Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 11–20 of 286

11

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ

And when it is said to them, "Do not cause corruption on the earth," they say, "We are but reformers."

﴿وَإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿يَكْذِبُونَ﴾ أوْ (يَقُولُ) . وما رُوِيَ عَنْ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أهْلَ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَأْتُوا بَعْدَ فَلَعَلَّهُ أرادَ بِهِ أنَّ أهْلَها لَيْسَ الَّذِينَ كانُوا فَقَطْ، بَلْ وسَيَكُونُ مِن بَعْدُ مَن حالُهُ حالُهم لِأنَّ الآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها بِالضَّمِيرِ الَّذِي فِيها. والفَسادُ: خُرُوجُ الشَّيْءِ عَنِ الِاعْتِدالِ. والصَّلاحُ ضِدُّهُ وكِلاهُما يَعُمّانِ كُلَّ ضارٍّ ونافِعٍ.

وَكانَ مِن فَسادِهِمْ في الأرْضِ هَيْجُ الحُرُوبِ والفِتَنِ بِمُخادَعَةِ المُسْلِمِينَ، ومُمالَأةِ الكُفّارِ عَلَيْهِمْ بِإفْشاءِ الأسْرارِ إلَيْهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى فَسادِ ما في الأرْضِ مِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والحَرْثِ.

وَمِنهُ إظْهارُ المَعاصِي والإهانَةُ بِالدِّينِ فَإنَّ الإخْلالَ بِالشَّرائِعِ والإعْراضَ عَنْها مِمّا يُوجِبُ الهَرَجَ والمَرَجَ ويُخِلُّ بِنِظامِ العالَمِ. والقائِلُ هو اللَّهُ تَعالى، أوِ الرَّسُولُ ﷺ، أوْ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الكِسائِيُّ وهِشامٌ (قُيْلَ) بِإشْمامِ الضَّمِّ الأوَّلِ.

﴿قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ جَوابٌ لِ (إذا) رَدٌّ لِلنّاصِحِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لا يَصِحُّ مُخاطَبَتُنا بِذَلِكَ، فَإنَّ شَأْنَنا لَيْسَ إلّا الإصْلاحَ، وإنَّ حالَنا مُتَمَحِّضَةٌ عَنْ شَوائِبِ الفَسادِ، لِأنَّ (إنَّما) تُفِيدُ قَصْرَ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ عَلى ما بَعْدَهُ. مِثْلَ: إنَّما زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، وإنَّما يَنْطَلِقُ زَيْدٌ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ: لِأنَّهم تَصَوَّرُوا الفَسادَ بِصُورَةِ الصَّلاحِ لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ المَرَضِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ .

Al-Baqara 2:11Listen in Qur'an →
12

أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ

Unquestionably, it is they who are the corrupters, but they perceive [it] not.

﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ رَدٌّ لِما ادَّعَوْهُ أبْلَغَ رَدٍّ لِلِاسْتِئْنافِ بِهِ وتَصْدِيرِهُ بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ:

(ألا) المُنَبِّهَةُ عَلى تَحْقِيقِ ما بَعْدَها، فَإنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ الَّتِي لِلْإنْكارِ إذا دَخَلَتْ عَلى النَّفْيِ أفادَتْ تَحْقِيقًا، ونَظِيرُهُ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ﴾، ولِذَلِكَ لا تَكادُ تَقَعُ الجُمْلَةُ بَعْدَها إلّا مُصَدَّرَةً بِما يُتَلَقّى بِهِ القَسَمُ، وأُخْتُها أمّا الَّتِي هي مِن طَلائِعِ القَسَمِ: وإنَّ المُقَرِّرَةَ لِلنِّسْبَةِ، وتَعْرِيفُ الخَبَرِ وتَوْسِيطُ الفَصْلِ لِرَدِّ ما في قَوْلِهِمْ ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ مِنَ التَّعْرِيضِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والِاسْتِدْراكِ بِ ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ .

Al-Baqara 2:12Listen in Qur'an →
13

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ۗ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ

And when it is said to them, "Believe as the people have believed," they say, "Should we believe as the foolish have believed?" Unquestionably, it is they who are the foolish, but they know [it] not.

﴿وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا﴾ مِن تَمامِ النُّصْحِ والإرْشادِ فَإنَّ كَمالَ الإيمانِ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ: الإعْراضِ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو المَقْصُودُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُفْسِدُوا﴾، والإتْيانِ بِما يَنْبَغِي وهو المَطْلُوبُ بِقَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا﴾ .

﴿كَما آمَنَ النّاسُ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ كافَّةٌ مِثْلُها في رُبَّما، واللّامُ في النّاسِ لِلْجِنْسِ والمُرادُ بِهِ الكامِلُونَ في الإنْسانِيَّةِ العامِلُونَ بِقَضِيَّةِ العَقْلِ، فَإنَّ اسْمَ الجِنْسِ كَما يُسْتَعْمَلُ لِمُسَمّاهُ مُطْلَقًا يُسْتَعْمَلُ لِما يَسْتَجْمِعُ المَعانِيَ المَخْصُوصَةَ بِهِ والمَقْصُودَةَ مِنهُ، ولِذَلِكَ يُسْلَبُ عَنْ غَيْرِهِ فَيُقالُ: زَيْدٌ لَيْسَ بِإنْسانٍ، ومِن هَذا البابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ونَحْوُهُ وقَدْ جَمَعَهُما الشّاعِرُ في قَوْلِهِ:

؎ إذِ النّاسُ ناسٌ والزَّمانُ زَمانُ

أوْ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ ومَن مَعَهُ. أوْ مَن آمَنَ مِن أهْلِ جِلْدَتِهِمْ كابْنِ سَلامِ وأصْحابِهِ، والمَعْنى آمَنُوا إيمانًا مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ مُتَمَحِّضًا عَنْ شَوائِبِ النِّفاقِ مُماثِلًا لِإيمانِهِمْ، واسْتَدَلَّ بِهِ عَلى قَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ وأنَّ الإقْرارَ بِاللِّسانِ إيمانٌ وإنْ لَمْ يُفِدِ التَّقْيِيدَ.

﴿قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإنْكارِ، واللّامُ مُشارٌ بِها إلى النّاسِ، أوِ الجِنْسِ بِأسْرِهِ وهم مُنْدَرِجُونَ فِيهِ عَلى زَعْمِهِمْ، وإنَّما سَفَّهُوهم لِاعْتِقادِهِمْ فَسادَ رَأْيِهِمْ، أوْ لِتَحْقِيرِ شَأْنِهِمْ، فَإنَّ أكْثَرَ المُؤْمِنِينَ كانُوا فُقَراءَ ومِنهم مَوالِي: كَصُهَيْبٍ وبِلالٍ، أوْ لِلتَّجَلُّدِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِمَن آمَنُ مِنهم إنْ فُسِّرَ النّاسُ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأشْياعِهِ. والسَّفَهُ: خِفَّةٌ وسَخافَةُ رَأْيٍ يَقْتَضِيهِما نُقْصانُ العَقْلِ، والحِلْمُ يُقابِلُهُ.

﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ رَدٌّ ومُبالَغَةٌ في تَجْهِيلِهِمْ، فَإنَّ الجاهِلَ بِجَهْلِهِ الجازِمِ عَلى خِلافِ ما هو الواقِعُ أعْظَمُ ضَلالَةً وأتَمُّ جَهالَةً مِنَ المُتَوَقِّفِ المُعْتَرِفِ بِجَهْلِهِ، فَإنَّهُ رُبَّما يُعْذَرُ وتَنْفَعُهُ الآياتُ والنُّذُرُ، وإنَّما فُصِّلَتِ الآيَةُ بِ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ والَّتِي قَبْلَها بِ ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ لِأنَّهُ أكْثَرُ طِباقًا لِذِكْرِ السَّفَهِ، ولِأنَّ الوُقُوفَ عَلى أمْرِ الدِّينِ والتَّمْيِيزَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مِمّا يَفْتَقِرُ إلى نَظَرٍ وفِكْرٍ. وأمّا النِّفاقُ وما فِيهِ مِنَ الفِتَنِ والفَسادِ فَإنَّما يُدْرَكُ بِأدْنى تَفَطُّنٍ وتَأمُّلٍ فِيما يُشاهَدُ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.

