Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib

Ayahs 11–20 of 286

11

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ

And when it is said to them, "Do not cause corruption on the earth," they say, "We are but reformers."

قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾.

كل النحويين على أن "إذا" ظرف زمان مستقبل.

وقال المبرد: "هي في المفاجأة ظرف مكان إذا قلت: "خرجت فإذا زيد". واستدل على ذلك بأنها قد تضمنت الجثة، وظروف الزمان لا تتضمن الجثة، لو قلت "اليوم زيد" لم يجز إلا على حذف مضاف تقديره : اليوم حدوث زيد.

وقال أكثر النحويين: "إذا": في المفاجأة ظرف زمان على أصلها والتقدير: "خرجت فإذا حدوث زيد وظروف الزمان تتضمن المصادر كظروف المكان.

وأصل "قيل": "قول" فألقيت حركة الواو على القاف وانقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. وكذلك "بِيعْ" أصله "بِيِعَ"، فألقيت حركة الياء على الباء، فصارت ذوات الواو والياء بلفظ واحد، وهي اللغة المشهورة المستعملة. ولك أن تشم القاف والياء بالضم الذي هو أصلها، وقد قرئ به.

ولك في غير القرآن أن تقول: "قُوْل": فتسكن الواو استثقالاً للكسر عليها، وتترك القاف على ضمتها، وكذلك يجوز لك فيما كان عينه ياء، نحو: "بُوع المتاع"، فيصير ذوات الواو والباء بلفظ واحد، كما صار في اللغة الأولى المستعملة بالياء فيهما.

* *

قوله: ﴿لاَ تُفْسِدُواْ﴾.

أي: لا تعبدوا إلا الله، وعبادة غير الله من أعظم الفساد.

وحكى الكسائي "اللَّرض" بتشديد اللام وعوض من الهمزة لاماً، وإدغامها في لام التعريف. وقال الفراء في هذه اللغة: "إن لام التعريف لما ألقي عليها حركة الهمزة استكره ذلك فيها إذ أصلها السكون، فزيد بعدها لام أخرى وأسكن الأولى فردها إلى أصلها وأدغمها في اللام المزيدة، فرجعت لام التعريف إلى أصلها وهو السكون".

* *

قوله: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾.

هذا قولهم على دعواهم وليسوا كذلك، لأن من أبطن الكفر وأظهر الإيمان فهو من أعظم المفسدين. وهذا كله خبر عن المنافقين.

قال مجاهد وغيره: "أربع آيات من أول سورة البقرة نزلت في نعت المؤمنين وآيتان بعد ذلك في نعت الكافرين، [وثلاث عشرة] آية بعد ذلك في نعت المنافقين.

وقال مقاتل بن سليمان: "الآيتان الأوليان من سورة البقرة اللتان آخرهما ﴿يُنْفِقُونَ﴾ نزلتا في المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ المهاجرين. والآيتان اللتان آخرهما ﴿ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ نزلتا في المؤمنين من أهل التوراة، والآيتان اللتان بعدهما، اللتان آخرهما ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ نزلتا في الكفار. [وثلاث عشرة] آية بعدهما نزلن في المنافقين من أهل الكتاب".

* *

قوله: ﴿نَحْنُ﴾.

هو اسم مضمر يقع للواحد الجليل القدر، وللاثنين وللجماعة. وحقه البناء على السكون لأنه مضمر، والمضمرات كلها مبنية؛ وإنما بنيت لأنها مشابهة للحروف، إذ لا تخص شيئاً بعينه، ولأنها تكون على حرف واحد، وحرف واحد لا يعرب. وإنما حرك "نحن" وحقه السكون لأن قبل آخره ساكن يحرك الآخر لالتقاء الساكنين. واختير لها الضم في قول المبرد لأنها مشبهة بِـ "قَبْلُ" و "بَعْدُ"، وذلك لأنها تتعلق بالإخبار عن اثنين فأكثر.

