Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 21–30 of 286

21

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

O mankind, worship your Lord, who created you and those before you, that you may become righteous -

القَوْلُ في إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ

أمّا التَّوْحِيدُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآياتِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَدَّمَ أحْكامَ الفِرَقِ الثَّلاثَةِ، أعْنِي المُؤْمِنِينَ والكُفّارَ والمُنافِقِينَ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ، وهو مِن بابِ الِالتِفاتِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتِحَةِ: ٤] وفِيهِ فَوائِدُ: أحَدُها: أنَّ فِيهِ مَزِيدَ هَزٍّ وتَحْرِيكٍ مِنَ السّامِعِ كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ لِصاحِبِكَ حاكِيًا عَنْ ثالِثٍ: إنَّ فُلانًا مِن قِصَّتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، ثُمَّ تُخاطِبُ ذَلِكَ الثّالِثَ، فَقُلْتَ: يا فُلانُ مِن حَقِّكَ أنْ تَسْلُكَ الطَّرِيقَةَ الحَمِيدَةَ في مَجارِي أُمُورِكَ، فَهَذا الِانْتِقالُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ يُوجِبُ مَزِيدَ تَحْرِيكٍ لِذَلِكَ الثّالِثِ.

وثانِيها: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ: جَعَلْتُ الرَّسُولَ واسِطَةً بَيْنِي وبَيْنَكَ أوَّلًا، ثُمَّ الآنَ أزِيدُ في إكْرامِكَ وتَقْرِيبِكَ، فَأُخاطِبُكَ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، لِيَحْصُلَ لَكَ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى الأدِلَّةِ، شَرَفُ المُخاطَبَةِ والمُكالَمَةِ.

وثالِثُها: أنَّهُ مُشْعِرٌ بِأنَّ العَبْدَ إذا كانَ مُشْتَغِلًا بِالعُبُودِيَّةِ فَإنَّهُ يَكُونُ أبَدًا في التَّرَقِّي، بِدَلِيلِ أنَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، انْتَقَلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ.

ورابِعُها: أنَّ الآياتِ المُتَقَدِّمَةَ كانَتْ في حِكايَةِ أحْوالِهِمْ، وأمّا هَذِهِ الآياتُ فَإنَّها أمْرٌ وتَكْلِيفٌ، فَفِيهِ كُلْفَةٌ ومَشَقَّةٌ فَلا بُدَّ مِن راحَةٍ تُقابِلُ هَذِهِ الكُلْفَةَ، وتِلْكَ الرّاحَةُ هي أنْ يَرْفَعَ مَلِكُ المُلُوكِ الواسِطَةَ مِنَ البَيْنِ ويُخاطِبَهم بِذاتِهِ، كَما أنَّ العَبْدَ إذا أُلْزِمَ تَكْلِيفًا شاقًّا فَلَوْ شافَهَهُ المَوْلى، وقالَ: أُرِيدُ مِنكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا فَإنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ الشّاقُّ لَذِيذًا لِأجْلِ ذَلِكَ الخِطابِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: حُكِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ والحَسَنِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ فَإنَّهُ مَكِّيٌّ، وما كانَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَبِالمَدِينَةِ، قالَ القاضِي: هَذا الَّذِي ذَكَرُوهُ إنْ كانَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلى النَّقْلِ فَمُسَلَّمٌ، وإنْ كانَ السَّبَبُ فِيهِ حُصُولَ المُؤْمِنِينَ بِالمَدِينَةِ عَلى الكَثْرَةِ دُونَ مَكَّةَ فَهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُخاطِبَ المُؤْمِنِينَ مَرَّةً بِصِفَتِهِمْ، ومَرَّةً بِاسْمِ جِنْسِهِمْ، وقَدْ يُؤْمَرُ مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ بِالعِبادَةِ، كَما يُؤْمَرُ

صفحة ٧٦

المُؤْمِنُ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى العِبادَةِ والِازْدِيادِ مِنها، فالخِطابُ في الجَمِيعِ مُمْكِنٌ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الألْفاظَ في الأغْلَبِ عِباراتٌ دالَّةٌ عَلى أُمُورٍ هي: إمّا الألْفاظُ أوْ غَيْرُها، أمّا الألْفاظُ فَهي: كالِاسْمِ والفِعْلِ والحَرْفِ، فَإنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الثَّلاثَةَ يَدُلُّ كُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى شَيْءٍ، هو في نَفْسِهِ لَفْظٌ مَخْصُوصٌ، وغَيْرُ الألْفاظِ: فَكالحَجَرِ والسَّماءِ والأرْضِ، ولَفْظُ النِّداءِ لَمْ يُجْعَلْ دَلِيلًا عَلى شَيْءٍ آخَرَ، بَلْ هو لَفْظٌ يَجْرِي مَجْرى عَمَلٍ يَعْمَلُهُ عامِلٌ لِأجْلِ …

Al-Baqara 2:21Listen in Qur'an →
22

ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًۭا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءًۭ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًۭا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

[He] who made for you the earth a bed [spread out] and the sky a ceiling and sent down from the sky, rain and brought forth thereby fruits as provision for you. So do not attribute to Allah equals while you know [that there is nothing similar to Him].

