامَ الصَّلاةَ - نادى أنْ: لا يَقْرَبَنَّ الصَّلاةَ سَكْرانُ. فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا. فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في المائِدَةِ، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَلَمّا بَلَغَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] قالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا انْتَهَيْنا.

وحَقِيقَةُ الخَمْرِ: ما أسْكَرَ مِن كُلِّ شَيْءٍ، ورَوى الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، ومَن شَرِبَ الخَمْرَ في الدُّنْيا وماتَ وهو يُدْمِنُها لَمْ يَتُبْ مِنها، لَمْ يَشْرَبْها في الآخِرَةِ»» .

وأمّا المَيْسِرُ: فَهو القِمارُ - بِكَسْرِ القافِ - مَصْدَرٌ مِن يَسَرَ - كالمَوْعِدِ والمَرْجِعِ مِن فِعْلِهِما. يُقالُ: يَسَرْتَهُ إذا قَمَرْتَهُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ اليُسْرِ لِأنَّهُ أخْذُ مالِ الرَّجُلِ بِيُسْرٍ وسُهُولَةٍ مِن غَيْرِ كَدٍّ ولا تَعَبٍ، أوْ مِنَ اليَسارِ لِأنَّهُ سَلَبَ يَسارَهُ.

وصِفَتُهُ: أنَّهُ كانَتْ لَهم عَشَرَةُ أقْداحٍ يُقالُ لَها الأزْلامُ والأقْلامُ وهِيَ:

الفَذُّ، والتَّوْأمُ، والرَّقِيبُ، والحِلْسُ - بِكَسْرِ الحاءِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ اللّامِ وكَكَتِفٍ - والنّافِسُ، والمُسْبِلُ - كَمُحْسِنٍ - والمُعَلّى - كَمُعَظَّمٍ، والمَنِيحُ - كَأمِيرٍ، والسَّفِيحُ - بِوَزْنِ ما قَبْلَهُ، والوَغْدُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها نَصِيبٌ مَعْلُومٌ مِن جَزُورٍ يَنْحَرُونَها ويُجَزِّئُونَها عَشَرَةَ أجْزاءٍ كَما قالَهُ أبُو عُمَرَ أوْ ثَمانِيَةً وعِشْرِينَ جُزْءًا كَما قالَ الأصْمَعِيُّ وهو الأكْثَرُ، إلّا ثَلاثَةً مِنها وهي المَنِيحُ والسَّفِيحُ والوَغْدُ فَلا أنْصِباءَ لَها. وإنَّما يَكْثُرُ بِها القِداحُ كَراهَةَ التُّهْمَةِ. ولِبَعْضِهِمْ:

؎لِيَ في الدُّنْيا سِهامٌ لَيْسَ فِيهِنَّ رَبِيحُ

؎وأسامِيهُنَّ: وغْدٌ ∗∗∗ وسَفِيحٌ ومَنِيحُ

فَلِلْفَذِّ سَهْمٌ - أيْ: فَرْضٌ واحِدٌ - ولِلتَّوْأمِ سَهْمانِ، ولِلرَّقِيبِ ثَلاثَةٌ، ولِلْحِلْسِ أرْبَعَةٌ ولِلنّافِسِ خَمْسَةٌ، ولِلْمُسْبِلِ سِتَّةٌ، ولِلْمُعَلّى سَبْعَةٌ، يَجْعَلُونَها في الرَّبابَةِ وهي خَرِيطَةٌ ويَضَعُونَها عَلى يَدَيْ عَدْلٍ، ثُمَّ يُجَلْجِلُها ويُدْخِلُ يَدَهُ فَيُخْرِجُ. بِاسْمِ رَجُلٍ رَجُلٍ، قَدَحًا مِنها. فَمَن خَرَجَ لَهُ قَدَحٌ مِن ذَواتِ الأنْصِباءِ أخَذَ النَّصِيبَ …

Al-Baqara 2:219Listen in Qur'an →
220

فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَٰمَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌۭ لَّهُمْ خَيْرٌۭ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

To this world and the Hereafter. And they ask you about orphans. Say, "Improvement for them is best. And if you mix your affairs with theirs - they are your brothers. And Allah knows the corrupter from the amender. And if Allah had willed, He could have put you in difficulty. Indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٢٠] ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكم إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿فِي الدُّنْيا﴾ أنَّها فانِيَةٌ - والآخِرَةِ - أنَّها باقِيَةٌ، وفي أُمُورِهِما لِتُصْلِحُوها ولا تَتَحَمَّلُوا مُفْسِداتِهِما، فَلا تَتْرُكُوا اللَّذائِذَ الباقِيَةَ لِلَّذائِذِ الفانِيَةِ.

﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وغَيْرُهُمْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] انْطَلَقَ مَن كانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعامَهُ مِن طَعامِهِ وشَرابَهُ مِن شَرابِهِ، فَجَعَلَ يُفَضَّلُ لَهُ الشَّيْءُ مِن طَعامِهِ وشَرابِهِ، فَيُحْبَسُ لَهُ حَتّى يَأْكُلَهُ أوْ يَفْسَدَ، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾ الآيَةَ فَخَلَطُوا طَعامَهم بِطَعامِهِمْ وشَرابَهم بِشَرابِهِمْ». وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ أيْ: مُداخَلَتُهم عَلى وجْهِ الإصْلاحِ لَهم ولِأمْوالِهِمْ خَيْرٌ مِن مُجانَبَتِهِمْ. وإنَّما أُقِيمَ غايَةُ المُداخَلَةِ - أعْنِي الإصْلاحَ - مَقامَها، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مُداخَلَةٌ يَكُونُ تَرَتُّبُ الإصْلاحِ عَلَيْها ظاهِرًا، كَأنَّها عَيْنُ الإصْلاحِ: ﴿وإنْ تُخالِطُوهُمْ﴾ تُعاشِرُوهم ولَمْ تُجانِبُوهُمْ: ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ فَهم إخْوانِكم في الدِّينِ - الَّذِي هو أقْوى مِنَ العَلاقَةِ النِّسْبِيَّةِ. ومِن حُقُوقِ الأُخُوَّةِ: المُخالَطَةُ بِالإصْلاحِ والنَّفْعِ.

قالَ الأصْبِهانِيُّ: وإذا كانَ هَذا في أمْوالِ اليَتامى واسِعًا، كانَ في غَيْرِهِمْ أوْسَعَ. وهو أصْلٌ شاهِدٌ لِما يَفْعَلُهُ الرِّفاقُ في الأسْفارِ. يُخْرِجُونَ النَّفَقاتِ بِالسَّوِيَّةِ، ويَتَبايَنُونَ في قِلَّةِ المَطْعَمِ وكَثْرَتِهِ.

﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ﴾ لِأمْوالِهِمْ: ﴿مِنَ المُصْلِحِ﴾ لَها، فَيُجازِيهِ عَلى حَسَبِ مُداخَلَتِهِ، فاحْذَرُوهُ ولا تَتَحَرَّوْا غَيْرَ الإصْلاحِ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾ لَحَمَلَكم عَلى العَنَتِ - وهو المَشَقَّةُ - وأحْرَجَكُمْ، فَلَمْ يُطْلِقْ لَكم مُداخَلَتَهُمْ، ولا يَمْنَعُهُ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أيْ: غالِبٌ عَلى ما أرادَ: ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: فاعِلٌ لِأفْعالِهِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الدّاعِيَةُ إلى بِناءِ التَّكْلِيفِ عَلى أساسِ الطّاقَةِ.

هَذا، وقَدْ حَمَلَ القاضِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ عَلى جِهاتِ المَصالِحِ والخَيْراتِ العائِدَةِ إلى الوَلِيِّ واليَتِيمِ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذا الكَلامُ يَجْمَعُ النَّظَرَ في صَلاحِ مَصالِحِ اليَتِيمِ بِالتَّقْوِيمِ والتَّأْدِيبِ وغَيْرِهِما لِكَيْ يَنْشَأ عَلى عِلْمٍ وأدَبٍ وفَضْلٍ، لِأنَّ هَذا الصُّنْعَ أعْظَمُ تَأْثِيرًا فِيهِ مِن إصْلاحِ حالِهِ بِالتِّجارَةِ. ويَدْخُلُ فِيهِ أيْضًا إصْلاحُ مالِهِ كَيْ لا تَأْكُلَهُ النَّفَقَةُ مِن جِهَةِ التِّجارَةِ. ويَدْخُلُ أيْضًا مَعْنى قَوْلِهُ تَعالى: ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهم ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿خَيْرٌ﴾ يَتَناوَلُ حالَ المُتَكَفِّلِ. أيْ: هَذا العَمَلُ خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَكُونَ مُقَصِّرًا في …

Al-Baqara 2:220Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.