Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 201–210 of 286

201

وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةًۭ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ

But among them is he who says, "Our Lord, give us in this world [that which is] good and in the Hereafter [that which is] good and protect us from the punishment of the Fire."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٠١] ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ .

﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ جَمَعَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ كُلَّ خَيْرٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وصَرَفَتْ كُلَّ شَرٍّ، فَإنَّ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا تَشْمَلُ كُلَّ مَطْلُوبٍ دُنْيَوِيٍّ - مِن عافِيَةٍ، ودارٍ رَحْبَةٍ، وزَوْجَةٍ حَسَنَةٍ، ورِزْقٍ واسِعٍ، وعِلْمٍ نافِعٍ، وعَمَلٍ صالِحٍ، ومَرْكَبٍ هَيِّنٍ، وثَناءٍ جَمِيلٍ... إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ - ولا مُنافاةَ بَيْنَها - فَإنَّها كُلَّها مُنْدَرِجَةٌ في الحَسَنَةِ في الدُّنْيا. وأمّا الحَسَنَةُ في الآخِرَةِ: فَأعْلى ذَلِكَ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى ودُخُولُ الجَنَّةِ، وتَوابِعُهُ مِنَ الأمْنِ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ في العَرَصاتِ، وتَيْسِيرِ الحِسابِ... وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ الصّالِحَةِ. وأمّا النَّجاةُ مِنَ النّارِ: فَهو يَقْتَضِي تَيْسِيرَ أسْبابِهِ في الدُّنْيا مِنِ اجْتِنابِ المَحارِمِ والآثامِ، وتَرْكِ الشُّبَهاتِ والحَرامِ.

وقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ التَّرْغِيبُ في هَذا الدُّعاءِ، فَقَدْ كانَ يَقُولُ ﷺ كَما رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أنَسٍ.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ: «يَسْألُ قَتادَةُ أنَسًا: أيُّ دَعْوَةٍ كانَ يَدْعُو بِها النَّبِيُّ ﷺ أكْثَرَ؟ قالَ: كانَ أكْثَرُ دَعْوَةٍ يَدْعُو بِها يَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ» وكانَ أنَسٌ إذا أرادَ أنْ يَدْعُوَ بِدَعْوَةٍ دَعا بِها، وإذا أرادَ أنْ يَدْعُوَ بِدُعاءٍ دَعا بِها فِيهِ!» ورَواهُ مُسْلِمٌ وهَذا لَفْظُهُ.

ورَوى الإمامُ الشّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السّائِبِ: «أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِيما بَيْنَ رُكْنِ بَنِي جُمَحٍ والرُّكْنِ الأسْوَدِ: «: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾» الآيَةَ».

Al-Baqara 2:201Listen in Qur'an →
202

أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌۭ مِّمَّا كَسَبُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

Those will have a share of what they have earned, and Allah is swift in account.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٠٢] ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ .

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ الثّانِي بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَمِيلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الإشارَةِ إلى عُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ: ﴿لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ أيْ: مِن جِنْسِ ما كَسَبُوا مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ وهو الثَّوابُ الَّذِي هو المَنافِعُ الحَسَنَةُ. أوْ مِن أجْلِ ما كَسَبُوا كَقَوْلِهِ: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥] أوْ لَهم نُصِيبٌ مِمّا دَعَوْا بِهِ نُعْطِيهِمْ مِنهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وسُمِّيَ الدُّعاءُ كَسْبًا؛ لِأنَّهُ مِنَ الأعْمالِ وهي مَوْصُوفَةٌ بِالكَسْبِ: ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ إمّا بِمَعْنى سَرِيعٍ في الحِسابِ كَسَرِيعٍ في السَّيْرِ، فالجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ إلخ يَعْنِي: أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ وكَسْبِهِمْ ولا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ لِأنَّهُ سَرِيعٌ في المُحاسَبَةِ؛ أوْ بِمَعْنى: سَرِيعٌ حِسابُهُ كَحُسْنِ الوَجْهِ. فالجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] إلخ يَعْنِي: يُوشِكُ أنْ يُقِيمَ القِيامَةَ ويُحاسِبَ العِبادَ. فَبادِرُوا إكْثارَ الذِّكْرِ وطَلَبَ الآخِرَةِ بِاكْتِسابِ الطّاعاتِ والحَسَناتِ.