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظُ (الَّذِي) وهو مَوْصُولٌ مَعَ صِلَتِهِ، إمّا أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ وصْفًا لِلَّذِي خَلَقَكم، أوْ عَلى المَدْحِ والتَّعْظِيمِ، وإمّا أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى الِابْتِداءِ، وفِيهِ ما في النَّصْبِ مِنَ المَدْحِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (الَّذِي) كَلِمَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلْإشارَةِ إلى مُفْرَدٍ عِنْدَ مُحاوَلَةِ تَعْرِيفِهِ بِقَضِيَّةٍ مَعْلُومَةٍ، كَقَوْلِكَ: ذَهَبَ الرَّجُلُ الَّذِي أبُوهُ مُنْطَلِقٌ، فَأبُوهُ مُنْطَلِقٌ قَضِيَّةٌ مَعْلُومَةٌ، فَإذا حاوَلْتَ تَعْرِيفَ الرَّجُلِ بِهَذِهِ القَضِيَّةِ المَعْلُومَةِ أدْخَلْتَ عَلَيْهِ الَّذِي، وهو تَحْقِيقُ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ لِوَصْفِ المَعارِفِ بِالجُمَلِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِوُجُودِ شَيْءٍ جَعَلَ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً، وذَلِكَ تَحْقِيقُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا خَمْسَةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ، اثْنَيْنِ مِنَ الأنْفُسِ وثَلاثَةً مِنَ الآفاقِ، فَبَدَأ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ وثانِيًا: بِالآباءِ والأُمَّهاتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وثالِثًا: بِكَوْنِ الأرْضِ فِراشًا، ورابِعًا: بِكَوْنِ السَّماءِ بِناءً، وخامِسًا: بِالأُمُورِ الحاصِلَةِ مِن مَجْمُوعِ السَّماءِ والأرْضِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ . ولِهَذا التَّرْتِيبِ أسْبابٌ، الأوَّلُ: أنَّ أقْرَبَ الأشْياءِ إلى الإنْسانِ نَفْسُهُ، وعِلْمُ الإنْسانِ بِأحْوالِ نَفْسِهِ أظْهَرُ مِن عِلْمِهِ بِأحْوالِ غَيْرِهِ، وإذا كانَ الغَرَضُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ إفادَةَ العِلْمِ، فَكُلَّما كانَ أظْهَرَ دَلالَةً كانَ أقْوى إفادَةً، وكانَ أوْلى بِالذِّكْرِ. فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ ذِكْرَ نَفْسِ الإنْسانِ، ثُمَّ ثَنّاهُ بِآبائِهِ وأُمَّهاتِهِ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِالأرْضِ؛ لِأنَّ الأرْضَ أقْرَبُ إلى الإنْسانِ مِنَ السَّماءِ والإنْسانَ أعْرَفُ بِحالِ الأرْضِ مِنهُ بِأحْوالِ السَّماءِ، وإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ السَّماءِ عَلى نُزُولِ الماءِ مِنَ السَّماءِ وخُرُوجِ الثَّمَراتِ بِسَبَبِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كالأمْرِ المُتَوَلَّدِ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ والأثَرُ مُتَأخِّرٌ عَنِ المُؤَثِّرِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أخَّرَ اللَّهُ ذِكْرَهُ عَنْ ذِكْرِ الأرْضِ والسَّماءِ.

الثّانِي: هو أنَّ خَلْقَ المُكَلَّفِينَ أحْياءَ قادِرِينَ أصْلٌ لِجَمِيعِ النِّعَمِ، وأمّا خَلْقُ الأرْضِ والسَّماءِ والماءِ فَذاكَ إنَّما يُنْتَفَعُ بِهِ بِشَرْطِ حُصُولِ الخَلْقِ والحَياةِ والقُدْرَةِ والشَّهْوَةِ، فَلا جَرَمَ قَدَّمَ ذِكْرَ الأُصُولِ عَلى الفُرُوعِ.

صفحة ٩٤

الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ ما في الأرْضِ والسَّماءِ مِن دَلائِلِ الصّانِعِ فَهو حاصِلٌ في الإنْسانِ، وقَدْ حَصَلَ في الإنْسانِ مِنَ الدَّلائِلِ ما لَمْ يَحْصُلْ فِيهِما؛ لِأنَّ الإنْسانَ حَصَلَ فِيهِ الحَياةُ والقُدْرَةُ والشَّهْوَةُ والعَقْلُ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ سِوى اللَّهِ تَعالى. فَلَمّا كانَتْ وُجُوهُ الدَّلائِلِ لَهُ هَهُنا أتَمَّ كانَ أوْلى بِالتَّقْدِيمِ. واعْلَمْ أنّا كَما ذَكَرْنا السَّبَبَ في …

Al-Baqara 2:22Listen in Qur'an →
23

وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

And if you are in doubt about what We have sent down upon Our Servant [Muhammad], then produce a surah the like thereof and call upon your witnesses other than Allah, if you should be truthful.

الكَلامُ في النُّبُوَّةِ

﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أقامَ الدَّلائِلَ القاهِرَةَ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ وأبْطَلَ القَوْلَ بِالشَّرِيكِ عَقَّبَهُ بِما يَدُلُّ عَلى النُّبُوَّةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ التَّعْلِيمِيَّةِ الَّذِينَ جَعَلُوا مَعْرِفَةَ اللَّهِ مُسْتَفادَةً مِن مَعْرِفَةِ الرَّسُولِ، وقَوْلِ الحَشَوِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا تَحْصُلُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ إلّا مِنَ القُرْآنِ والأخْبارِ، ولَمّا كانَتْ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ مَبْنِيَّةً عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا أقامَ الدَّلالَةَ عَلى كَوْنِهِ مُعْجِزًا.

واعْلَمْ أنَّ كَوْنَهُ مُعْجِزًا يُمْكِنُ بَيانُهُ مِن طَرِيقَيْنِ:

الطَّرِيقُ الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا القُرْآنَ لا يَخْلُو حالُهُ مِن أحَدِ وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ:

