Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 201–210 of 286

201

وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةًۭ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ

But among them is he who says, "Our Lord, give us in this world [that which is] good and in the Hereafter [that which is] good and protect us from the punishment of the Fire."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾؛ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ العَرَبَ كانُوا عِنْدَ الفَراغِ مِن حَجَّتِهِمْ بَعْدَ أيّامِ التَّشْرِيقِ يَقِفُونَ بَيْنَ مَسْجِدِ مِنًى وبَيْنَ الجَبَلِ، ويَذْكُرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَضائِلَ آبائِهِ في السَّماحَةِ والحَماسَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ، ويَتَناشَدُونَ فِيها الأشْعارَ، ويَتَكَلَّمُونَ بِالمَنثُورِ مِنَ الكَلامِ، ويُرِيدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن ذَلِكَ الفِعْلِ حُصُولَ الشُّهْرَةِ والتَّرَفُّعَ بِمَآثِرِ سَلَفِهِ، فَلَمّا أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالإسْلامِ أمَرَهم أنْ يَكُونَ ذِكْرُهم لِرَبِّهِمْ كَذِكْرِهِمْ لِآبائِهِمْ، ورَوى القَفّالُ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «طافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى راحِلَتِهِ القُصْوى يَوْمَ الفَتْحِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ، ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: ”أمّا بَعْدُ، أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ قَدْ أذْهَبَ عَنْكم حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ وتَفَكُّكَها، يا أيُّها النّاسُ إنَّما النّاسُ رَجُلانِ؛ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ، أوْ فاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ، ثُمَّ تَلا ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحُجُراتِ: ١٣]، أقُولُ قَوْلِي هَذا وأسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي ولَكم» “ وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ العَرَبَ بِمِنًى بَعْدَ فَراغِهِمْ مِنَ الحَجِّ كانَ أحَدُهم يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّ أبِي كانَ عَظِيمَ الجَفْنَةِ، عَظِيمَ القَدْرِ، كَثِيرَ المالِ، فَأعْطِنِي مِثْلَ ما أعْطَيْتَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

* * *

صفحة ١٥٧

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ القَضاءَ إذا عُلِّقَ بِفِعْلِ النَّفْسِ، فالمُرادُ بِهِ الإتْمامُ والفَراغُ، وإذا عُلِّقَ عَلى فِعْلِ الغَيْرِ فالمُرادُ بِهِ الإلْزامُ، نَظِيرُ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فُصِّلَتَ: ١٢]، ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«وما فاتَكم فاقْضُوا» “ ويُقالُ في الحاكِمِ عِنْدَ فَصْلِ الخُصُومَةِ قَضى بَيْنَهُما. ونَظِيرُ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ [الإسْراءِ: ٢٣] وإذا اسْتُعْمِلَ في الإعْلامِ، فالمُرادُ أيْضًا ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ [الإسْراءِ: ٤] يَعْنِي أعْلَمْناهم.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ لا يَحْتَمِلُ إلّا الفَراغَ مِن جَمِيعِهِ خُصُوصًا، وذِكْرُ كَثِيرٍ مِنهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِن قَبْلُ، وقالَ بَعْضُهم: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: اذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَناسِكِ، ويَكُونُ المُرادُ مِن هَذا الذِّكْرِ ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الدُّعاءِ بِعَرَفاتٍ والمَشْعَرِ الحَرامِ، والطَّوافِ، والسَّعْيِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ كَقَوْلِ القائِلِ: إذا حَجَجْتَ فَطُفْ وقِفْ بِعَرَفَةَ، ولا يَعْنِي بِهِ الفَراغَ مِنَ الحَجِّ بَلِ الدُّخُولَ فِيهِ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ مُشْعِرٌ بِالفَراغِ والإتْمامِ مِنَ الكُلِّ، وهَذا مُفارِقٌ لِقَوْلِ القائِلِ: إذا حَجَجْتَ فَقِفْ بِعَرَفاتٍ، لِأنَّ مُرادَهُ هُناكَ الدُّخُولُ في الحَجِّ لا الفَراغُ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها إلّا الفَراغَ مِنَ الحَجِّ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”المَناسِكُ“ جَمْعُ مَنسَكٍ، الَّذِي هو المَصْدَرُ بِمَنزِلَةِ النُّسُكِ، أيْ إذا قَضَيْتُمْ عِباداتِكُمُ …

Al-Baqara 2:201Listen in Qur'an →
202

أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌۭ مِّمَّا كَسَبُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