وقال هشام الكوفي: "أصل "نَحْنُ": نَحُن، فردت حركة الحاء على النون بعدها".

وقال أحمد بن يحيى: "ضمت "نحن" لقوتها لأنها تضمنت التثنية [والجمع]، وقد تكون للواحد فأعطيت أقوى الحركات وهي الضم".

وقيل: إنما ضمت لتضمنها تثنية وجمعاً، فصارت مشبهة بـ "حيث" لانها تضمنت مكائن.

وقال الزجاج: "لما كانت الواو من علامات الجماعة واحتيج إلى حركة النون من "نحن" لسكونها وسكون ما قبلها، حركت بما يشبه الواو وما هو منها، وهي الضمة. ولهذا ضموا واو الجمع إذا احتاجوا إلى حركتها في نحو قوله: ﴿ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ﴾ [البقرة: ١٦].

وقال علي بن سليمان: "نحن" من علامات المضمر المرفوع فلما احتيج إلى حركته حركوه بأخت الرفع وهو الضم".

ومعنى قولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ أي هذا الذي تسمونه فساداً هو صلاح عندنا.

وقيل: إن معناه: [أنهم قالوا]: نريد الإصلاح بين المؤمنين وأهل الكتاب.

وعن سلمان الفارسي أنه قال: "لم يجىء هؤلاء بعد".

وأكثر …

Al-Baqara 2:11Listen in Qur'an →
12

أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ

Unquestionably, it is they who are the corrupters, but they perceive [it] not.

قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾.

كل النحويين على أن "إذا" ظرف زمان مستقبل.

وقال المبرد: "هي في المفاجأة ظرف مكان إذا قلت: "خرجت فإذا زيد". واستدل على ذلك بأنها قد تضمنت الجثة، وظروف الزمان لا تتضمن الجثة، لو قلت "اليوم زيد" لم يجز إلا على حذف مضاف تقديره : اليوم حدوث زيد.

وقال أكثر النحويين: "إذا": في المفاجأة ظرف زمان على أصلها والتقدير: "خرجت فإذا حدوث زيد وظروف الزمان تتضمن المصادر كظروف المكان.

وأصل "قيل": "قول" فألقيت حركة الواو على القاف وانقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. وكذلك "بِيعْ" أصله "بِيِعَ"، فألقيت حركة الياء على الباء، فصارت ذوات الواو والياء بلفظ واحد، وهي اللغة المشهورة المستعملة. ولك أن تشم القاف والياء بالضم الذي هو أصلها، وقد قرئ به.

ولك في غير القرآن أن تقول: "قُوْل": فتسكن الواو استثقالاً للكسر عليها، وتترك القاف على ضمتها، وكذلك يجوز لك فيما كان عينه ياء، نحو: "بُوع المتاع"، فيصير ذوات الواو والباء بلفظ واحد، كما صار في اللغة الأولى المستعملة بالياء فيهما.

* *

قوله: ﴿لاَ تُفْسِدُواْ﴾.

أي: لا تعبدوا إلا الله، وعبادة غير الله من أعظم الفساد.

وحكى الكسائي "اللَّرض" بتشديد اللام وعوض من الهمزة لاماً، وإدغامها في لام التعريف. وقال الفراء في هذه اللغة: "إن لام التعريف لما ألقي عليها حركة الهمزة استكره ذلك فيها إذ أصلها السكون، فزيد بعدها لام أخرى وأسكن الأولى فردها إلى أصلها وأدغمها في اللام المزيدة، فرجعت لام التعريف إلى أصلها وهو السكون".

* *

قوله: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾.

هذا قولهم على دعواهم وليسوا كذلك، لأن من أبطن الكفر وأظهر الإيمان فهو من أعظم المفسدين. وهذا كله خبر عن المنافقين.

قال مجاهد وغيره: "أربع آيات من أول سورة البقرة نزلت في نعت المؤمنين وآيتان بعد ذلك في نعت الكافرين، [وثلاث عشرة] آية بعد ذلك في نعت المنافقين.