إمّا أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِسائِرِ كَلامِ الفُصَحاءِ، أوْ زائِدًا عَلى سائِرِ كَلامِ الفُصَحاءِ بِقَدْرٍ لا يَنْقُضُ العادَةَ، أوْ زائِدًا عَلَيْهِ بِقَدْرٍ يَنْقُضُ، والقِسْمانِ الأوَّلانِ باطِلانِ فَتَعَيَّنَ الثّالِثُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُما باطِلانِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ سُورَةٍ مِنهُ إمّا مُجْتَمِعِينَ أوْ مُنْفَرِدِينَ، فَإنْ وقَعَ التَّنازُعُ وحَصَلَ الخَوْفُ مِن عَدَمِ القَبُولِ فالشُّهُودُ والحُكّامِ يُزِيلُونَ الشُّبْهَةَ، وذَلِكَ نِهايَةٌ في الِاحْتِجاجِ لِأنَّهم كانُوا في مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ والِاطِّلاعِ عَلى قَوانِينِ الفَصاحَةِ في الغايَةِ. وكانُوا في مَحَبَّةِ إبْطالِ أمْرِهِ في الغايَةِ حَتّى بَذَلُوا النُّفُوسَ والأمْوالَ وارْتَكَبُوا ضُرُوبَ المَهالِكِ والمِحَنِ، وكانُوا في الحَمِيَّةِ والأنَفَةِ عَلى حَدٍّ لا يَقْبَلُونَ الحَقَّ فَكَيْفَ الباطِلُ، وكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ الإتْيانَ بِما يَقْدَحُ في قَوْلِهِ، والمُعارَضَةُ أقْوى القَوادِحِ، فَلَمّا لَمْ يَأْتُوا بِها عَلِمْنا عَجْزَهم عَنْها فَثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ لا يُماثِلُ قَوْلَهم، وأنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَهُ وبَيْنَ كَلامِهِمْ لَيْسَ تَفاوُتًا مُعْتادًا فَهو إذَنْ تَفاوُتٌ ناقِضٌ لِلْعادَةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُعْجِزًا، فَهَذا هو المُرادُ مِن تَقْرِيرِ هَذِهِ الدَّلالَةِ فَظَهَرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَما لَمْ يَكْتَفِ في مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ بِالتَّقْلِيدِ فَكَذا في مَعْرِفَةِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَكْتَفِ بِالتَّقْلِيدِ.

واعْلَمْ أنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ في القُرْآنِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ تَقْتَضِي نُقْصانَ فَصاحَتِهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ في الفَصاحَةِ بَلَغَ النِّهايَةَ الَّتِي لا غايَةَ لَها وراءَها، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِ مُعْجِزًا:

أحَدُها: أنَّ فَصاحَةَ العَرَبِ أكْثَرُها في وصْفِ مُشاهَداتٍ مِثْلَ وصْفِ بِعِيرٍ أوْ فَرَسٍ أوْ جارِيَةٍ أوْ مَلِكٍ أوْ ضَرْبَةٍ أوْ طَعْنَةٍ، أوْ وصْفِ حَرْبٍ أوْ وصْفِ غارَةٍ، ولَيْسَ في القُرْآنِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ شَيْءٌ فَكانَ يَجِبُ أنْ لا تَحْصُلَ فِيهِ الألْفاظُ الفَصِيحَةُ الَّتِي اتَّفَقَتِ العَرَبُ عَلَيْها في كَلامِهِمْ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى راعى فِيهِ طَرِيقَةَ الصِّدْقِ وتَنَزَّهَ عَنِ الكَذِبِ في جَمِيعِهِ، وكُلُّ شاعِرٍ تَرَكَ الكَذِبَ والتَزَمَ

صفحة ١٠٧

الصِّدْقَ نَزَلَ شِعْرُهُ ولَمْ يَكُنْ جَيِّدًا، ألا تَرى أنَّ لَبِيدَ بْنَ رَبِيعَةَ …

Al-Baqara 2:23Listen in Qur'an →
24

فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ

But if you do not - and you will never be able to - then fear the Fire, whose fuel is men and stones, prepared for the disbelievers.

المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: قالَ القاضِي: هَذا التَّحَدِّي يُبْطِلُ القَوْلَ بِالجَبْرِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَعَذُّرِ مِثْلِهِ مِمَّنْ يَصِحُّ الفِعْلُ مِنهُ، فَمَن يَنْفِي كَوْنَ العَبْدِ فاعِلًا لَمْ يُمْكِنْهُ إثْباتُ التَّحَدِّي أصْلًا، وفي هَذا إبْطالُ الِاسْتِدْلالِ بِالمُعْجِزِ.

وثانِيها: أنَّ تَعَذُّرَهُ عَلى قَوْلِهِمْ يَكُونُ لِفَقْدِ القُدْرَةِ المُوجِبَةِ ويَسْتَوِي في ذَلِكَ ما يَكُونُ مُعْجِزًا وما لا يَكُونُ، فَلا يَصِحُّ مَعْنى التَّحَدِّي عَلى قَوْلِهِمْ.

صفحة ١١١

وثالِثُها: أنَّ ما يُضافُ إلى العَبْدِ فاللَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لَهُ، فَتَحَدِّيهِ تَعالى لَهم يَعُودُ في التَّحْقِيقِ إلى أنَّهُ مُتَحَدٍّ لِنَفْسِهِ وهو قادِرٌ عَلى مِثْلِهِ مِن غَيْرِ شَكٍّ فَيَجِبُ أنْ لا يَثْبُتَ الإعْجازُ عَلى هَذا القَوْلِ.

ورابِعُها: أنَّ المُعْجِزَ إنَّما يَدُلُّ بِما فِيهِ مِن نَقْضِ العادَةِ، فَإذا كانَ قَوْلُهم: إنَّ المُعْتادَ أيْضًا لَيْسَ بِفِعْلٍ، لَمْ يَثْبُتْ هَذا الفَرْقُ فَلا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِالمُعْجِزِ.

وخامِسُها: أنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَحْتَجُّ بِأنَّهُ تَعالى خَصَّهُ بِذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ فِيما ادَّعاهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن قِبَلِهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ داخِلًا في الإعْجازِ. وعَلى قَوْلِهِمْ بِالجَبْرِ لا يَصِحُّ هَذا الفَرْقُ؛ لِأنَّ المُعْتادَ وغَيْرَ المُعْتادِ لا يَكُونُ إلّا مِن قِبَلِهِ.