Those will have a share of what they have earned, and Allah is swift in account.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾؛ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ العَرَبَ كانُوا عِنْدَ الفَراغِ مِن حَجَّتِهِمْ بَعْدَ أيّامِ التَّشْرِيقِ يَقِفُونَ بَيْنَ مَسْجِدِ مِنًى وبَيْنَ الجَبَلِ، ويَذْكُرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَضائِلَ آبائِهِ في السَّماحَةِ والحَماسَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ، ويَتَناشَدُونَ فِيها الأشْعارَ، ويَتَكَلَّمُونَ بِالمَنثُورِ مِنَ الكَلامِ، ويُرِيدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن ذَلِكَ الفِعْلِ حُصُولَ الشُّهْرَةِ والتَّرَفُّعَ بِمَآثِرِ سَلَفِهِ، فَلَمّا أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالإسْلامِ أمَرَهم أنْ يَكُونَ ذِكْرُهم لِرَبِّهِمْ كَذِكْرِهِمْ لِآبائِهِمْ، ورَوى القَفّالُ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «طافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى راحِلَتِهِ القُصْوى يَوْمَ الفَتْحِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ، ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: ”أمّا بَعْدُ، أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ قَدْ أذْهَبَ عَنْكم حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ وتَفَكُّكَها، يا أيُّها النّاسُ إنَّما النّاسُ رَجُلانِ؛ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ، أوْ فاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ، ثُمَّ تَلا ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحُجُراتِ: ١٣]، أقُولُ قَوْلِي هَذا وأسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي ولَكم» “ وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ العَرَبَ بِمِنًى بَعْدَ فَراغِهِمْ مِنَ الحَجِّ كانَ أحَدُهم يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّ أبِي كانَ عَظِيمَ الجَفْنَةِ، عَظِيمَ القَدْرِ، كَثِيرَ المالِ، فَأعْطِنِي مِثْلَ ما أعْطَيْتَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

* * *

صفحة ١٥٧

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ القَضاءَ إذا عُلِّقَ بِفِعْلِ النَّفْسِ، فالمُرادُ بِهِ الإتْمامُ والفَراغُ، وإذا عُلِّقَ عَلى فِعْلِ الغَيْرِ فالمُرادُ بِهِ الإلْزامُ، نَظِيرُ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فُصِّلَتَ: ١٢]، ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«وما فاتَكم فاقْضُوا» “ ويُقالُ في الحاكِمِ عِنْدَ فَصْلِ الخُصُومَةِ قَضى بَيْنَهُما. ونَظِيرُ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ [الإسْراءِ: ٢٣] وإذا اسْتُعْمِلَ في الإعْلامِ، فالمُرادُ أيْضًا ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ [الإسْراءِ: ٤] يَعْنِي أعْلَمْناهم.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ لا يَحْتَمِلُ إلّا الفَراغَ مِن جَمِيعِهِ خُصُوصًا، وذِكْرُ كَثِيرٍ مِنهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِن قَبْلُ، وقالَ بَعْضُهم: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: اذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَناسِكِ، ويَكُونُ المُرادُ مِن هَذا الذِّكْرِ ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الدُّعاءِ بِعَرَفاتٍ والمَشْعَرِ الحَرامِ، والطَّوافِ، والسَّعْيِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ كَقَوْلِ القائِلِ: إذا حَجَجْتَ فَطُفْ وقِفْ بِعَرَفَةَ، ولا يَعْنِي بِهِ الفَراغَ مِنَ الحَجِّ بَلِ الدُّخُولَ فِيهِ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ مُشْعِرٌ بِالفَراغِ والإتْمامِ مِنَ الكُلِّ، وهَذا مُفارِقٌ لِقَوْلِ القائِلِ: إذا حَجَجْتَ فَقِفْ بِعَرَفاتٍ، لِأنَّ مُرادَهُ هُناكَ الدُّخُولُ في الحَجِّ لا الفَراغُ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها إلّا الفَراغَ مِنَ الحَجِّ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”المَناسِكُ“ جَمْعُ مَنسَكٍ، الَّذِي هو المَصْدَرُ بِمَنزِلَةِ النُّسُكِ، أيْ إذا قَضَيْتُمْ عِباداتِكُمُ …

Al-Baqara 2:202Listen in Qur'an →
203

۞ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍۢ مَّعْدُودَٰتٍۢ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

And remember Allah during [specific] numbered days. Then whoever hastens [his departure] in two days - there is no sin upon him; and whoever delays [until the third] - there is no sin upon him - for him who fears Allah. And fear Allah and know that unto Him you will be gathered.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَشْعَرِ الحَرامِ لَمْ يَذْكُرِ الرَّمْيَ لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ كانَ أمْرًا مَشْهُورًا فِيما بَيْنَهم وما كانُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ، إلّا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما فِيهِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ لِأنَّهم كانُوا لا يَفْعَلُونَهُ.

والثّانِي: لَعَلَّهُ إنَّما لَمْ يَذْكُرِ الرَّمْيَ لِأنَّ في الأمْرِ بِذِكْرِ اللَّهِ في هَذِهِ الأيّامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، إذْ كانَ مِن سُنَنِهِ التَّكْبِيرُ عَلى كُلِّ حَصاةٍ