وقال مقاتل بن سليمان: "الآيتان الأوليان من سورة البقرة اللتان آخرهما ﴿يُنْفِقُونَ﴾ نزلتا في المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ المهاجرين. والآيتان اللتان آخرهما ﴿ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ نزلتا في المؤمنين من أهل التوراة، والآيتان اللتان بعدهما، اللتان آخرهما ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ نزلتا في الكفار. [وثلاث عشرة] آية بعدهما نزلن في المنافقين من أهل الكتاب".

* *

قوله: ﴿نَحْنُ﴾.

هو اسم مضمر يقع للواحد الجليل القدر، وللاثنين وللجماعة. وحقه البناء على السكون لأنه مضمر، والمضمرات كلها مبنية؛ وإنما بنيت لأنها مشابهة للحروف، إذ لا تخص شيئاً بعينه، ولأنها تكون على حرف واحد، وحرف واحد لا يعرب. وإنما حرك "نحن" وحقه السكون لأن قبل آخره ساكن يحرك الآخر لالتقاء الساكنين. واختير لها الضم في قول المبرد لأنها مشبهة بِـ "قَبْلُ" و "بَعْدُ"، وذلك لأنها تتعلق بالإخبار عن اثنين فأكثر.

وقال هشام الكوفي: "أصل "نَحْنُ": نَحُن، فردت حركة الحاء على النون بعدها".

وقال أحمد بن يحيى: "ضمت "نحن" لقوتها لأنها تضمنت التثنية [والجمع]، وقد تكون للواحد فأعطيت أقوى الحركات وهي الضم".

وقيل: إنما ضمت لتضمنها تثنية وجمعاً، فصارت مشبهة بـ "حيث" لانها تضمنت مكائن.

وقال الزجاج: "لما كانت الواو من علامات الجماعة واحتيج إلى حركة النون من "نحن" لسكونها وسكون ما قبلها، حركت بما يشبه الواو وما هو منها، وهي الضمة. ولهذا ضموا واو الجمع إذا احتاجوا إلى حركتها في نحو قوله: ﴿ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ﴾ [البقرة: ١٦].

وقال علي بن سليمان: "نحن" من علامات المضمر المرفوع فلما احتيج إلى حركته حركوه بأخت الرفع وهو الضم".

ومعنى قولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ أي هذا الذي تسمونه فساداً هو صلاح عندنا.

وقيل: إن معناه: [أنهم قالوا]: نريد الإصلاح بين المؤمنين وأهل الكتاب.

وعن سلمان الفارسي أنه قال: "لم يجىء هؤلاء بعد".

وأكثر …

Al-Baqara 2:12Listen in Qur'an →
13

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ۗ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ

And when it is said to them, "Believe as the people have believed," they say, "Should we believe as the foolish have believed?" Unquestionably, it is they who are the foolish, but they know [it] not.

قوله: ﴿كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ﴾.

أصل السفه قلة الحلم، فقيل للجاهل سفيه لقلة حلمه يقال: ثوب سفيه، أي بال رقيق.

قول: ﴿أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ﴾.

ردَّ الله عليهم قولهم وأعلم المؤمنين أنهم أحق بهذا الاسم، ولا عذر لهم فيما وصفهم الله به من السفه لأنهم إنما لحقهم ذلك إذ عَابوا الحق وخالفوه، وسفهوا المؤمنين واستحقوا هذا الاسم لفعلهم، وكانوا به أولى من المؤمنين.

* *

قوله: ﴿وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾.

معناه [أنهم لا يعلمون] أنهم أولى بهذا الاسم وهو السفه، وأن الله يطلع المؤمنين على ما يبطنون.

Al-Baqara 2:13Listen in Qur'an →
14

وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ

And when they meet those who believe, they say, "We believe"; but when they are alone with their evil ones, they say, "Indeed, we are with you; we were only mockers."

قوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ الآية.

أصل "لَقُوا": "لقيُوا"، فألقيت حركة الياء على القاف، وحذفت الياء لسكونها وسكون الواو بعدها. [وهذه] صفة المنافقين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر.