والجَوابُ: أنَّ المَطْلُوبَ مِنَ التَّحَدِّي إمّا أنْ يَأْتِيَ الخَصْمُ بِالمُتَحَدّى بِهِ قَصْدًا أوْ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنهُ اتِّفاقًا، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ الِاتِّفاقِيّاتِ لا تَكُونُ في وُسْعِهِ، فَثَبَتَ الأوَّلُ وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ إتْيانَهُ بِالتَّحَدِّي مَوْقُوفٌ عَلى أنْ يَحْصُلَ في قَلْبِهِ قَصْدٌ إلَيْهِ، فَذَلِكَ القَصْدُ إنْ كانَ مِنهُ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإنْ كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَحِينَئِذٍ يَعُودُ الجَبْرُ ويَلْزَمُهُ كُلُّ ما أوْرَدَهُ عَلَيْنا فَيَبْطُلُ كُلُّ ما قالَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى المُعْجِزِ مِن وُجُوهٍ أرْبَعَةٍ:

أحَدُها: أنّا نَعْلَمُ بِالتَّواتُرِ أنَّ العَرَبَ كانُوا في غايَةِ العَداوَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفي غايَةِ الحِرْصِ عَلى إبْطالِ أمْرِهِ؛ لِأنَّ مُفارَقَةَ الأوْطانِ والعَشِيرَةِ وبَذْلَ النُّفُوسِ والمُهَجِ مِن أقْوى ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، فَإذا انْضافَ إلَيْهِ مِثْلُ هَذا التَّقْرِيعِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ فَلَوْ كانَ في وُسْعِهِمْ وإمْكانِهِمِ الإتْيانُ بِمِثْلِ القُرْآنِ أوْ بِمِثْلِ سُورَةٍ مِنهُ لَأتَوْا بِهِ، فَحَيْثُ ما أتَوْا بِهِ ظَهَرَ المُعْجِزُ.

وثانِيها: وهو أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإنْ كانَ مُتَّهَمًا عِنْدَهم فِيما يَتَّصِلُ بِالنُّبُوَّةِ فَقَدْ كانَ مَعْلُومَ الحالِ في وُفُورِ العَقْلِ والفَضْلِ والمَعْرِفَةِ بِالعَواقِبِ، فَلَوْ تَطَرَّقَتِ التُّهْمَةُ إلى ما ادَّعاهُ مِنَ النُّبُوَّةِ لَما اسْتَجازَ أنْ يَتَحَدّاهم ويَبْلُغَ في التَّحَدِّي إلى نِهايَتِهِ، بَلْ كانَ يَكُونُ وجِلًا خائِفًا مِمّا يَتَوَقَّعُهُ مِن فَضِيحَةٍ يَعُودُ وبالُها عَلى جَمِيعِ أُمُورِهِ، حاشاهُ مِن ذَلِكَ ﷺ فَلَوْلا مَعْرِفَتُهُ بِالِاضْطِرارِ مِن حالِهِمْ أنَّهم عاجِزُونَ عَنِ المُعارَضَةِ لَما جَوَّزَ مِن نَفْسِهِ أنْ يَحْمِلَهم عَلى المُعارَضَةِ بِأبْلَغِ الطُّرُقِ.

وثالِثُها: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَوْ لَمْ يَكُنْ قاطِعًا بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ لَما قَطَعَ في الخَبَرِ بِأنَّهم لا …

Al-Baqara 2:24Listen in Qur'an →
25

وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا۟ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍۢ رِّزْقًۭا ۙ قَالُوا۟ هَٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا۟ بِهِۦ مُتَشَٰبِهًۭا ۖ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

And give good tidings to those who believe and do righteous deeds that they will have gardens [in Paradise] beneath which rivers flow. Whenever they are provided with a provision of fruit therefrom, they will say, "This is what we were provided with before." And it is given to them in likeness. And they will have therein purified spouses, and they will abide therein eternally.

الكَلامُ في المَعادِ

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وهم فِيها خالِدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا تَكَلَّمَ في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ تَكَلَّمَ بَعْدَهُما في المَعادِ وبَيَّنَ عِقابَ الكافِرِ وثَوابَ المُطِيعِ، ومِن عادَةِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ إذا ذَكَرَ آيَةً في الوَعِيدِ أنْ يُعْقِبَها بِآيَةٍ في الوَعْدِ، وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ مَسْألَةَ الحَشْرِ والنَّشْرِ مِنَ المَسائِلِ المُعْتَبَرَةِ في صِحَّةِ الدِّينِ، والبَحْثُ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ إمّا أنْ يَقَعَ عَنْ إمْكانِها أوْ عَنْ وُقُوعِها. أمّا الإمْكانُ فَيَجُوزُ إثْباتُهُ تارَةً بِالعَقْلِ، وبِالنَّقْلِ أُخْرى، وأمّا الوُقُوعُ فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِالنَّقْلِ. وأنَّ اللَّهَ ذَكَرَ هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ في كِتابِهِ وبَيَّنَ الحَقَّ فِيهِما مِن وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ كَثِيرًا ما حَكى عَنِ المُنْكِرِينَ إنْكارَ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ واقِعٌ كائِنٌ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الدَّلِيلِ فِيهِ، وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ ما لا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَيْهِ أمْكَنَ إثْباتُهُ بِالدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ، وهَذِهِ المَسْألَةُ كَذَلِكَ، فَجازَ إثْباتُها بِالنَّقْلِ، مِثالُهُ ما حَكَمَ هَهُنا بِالنّارِ لِلْكَفّارِ، والجَنَّةِ لِلْأبْرارِ، وما أقامَ عَلَيْهِ دَلِيلًا بَلِ اكْتَفى بِالدَّعْوى، وأمّا في إثْباتِ الصّانِعِ وإثْباتِ النُّبُوَّةِ فَلَمْ يَكْتَفِ فِيهِ بِالدَّعْوى بَلْ ذَكَرَ فِيهِ الدَّلِيلَ، وسَبَبُ الفَرْقِ ما ذَكَرْناهُ، وقالَ في سُورَةِ النَّحْلِ:

صفحة ١١٤

﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٣٨]، وقالَ في سُورَةِ التَّغابُنِ: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧] .

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ إمْكانَ الحَشْرِ والنَّشْرِ بِناءً عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أُمُورٍ تُشْبِهُ الحَشْرَ والنَّشْرَ، وقَدْ قَرَّرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الطَّرِيقَةَ عَلى وُجُوهٍ، فَأجْمَعُها ما جاءَ في سُورَةِ الواقِعَةِ فَإنَّهُ تَعالى ذَكَرَ فِيها حِكايَةً عَنْ أصْحابِ الشِّمالِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾، فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠] .

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى احْتَجَّ عَلى إمْكانِهِ بِأُمُورٍ أرْبَعَةٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨]، وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ أنَّ المَنِيَّ إنَّما يَحْصُلُ مِن فَضْلَةِ الهَضْمِ الرّابِعِ وهو كالطَّلِّ المُنْبَثِّ في آفاقِ أطْرافِ الأعْضاءِ ولِهَذا تَشْتَرِكُ الأعْضاءُ في الِالتِذاذِ بِالوِقاعِ بِحُصُولِ الِانْحِلالِ عَنْها كُلِّها، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّطَ قُوَّةَ الشَّهْوَةِ عَلى البَقِيَّةِ حَتّى أنَّها تَجْمَعُ تِلْكَ الأجْزاءَ الطَّلِّيَّةَ، فالحاصِلُ أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ كانَتْ مُتَفَرِّقَةً جِدًّا، أوَّلًا في أطْرافِ العالَمِ، …

Al-Baqara 2:25Listen in Qur'an →
26

۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِۦٓ أَن يَضْرِبَ مَثَلًۭا مَّا بَعُوضَةًۭ فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًۭا ۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرًۭا وَيَهْدِى بِهِۦ كَثِيرًۭا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلْفَٰسِقِينَ

Indeed, Allah is not timid to present an example - that of a mosquito or what is smaller than it. And those who have believed know that it is the truth from their Lord. But as for those who disbelieve, they say, "What did Allah intend by this as an example?" He misleads many thereby and guides many thereby. And He misleads not except the defiantly disobedient,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا أوْرَدَ هَهُنا شُبْهَةً أوْرَدَها الكُفّارُ قَدْحًا في ذَلِكَ وأجابَ عَنْها، وتَقْرِيرُ الشُّبْهَةِ: أنَّهُ جاءَ في القُرْآنِ ذِكْرُ النَّحْلِ والذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ والنَّمْلِ، وهَذِهِ الأشْياءُ لا يَلِيقُ ذِكْرُها بِكَلامِ الفُصَحاءِ فاشْتِمالُ القُرْآنِ عَلَيْها يَقْدَحُ في فَصاحَتِهِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّ

صفحة ١٢٢

صِغَرَ هَذِهِ الأشْياءِ لا يَقْدَحُ في الفَصاحَةِ إذا كانَ ذِكْرُها مُشْتَمِلًا عَلى حِكَمٍ بالِغَةٍ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَمّا نَزَلْ: ﴿ياأيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]، فَطَعَنَ في أصْنامِهِمْ ثُمَّ شَبَّهَ عِبادَتَها بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ قالَتِ اليَهُودُ: أيُّ قَدْرٍ لِلذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ حَتّى يَضْرِبَ اللَّهُ المَثَلَ بِهِما ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُنافِقِينَ طَعَنُوا في ضَرْبِ الأمْثالِ بِالنّارِ والظُّلُماتِ والرَّعْدِ والبَرْقِ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] .

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا الطَّعْنَ كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ، قالَ القَفّالُ: الكُلُّ مُحْتَمَلٌ هَهُنا، أمّا اليَهُودُ فَلِأنَّهُ قِيلَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ وهَذا صِفَةُ اليَهُودِ؛ لِأنَّ الخِطابَ بِالوَفاءِ وبِالعَهْدِ فِيما بَعْدُ إنَّما هو لِبَنِي إسْرائِيلَ، وأمّا الكُفّارُ والمُنافِقُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا في سُورَةِ المُدَّثِّرِ ﴿ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [المدثر: ٣١] الآيَةَ، فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هُمُ المُنافِقُونَ، والَّذِينَ كَفَرُوا يَحْتَمِلُ المُشْرِكِينَ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، فَقَدْ جُمِعَ الفَرِيقانِ هَهُنا. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: احْتِمالُ الكُلِّ هَهُنا قائِمٌ لِأنَّ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ واليَهُودَ كانُوا مُتَوافِقِينَ في إيذاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَدْ مَضى مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ ذِكْرُ اليَهُودِ وذِكْرُ المُنافِقِينَ وذِكْرُ المُشْرِكِينَ. وكُلُّهم مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، ثُمَّ قالَ القَفّالُ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَنْزِلَ ذَلِكَ ابْتِداءً مِن غَيْرِ سَبَبٍ لِأنَّ مَعْناهُ في نَفْسِهِ مُفِيدٌ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الحَياءَ تَغَيُّرٌ وانْكِسارٌ يَعْتَرِي الإنْسانَ مِن خَوْفِ ما يُعابُ بِهِ ويُذَمُّ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَياةِ، يُقالُ: حَيِيَ الرَّجُلُ، كَما يُقالُ: نَسِيَ وخَشِيَ، وشَظِيَ الفَرَسُ: إذا اعْتَلَّتْ هَذِهِ الأعْضاءُ. جَعَلَ الحَيِيَّ لِما يَعْتَرِيهِ الِانْكِسارُ والتَّغَيُّرُ مُنْكَسِرَ القُوَّةِ مُنَغَّصَ …

Al-Baqara 2:26Listen in Qur'an →
27

ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

Who break the covenant of Allah after contracting it and sever that which Allah has ordered to be joined and cause corruption on earth. It is those who are the losers.