وقالَ الرّاغِبُ: لَمّا كانَ الحِسابُ يَكْشِفُ عَنْ جُمَلِ الشَّيْءِ وتَفْصِيلِهِ، نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى إحاطَتِهِ بِأفْعالِ عِبادِهِ ووُقُوفِهِ عَلى حَقائِقِها. وذِكْرُ السَّرِيعِ تَنْبِيهًا أنَّ ذَلِكَ مِنهُ لا في زَمانٍ ولا بِفِكْرَةٍ، وذَلِكَ أبْلَغُ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَصَوَّرَ بِهِ الكافَّةُ سُرْعَةَ فِعْلِ اللَّهِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أوَّلًا تَفْصِيلَ مَناسِكِ الحَجِّ، ثُمَّ أمَرَ بَعْدَها بِالذِّكْرِ فَقالَ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] إلخ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الأوْلى أنْ يُتْرَكَ ذِكْرُ غَيْرِهِ وأنْ يُقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِهِ فَقالَ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] إلخ، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدِ ذَلِكَ الذَّكَرِ كَيْفِيَّةَ الدُّعاءِ فَقالَ: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ [البقرة: ٢٠٠] إلخ، وما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ! فَإنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ العِبادَةِ لِكَسْرِ النَّفْسِ وإزالَةِ ظُلُماتِها، ثُمَّ بَعْدَ العِبادَةِ لا بُدَّ مِنَ الِاشْتِغالِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى لِتَنْوِيرِ القَلْبِ وتَجَلِّي نُورِ جَلالِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الذِّكْرِ، يَشْتَغِلُ الرَّجُلُ بِالدُّعاءِ، فَإنَّ الدُّعاءَ إنَّما يَكْمُلُ إذا كانَ مَسْبُوقًا بِالذِّكْرِ....

Al-Baqara 2:202Listen in Qur'an →
203

۞ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍۢ مَّعْدُودَٰتٍۢ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

And remember Allah during [specific] numbered days. Then whoever hastens [his departure] in two days - there is no sin upon him; and whoever delays [until the third] - there is no sin upon him - for him who fears Allah. And fear Allah and know that unto Him you will be gathered.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٠٣] ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .

﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ هي أيّامُ التَّشْرِيقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورَوى الإمامُ مُسْلِمٌ عَنْ نُبَيْشَةَ الهُذَلِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أيّامُ التَّشْرِيقِ أيّامُ أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرِ اللَّهِ»» . وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: التَّكْبِيرُ في أيّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ: اللَّهُ أكْبَرُ! اللَّهُ أكْبَرُ!.

ورَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ بِمِنى تِلْكَ الأيّامِ، وخَلْفَ الصَّلَواتِ، وعَلى فِراشِهِ، وفي فُسْطاطِهِ، وفي مَجْلِسِهِ، وفي مَمْشاهُ في تِلْكَ الأيّامِ جَمِيعًا. وفي رِوايَةٍ: أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ في قُبَّتِهِ، فَيَسْمَعُهُ أهْلُ المَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ ويُكَبِّرُ أهْلُ الأسْواقِ حَتّى تَرْتَجَّ مِنى. أخْرَجَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا.

ومِنَ الذِّكْرِ في هَذِهِ الأيّامِ: التَّكْبِيرُ مَعَ كُلِّ حَصاةٍ مِن حَصى الجِمارِ كُلَّ يَوْمٍ مِن أيّامِ التَّشْرِيقِ، فَقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ مَعَ كُلِّ حَصاةٍ».

وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أبُو داوُدَ وغَيْرُهُ: ««إنَّما جُعِلَ الطَّوافُ بِالبَيْتِ، والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ورَمْيُ الجِمارِ لِإقامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ»» .

ورَوى مالِكٌ في مُوَطَّئِهِ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ خَرَجَ الغَدَ مِن يَوْمِ النَّحْرِ حِينَ ارْتِفاعَ النَّهارُ شَيْئًا، فَكَبَّرَ، فَكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ. ثُمَّ خَرَجَ الثّانِيَةَ مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ بَعْدَ ارْتِفاعِ النَّهارِ فَكَبَّرَ، فَكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ. ثُمَّ خَرَجَ الثّالِثَةَ حِينَ زاغَتِ الشَّمْسُ فَكَبَّرَ، فَكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ حَتّى يَتَّصِلَ التَّكْبِيرُ ويَبْلُغَ البَيْتَ فَيُعْلَمَ أنَّ عُمَرَ قَدْ خَرَجَ يَرْمِي.