* *

قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ﴾.

يعني أصحابهم، وقيل: رؤساؤهم في الكفر قال الله: ﴿شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ﴾ [الأنعام: ١١٢] فسمى أهل الفسق من الإنس شياطين.

وقيل: الشياطين هنا الكهان.

وقيل: هم الكفار والمنافقون إذا لقوهم قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أي على دينكم.

و "إلى" بمعنى "مع"، كما قال: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، أي مع أموالكم.

وقيل: إلى على بابها.

[والعرب] تقول: "خلوت به"، و "خلوت إليه ومعه"، لكن الباء يجوز أن تدل على أن معنى "خلوت به" من السخرية و "إلى" لا تدل إلا على "خلوت إليه" في أمر ما. والآية ليست على معنى السخرية، فلذلك لم يأت بالباء لما فيها من الإشكال إذ هي تحتمل معنى "إلى"، وتحتمل السخرية. وأيضاً فإن معنى "إلى" أنه على معنى: [وإذا صرفوا] إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم، أي على دينكم [فالجالب لِـ إلى"] الانصراف الذي دل عليه الكلام، والباء لا تدخل مع الانصراف الذي دل عليه الكلام، فلذلك أيضاً لم تدخل مع "خلوا".

وفي اشتقاق "شيطان" قولان:

- قيل: هو فعلان من "شيط" فلا ينصرف إذا سميت به في المعرفة للتعريف والزيادتين كعثمان، وينصرف في النكرة، وذلك المستعمل فيه في الكلام والقرآن. أعني النكرة على أنه واحد من جنسه كَسِرْحَان اسم واحد "الذِّئَاب".

- وقيل: هو (فَيْعَال) من الشطن وهو الحبل، فيكون معناه أنه ممتد في الشر، ومنه "بِئْر شَطُونٌ"، إذا كانت بعيدة الاستقاء. وهو عند القتبي فَيْعال "من شطن" أي بَعُدَ من الخير يقال: "شطنت داره"، أي بعدت.

فهو ينصرف على هذين القولين في المعرفة والنكرة. وتصغيره على القول الأول في المعرفة شيطان، ولا يجمع على شياطين إلا أن تجعله نكرة فيجمع على شياطين. "كسرحان، وسراحين، ووزنه فعالين على مذهب من جعله مِنْ "شَيَّطَ" ووزنه (فياعيل) على مذهب من جعله من "شطن" وتصغيره على القولين الآخرين "شييطين" في المعرفة والنكرة.

* *

قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾.

أي نستهزئ بالمؤمنين في قولنا لهم: "آمنا". وهمزة "مستهزئون" يجوز في تخفيفها وجهان: أحدهما: أن تجعلها بين الهمزة المضمومة والواو الساكنة، وهو قول سيبويه.

والوجه الثاني: أن تجعلها بين الهمزة المضمومة والياء الساكنة لأجل انكسار ما قبلها وهو قول الأخفش. وحكى بدلها بياء مضمومة وليس بقياس.

Al-Baqara 2:14Listen in Qur'an →
15

ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

[But] Allah mocks them and prolongs them in their transgression [while] they wander blindly.

قوله: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾.

معناه: الله يجازيهم على قولهم. والعرب تسمي جزاء الذنب باسمه. قال الله جل ذكره: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وقال: ﴿فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].

فالأول من هذا استهزاء وسيئة، وعدوان، والثاني: جزاء عليه، فسمي باسمه اتساعاً لأن المعنى قد علم.

وقيل: معنى ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾: أي يقطع عنهم نورهم يوم القيامة إذا أخلوا على الصراط [ويديم نور] المؤمنين وهو قوله: ﴿فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣]، فهو يعطيهم يوم القيامة نوراً لا يتم لهم، ولا ينتفعون به لانقطاعه عنهم.