صفحة ١٦٤

مِنها ثُمَّ قالَ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في مَناسِكِ الحَجِّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ والأيّامَ المَعْلُوماتِ فَقالَ هُنا: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ وقالَ في سُورَةِ الحَجِّ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ [الحَجِّ: ٢٨] فَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ المَعْلُوماتِ هي العَشْرُ الأُوَلُ مِن ذِي الحِجَّةِ آخِرُها يَوْمُ النَّحْرِ، وأمّا المَعْدُوداتُ فَثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، وهي أيّامُ التَّشْرِيقِ، واحْتَجَّ عَلى أنَّ المَعْدُوداتِ هي أيّامُ التَّشْرِيقِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأيّامَ المَعْدُوداتِ، والأيّامُ لَفْظُ جَمْعٍ فَيَكُونُ أقَلُّها ثَلاثَةً، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ مِن هَذِهِ الأيّامِ المَعْدُوداتِ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ إنَّما ثَبَتَ في أيّامِ مِنًى، وهي أيّامُ التَّشْرِيقِ، فَعَلِمْنا أنَّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ هي أيّامُ التَّشْرِيقِ، والقَفّالُ أكَدَّ هَذا بِما رَوى في ”تَفْسِيرِهِ“ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعْمانَ الدَّيْلَمِيِّ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ مُنادِيًا فَنادى: ”«الحَجُّ عَرَفَةُ، مَن جاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ، وأيّامُ مِنًى ثَلاثَةُ أيّامٍ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ» “ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ هي أيّامُ التَّشْرِيقِ، قالَ الواحِدِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: أيّامُ التَّشْرِيقِ هي ثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ أوَّلُها: يَوْمُ النَّفْرِ، وهو اليَوْمُ الحادِي عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ يَنْفُرُ النّاسُ فِيهِ بِمِنًى، والثّانِي: يَوْمُ النَّفْرِ الأوَّلُ لِأنَّ بَعْضَ النّاسِ يَنْفُرُونَ في هَذا اليَوْمِ مِن مِنًى، والثّالِثُ: يَوْمُ النَّفْرِ الثّانِي، وهَذِهِ الأيّامُ الثَّلاثَةُ مَعَ يَوْمِ النَّحْرِ كُلُّها أيّامُ النَّحْرِ، وأيّامُ رَمْيِ الجِمارِ في هَذِهِ الأيّامِ الأرْبَعَةِ مَعَ يَوْمِ عَرَفَةَ أيّامُ التَّكْبِيرِ أدْبارَ الصَّلَواتِ عَلى ما سَنَشْرَحُ مَذاهِبَ النّاسِ فِيهِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِالذِّكْرِ في هَذِهِ الأيّامِ: الذِّكْرُ عِنْدَ الجَمَراتِ، فَإنَّهُ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصاةٍ، والذِّكْرُ أدْبارَ الصَّلَواتِ، والنّاسُ أجْمَعُوا عَلى ذَلِكَ، إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في مَواضِعَ:

المَوْضِعُ الأوَّلُ: أجْمَعُتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ التَّكْبِيراتِ المُقَيَّدَةَ بِأدْبارِ الصَّلَواتِ …

Al-Baqara 2:203Listen in Qur'an →
204

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُۥ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ

And of the people is he whose speech pleases you in worldly life, and he calls Allah to witness as to what is in his heart, yet he is the fiercest of opponents.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهو ألَدُّ الخِصامِ﴾ ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهادُ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ مَشاعِرَ الحَجِّ فَرِيقانِ: كافِرٌ وهو الَّذِي يَقُولُ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾ ومُسْلِمٌ وهو الَّذِي يَقُولُ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠١] بَقِيَ المُنافِقُ فَذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وشَرَحَ صِفاتِهِ وأفْعالَهُ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِنَظْمِ الآيَةِ، والغَرَضُ بِكُلِّ ذَلِكَ أنْ يَبْعَثَ العِبادَ عَلى الطَّرِيقَةِ الحَسَنَةِ فِيما يَتَّصِلُ بِأفْعالِ القُلُوبِ والجَوارِحِ، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّ المَعْبُودَ لا يُمْكِنُ إخْفاءُ الأُمُورِ عَنْهُ. ثُمَّ اخْتَلَفَ

صفحة ١٦٨

المُفَسِّرُونَ عَلى قَوْلَيْنِ مِنهم مَن قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِأقْوامٍ مُعَيَّنِينَ ومِنهم مَن قالَ: إنَّها عامَّةٌ في حَقِّ كُلِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ:

فالرِّوايَةُ الأُولى: أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، وهو حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ أقْبَلَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وأظْهَرَ الإسْلامَ، وزَعَمَ أنَّهُ يُحِبُّهُ ويَحْلِفُ بِاللَّهِ عَلى ذَلِكَ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ غَيْرَ أنَّهُ كانَ مُنافِقًا حَسَنَ العَلانِيَةِ خَبِيثَ الباطِنِ، ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَمَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأحْرَقَ الزَّرْعَ وقَتَلَ الحُمُرَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ هو أنَّ الأخْنَسَ أشارَ عَلى بَنِي زُهْرَةَ بِالرُّجُوعِ يَوْمَ بَدْرٍ وقالَ لَهم: إنَّ مُحَمَّدًا ابْنُ أُخْتِكم، فَإنْ يَكُ كاذِبًا كَفاكُمُوهُ سائِرُ النّاسِ، وإنْ يَكُ صادِقًا كُنْتُمْ أسْعَدَ النّاسِ بِهِ قالُوا: نِعْمَ الرَّأْيُ ما رَأيْتَ، قالَ: فَإذا نُودِيَ في النّاسِ بِالرَّحِيلِ فَإنِّي أتَخَنَّسُ بِكم فاتَّبِعُونِي ثُمَّ خَنَسَ بِثَلاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي زُهْرَةَ عَنْ قِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسُمِّيَ لِهَذا السَّبَبِ أخْنَسَ، وكانَ اسْمُهُ أُبَيَّ بْنَ شَرِيقٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأعْجَبَهُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ وذَلِكَ لِأنَّهُ بِهَذا الفِعْلِ لا يَسْتَوْجِبُ الذَّمَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ الذَّمِّ فَلا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ هو الأصَحُّ.

والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضِّحاكِ أنَّ كَفّارَ قُرَيْشٍ بَعَثُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ أنّا قَدْ أسْلَمْنا فابْعَثْ إلَيْنا نَفَرًا مِن عُلَماءِ أصْحابِكَ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ جَماعَةً فَنَزَلُوا بِبَطْنِ الرَّجِيعِ، ووَصَلَ الخَبَرُ إلى الكُفّارِ، فَرَكِبَ مِنهم سَبْعُونَ راكِبًا وأحاطُوا بِهِمْ وقَتَلُوهم وصَلَبُوهم، فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولِذَلِكَ عَقَبَهُ مِن بَعْدُ …

Al-Baqara 2:204Listen in Qur'an →
205

وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ

And when he goes away, he strives throughout the land to cause corruption therein and destroy crops and animals. And Allah does not like corruption.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهو ألَدُّ الخِصامِ﴾ ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهادُ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ مَشاعِرَ الحَجِّ فَرِيقانِ: كافِرٌ وهو الَّذِي يَقُولُ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾ ومُسْلِمٌ وهو الَّذِي يَقُولُ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠١] بَقِيَ المُنافِقُ فَذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وشَرَحَ صِفاتِهِ وأفْعالَهُ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِنَظْمِ الآيَةِ، والغَرَضُ بِكُلِّ ذَلِكَ أنْ يَبْعَثَ العِبادَ عَلى الطَّرِيقَةِ الحَسَنَةِ فِيما يَتَّصِلُ بِأفْعالِ القُلُوبِ والجَوارِحِ، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّ المَعْبُودَ لا يُمْكِنُ إخْفاءُ الأُمُورِ عَنْهُ. ثُمَّ اخْتَلَفَ

صفحة ١٦٨

المُفَسِّرُونَ عَلى قَوْلَيْنِ مِنهم مَن قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِأقْوامٍ مُعَيَّنِينَ ومِنهم مَن قالَ: إنَّها عامَّةٌ في حَقِّ كُلِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ:

فالرِّوايَةُ الأُولى: أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، وهو حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ أقْبَلَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وأظْهَرَ الإسْلامَ، وزَعَمَ أنَّهُ يُحِبُّهُ ويَحْلِفُ بِاللَّهِ عَلى ذَلِكَ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ غَيْرَ أنَّهُ كانَ مُنافِقًا حَسَنَ العَلانِيَةِ خَبِيثَ الباطِنِ، ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَمَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأحْرَقَ الزَّرْعَ وقَتَلَ الحُمُرَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ هو أنَّ الأخْنَسَ أشارَ عَلى بَنِي زُهْرَةَ بِالرُّجُوعِ يَوْمَ بَدْرٍ وقالَ لَهم: إنَّ مُحَمَّدًا ابْنُ أُخْتِكم، فَإنْ يَكُ كاذِبًا كَفاكُمُوهُ سائِرُ النّاسِ، وإنْ يَكُ صادِقًا كُنْتُمْ أسْعَدَ النّاسِ بِهِ قالُوا: نِعْمَ الرَّأْيُ ما رَأيْتَ، قالَ: فَإذا نُودِيَ في النّاسِ بِالرَّحِيلِ فَإنِّي أتَخَنَّسُ بِكم فاتَّبِعُونِي ثُمَّ خَنَسَ بِثَلاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي زُهْرَةَ عَنْ قِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسُمِّيَ لِهَذا السَّبَبِ أخْنَسَ، وكانَ اسْمُهُ أُبَيَّ بْنَ شَرِيقٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأعْجَبَهُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ وذَلِكَ لِأنَّهُ بِهَذا الفِعْلِ لا يَسْتَوْجِبُ الذَّمَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ الذَّمِّ فَلا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ هو الأصَحُّ.

والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضِّحاكِ أنَّ كَفّارَ قُرَيْشٍ بَعَثُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ أنّا قَدْ أسْلَمْنا فابْعَثْ إلَيْنا نَفَرًا مِن عُلَماءِ أصْحابِكَ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ جَماعَةً فَنَزَلُوا بِبَطْنِ الرَّجِيعِ، ووَصَلَ الخَبَرُ إلى الكُفّارِ، فَرَكِبَ مِنهم سَبْعُونَ راكِبًا وأحاطُوا بِهِمْ وقَتَلُوهم وصَلَبُوهم، فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولِذَلِكَ عَقَبَهُ مِن بَعْدُ …

Al-Baqara 2:205Listen in Qur'an →
206

وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُۥ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