ثُمَّ قالَ مالِكٌ: والتَّكْبِيرُ في أيّامِ التَّشْرِيقِ عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ - مَن كانَ في جَماعَةٍ أوْ وحْدَهُ بِمِنى أوْ بِالآفاقِ كُلِّها واجِبٌ.

ثُمَّ قالَ: الأيّامُ المَعْدُوداتُ: أيّامُ التَّشْرِيقِ.

وفِي القامُوسِ وشَرْحِهِ: التَّشْرِيقُ تَقْدِيدُ اللَّحْمِ، ومِنهُ سُمِّيَتْ أيّامُ التَّشْرِيقِ وهي ثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، لِأنَّ لُحُومَ الأضاحِيِّ تُشْرِقُ فِيها، أيْ: تُشَرَّرُ في الشَّمْسِ - حَكاهُ يَعْقُوبُ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ: أشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْما نُغِيرُ؛ أوْ لِأنَّ الهَدْيَ لا يُنْحَرُ حَتّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ - قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وكانَ أبُو حَنِيفَةَ يَذْهَبُ بِالتَّشْرِيقِ إلى التَّكْبِيرِ، ولَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ غَيْرُهُ.

﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: فَمَن تَعَجَّلَ النَّفْرَ الأوَّلَ مِن هَذِهِ الأيّامِ الثَّلاثَةِ، فَلَمْ يَمْكُثْ حَتّى يَرْمِيَ في اليَوْمِ الثّالِثِ. واكْتَفى بِرَمْيِ الجِمارِ في يَوْمَيْنِ مِن هَذِهِ الأيّامِ الثَّلاثَةِ، فَلا يَأْثَمُ بِهَذا لِتَعْجِيلِ. وإيضاحُهُ: أنَّهُ يَجِبُ عَلى الحاجِّ المَبِيتُ بِمِنى اللَّيْلَةَ الأُولى والثّانِيَةَ مِن لَيالِي أيّامِ التَّشْرِيقِ. لِيَرْمِيَ كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ الزَّوالِ إحْدى وعِشْرِينَ حَصاةً. يَرْمِي عِنْدَ كُلِّ جَمْرَةٍ سَبْعَ حَصَياتٍ. ثُمَّ مَن رَمى في اليَوْمِ …

Al-Baqara 2:203Listen in Qur'an →
204

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُۥ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ

And of the people is he whose speech pleases you in worldly life, and he calls Allah to witness as to what is in his heart, yet he is the fiercest of opponents.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٠٤] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهو ألَدُّ الخِصامِ﴾ .

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: يَعْظُمُ في نَفْسِكَ حَلاوَةُ حَدِيثِهِ وفَصاحَتُهُ في أمْرِ الحَياةِ الدُّنْيا الَّتِي هي مَبْلَغُ عِلْمِهِ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ أيْ: يَحْلِفُ بِاللَّهِ عَلى الإيمانِ بِكَ والمَحَبَّةِ لَكَ، وأنَّ الَّذِي في قَلْبِهِ مُوافِقٌ لِلِسانِهِ لِئَلّا يُتَفَرَّسَ فِيهِ الكُفْرُ والعَداوَةُ، أوْ مَعْناهُ: يُظْهِرُ لَكَ الإسْلامَ ويُبارِزُ اللَّهَ بِما في قَلْبِهِ مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ - عَلى نَحْوِ ما وُصِفَ بِهِ أهْلُ النِّفاقِ حَيْثُ قالُوا: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨] الآيَةَ: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ شَدِيدُ الخُصُومَةِ جَدَلٌ بِالباطِلِ.