المَسْألَةُ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ وذَكَرُوا وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِهَذا المِيثاقِ حُجَجُهُ القائِمَةُ عَلى عِبادِهِ الدّالَّةُ لَهم عَلى صِحَّةِ تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ، فَكانَ ذَلِكَ مِيثاقًا وعَهْدًا عَلى التَّمَسُّكِ بِالتَّوْحِيدِ، إذا كانَ يَلْزَمُ بِهَذِهِ الحُجَجِ ما ذَكَرْنا مِنَ التَّمَسُّكِ بِالتَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] .

وثانِيها: يُحْتَمَلُ أنْ يَعْنِيَ بِهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢]، فَلَمّا لَمْ يَفْعَلُوا ما حَلَفُوا عَلَيْهِ وصَفَهم بِنَقْضِ عَهْدِهِ ومِيثاقِهِ، والتَّأْوِيلُ الأوَّلُ يُمْكِنُ فِيهِ العُمُومُ في كُلِّ مَن ضَلَّ وكَفَرَ، والثّانِي لا يُمْكِنُ إلّا فِيمَنِ اخْتَصَّ بِهَذا القَسَمِ، إذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ رُجْحانُ التَّأْوِيلِ الأوَّلِ عَلى الثّانِي مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يُمْكِنُ إجْراءُ الآيَةِ عَلى عُمُومِها، وعَلى الثّانِي يَلْزَمُ التَّخْصِيصُ، الثّانِي: أنَّ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَلْزَمُهُمُ الذَّمُّ لِأنَّهم نَقَضُوا عَهْدًا أبْرَمَهُ اللَّهُ وأحْكَمَهُ بِما أنْزَلَ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي كَرَّرَها عَلَيْهِمْ في الأنْفُسِ والآفاقِ، وأوْضَحَها وأزالَ التَّلْبِيسَ عَنْها، ولِما أوْدَعَ في العُقُولِ مِن دَلائِلِها وبَعَثَ الأنْبِياءَ وأنْزَلَ الكُتُبَ مُؤَكِّدًا لَها، وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فَإنَّهُ يَلْزَمُهُمُ الذَّمُّ لِأجْلِ أنَّهم تَرَكُوا شَيْئًا هم بِأنْفُسِهِمُ التَزَمُوهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ تَرْتِيبَ الذَّمِّ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْلى.

وثالِثُها: قالَ القَفّالُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِالآيَةِ قَوْمًا مِن أهْلِ الكِتابِ قَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمُ العَهْدُ والمِيثاقُ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى أنْبِيائِهِمْ بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ ﷺ وبَيَّنَ لَهم أمْرَهُ وأمْرَ أُمَّتِهِ فَنَقَضُوا ذَلِكَ وأعْرَضُوا عَنْهُ وجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ.

ورابِعُها: قالَ بَعْضُهم، إنَّهُ عَنى بِهِ مِيثاقًا أخَذَهُ مِنَ النّاسِ وهم عَلى صُورَةِ الذَّرِّ وأخْرَجَهم مِن صُلْبِ آدَمَ كَذَلِكَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، قالَ المُتَكَلِّمُونَ: هَذا ساقِطٌ لِأنَّهُ تَعالى لا يَحْتَجُّ عَلى العِبادِ بِعَهْدٍ ومِيثاقٍ لا يَشْعُرُونَ بِهِ، كَما لا يُؤاخِذُهم بِما ذَهَبَ عِلْمُهُ عَنْ قَلْبِهِمْ بِالسَّهْوِ والنِّسْيانِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَعِيبَهم بِذَلِكَ ؟

وخامِسُها: عَهْدُ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ ثَلاثَةُ عُهُودٍ، العَهْدُ الأوَّلُ: الَّذِي أخَذَهُ عَلى جَمِيعِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وهو الإقْرارُ

صفحة ١٣٧

بِرُبُوبِيَّتِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وعَهْدٌ خَصَّ بِهِ النَّبِيِّينَ أنْ يُبَلِّغُوا الرِّسالَةَ ويُقِيمُوا الدِّينَ ولا يَتَفَرَّقُوا فِيهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧] وعَهْدٌ خَصَّ بِهِ العُلَماءَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الضَّمِيرُ في (مِيثاقِهِ) لِلْعَهْدِ وهو ما وثَّقُوا بِهِ عَهْدَ اللَّهِ مِن قَبُولِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ …

Al-Baqara 2:27Listen in Qur'an →
28

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًۭا فَأَحْيَٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

How can you disbelieve in Allah when you were lifeless and He brought you to life; then He will cause you to die, then He will bring you [back] to life, and then to Him you will be returned.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا تَكَلَّمَ في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ إلى هَذا المَوْضِعِ، فَمِن هَذا المَوْضِعِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، في شَرْحِ النِّعَمِ الَّتِي عَمَّتْ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ وهي أرْبَعَةٌ:

أوَّلُها: نِعْمَةُ الإحْياءِ وهي المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ وإنْ كانَ بِصُورَةِ الِاسْتِخْبارِ فالمُرادُ بِهِ التَّبْكِيتُ والتَّعْنِيفُ؛ لِأنَّ عِظَمَ النِّعْمَةِ يَقْتَضِي عِظَمَ مَعْصِيَةِ المُنْعِمِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّ الوالِدَ كُلَّما عَظُمَتْ نِعْمَتُهُ عَلى الوَلَدِ بِأنْ رَبّاهُ وعَلَّمَهُ وخَرَّجَهُ ومَوَّلَهُ وعَرَّضَهُ لِلْأُمُورِ الحِسانِ، كانَتْ مَعْصِيَتُهُ لِأبِيهِ أعْظَمَ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِذَلِكَ عِظَمَ ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، بِأنْ ذَكَّرَهم نِعَمَهُ العَظِيمَةَ عَلَيْهِمْ لِيَزْجُرَهم بِذَلِكَ عَمّا أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ التَمَسُّكِ بِالكُفْرِ ويَبْعَثَهم عَلى اكْتِسابِ الإيمانِ، فَذَكَرَ تَعالى مِن نِعَمِهِ ما هو الأصْلُ في النِّعَمِ وهو الإحْياءُ، فَهَذا هو المَقْصُودُ الكُلِّيُّ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ كانَ العَطْفُ الأوَّلُ بِالفاءِ والبَواقِي بِثُمَّ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الإحْياءَ الأوَّلَ قَدْ يَعْقُبُهُ المَوْتُ بِغَيْرِ تَراخٍ، وأمّا المَوْتُ فَقَدْ تَراخى عَنِ الإحْياءِ، والإحْياءُ الثّانِي كَذَلِكَ مُتَراخٍ عَنِ المَوْتِ - إنْ أُرِيدَ بِهِ النُّشُورُ - تَراخِيًا ظاهِرًا، وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفْرَ مِن قِبَلِ العِبادِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ هو الخالِقُ لِلْكُفْرِ فِيهِمْ لَما جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ مُوَبِّخًا لَهم، كَما لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ تَسْوَدُّونَ وتَبْيَضُّونَ وتَصِحُّونَ وتَسْقَمُونَ، لَمّا كانَ ذَلِكَ أجْمَعَ مِن خَلْقِهِ فِيهِمْ.