And when it is said to him, "Fear Allah," pride in the sin takes hold of him. Sufficient for him is Hellfire, and how wretched is the resting place.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهو ألَدُّ الخِصامِ﴾ ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهادُ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ مَشاعِرَ الحَجِّ فَرِيقانِ: كافِرٌ وهو الَّذِي يَقُولُ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾ ومُسْلِمٌ وهو الَّذِي يَقُولُ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠١] بَقِيَ المُنافِقُ فَذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وشَرَحَ صِفاتِهِ وأفْعالَهُ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِنَظْمِ الآيَةِ، والغَرَضُ بِكُلِّ ذَلِكَ أنْ يَبْعَثَ العِبادَ عَلى الطَّرِيقَةِ الحَسَنَةِ فِيما يَتَّصِلُ بِأفْعالِ القُلُوبِ والجَوارِحِ، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّ المَعْبُودَ لا يُمْكِنُ إخْفاءُ الأُمُورِ عَنْهُ. ثُمَّ اخْتَلَفَ

صفحة ١٦٨

المُفَسِّرُونَ عَلى قَوْلَيْنِ مِنهم مَن قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِأقْوامٍ مُعَيَّنِينَ ومِنهم مَن قالَ: إنَّها عامَّةٌ في حَقِّ كُلِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ:

فالرِّوايَةُ الأُولى: أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، وهو حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ أقْبَلَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وأظْهَرَ الإسْلامَ، وزَعَمَ أنَّهُ يُحِبُّهُ ويَحْلِفُ بِاللَّهِ عَلى ذَلِكَ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ غَيْرَ أنَّهُ كانَ مُنافِقًا حَسَنَ العَلانِيَةِ خَبِيثَ الباطِنِ، ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَمَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأحْرَقَ الزَّرْعَ وقَتَلَ الحُمُرَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ هو أنَّ الأخْنَسَ أشارَ عَلى بَنِي زُهْرَةَ بِالرُّجُوعِ يَوْمَ بَدْرٍ وقالَ لَهم: إنَّ مُحَمَّدًا ابْنُ أُخْتِكم، فَإنْ يَكُ كاذِبًا كَفاكُمُوهُ سائِرُ النّاسِ، وإنْ يَكُ صادِقًا كُنْتُمْ أسْعَدَ النّاسِ بِهِ قالُوا: نِعْمَ الرَّأْيُ ما رَأيْتَ، قالَ: فَإذا نُودِيَ في النّاسِ بِالرَّحِيلِ فَإنِّي أتَخَنَّسُ بِكم فاتَّبِعُونِي ثُمَّ خَنَسَ بِثَلاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي زُهْرَةَ عَنْ قِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسُمِّيَ لِهَذا السَّبَبِ أخْنَسَ، وكانَ اسْمُهُ أُبَيَّ بْنَ شَرِيقٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأعْجَبَهُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ وذَلِكَ لِأنَّهُ بِهَذا الفِعْلِ لا يَسْتَوْجِبُ الذَّمَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ الذَّمِّ فَلا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ هو الأصَحُّ.

والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضِّحاكِ أنَّ كَفّارَ قُرَيْشٍ بَعَثُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ أنّا قَدْ أسْلَمْنا فابْعَثْ إلَيْنا نَفَرًا مِن عُلَماءِ أصْحابِكَ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ جَماعَةً فَنَزَلُوا بِبَطْنِ الرَّجِيعِ، ووَصَلَ الخَبَرُ إلى الكُفّارِ، فَرَكِبَ مِنهم سَبْعُونَ راكِبًا وأحاطُوا بِهِمْ وقَتَلُوهم وصَلَبُوهم، فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولِذَلِكَ عَقَبَهُ مِن بَعْدُ …

Al-Baqara 2:206Listen in Qur'an →
207

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ

And of the people is he who sells himself, seeking means to the approval of Allah. And Allah is kind to [His] servants.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حالَ مَن يَبْذُلُ دِينَهُ لِطَلَبِ الدُّنْيا ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ حالَ مَن يَبْذُلُ دُنْياهُ ونَفْسَهُ ومالَهُ لِطَلَبِ الدِّينِ، فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ النُّزُولِ رِواياتٌ:

أحَدُها: رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في صُهَيْبِ بْنِ سِنانٍ مَوْلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعانَ، وفي عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وفي سُمَيَّةَ أُمِّهِ، وفي ياسِرٍ أبِيهِ، وفي بِلالٍ مَوْلى أبِي

صفحة ١٧٤

بَكْرٍ، وفي خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وفي عابِسٍ مَوْلى حُوَيْطِبٍ أخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ فَعَذَّبُوهم، فَأمّا صُهَيْبٌ فَقالَ لِأهْلِ مَكَّةَ: إنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ، ولِي مالٌ ومَتاعٌ، ولا يَضُرُّكم كُنْتُ مِنكم أوْ مِن عَدْوِّكم تَكَلَّمْتُ بِكَلامٍ، وأنا أكْرَهُ أنْ أنْزِلَ عَنْهُ وأنا أُعْطِيكم مالِي ومَتاعِي وأشْتَرِي مِنكم دِينِي، فَرَضُوا مِنهُ بِذَلِكَ وخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فانْصَرَفَ راجِعًا إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وعِنْدَ دُخُولِ صُهَيْبٍ المَدِينَةَ لَقِيَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ لَهُ: رَبِحَ بَيْعُكَ، فَقالَ لَهُ صُهَيْبٌ: وبَيْعُكَ فَلا يَخْسَرُ ما ذاكَ ؟ فَقالَ: أنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ كَذا، وقَرَأ عَلَيْهِ الآيَةَ، وأمّا خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ وأبُو ذَرٍّ فَقَدْ فَرّا وأتَيا المَدِينَةَ، وأمّا سُمَيَّةُ فَرُبِطَتْ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ ثُمَّ قُتِلَتْ وقُتِلَ ياسِرٌ، وأمّا الباقُونَ فَأعْطَوْا بِسَبَبِ العَذابِ بَعْضَ ما أرادَ المُشْرِكُونَ فَتُرِكُوا، وفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [النَّحْلِ: ٤١] بِتَعْذِيبِ أهْلِ مَكَّةَ ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ [النَّحْلِ: ٤١] بِالنَّصْرِ والغَنِيمَةِ، ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ، وفِيهِمْ نَزَلَ: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ .

والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ أمَرَ بِمَعْرُوفٍ ونَهى عَنْ مُنْكَرٍ، عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ باتَ عَلى فِراشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ خُرُوجِهِ إلى الغارِ، ويُرْوى أنَّهُ لَمّا نامَ عَلى فِراشِهِ قامَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ رَأْسِهِ، ومِيكائِيلُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وجِبْرِيلُ يُنادِي: بَخٍ بَخٍ مَن مِثْلُكَ يا ابْنَ أبِي طالِبٍ يُباهِي اللَّهُ بِكَ المَلائِكَةَ ونَزَلَتِ الآيَةُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذا الشِّراءِ: البَيْعُ، قالَ تَعالى: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يُوسُفَ: ٢٠] أيْ باعُوهُ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ المُكَلَّفَ باعَ نَفْسَهُ بِثَوابِ الآخِرَةِ وهَذا البَيْعُ هو أنَّهُ بَذَلَها في طاعَةِ اللَّهِ، مِنَ الصَّلاةِ والصِّيامِ والحَجِّ والجِهادِ، ثُمَّ تَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى وِجْدانِ ثَوابِ اللَّهِ، كانَ ما يَبْذُلُهُ مِن نَفْسِهِ كالسِّلْعَةِ، وصارَ الباذِلُ كالبائِعِ، واللَّهُ كالمُشْتَرِي، كَما قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١] وقَدْ سَمّى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ تِجارَةً، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ …

Al-Baqara 2:207Listen in Qur'an →
208

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةًۭ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ

O you who have believed, enter into Islam completely [and perfectly] and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ المُنافِقِ أنَّهُ يَسْعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ، أمَرَ المُسْلِمِينَ بِما يُضادُّ ذَلِكَ، وهو المُوافَقَةُ في الإسْلامِ وفي شَرائِعِهِ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ والكِسائِيُّ ”السَّلْمِ“ بِفَتْحِ السِّينِ، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ [الأنْفالِ: ٦١] وقَوْلِهِ: ﴿وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٥] وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ ”السِّلامِ“ بِكَسْرِ السِّينِ في الكُلِّ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ في هَذِهِ، والَّتِي في البَقَرَةِ، والَّتِي في سُورَةِ مُحَمَّدٍ في قَوْلِهِ: ”وتَدْعُوا إلى السِّلْمِ“ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ السِّينِ في هَذِهِ الَّتِي في البَقَرَةِ وحْدَها وبِفَتْحِ السِّينِ في الأنْفالِ، وفي سُورَةِ مُحَمَّدٍ، فَذَهَبَ ذاهِبُونَ إلى أنَّهُما لُغَتانِ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، مِثْلَ: رَطْلٍ ورِطْلٍ، وجَسْرٍ وجِسْرٍ،

صفحة ١٧٦

وقَرَأ الأعْمَشُ بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أصْلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ الِانْقِيادِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣١] والإسْلامُ إنَّما سُمِّيَ إسْلامًا لِهَذا المَعْنى، وغَلُبَ اسْمُ السِّلْمِ عَلى الصُّلْحِ وتَرْكِ الحَرْبِ، وهَذا أيْضًا راجِعٌ إلى هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ عِنْدَ الصُّلْحِ يَنْقادُ كُلُّ واحِدٍ لِصاحِبِهِ ولا يُنازِعُهُ فِيهِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وفِيهِ لُغاتٌ ثَلاثٌ: السِّلْمُ، والسَّلْمُ، والسَّلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ، وهو أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوا السِّلْمَ عَلى الإسْلامِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في الإسْلامِ، والإيمانُ هو الإسْلامُ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، ولِأجْلِ هَذا السُّؤالِ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ وُجُوهًا في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ:

أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ المُنافِقُونَ، والتَّقْدِيرُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمُ ادْخُلُوا بِكُلِّيَّتِكم في الإسْلامِ، ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، أيْ آثارَ تَزْيِينِهِ وغُرُورِهِ في الإقامَةِ عَلى النِّفاقِ، ومَن قالَ بِهَذا التَّأْوِيلِ احْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما ورَدَتْ عَقِيبَ ما مَضى مِن ذِكْرِ المُنافِقِينَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ الآيَةَ. فَلَمّا وصَفَ المُنافِقَ بِما ذَكَرَ دَعا في هَذِهِ الآيَةِ إلى الإيمانِ بِالقَلْبِ وتَرْكِ النِّفاقِ.