Al-Baqara 2:204Listen in Qur'an →
205

وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ

And when he goes away, he strives throughout the land to cause corruption therein and destroy crops and animals. And Allah does not like corruption.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٠٥] ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾

﴿وإذا تَوَلّى﴾ انْصَرَفَ عَمَّنْ خَدَعَهُ بِكَلامِهِ: ﴿سَعى﴾ - مَشى -: ﴿فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ بِإدْخالِ الشُّبَهِ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، وبِاسْتِخْراجِ الحِيَلِ في تَقْوِيَةِ الكُفْرِ، وهَذا المَعْنى يُسَمّى فَسادًا، كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٧] أيْ: يَرُدُّوا قَوْمَكَ عَنْ دِينِهِمْ ويُفْسِدُوا عَلَيْهِمْ شِرْعَتَهم. وسُمِّيَ هَذا المَعْنى فَسادًا لِأنَّهُ يُوقِعُ الِاخْتِلافَ بَيْنَ النّاسِ، ويُفَرِّقُ كَلِمَتَهُمْ، ويُؤَدِّي إلى أنْ يَتَبَرَّأ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَتَنْقَطِعَ الأرْحامُ، وتَنْسَفِكَ الدِّماءُ. وهَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ المَجِيدِ ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ﴾ أيِ: الزَّرْعَ: ﴿والنَّسْلَ﴾ أيِ: المَواشِيَ النّاتِجَةَ.

قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: وإنَّ إهْلاكَ الحَرْثِ والنَّسْلِ كِنايَةٌ عَنِ الإيذاءِ الشَّدِيدِ، وإنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ صارَ مِن قَبِيلِ المَثَلِ؛ فالمَعْنى: يُؤْذِي مُسْتَرْسِلًا في إفْسادِهِ ولَوْ أدّى إلى إهْلاكِ الحَرْثِ والنَّسْلِ.

﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ أيْ: لا يَرْضى فِعْلَهُ.

قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ حَكَمَ تَعالى بِأنَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ وهو مُفْسِدٌ لِلْأشْياءِ؟ قِيلَ: الإفْسادُ في الحَقِيقَةِ: إخْراجُ الشَّيْءِ عَنْ حالَةٍ مَحْمُودَةٍ لا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ في فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، ولا هو آمِرٌ بِهِ، ولا مُحِبٌّ لَهُ، وما يُرى مِن فِعْلِهِ، ويَظْهَرُ بِظاهِرِهِ فَسادًا، فَهو بِالإضافَةِ إلَيْنا واعْتِبارِنا لَهُ كَذَلِكَ. فَأمّا بِالنَّظَرِ الإلَهِيِّ فَكُلُّهُ صَلاحٌ، ولِهَذا قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: يا مَن إفْسادُهُ إصْلاحٌ! أيْ: ما نَظُنُّهُ إفْسادًا؛ لِقُصُورِ نَظَرِنا ومَعْرِفَتِنا - فَهو في الحَقِيقَةِ إصْلاحٌ. وجُمْلَةُ الأمْرِ: إنَّ الإنْسانَ هو زُبْدَةُ هَذا العالَمِ وما سِواهُ مَخْلُوقٌ لِأجْلِهِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٩] والمَقْصِدُ مِنَ الإنْسانِ سَوْقُهُ إلى كَمالِهِ الَّذِي رَسَخَ لَهُ. فَإذَنْ: إهْلاكُ ما أمَرَ بِإهْلاكِهِ، لِإصْلاحِ الإنْسانِ وما مِنهُ أسْبابُ حَياتِهِ الأبَدِيَّةِ. ولِشَرْحِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْضِعٌ آخَرُ....

Al-Baqara 2:205Listen in Qur'an →
206

وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُۥ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

And when it is said to him, "Fear Allah," pride in the sin takes hold of him. Sufficient for him is Hellfire, and how wretched is the resting place.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٠٦] ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ .

﴿وإذا قِيلَ لَهُ﴾ عَلى نَهْجِ العِظَةِ: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ في النِّفاقِ، واحْذَرْ سُوءَ عاقِبَتِهِ. أوْ في الإفْسادِ والإهْلاكِ وفي اللَّجاجِ بِالباطِلِ: ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ أيْ: حَمَلَتْهُ الأنَفَةُ وحَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ عَلى الفِعْلِ بِالإثْمِ وهو التَّكَبُّرُ؛ أوِ المَعْنى: أخَذَتْهُ الحَمِيَّةُ لِلْإثْمِ الَّذِي في قَلْبِهِ فَمَنَعَتْهُ عَنْ قَبُولِ قَوْلِ النّاصِحِ: ﴿فَحَسْبُهُ﴾ أيْ: كافِيهِ: ﴿جَهَنَّمُ﴾ إذا صارَ إلَيْها واسْتَقَرَّ فِيها جَزاءً وعَذابًا: ﴿ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيِ: الفِراشُ الَّذِي يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ بَدَلَ فَرْشِ عِزَّتِهِ.