وقال الحسن: "إن جهنم تجمد كما تجمد الإهالة في القدر، فيقال لهم: هذا طريق، فيمضون فيه فيخسف بهم إلى الدرك الأسفل من النار.

وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: "يقال لأهل النار يوم القيامة: أخرجوا من النار. وتفتح لهم أبواب النار فإذا رأوا الأبواب قد فتحت أقبلوا إليها، يريدون الخروج منها، والمؤمنون ينظرون إليهم من الجنة - وهم على الأرائك - فإذا انتهى أهل النار إلى أبوابها يريدون الخروج منها غلقت [أبوابها دونهم]، فذلك قوله: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾، قال: ويضحك المؤمنون عند ذلك، وهو قوله: ﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤].

وقيل: معنى: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ أي يظهر لهم من أحكامه في الدنيا في حقن دمائهم وسلامة أموالهم خلاف ما يظهر لهم من عذابه يوم القيامة جزاء على إظهارهم للمؤمنين في الدنيا خلاف ما يبطنون.

وقيل: معناه: يُمْلي لهم، كما قال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤].

قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.

أي يطيل لهم في الأجل المكتوب لهم، وهم في طغيانهم يتحيرون. والطغيان والعتو والعلو بغير الحق، والعمه التحير.

وقيل: معنى ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يركبون رؤوسهم، فلا يبصرون رشدهم كما قال: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ﴾ [الملك: ٢٢] وهذا كله من صفات المنافقين عند أكثر المفسرين.

وقال الضحاك: "هو في اليهود".

Al-Baqara 2:15Listen in Qur'an →
16

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ

Those are the ones who have purchased error [in exchange] for guidance, so their transaction has brought no profit, nor were they guided.

قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾ الآية.

أي هؤلاء الذين تقدمت صفاتهم هم الذين باعوا الهدى بالضلالة لأنهم لَمَّا مَالُوا إلى الضلالة وتركوا الهدى، كانوا بمنزلة من باع شيئاً بشيء، فوصفوا بذلك.

وأصل الضلالة الحيرة، ويسمى الهالك التالف ضالاً نحو قوله: ﴿أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] أي هلكنا وتلفنا. ومنه قوله: ﴿أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ﴾ [محمد: ١]، أي أتلفها وأهلكها وأبطلها. ومنه قوله: ﴿فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤] أي لن يبطلها ويتلفها ويهلكها.

فكأن هؤلاء لما أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى كانوا بمنزلة من لم يربح في تجارته، وأضاف الربح إلى التجارة لأن المعنى مفهوم وهو من اتساع العرب ومجازه. وهو كثير في القرآن أي في كتاب الله، إذ هو من كلام العرب، والقرآن نزل بكلامهم فلا ينكر أن يأتي القرآن بما هو في كلام العرب معروف مشهور إلا من عدم حسه وفارق فطنته، ومثله قولهم: "نَهَارُكَ صَائِمٌ وَلَيْلُكَ قَائِمٌ"، ومنه قوله: ﴿بَلْ مَكْرُ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]. وهو كثير في الكلام والقرآن.

وحركت الواو في "اشْتَرُوا" لسكونها، وسكون لام التعريف بعدها، وكان الضم أولى بها لأنها واو جمع، ولأن الضمة عليها أخف من الكسرة، ولأن لام الفعل المحذوفة قبلها كانت مضمومة. وأصله "اشتريوا" فقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وحذفت الألف لسكونها وسكون الواو بعدها. وبقيت الفتحة تدل على الألف، ولم ترد الألف عند حركة الواو لأن حركتها عارضة ليست بلازمة.

ويجوز في الواو الكسر والفتح. ويجوز الهمز، وهو بعيد جداً.

* *

وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾.

أي لم يكونوا في علم الله السابق ممن يهتدي فيؤثر الهدى على الضلالة.

Al-Baqara 2:16Listen in Qur'an →
17

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًۭا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَٰتٍۢ لَّا يُبْصِرُونَ

Their example is that of one who kindled a fire, but when it illuminated what was around him, Allah took away their light and left them in darkness [so] they could not see.

قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ الآية.

معناه مثل هؤلاء المنافقين في حقنهم دماءهم بما أظهروا من الإيمان وَسِتْرِهم على غير ذلك، كمثل الذي استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله، ذهب الله بنورهم. فضياء ما حولهم هو ما حقن إقرارهم من دمائهم ومنع من أموالهم في الدنيا.

* *

وقوله: ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾.

هو ما يجدون يوم القيامة من عدم نورهم لأنهم لا ينتفعون بما أظهروا من الإيمان إذ كان باطنهم خلاف [ما أظهروا].

* *

وقوله: ﴿ٱسْتَوْقَدَ نَاراً﴾. أي استوقدها من غيره.

وقيل: معناه: أوقد، أي أوقدها هو.

واستفعل في كلام العرب يأتي على وجهين:

- يكون بمعنى استدعى الفعل من غيره نحو قوله: ﴿وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠]. أي استدعى أن يسقوا.

- ويكون بمعنى فعل، نحو قوله: ﴿وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ﴾ [التغابن: ٦] فلم يستدع غني من واحد، وبعده: ﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ﴾ [التغابن: ٦] يدل على ذلك.

و "ما" في قوله: ﴿أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ في موضع نصب بِـ "أَضَاءَتْ".

وقيل: هي زائدة لا موضع لها من الإعراب. والمعنى: "فلما أضاءت النار، الموضع الذي بحوله. "فما" غير زائدة.

قال قتادة: "هي لا إله إلا الله، قالوها بأفواههم فَسَلِمُوا بها من القتل حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم".

قال مجاهد: "هو إقبالهم على المؤمنين والهدى. وذهاب النور، هو إقبالهم على الكفار.

وقيل: ذهب الله بنورهم، أي أظهر المؤمنين على ما أبطنوا من الكفر والنفاق.

فبعد أن كان لهم عند المؤمنين نور بما أظهروا من الإيمان صاروا لا نور لهم عندهم، لما أعلمهم به من سوء ما أبطنوا.

والقول الأول عليه أكثر المفسرين؛ أن ذهاب نورهم إنما يكون يوم القيامة وهو الذي ذكره الله في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣].

والهاء والميم تعود على "الذي" لأنه بمعنى "الذين كما قال: ﴿وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]. وفي هذا اختلاف ستراه في موضعه إن شاء الله.

ومنه قول الشاعر:

؎ إنَّ الَّذي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ ∗∗∗ هُمُ الْقَوْمُ كُلَّ الْقَوْمِ يَا وأُمَّ خَالِدِ

وقيل: تعود على المنافقين المتقدمي الذكر.

وجواب "لما" محذوف تقديره: فلما أضاءت ما حوله طفئت، ذهب الله بنورهم.

* *

قوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ﴾.

هذا تمثيل للكفر الذي هم فيه يسيرون.

وقيل: هو شيء يكون في الآخرة، وهو قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣].

فظلمات جمع ظلمة، ويجوز إسكان اللام من "ظلمات" استخفافاً، ومن العرب من يبدل من الضمة فتحة، فيقول ظُلَمَات.

وقال الكسائي: "من قال: ظُلَمَات بفتح اللام فهو جمع "ظُلَم"، و "ظُلَم" جمع "ظُلْمَة". ولا يجوز الفتح في مثل هذا في الحرف الثاني مما لامه واو ونحو خطوات. إنما يجوز الإسكان لا غير. فإن كان اللام ياء لم يجز فيه إلا الإسكان نحو [كُلْيَةٍ وَكُلْيَاتٍ].

Al-Baqara 2:17Listen in Qur'an →
18

صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ

Deaf, dumb and blind - so they will not return [to the right path].

قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾.

أي هم صم عن الحق وسماعه، وهم بكم عن قول الإيمان وهم عمي عن النظر إلى الآيات الدالات على الإيمان بالله ورسوله. وإنما وصفوا بذلك، ولم يكونوا صماً ولا بكماً وعمياً، لأنهم لَمَّا لم ينتفعوا بهذه الجوارح كانوا بمنزلة من عُدِمها، فلم ينتفع بها.