Al-Baqara 2:13Listen in Qur'an →
14

وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ

And when they meet those who believe, they say, "We believe"; but when they are alone with their evil ones, they say, "Indeed, we are with you; we were only mockers."

﴿وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ بَيانٌ لِمُعامَلَتِهِمُ المُؤْمِنِينَ والكُفّارَ، وما صُدِّرَتْ بِهِ القِصَّةُ فَمَساقُهُ لِبَيانِ مَذْهَبِهِمْ وتَمْهِيدِ نِفاقِهِمْ فَلَيْسَ بِتَكْرِيرٍ.

رُوِيَ أنَّ ابْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ اسْتَقْبَلَهم نَفَرٌ مِنَ الصَّحابَةِ، فَقالَ لِقَوْمِهِ: انْظُرُوا كَيْفَ أرُدُّ هَؤُلاءِ السُّفَهاءَ عَنْكُمْ، فَأخَذَ بِيَدِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: مَرْحَبًا بِالصِّدِّيقِ سَيِّدِ بَنِي تَيْمٍ، وشَيْخِ الإسْلامِ وثانِي رَسُولِ اللَّهِ في الغارِ الباذِلِ نَفْسَهُ ومالَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: مَرْحَبًا بِسَيِّدِ بَنِي عَدِيٍّ الفارُوقِ القَوِيِّ في دِينِهِ، الباذِلِ نَفْسَهُ ومالَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: مَرْحَبًا يا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وخَتَنَهُ سَيِّدَ بَنِي هاشِمٍ، ما خَلا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَنَزَلَتْ.

واللِّقاءُ المُصادَفَةُ يُقالُ لَقِيتُهُ ولاقَيْتُهُ، إذا صادَفْتَهُ واسْتَقْبَلْتَهُ، ومِنهُ ألْقَيْتُهُ إذا طَرَحْتَهُ فَإنَّكَ بِطَرْحِهِ جَعَلْتَهُ بِحَيْثُ يُلْقى.

﴿وَإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ﴾ مِن خَلَوْتُ بِفُلانٍ وإلَيْهِ إذا انْفَرَدْتَ مَعَهُ. أوْ مِن خَلاكَ ذَمٌّ أيْ عَداكَ ومَضى عَنْكَ، ومِنهُ القُرُونُ الخالِيَةُ. أوْ مِن خَلَوْتُ بِهِ إذا سَخِرَتْ مِنهُ، وعُدِّيَ بِإلى لِتَضَمُّنِ مَعْنى الإنْهاءِ، والمُرادُ بِشَياطِينِهِمُ الَّذِينَ ماثَلُوا الشَّيْطانَ في تَمَرُّدِهِمْ، وهُمُ المُظْهِرُونَ كُفْرَهُمْ، وإضافَتُهم إلَيْهِمْ لِلْمُشارَكَةِ في الكُفْرِ. أوْ كِبارُ المُنافِقِينَ والقائِلُونَ صَغارَهم. وجَعَلَ سِيبَوَيْهِ نُونَهُ تارَةً أصْلِيَّةً عَلى أنَّهُ مِن شَطَنَ إذا بَعُدَ فَإنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ الصَّلاحِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُمْ: تَشَيْطَنَ. وأُخْرى زائِدَةٌ عَلى أنَّهُ مِن شاطَ إذا بَطَلَ، ومِن أسْمائِهِ الباطِلُ.