قالَ الرّاغِبُ: المَهْدُ مَعْرُوفٌ، وتُصَوَّرُ مِنهُ التَّوْطِئَةُ، فَقِيلَ لِكُلِّ وطِيءٍ مَهْدٌ. والمِهادُ يُجْعَلُ تارَةً جَمْعًا لِلْمَهْدِ، وتارَةً لِلْآلَةِ نَحْوَ فِراشٍ. وجَعَلَ جَهَنَّمَ مِهادًا لَهم كَما جَعَلَ العَذابَ مُبَشَّرًا بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤]

وقالَ الحاكِمُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مِن أكْبَرِ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ أنْ يُقالَ لِلْعَبْدِ: اتَّقِ اللَّهَ! فَيَقُولُ عَلَيْكَ نَفْسَكَ....

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِنهُ رَدُّ قَوْلِ الواعِظِ.

وهَذِهِ الآيَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الحج: ٧٢]

ولَمّا أتَمَّ تَعالى الإخْبارَ عَنْ هَذا الفَرِيقِ مِنَ النّاسِ الضّالِّ، أتْبَعَهُ بِقَسِيمِهِ المُهْتَدِي. لِيَبْعَثَ العِبادَ عَلى تَجَنُّبِ صِفاتِ الفَرِيقِ الأوَّلِ، والتَّخَلُّقِ بِنُعُوتِ الثّانِي فَقالَ:

Al-Baqara 2:206Listen in Qur'an →
207

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ

And of the people is he who sells himself, seeking means to the approval of Allah. And Allah is kind to [His] servants.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٠٧] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ .

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ أيْ: يَبِيعُها بِبَذْلِها في طاعَةِ اللَّهِ: ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ أيْ: طَلَبَ رِضاهُ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ حَيْثُ أرْشَدَهم لِما فِيهِ رِضاهُ، وأسْبَغَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً ظاهِرَةً وباطِنَةً، مَعَ كُفْرِهِمْ بِهِ، وتَقْصِيرِهِمْ في أمْرِهِ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ بَعْضُهُمْ: كانَ مُقْتَضى المُقابَلَةِ لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ أنْ يُوصَفَ هَذا الفَرِيقُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ مَعَ عَدَمِ الدَّعْوى والتَّبَجُّحِ بِالقَوْلِ، أوْ مَعَ مُطابَقَةِ قَوْلِهِ لِعَمَلِهِ، ومُوافَقَةِ لِسانِهِ لِما في جَنانِهِ! والآيَةُ تَضَمَّنَتْ هَذا الوَصْفَ وإنْ لَمْ تَنْطِقْ بِهِ. فَإنَّ مَن يَبِيعُ نَفْسَهُ لِلَّهِ، لا يَبْغِي ثَمَنًا لَها غَيْرَ مَرْضاتِهِ، لا يَتَحَرّى إلّا العَمَلَ الصّالِحَ، وقَوْلَ الحَقِّ والإخْلاصَ في القَلْبِ، فَلا يَتَكَلَّمُ بِلِسانَيْنِ، ولا يُقابِلُ النّاسَ بِوَجْهَيْنِ، ولا يُؤَثِّرُ عَلى ما عِنْدَ اللَّهِ عَرَضُ الحَياةِ الدُّنْيا... وهَذا هو المُؤْمِنُ الَّذِي يَعْتَدُّ القُرْآنُ بِإيمانِهِ...

وقَدْ أخْرَجَ الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ ورَزِينٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: «أقْبَلَ صُهَيْبٌ مُهاجِرًا إلى النَّبِيِّ ﷺ، فاتَّبَعَهُ نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ، فَنَزَلَ عَنْ راحِلَتِهِ، وانْتَثَلَ ما في كِنانَتِهِ ثُمَّ قالَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي مِن أرْماكم رَجُلًا. وايْمُ اللَّهِ! لا تَصِلُونَ إلَيَّ حَتّى أرْمِيَ كُلَّ سَهْمٍ مَعِي في كِنانَتِي، ثُمَّ أضْرَبَ بِسَيْفِي ما بَقِيَ في يَدِي مِنهُ شَيْءٌ، ثُمَّ افْعَلُوا ما شِئْتُمْ، وإنْ شِئْتُمْ دَلَلْتُكم عَلى مالِي بِمَكَّةَ وخَلَّيْتُمْ سَبِيلِي؟ قالُوا: نَعَمْ! فَلَمّا قَدَمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ المَدِينَةَ قالَ: «رَبِحَ البَيْعُ، أبا يَحْيى! رَبِحَ، أبا يَحْيى...!» ونَزَلَتْ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ الآيَةَ».