وثانِيها: إذا كانَ خَلَقَهم أوَّلًا لِلشَّقاءِ والنّارِ وما أرادَ بِخَلْقِهِمْ إلّا الكُفْرَ وإرادَةَ الوُقُوعِ في النّارِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَقُولَ مُوَبِّخًا لَهم: كَيْفَ تَكْفُرُونَ ؟

وثالِثُها: أنَّهُ كَيْفَ يُعْقَلُ مِنَ الحَكِيمِ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ حالَ ما يَخْلُقُ الكُفْرَ فِيهِمْ، ويَقُولُ: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء: ٩٤] حالَ ما مَنَعَهم عَنِ الإيمانِ، ويَقُولُ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠]، ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩]، وهو يَخْلُقُ فِيهِمُ الإعْراضَ، ويَقُولُ: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥] ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] ويَخْلُقُ فِيهِمُ الإفْكَ والصَّرْفَ، ومِثْلُ هَذا الكَلامِ بِأنْ يُعَدَّ مِنَ السُّخْرِيَةِ أوْلى مِن أنْ يُذْكَرَ في بابِ إلْزامِ الحُجَّةِ عَلى العِبادِ.

ورابِعُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا قالَ لِلْعَبِيدِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ فَهَلْ ذَكَرَ هَذا الكَلامَ تَوْجِيهًا لِلْحُجَّةِ عَلى العَبْدِ وطَلَبًا لِلْجَوابِ مِنهُ، أوْ لَيْسَ كَذَلِكَ ؟

فَإنْ لَمْ يَكُنْ لِطَلَبِ هَذا المَعْنى لَمْ يَكُنْ في ذِكْرِهِ فائِدَةٌ فَكانَ هَذا الخِطابُ عَبَثًا، وإنْ ذَكَرَهُ لِتَوْجِيهِ الحُجَّةِ عَلى العَبْدِ، فَلِلْعَبْدِ أنْ يَقُولَ: حَصَلَ في حَقِّي أُمُورٌ كَثِيرَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْكُفْرِ. …

Al-Baqara 2:28Listen in Qur'an →
29

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍۢ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ

It is He who created for you all of that which is on the earth. Then He directed Himself to the heaven, [His being above all creation], and made them seven heavens, and He is Knowing of all things.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النِّعْمَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي عَمَّتِ المُكَلَّفِينَ بِأسْرِهِمْ وما أحْسَنَ ما رَعى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذا التَّرْتِيبَ؛ فَإنَّ الِانْتِفاعَ بِالأرْضِ والسَّماءِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ حُصُولِ الحَياةِ، فَلِهَذا ذَكَرَ اللَّهُ أمْرَ الحَياةِ أوَّلًا ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ السَّماءِ والأرْضِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ﴾ فَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَكُمْ﴾ فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ المَذْكُورَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ﴾ لِأجْلِ انْتِفاعِنا في الدِّينِ والدُّنْيا، أمّا في الدُّنْيا فَلِيُصْلِحَ أبْدانَنا ولِنَتَقَوّى بِهِ عَلى الطّاعاتِ، وأمّا في الدِّينِ فَلِلِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الأشْياءِ والِاعْتِبارِ بِها، وجَمَعَ بِقَوْلِهِ:

صفحة ١٤٢

﴿ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ جَمِيعَ المَنافِعِ، فَمِنها ما يَتَّصِلُ بِالحَيَوانِ والنَّباتِ والمَعادِنِ والجِبالِ، ومِنها ما يَتَّصِلُ بِضُرُوبِ الحِرَفِ والأُمُورِ الَّتِي اسْتَنْبَطَها العُقَلاءُ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ إنَّما خَلَقَها كَيْ يُنْتَفَعَ بِها، كَما قالَ: ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الجاثية: ١٣]، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم، وكَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وقَدْ خَلَقَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا، أوْ يُقالُ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الإعادَةِ وقَدْ أحْياكم بَعْدَ مَوْتِكم، ولِأنَّهُ خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا، فَكَيْفَ يَعْجَزُ عَنْ إعادَتِكم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تَفاصِيلَ هَذِهِ المَنافِعِ في سُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ كَما قالَ: ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥]، وقالَ في أوَّلِ سُورَةِ أتى أمْرُ اللَّهِ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ [النحل: ٥]، إلى آخِرِهِ، وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَفْعَلُ فِعْلًا لِغَرَضٍ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ كانَ مُسْتَكْمَلًا بِذَلِكَ الغَرَضِ، والمُسْتَكْمَلُ بِغَيْرِهِ ناقِصٌ بِذاتِهِ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَإنْ قِيلَ: فِعْلُهُ تَعالى مُعَلَّلٌ بِغَرَضٍ غَيْرِ عائِدٍ إلَيْهِ بَلْ إلى غَيْرِهِ، قُلْنا: عَوْدُ ذَلِكَ الغَرَضِ إلى ذَلِكَ الغَيْرِ، هَلْ هو أوْلى لِلَّهِ تَعالى مِن عَوْدِ ذَلِكَ الغَرَضِ إلَيْهِ أوْ لَيْسَ أوْلى ؟ فَإنْ كانَ أوْلى فَهو تَعالى قَدِ انْتَفَعَ بِذَلِكَ الفِعْلِ فَيَعُودُ المَحْذُورُ المَذْكُورُ، وإنْ كانَ الثّانِي لَمْ يَكُنْ تَحْصِيلُ ذَلِكَ الغَرَضِ المَذْكُورِ لِذَلِكَ الغَيْرِ غَرَضًا لِلَّهِ تَعالى فَلا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِيهِ.