وثانِيها: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن مُسْلِمِي أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ وذَلِكَ لِأنَّهم حِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ أقامُوا بَعْدَهُ عَلى تَعْظِيمِ شَرائِعِ مُوسى، فَعَظَّمُوا السَّبْتَ، وكَرِهُوا لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها، وكانُوا يَقُولُونَ: تَرْكُ هَذِهِ الأشْياءِ مُباحٌ في الإسْلامِ، وواجِبٌ في التَّوْراةِ، فَنَحْنُ نَتْرُكُها احْتِياطًا، فَكَرِهَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مِنهم وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً، أيْ في شَرائِعِ الإسْلامِ كافَّةً، ولا يَتَمَسَّكُوا بِشَيْءٍ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ اعْتِقادًا لَهُ وعَمَلًا بِهِ؛ لِأنَّها صارَتْ مَنسُوخَةً ﴿ولا تَتَّبِعُوا …

Al-Baqara 2:208Listen in Qur'an →
209

فَإِن زَلَلْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

But if you deviate after clear proofs have come to you, then know that Allah is Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو السَّمّالِ ”زَلِلْتُمْ“ بِكَسْرِ اللّامِ الأُولى، وهُما لُغَتانِ كَضَلَلْتُ وضَلِلْتُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ: زَلَّ يَزِلُّ زُلُولًا وزِلْزالًا إذا دَحَضَتْ قَدَمُهُ وزَلَّ في الطِّينِ، ويُقالُ لِمَن زَلَّ في حالٍ كانَ عَلَيْها: زَلَّتْ بِهِ الحالُ، ويُسَمّى الذَّنْبُ زَلَّةً، يُرِيدُونَ بِهِ الزَّلَّةَ لِلزَّوالِ عَنِ الواجِبِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ أيْ

صفحة ١٧٩

أخْطَأْتُمُ الحَقَّ وتَعَدَّيْتُمُوهُ، وأمّا سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في السِّلْمِ كافَّةً، فَمَن قالَ في الأوَّلِ: إنَّهُ في المُنافِقِينَ، فَكَذا الثّانِي، ومَن قالَ: إنَّهُ في أهْلِ الكِتابِ فَكَذا الثّانِي، وقِسِ الباقِيَ عَلَيْهِ.

يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ في تَحْرِيمِ السَّبْتِ ولَحْمِ الإبِلِ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ وشَرائِعُهُ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ بِالنِّقْمَةِ ﴿حَكِيمٌ﴾ في كُلِّ أفْعالِهِ، فَعِنْدَ هَذا قالُوا: لَئِنْ شِئْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ لَنَتْرُكَنَّ كُلَّ كِتابٍ غَيْرَ كِتابِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النِّساءِ: ١٣٦] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ فِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّ الحُكْمَ المَشْرُوطَ إنَّما يَحْسُنُ في حَقِّ مَن لا يَكُونُ عارِفًا بِعَواقِبِ الأُمُورِ، وأجابَ قَتادَةُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: قَدْ عَلِمَ أنَّهم سَيَزِلُّونَ، ولَكِنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذَلِكَ وأوْعَدَ فِيهِ لِكَيْ يَكُونَ لَهُ حُجَّةٌ عَلى خَلْقِهِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ يَعْنِي إنِ انْحَرَفْتُمْ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَدْخُلُ في هَذا الكَبائِرُ والصَّغائِرُ، فَإنَّ الِانْحِرافَ كَما يَحْصُلُ بِالكَثِيرِ يَحْصُلُ بِالقَلِيلِ. فَتَوَعَّدَ تَعالى عَلى كُلِّ ذَلِكَ زَجْرًا لَهم عَنِ الزَّوالِ عَنِ المِنهاجِ لِكَيْ يَتَحَرَّزَ المُؤْمِنُ عَنْ قَلِيلِ ذَلِكَ وكَثِيرِهِ لِأنَّ ما كانَ مِن جُمْلَةِ الكَبائِرِ فَلا شَكَّ في وُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنْهُ، وما لَمْ يُعْلَمْ كَوْنُهُ مِنَ الكَبائِرِ فَإنَّهُ لا يُؤْمَنُ كَوْنُ العِقابِ مُسْتَحِقًّا بِهِ، وحِينَئِذٍ يَجِبُ الِاحْتِرازُ عَنْهُ.

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ؛ أمّا الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ فَهي الدَّلائِلُ عَلى الأُمُورِ الَّتِي تُثْبِتُ صِحَّةَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلّا بَعْدَ ثُبُوتِها؛ نَحْوَ العِلْمِ بِحُدُوثِ العالَمِ وافْتِقارِهِ إلى صانِعٍ يَكُونُ عالِمًا بِالمَعْلُوماتِ كُلِّها، قادِرًا عَلى المُمْكِناتِ كُلِّها، غَنِيًّا عَنِ الحاجاتِ كُلِّها، ومِثْلَ العِلْمِ بِالفَرْقِ بَيْنَ المُعْجِزَةِ والسِّحْرِ، والعِلْمِ بِدَلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى الصِّدْقِ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ البَيِّناتِ العَقْلِيَّةِ، وأمّا البَيِّناتُ السَّمْعِيَّةُ فَهي البَيانُ الحاصِلُ بِالقُرْآنِ، والبَيانُ الحاصِلُ بِالسُّنَّةِ، فَكُلُّ هَذِهِ البَيِّناتِ داخِلَةٌ في الآيَةِ مِن حَيْثُ إنَّ عُذْرَ المُكَلَّفِ لا يَزُولُ عِنْدَ حُصُولِ كُلِّ هَذِهِ البَيِّناتِ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ القاضِي: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُؤاخَذَةَ بِالذَّنْبِ لا تَحْصُلُ إلّا بَعْدَ البَيانِ وإزاحَةِ العِلَّةِ، فَإذا عَلَّقَ …