* *

وقوله: ﴿فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ أي لا يرجعون عن ضلالتهم.

Al-Baqara 2:18Listen in Qur'an →
19

أَوْ كَصَيِّبٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٌۭ وَرَعْدٌۭ وَبَرْقٌۭ يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ۚ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَٰفِرِينَ

Or [it is] like a rainstorm from the sky within which is darkness, thunder and lightning. They put their fingers in their ears against the thunderclaps in dread of death. But Allah is encompassing of the disbelievers.

قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ الآية.

الصَّيِّب: المطر، وأصله "صَيْوِبٌ" عند البصريين من "صابَ "يَصُوبُ"، والصَّوْبُ: نزول المطر. يقال: "صَابَ المطر" إذا نزل.

وقال الكوفيون: "أصله صَوِيب على فعيلٍ كَرَغِيفٍ، ويلزمهم ألا يعلوه كما لم يعلوا "طويلاً". واعتل عند البصريين لأن الياء إذا أسكنت وأتت بعدها واو، قلب من الواو ياء وأدغمت الأولى في الثانية "كَمَيِّتٍ" و "هَيِّنٍ".

وقيل: الصَّيِب: السحاب الذي فيه المطر، لا المطر، روي عن ابن عباس.

ومعنى: صاب: نزل وقصد. والمعنى أن الله جل ذكره أباح للمؤمنين أن يمثلوا المنافقين بالذي استوقد ناراً أو بالصيب. و "أو" للإباحة. وجمع "صيب": صيائب.

والرعد: مختلف فيه، فقال مجاهد: "هو ملك يزجر السحاب بصوته، فالمسموع صوته".

وقال شهر بن حوشب: "الرعد ملك يتوكل بالسحاب يسوقه كما يسوق الحادي الإبل يسبح كلما خالفت سحابة صاح بها، فإذا اشتد غضبه، طارت النار من فيه فهي الصواعق".

وقال ابن عباس: "الرعد ريح"، قيل: إنها تختنق تحت السحاب، فتتصاعد فيكون منه ذلك الصوت.

وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: "الرعد اسم ملك، وصوته هذا تسبيحه، فإذا اشتد زجره بالسحاب، اضطرم السحاب من خوفه فيحتك، فتخرج الصواعق من بينه".

ومعنى الآية عند ابن عباس أنه مثل ضربه الله في المنافقين، فالظلمات ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل على ما أبطنوا.

ومعنى: ﴿يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ﴾ أي يكاد الحق الذي دعوا إليه فخالفوه أن يهلكهم.

* *

وقوله: ﴿مُحِيطٌ بِٱلْكَٰفِرِينَ﴾ أي جامعهم بقوة.

Al-Baqara 2:19Listen in Qur'an →
20

يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ ۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

The lightning almost snatches away their sight. Every time it lights [the way] for them, they walk therein; but when darkness comes over them, they stand [still]. And if Allah had willed, He could have taken away their hearing and their sight. Indeed, Allah is over all things competent.

قوله: ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ﴾.

هو مثل لما أظهروا من الإيمان الذي حقن دماءهم ومنع من أموالهم. ﴿وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾: أي ثبتوا على ما أبطنوا من كفرهم.

وقال ابن مسعود: "كان رجلان من المنافقين هربا من النبي ﷺ إلى المشركين فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله، واشتد عليهم البرق والصواعق وأيقنا بالهلاك، فقالا: ليتنا قد أصبحنا فنأتي محمداً ﷺ، نضع بأيدينا في يده، فأصبحا فأتياه، وحسن إسلامَهُما. فضرب الله شأنهما وما نزل بهما مثلاً للمنافقين الذين كانوا بالمدينة. وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي ﷺ جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقاً مما ينزل على النبي ﷺ فيهم من نفي أو قتل كما فعل الرجلان خوفاً من صوت الصواعق".

ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٤].

وعن ابن مسعود أيضاً في الآية أن قوله: ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ﴾ معناه: إذا كثرت أموالهم وغنموا ودامت سلامتهم قالوا: إن دين محمد ﷺ دين صدق وتمادوا على إظهار الإيمان وهو قوله: ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ﴾ أي تمادَوْا على حالهم، فإذا أحربوا وهلكت أموالهم، قالوا: هذا من أجل دين محمد ﷺ، وهو قوله: ﴿وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾ أي رجعوا إلى كفرهم ونفاقهم.

وقال الحسن: "معنى المثل الأول في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ أنه تعالى مثل المنافقين كمثل رجل يمشي في ليلة مظلمة وفي يده شعلة من نار فهو يبصر بها موضع قدميه، فبينا هو كذلك أحوج ما كان إلى الضياء طُفئت ناره فلم يبصر كيف يمشي. وإن المنافق تكلم بـ "لا إله إلا الله" فناكح بها المسلمين وحقن دمه وأحرز ماله. فلما كان عند الموت والحاجة إليها سلبه الله إياها إذ لم تكن حقيقة، فبقي لا شيء معه كما بقي ذلك الرجل في ظلمة لا ضوء معه".

وقيل: هي مثل في اليهود إذ في كتابهم ذكر محمد [عليه السلام] وصفته، فرأوه وعلموه فلم ينفعهم ذلك وكفروا به على علم منهم أنه نبي حق".

وعلى أن الأمثال ضربها الله في المنافقين أكثر أهل التفسير.

قال الربيع بن أنس: معنى ذلك مثلهم كمثل قوم صاروا في ليلة مظلمة فيها رعد ومطر وبرق على جادة ظلماء، فإذا [أبرق أبصروا] ومشوا، وإذا أظلم تحيروا وشكوا في الجادة. وكذلك المنافق؛ إذا تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له الأمر، وإذا شك تحيَّر وانتكس فصار في ظلمة من أمره".

* *

قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ﴾ الآية.

خص الله جل ذكره ذكر السمع والبصر [لتقدم ذكرهما] قبل ذلك، ووحَّد السمع لأنه مصدر يدل على القليل والكثير من جنسه.

وقيل: معنى الآية: "لو شاء الله لأطلع نبيه ﷺ على نفاقهم وكفرهم فيستحلَّ دماءهم وأموالهم وأولادهم، وفيه تهديد ووعيد.

واختلف في البرق؛ فروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "هو مخاريق الملائكة".

وعنه أنه قال: "يحدث من ضرب الملك السحاب بمخراق من حديد"

وقال "الرعد صوت الملك".

وعن ابن عباس: "أن البرق سوط من نور يزجي به الملك السحاب" يريد أن البرق نور السوط إذا ضرب به.

وقال مجاهد: "البرق مصع الملك" والمصع الضرب، والمصاع عند العرب المجالدة بالسيوف والمخاريق السياط، واحدها مخراق وهو السوط.

وروى مجاهد عن ابن عباس "أن البرق ملك يتراءى".

وفي يَخْطَفُ "أوجه وقراءات أفصحها "يخطف" بفتح الطاء مخففاً. ولغة أخرى بكسر الطاء مخففاً، وبه قرأ علي بن الحسين وابن وثاب، فدل ذلك على أنه يقال: خَطَفَ، يَخْطَفُ، وَخَطِفَ يَخْطِف لغتان فيه.

- ووجه ثالث: قرأ به الحسين وقتادة وعاصم الجحدري وهو كسر الخاء والطاء والتشديد، وأصله، "يَخِطِّفُ"، فأدغم التاء في الطاء بعد أن أسكنها وكسر الخاء لالتقاء الساكنين.

- ووجه رابع: وهو فتح الخاء وكسر الطاء مشدداً وأصله أيضاً "يَخْتَطِفُ"، ثم …

Al-Baqara 2:20Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.