وأخْرَجَ الحاكِمُ في " المُسْتَدْرَكِ " نَحْوَهُ مِن طَرِيقِ ابْنِ المُسَيِّبِ عَنْ صُهَيْبٍ مَوْصُولًا. وأخْرَجَهُ أيْضًا مِن طَرِيقِ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ. وفِيهِ التَّصْرِيحُ بِنُزُولِ الآيَةِ، وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في صُهَيْبٍ وغَيْرِهِ، كَما رُوِيَ في نُزُولِ الأُولى رِواياتٌ ساقَها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

ولا تَنافِيَ في ذَلِكَ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: نَزَلَتْ في كَذا، تارَةً يُرادُ بِهِ أنَّ حالًا ما كانَ سَبَبًا لِنُزُولِها، بِمَعْنى أنَّها ما نَزَلَتْ إلّا لِأجْلِهِ، وهَذا يُعْلَمُ إمّا مِن إشْعارِ الآيَةِ بِذَلِكَ، أوْ مِن رِوايَةٍ صَحَّ سَنَدُها صِحَّةً لا مَطْعَنَ فِيهِ. وتارَةً يُرادُ بِهِ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ وُقُوعِ شَأْنِ ما تَشْمَلُهُ بِعُمُومِها. فَيَقُولُ الرّاوِي عُقَيْبَ حُدُوثِ ذَلِكَ الشَّأْنِ: نَزَلَتْ في كَذا، والمُرادُ: أنَّها تَصْدُقُ عَلَيْهِ لا أنَّ ذَلِكَ الشَّأْنَ كانَ سَبَبًا لِلنُّزُولِ... وما رُوِيَ في هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذا القَبِيلِ.

وإلى هَذا النَّوْعِ أشارَ الزَّرْكَشِيُّ في " البُرْهانِ " بِقَوْلِهِ: قَدْ عُرِفَ مِن عادَةِ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ أنَّ أحَدَهم إذا قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في كَذا، فَإنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّها تَتَضَمَّنُ هَذا الحُكْمَ، لا أنَّ هَذا كانَ السَّبَبَ في نُزُولِها. فَهو مِن جِنْسِ الِاسْتِدْلالِ عَلى الحُكْمِ بِالآيَةِ، لا مِن جِنْسِ النَّقْلِ لِما وقَعَ....

وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ …

Al-Baqara 2:207Listen in Qur'an →
208

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةًۭ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ

O you who have believed, enter into Islam completely [and perfectly] and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٠٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ﴾ - بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِها مَعَ إسْكانِ اللّامِ، فِيهِما قِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ - أيْ: في الإسْلامِ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ بْنُ عابِسٍ:

؎فَلَسْتُ مُبَدِّلًا بِاللَّهِ رَبًّا ولا مُسْتَبْدِلًا بِالسِّلْمِ دِينا

ومِثْلُهُ قَوْلُ أخِي كِنْدَةَ:

؎دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمّا ∗∗∗ رَأيْتُهم تَوَلَّوْا مُدْبِرِينا

قالَ الرّازِيُّ: أصْلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ الِانْقِيادِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] والإسْلامُ إنَّما سُمِّيَ إسْلامًا لِهَذا المَعْنى. وغَلَبَ اسْمُ السِّلْمِ عَلى الصُّلْحِ وتَرْكِ الحَرْبِ. وهَذا أيْضًا راجِعٌ إلى هَذا المَعْنى، لِأنَّ عِنْدَ الصُّلْحِ يَنْقادُ كُلُّ واحِدٍ لِصاحِبِهِ ولا يُنازِعُهُ فِيهِ.