وثانِيها: أنَّ مَن فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ كانَ عاجِزًا عَنْ تَحْصِيلِ ذَلِكَ الغَرَضِ إلّا بِواسِطَةِ ذَلِكَ الفِعْلِ، والعَجْزُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ.

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ لَكانَ ذَلِكَ الغَرَضُ إنْ كانَ قَدِيمًا لَزِمَ قِدَمُ الفِعْلِ، وإنْ كانَ مُحْدَثًا كانَ فِعْلُهُ لِذَلِكَ الغَرَضِ لِغَرَضٍ آخَرَ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ.

ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ يَفْعَلُ لِغَرَضٍ لَكانَ ذَلِكَ الغَرَضُ هو رِعايَةُ مَصْلَحَةِ المُكَلَّفِينَ، ولَوْ تَوَقَّفَتْ فاعِلِيَّتُهُ عَلى ذَلِكَ لَما فَعَلَ ما كانَ مَفْسَدَةً في حَقِّهِمْ، لَكِنَّهُ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ كَلَّفَ مَن عَلِمَ …

Al-Baqara 2:29Listen in Qur'an →
30

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And [mention, O Muhammad], when your Lord said to the angels, "Indeed, I will make upon the earth a successive authority." They said, "Will You place upon it one who causes corruption therein and sheds blood, while we declare Your praise and sanctify You?" Allah said, "Indeed, I know that which you do not know."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى كَيْفِيَّةِ خَلْقِهِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَلى كَيْفِيَّةِ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إنْعامًا عامًّا عَلى جَمِيعِ بَنِي آدَمَ، فَيَكُونُ هَذا هو النِّعْمَةَ الثّالِثَةَ مِن تِلْكَ النِّعَمِ العامَّةِ الَّتِي أوْرَدَها في هَذا المَوْضِعِ ثُمَّ فِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١٤٧

المَسْألَةُ الأُولى: في إذْ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ صِلَةٌ زائِدَةٌ إلّا أنَّ العَرَبَ يَعْتادُونَ التَّكَلُّمَ بِها، والقُرْآنُ نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ.

الثّانِي: وهو الحَقُّ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ ما لا مَعْنى لَهُ، وهو نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ، والمَعْنى: اذْكُرْ لَهم قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ فَأضْمَرَ هَذا لِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ.

والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ كَشَفَ ذَلِكَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ كَقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ﴾ [الأحْقافِ: ٢١] وقالَ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ [ص: ١٧]، ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٣، ١٤] والقُرْآنُ كُلُّهُ كالكَلِمَةِ الواحِدَةِ، ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَواضِعُ المُصَرِّحَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ، فَلا جَرَمَ تُرِكَ ذَلِكَ هَهُنا اكْتِفاءً بِذَلِكَ المُصَرَّحِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ ”إذْ“ بِقالُوا.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَلَكُ أصْلُهُ مِنَ الرِّسالَةِ، يُقالُ: ألَكَنِي إلَيْهِ أيْ أرْسَلَنِي إلَيْهِ، والمَأْلُكَةُ والألُوكَةُ الرِّسالَةُ، وأصْلُهُ الهَمْزَةُ مِن ”مَلْأكَةٍ“ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى ما قَبْلَها طَلَبًا لِلْخِفَّةِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: المَلائِكُ جَمْعُ مَلْأكٍ عَلى الأصْلِ كالشِّمالِ في جَمْعِ شَمْألٍ وإلْحاقُ التّاءِ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الكَلامُ في المَلائِكَةِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلى الكَلامِ في الأنْبِياءِ لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ الإيمانِ بِالمَلائِكَةِ عَلى ذِكْرِ الإيمانِ بِالرُّسُلِ في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٥] ولَقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ابْدَءُوا بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ» “ .

الثّانِي: أنَّ المَلَكَ واسِطَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ الرَّسُولِ في تَبْلِيغِ الوَحْيِ والشَّرِيعَةِ فَكانَ مُقَدَّمًا عَلى الرَّسُولِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: الكَلامُ في النُّبُوّاتِ مُقَدَّمٌ عَلى الكَلامِ في المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهُ لا طَرِيقَ لَنا إلى مَعْرِفَةِ وُجُودِ المَلائِكَةِ بِالعَقْلِ بَلْ بِالسَّمْعِ، فَكانَ الكَلامُ في النُّبُوّاتِ أصْلًا لِلْكَلامِ في المَلائِكَةِ فَلا جَرَمَ وجَبَ تَقْدِيمُ الكَلامِ في النُّبُوّاتِ، والأوْلى أنْ يُقالَ: المَلَكُ قَبْلَ النَّبِيِّ بِالشَّرَفِ والعِلْيَةِ، وبَعْدَهُ في عُقُولِنا وأذْهانِنا بِحَسَبِ وُصُولِنا إلَيْها بِأفْكارِنا.

واعْلَمْ أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنِ العُقَلاءِ في أنَّ شَرَفَ الرُّتْبَةِ لِلْعالَمِ العُلْوِيِّ هو وُجُودُ المَلائِكَةِ فِيهِ، كَما أنَّ شَرَفَ الرُّتْبَةِ لِلْعالَمِ السُّفْلِيِّ هو وُجُودُ الإنْسانِ فِيهِ إلّا أنَّ النّاسَ …

Al-Baqara 2:30Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.