Al-Baqara 2:209Listen in Qur'an →
210

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِى ظُلَلٍۢ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ

Do they await but that Allah should come to them in covers of clouds and the angels [as well] and the matter is [then] decided? And to Allah [all] matters are returned.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ وقُضِيَ الأمْرُ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾

اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: الكَلامُ المُسْتَقْصى في لَفْظِ النَّظَرِ مَذْكُورٌ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القِيامَةِ: ٢٢] وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يَجِيءُ بِمَعْنى الِانْتِظارِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ [النَّمْلِ: ٣٥] فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ هو الِانْتِظارُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أجْمَعَ المُعْتَبِرُونَ مِنَ العُقَلاءِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَجِيءِ والذَّهابِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: ما ثَبَتَ في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ كُلَّ ما يَصِحُّ عَلَيْهِ المَجِيءُ والذَّهابُ لا يَنْفَكُّ عَنِ الحَرَكَةِ

صفحة ١٨١

والسُّكُونِ، وهُما مُحْدَثانِ، وما لا يَنْفَكُّ عَنِ المُحْدَثِ فَهو مُحْدَثٌ، فَيَلْزَمُ أنَّ كُلَّ ما يَصِحُّ عَلَيْهِ المَجِيءُ والذَّهابُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُحْدَثًا مَخْلُوقًا، والإلَهُ القَدِيمُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ.

وثانِيها: أنَّ كُلَّ ما يَصِحُّ عَلَيْهِ الِانْتِقالُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، فَإمّا أنْ يَكُونَ في الصِّغَرِ والحَقارَةِ كالجُزْءِ الَّذِي لا يَتَجَزَّأُ، وذَلِكَ باطِلٌ بِاتِّفاقِ العُقَلاءِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ شَيْئًا كَبِيرًا، فَيَكُونُ أحَدُ جانِبَيْهِ مُغايِرًا لِلْآخَرِ فَيَكُونُ مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ، وكُلُّ ما كانَ مُرَكَّبًا، فَإنَّ ذَلِكَ المُرَكَّبَ يَكُونُ مُفْتَقِرًا في تَحَقُّقِهِ إلى تَحَقُّقِ كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ هو مُفْتَقِرٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ مُفْتَقِرٍ إلى غَيْرِهِ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُمْكِنٍ لِذاتِهِ فَهو مُحْتاجٌ في وُجُودِهِ إلى المُرَجِّحِ والمُوجِدِ، فَكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ مَسْبُوقٌ بِالعَدَمِ، والإلَهُ القَدِيمُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ.

وثالِثُها: أنَّ كُلَّ ما يَصِحُّ عَلَيْهِ الِانْتِقالُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ فَهو مَحْدُودٌ ومُتَناهٍ، فَيَكُونُ مُخْتَصًّا بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ، مَعَ أنَّهُ كانَ يَجُوزُ في العَقْلِ وُقُوعُهُ عَلى مِقْدارٍ أزْيَدَ مِنهُ أوْ أنْقَصَ فاخْتِصاصُهُ بِذَلِكَ القَدْرِ المُعَيَّنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِتَرْجِيحِ مُرَجِّحٍ، وتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ كانَ فِعْلًا لِفاعِلٍ مُخْتارٍ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ، فالإلَهُ القَدِيمُ الأزَلِيُّ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ.

ورابِعُها: أنّا مَتى جَوَّزْنا في الشَّيْءِ الَّذِي يَصِحُّ عَلَيْهِ المَجِيءُ والذَّهابُ أنْ يَكُونَ إلَهًا قَدِيمًا أزَلِيًّا فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُنا أنْ نَحْكُمَ بِنَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وكانَ بَعْضُ الأذْكِياءِ مِن أصْحابِنا يَقُولُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ لا عَيْبَ فِيهِما يَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِإلَهِيَّتِهِما سِوى أنَّهُما جِسْمٌ يَجُوزُ عَلَيْهِ الغَيْبَةُ والحُضُورُ، فَمَن جَوَّزَ المَجِيءَ والذَّهابَ عَلى اللَّهِ تَعالى فَلِمَ لا يَحْكُمُ بِإلَهِيَّةِ الشَّمْسِ، وما الَّذِي أوْجَبَ عَلَيْهِ الحُكْمَ بِإثْباتِ مَوْجُودٍ آخَرَ يَزْعُمُ أنَّهُ إلَهٌ.

وخامِسُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ طَعَنَ في إلَهِيَّةِ الكَواكِبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ …

Al-Baqara 2:210Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.