ومَعْنى الآيَةِ: ادْخُلُوا في الِاسْتِسْلامِ والطّاعَةِ، أيِ: اسْتَسْلِمُوا لِلَّهِ وأطِيعُوهُ ولا تَخْرُجُوا عَنْ شَيْءٍ مِن شَرائِعِهِ: ﴿كافَّةً﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ادْخُلُوا: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: طُرُقَهُ الَّتِي يَأْمُرُكم بِها فَـ: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] و: ﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] وضَمُّ الطّاءِ مِن خُطُواتِ وإسْكانُها لُغَتانِ: حِجازِيَّةٌ وتَمِيمِيَّةٌ. وقَدْ قُرِئَ بِهِما في السَّبْعِ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ أوْ مُظْهِرٌ لَها. أيْ: بِما أخْبَرْناكم بِهِ في أمْرِ أبِيكم آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِ، مِمّا شَواهِدُهُ ظاهِرَةٌ.

Al-Baqara 2:208Listen in Qur'an →
209

فَإِن زَلَلْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

But if you deviate after clear proofs have come to you, then know that Allah is Exalted in Might and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٠٩] ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ أيْ: عَنِ الدُّخُولِ في السِّلْمِ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ: الآياتُ الظّاهِرَةُ عَلى أنَّ ما دُعِيتُمْ إلى الدُّخُولِ فِيهِ هو الحَقُّ: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُعْجِزُهُ الِانْتِقامُ مِمَّنْ زَلَّ، ولا يَفُوتُهُ مَن ضَلَّ: ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَنْتَقِمُ إلّا بِحَقٍّ. وقَوْلُهُ: ﴿فاعْلَمُوا﴾ إلخ نِهايَةٌ في الوَعِيدِ؛ لِأنَّهُ يَجْمَعُ مِن ضُرُوبِ الخَوْفِ ما لا يَجْمَعُهُ الوَعِيدُ بِذِكْرِ العِقابِ. ورُبَّما قالَ الوالِدُ لِوَلَدِهِ: إنْ عَصَيْتَنِي فَأنْتَ عارِفٌ بِي وأنْتَ تَعْلَمُ قُدْرَتِي عَلَيْكَ وشِدَّةَ سَطْوَتِي. فَيَكُونُ هَذا الكَلامُ - في الزَّجْرِ - أبْلَغَ مِن ذِكْرِ الضَّرْبِ وغَيْرِهِ. فَظَهَرَ تَسَبُّبُ الجَزاءِ في الآيَةِ بِما أشْعَرَ بِهِ مِنَ الزَّجْرِ والتَّهْدِيدِ عَلى الشَّرْطِ المُشِيرِ إلى ذَنْبِهِمْ وجُرْمِهِمْ.

هَذا، ومِنَ الوُجُوهِ المُحْتَمَلَةِ في الآيَةِ، أنْ يَكُونَ السِّلْمُ المَذْكُورُ فِيها مَعْناهُ: الصُّلْحُ والمُسالَمَةُ وتَرْكُ المُنازَعَةِ والِاخْتِلافِ. فَمَعْنى: ﴿ادْخُلُوا في السِّلْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٨] كُونُوا مُتَوافِقِينَ ومُجْتَمِعِينَ في نُصْرَةِ الدِّينِ، ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ بِأنْ يَحْمِلَكم عَلى طَلَبِ الدُّنْيا والمُنازِعَةِ مَعَ النّاسِ. فَتَكُونُ الآيَةُ حِينَئِذٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] وقَوْلِهِ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقَوْلِهِ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-Baqara 2:209Listen in Qur'an →
210

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِى ظُلَلٍۢ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ

Do they await but that Allah should come to them in covers of clouds and the angels [as well] and the matter is [then] decided? And to Allah [all] matters are returned.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢١٠] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ وقُضِيَ الأمْرُ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يَنْتَظِرُونَ، فِـ " نَظَرَ " كَ " انْتَظَرَ "، يُقالُ: نَظَرْتُهُ وانْتَظَرْتُهُ إذا ارْتَقَبَتْ حُضُورَهُ. وهَذا الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ؛ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ بِما يَفْعَلُونَ مِنَ العِنادِ والمُخالَفَةِ - في الِامْتِثالِ بِما أُمِرُوا بِهِ، والِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ - بَعْدَ طُولِ الحِلْمِ عَنْهُمْ: ﴿إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ جَمْعُ ظُلَّةٍ - كَقُلَلٍ في جَمْعِ قُلَّةٍ - أيْ: في ظُلَّةٍ داخِلَ ظُلَّةٍ - وهي ما يَسْتُرُ مِنَ الشَّمْسِ، فَهي في غايَةِ الإظْلامِ والهَوْلِ والمَهابَةِ لِما لَها مِنَ الكَثافَةِ الَّتِي تَغُمُّ عَلى الرّائِي ما فِيها: ﴿والمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ١٦١] عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، أيْ: ويَأْتِي جُنْدُهُ الَّذِينَ لا يَعْلَمُ كَثْرَتَهم إلّا هو. هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ. وعَلى قِراءَةِأبِي جَعْفَرٍ بِالخَفْضِ. فَهو عَطْفٌ عَلى ظُلَلٍ أوِ الغَمامِ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: أتَمَّ أمْرَ إهْلاكِهِمْ وفَرَغَ مِنهُ. قالَ الرّاغِبُ: نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَلافِي الفارِطِ... وهو عَطْفٌ عَلى: ﴿يَأْتِيَهُمُ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ الِانْتِظارِ. وإنَّما عَدَلَ إلى صِيغَةِ الماضِي دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ كانَ. أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها إنْباءً عَنْ وُقُوعِ مَضْمُونِها ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ أيْ: فَمَن كانُوا نافِذِي المُلْكِ والتَّصَرُّفِ في الدُّنْيا، فَإنَّ مُلْكَهم وتَصَرُّفَهم مُسْتَرَدٌّ مِنهم يَوْمَ القِيامَةِ وراجِعٌ إلَيْهِ تَعالى. يُقالُ: رَجَعَ الأمْرُ إلى الأمِيرِ، أيِ: اسْتَرَدَّ ما كانَ فَوَّضَهُ إلَيْهِمْ. أوْ عَنى بِـ: ﴿الأُمُورُ﴾ الأرْواحَ والأنْفُسَ دُونَ الأجْسامِ، وسَمّاها أُمُورًا مِن حَيْثُ إنَّها إبْداعاتٌ مُشارٌ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] فَهي مِنَ الإبْداعِ الَّذِي لا يُمْكِنُ مِنَ البَشَرِ تَصَوُّرُهُ؛ فَنَبَّهَ أنَّ الأرْواحَ كُلَّها مَرْجُوعَةٌ إلَيْهِ وراجِعَةٌ. وعَلى نَحْوِ ذَلِكَ قالَ: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] ويَكُونُ رُجُوعُها إمّا بِرِبْحٍ وغِبْطَةٍ، وإمّا بِنَدامَةٍ وحَسْرَةٍ. قالَهُ الإمامُ الرّاغِبُ.

قالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّهُ تَعالى قَدْ مَلَّكَ كُلَّ أحَدٍ في دارِ الِاخْتِبارِ والبَلْوى أُمُورًًا، امْتِحانًا، فَإذا انْقَضى أمْرُ هَذِهِ الدّارِ ووَصَلْنا إلى دارِ الثَّوابِ والعِقابِ كانَ الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ وحْدَهُ. وإذا كانَ كَذَلِكَ فَهو أهْلٌ أنْ يُتَّقى ويُطاعَ ويُدْخَلَ في السِّلْمِ - كَما أمَرَ - ويَحْتَرِزَ عَنْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ كَما نَهى.

وقَدْ قُرِئَ في السَّبْعِ تُرْجَعُ بِضَمِّ التّاءِ بِمَعْنى تُرَدُّ، وبِفَتْحِها بِمَعْنى تَصِيرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣]

قالَ القَفّالُ: والمَعْنى في القِراءَتَيْنِ مُتَقارِبٌ، لِأنَّها تَرْجِعُ إلَيْهِ تَعالى، وهو سُبْحانُهُ يُرْجِعُها إلى نَفْسِهِ بِإفْناءِ الدُّنْيا وإقامَةِ القِيامَةِ.

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: لِهَذِهِ الآيَةِ أشْباهٌ ونَظائِرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الوَعِيدَ أُخْرَوِيٌّ.

ولِذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في مَعْنى الآيَةِ: يَقُولُ تَعالى مُهَدِّدًا لِلْكافِرِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ …

Al-Baqara 2:210Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.