﴿قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ أيْ في الدِّينِ والِاعْتِقادِ، خاطَبُوا المُؤْمِنِينَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، والشَّياطِينَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُؤَكَّدَةِ بِإنَّ لِأنَّهم قَصَدُوا بِالأُولى دَعْوى إحْداثِ الإيمانِ، وبِالثّانِيَةِ تَحْقِيقَ ثَباتِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ، ولِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم باعِثٌ مِن عَقِيدَةٍ وصِدْقِ رَغْبَةٍ فِيما خاطَبُوا بِهِ المُؤْمِنِينَ، ولا تُوُقِّعَ رَواجُ ادِّعاءِ الكَمالِ في الإيمانِ عَلى المُؤْمِنِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ بِخِلافِ ما قالُوهُ مَعَ الكُفّارِ.

﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، لِأنَّ المُسْتَهْزِئَ بِالشَّيْءِ المُسْتَخِفَّ بِهِ مُصِرٌّ عَلى خِلافِهِ. أوْ بَدَلٌ مِنهُ لِأنَّ مَن حَقَّرَ الإسْلامَ فَقَدْ عَظَّمَ الكُفْرَ. أوِ اسْتِئْنافٌ فَكَأنَّ الشَّياطِينَ قالُوا لَهم لَمّا ﴿قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ إنْ صَحَّ ذَلِكَ فَما بالُكم تُوافِقُونَ المُؤْمِنِينَ وتَدَّعُونَ الإيمانَ، فَأجابُوا بِذَلِكَ. والِاسْتِهْزاءُ السُّخْرِيَةُ والِاسْتِخْفافُ يُقالُ: هَزِئْتُ واسْتَهْزَأْتُ بِمَعْنًى كَأجَبْتُ واسْتَجَبْتُ، وأصْلُهُ الخِفَّةُ مِنَ الهَزْءِ وهو القَتْلُ السَّرِيعُ يُقالُ: هَزَأ فُلانٌ إذا ماتَ عَلى مَكانِهِ، وناقَتُهُ تَهْزَأُ بِهِ أيْ تُسْرِعُ وتَخَفُّ.

Al-Baqara 2:14Listen in Qur'an →
15

ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

[But] Allah mocks them and prolongs them in their transgression [while] they wander blindly.

﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ يُجازِيهِمْ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ، سُمِّيَ جَزاءُ الِاسْتِهْزاءِ بِاسْمِهِ كَما سُمِّيَ جَزاءُ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةً، إمّا لِمُقابَلَةِ اللَّفْظِ بِاللَّفْظِ، أوْ لِكَوْنِهِ مُماثِلًا لَهُ في القَدْرِ، أوْ يُرْجِعُ وبالَ الِاسْتِهْزاءِ عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ كالمُسْتَهْزِئِ بِهِمْ، أوْ يُنْزِلُ بِهِمُ الحَقارَةَ والهَوانَ الَّذِي هو لازِمُ الِاسْتِهْزاءِ، أوِ الغَرَضُ مِنهُ، أوْ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُسْتَهْزِئِ: أمّا في الدُّنْيا فَبِإجْراءِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، واسْتِدْراجِهِمْ بِالإمْهالِ والزِّيادَةِ في النِّعْمَةِ عَلى التَّمادِي في الطُّغْيانِ، وأمّا في الآخِرَةِ: فَبِأنْ يَفْتَحَ لَهم وهم في النّارِ بابًا إلى الجَنَّةِ فَيُسْرِعُونَ نَحْوَهُ، فَإذا صارُوا إلَيْهِ سُدَّ عَلَيْهِمُ البابُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ وإنَّما اسْتُؤْنِفَ بِهِ ولَمْ يُعْطَفْ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى تَوَلّى مُجازاتَهُمْ، ولَمْ يُحْوِجِ المُؤْمِنِينَ إلى أنْ يُعارِضُوهُمْ، وأنَّ اسْتِهْزاءَهم لا يُؤْبَهُ بِهِ في مُقابَلَةِ ما يَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ ولَعَلَّهُ لَمْ يَقُلِ: اللَّهُ مُسْتَهْزِئٌ بِهِمْ لِيُطابِقَ قَوْلَهُمْ، إيماءً بِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ يَحْدُثُ حالًا فَحالًا ويَتَجَدَّدُ حِينًا بَعْدَ حِينٍ، وهَكَذا كانَتْ نِكاياتُ اللَّهِ فِيهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ .

﴿وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ مِن مَدَّ الجَيْشُ وأمَدَّهُ إذا زادَهُ وقَوّاهُ، ومِنهُ مَدَدْتُ السِّراجَ والأرْضَ إذا اسْتَصْلَحْتَهُما بِالزَّيْتِ والسَّمادِ، لا مِنَ المَدِّ في العُمْرِ فَإنَّهُ يُعَدّى بِاللّامِ كَأمْلى لَهُ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ . والمُعْتَزِلَةُ لَمّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ إجْراءُ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ قالُوا: لَمّا مَنَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى ألْطافَهُ الَّتِي يَمْنَحُها المُؤْمِنِينَ وخَذَلَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وإصْرارِهِمْ، وسَدِّهِمْ طُرُقَ التَّوْفِيقِ عَلى أنْفُسِهِمْ فَتَزايَدَتْ بِسَبَبِهِ قُلُوبُهم رَيْنًا وظُلْمَةً، تَزايُدَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ انْشِراحًا ونُورًا، وأمْكَنَ الشَّيْطانُ مِن إغْوائِهِمْ فَزادَهم طُغْيانًا، أُسْنِدَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى إسْنادَ الفِعْلِ إلى المُسَبِّبِ مَجازًا، وأضافَ الطُّغْيانَ إلَيْهِمْ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ إسْنادَ الفِعْلِ إلَيْهِ عَلى الحَقِيقَةِ، ومِصْداقُ ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أسْنَدَ المَدَّ إلى الشَّياطِينِ أطْلَقَ الغَيَّ وقالَ: ﴿وَإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ . أوْ أصْلُهُ يَمُدُّ لَهم بِمَعْنى يُمْلِي لَهم ويَمُدُّ في أعْمارِهِمْ كَيْ يَتَنَبَّهُوا ويُطِيعُوا، فَما زادُوا إلّا طُغْيانًا وعَمَهًا، فَحُذِفَتِ اللّامُ وعَدّى الفِعْلَ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ . أوِ التَّقْدِيرُ يَمُدُّهُمُ اسْتِصْلاحًا، وهم مَعَ ذَلِكَ يَعْمَهُونَ في طُغْيانِهِمْ. والطُّغْيانُ بِالضَّمِّ والكَسْرِ كَلُقْيانٍ، والطُّغْيانُ: تَجاوُزُ الحَدِّ في العُتُوِّ، والغُلُوُّ في الكُفْرِ، وأصْلُهُ تَجاوُزُ الشَّيْءِ عَنْ مَكانِهِ قالَ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكُمْ﴾ . والعَمَهُ في البَصِيرَةِ كالعَمى في البَصَرِ، وهُوَ: التَّحَيُّرُ في الأمْرِ يُقالُ: رَجُلٌ عامِهٌ وعَمِهٌ، وأرْضٌ عَمْهاءُ لا مَنارَ بِها، قالَ:

أعْمى الهُدى بِالجاهِلِينَ العُمَّهِ

Al-Baqara 2:15Listen in Qur'an →
16

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ

Those are the ones who have purchased error [in exchange] for guidance, so their transaction has brought no profit, nor were they guided.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ اخْتارُوها عَلَيْهِ واسْتَبْدَلُوها بِهِ، وأصْلُهُ بَذْلُ الثَّمَنِ لِتَحْصِيلِ ما يُطْلَبُ مِنَ الأعْيانِ، فَإنْ كانَ أحَدُ العِوَضَيْنِ ناضًّا تَعَيَّنَ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَطْلُبُ لِعَيْنِهِ أنْ يَكُونَ ثَمَنًا وبَذْلُهُ اشْتِراءٌ، وإلّا فَأيُّ العِوَضَيْنِ تَصَوَّرْتَهُ بِصُورَةِ الثَّمَنِ فَباذِلُهُ مُشْتَرٍ وآخِذُهُ بائِعٌ، ولِذَلِكَ عُدَّتِ الكَلِمَتانِ مِنَ الأضْدادِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْإعْراضِ عَمّا في يَدِهِ مُحَصِّلًا بِهِ غَيْرَهُ، سَواءٌ كانَ مِنَ المَعانِي أوِ الأعْيانِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ أخَذْتُ بِالجُمْلَةِ رَأْسًا أزْعَرا... وبِالثَّنايا الواضِحاتِ الدَّرْدَرا

؎ وبِالطَّوِيلِ العُمْرِ عُمْرًا جَيْدَرا... ∗∗∗ كَما اشْتَرى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرا

ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ لِلرَّغْبَةِ عَنِ الشَّيْءِ طَمَعًا في غَيْرِهِ، والمَعْنى أنَّهم أخَلُّوا بِالهُدى الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهم بِالفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها مُحَصِّلِينَ الضَّلالَةَ الَّتِي ذَهَبُوا إلَيْها. أوِ اخْتارُوا الضَّلالَةَ واسْتَحَبُّوها عَلى الهُدى. ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ . تَرْشِيحٌ لِلْمَجازِ، لَمّا اسْتَعْمَلَ الِاشْتِراءَ في مُعامَلَتِهِمْ أتْبَعَهُ ما يُشاكِلُهُ تَمْثِيلًا لِخَسارَتِهِمْ، ونَحْوُهُ:

؎ ولَمّا رَأيْتُ النَّسْرَ عَزَّ ابْنَ دَأْيَةٍ... ∗∗∗ وعَشَّشَ في وكْرَيْهِ جاشَ لَهُ صَدْرِي

والتِّجارَةُ: طَلَبُ الرِّبْحِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ. والرِّبْحُ: الفَضْلُ عَلى رَأْسِ المالِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ شَفًّا، وإسْنادَهُ إلى التِّجارَةِ وهو لِأرْبابِها عَلى الِاتِّساعِ لِتَلَبُّسِها بِالفاعِلِ، أوْ لِمُشابَهَتِها إيّاهُ مِن حَيْثُ إنَّها سَبَبُ الرِّبْحِ والخُسْرانِ.

﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ لِطُرُقِ التِّجارَةِ، فَإنَّ المَقْصُودَ مِنها سَلامَةُ رَأْسِ المالِ والرِّبْحِ، وهَؤُلاءِ قَدْ أضاعُوا الطِّلْبَتَيْنِ لِأنَّ رَأْسَ مالِهِمْ كانَ الفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ، والعَقْلَ الصِّرْفَ، فَلَمّا اعْتَقَدُوا هَذِهِ الضَّلالاتِ بَطَلَ اسْتِعْدادُهُمْ، واخْتَلَّ عَقْلُهم ولَمْ يَبْقَ لَهم رَأْسُ مالٍ يَتَوَسَّلُونَ بِهِ إلى دَرَكِ الحَقِّ، ونَيْلِ الكَمالِ، فَبَقُوا خاسِرِينَ آيِسِينَ مِنَ الرِّبْحِ فاقِدِينَ لِلْأصْلِ.

Al-Baqara 2:16Listen in Qur'an →
17

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًۭا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَٰتٍۢ لَّا يُبْصِرُونَ

Their example is that of one who kindled a fire, but when it illuminated what was around him, Allah took away their light and left them in darkness [so] they could not see.

﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ لَمّا جاءَ بِحَقِيقَةِ حالِهِمْ عَقَّبَها بِضَرْبِ المَثَلِ زِيادَةً في التَّوْضِيحِ والتَّقْرِيرِ، فَإنَّهُ أوْقَعُ في القَلْبِ وأقْمَعُ لِلْخَصْمِ الألَدِّ، لِأنَّهُ يُرِيكَ المُتَخَيَّلَ مُحَقَّقًا والمَعْقُولَ مَحْسُوسًا، ولِأمْرٍ ما أكْثَرَ اللَّهُ في كُتُبِهِ الأمْثالَ، وفَشَتْ في كَلامِ الأنْبِياءِ والحُكَماءِ. والمِثْلُ في الأصْلِ بِمَعْنى النَّظِيرِ يُقالُ: مَثَلٌ ومِثْلٌ ومَثِيلٌ كَشَبَهٍ وشِبْهٍ وشَبِيهٍ، ثُمَّ قِيلَ لِلْقَوْلِ السّائِرِ المُمَثَّلِ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ، ولا يُضْرَبُ إلّا ما فِيهِ غَرابَةٌ، ولِذَلِكَ حُوفِظَ عَلَيْهِ مِنَ التَّغْيِيرِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ حالٍ أوْ قِصَّةٍ أوْ صِفَةٍ لَها شَأْنٌ وفِيها غَرابَةٌ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ .

والمَعْنى حالُهُمُ العَجِيبَةُ الشَّأْنِ كَحالِ مَنِ اسْتَوْقَدَ نارًا، والَّذِي: بِمَعْنى الَّذِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ إنْ جُعِلَ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ في بِنُورِهِمْ، وإنَّما جازَ ذَلِكَ ولَمْ يَجُزْ وضْعُ القائِمِ مَوْضِعَ القائِمِينَ لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالوَصْفِ، بَلِ الجُمْلَةُ الَّتِي هي صِلَتُهُ وهو وصْلَةٌ إلى وصْفِ المَعْرِفَةِ بِها لِأنَّهُ لَيْسَ بِاسْمٍ تامٍّ بَلْ هو كالجُزْءِ مِنهُ، فَحَقُّهُ أنَّهُ لا يُجْمَعُ كَما لا تُجْمَعُ أخَواتُها، ويَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ ولَيْسَ الَّذِينَ جَمْعَهُ المُصَحَّحَ، بَلْ ذُو زِيادَةٍ زِيدَتْ لِزِيادَةِ المَعْنى ولِذَلِكَ جاءَ بِالياءِ أبَدًا عَلى اللُّغَةِ الفَصِيحَةِ الَّتِي عَلَيْها التَّنْزِيلُ، ولِكَوْنِهِ مُسْتَطالًا بِصِلَتِهِ اسْتَحَقَّ التَّخْفِيفَ، ولِذَلِكَ بُولِغَ فِيهِ فَحُذِفَ ياؤُهُ ثُمَّ كَسَرْتَهُ ثُمَّ اقْتَصَرَ عَلى اللّامِ في أسْماءِ الفاعِلِينَ والمَفْعُولِينَ، أوْ قُصِدَ بِهِ جِنْسُ المُسْتَوْقِدِينَ، أوِ الفَوْجُ الَّذِي اسْتَوْقَدَ. والِاسْتِيقادُ: طَلَبُ الوَقُودِ والسَّعْيُ في تَحْصِيلِهِ، وهو سُطُوعُ النّارِ وارْتِفاعُ لَهَبِها. واشْتِقاقُ النّارِ مِن: نارَ يَنُورُ نَوْرًا إذا نَفَرَ لِأنَّ فِيها حَرَكَةً واضْطِرابًا.

﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ أيِ: النّارُ، ما حَوْلَ المُسْتَوْقِدِ إنْ جَعَلْتَها مُتَعَدِّيَةً، وإلّا أمْكَنَ أنْ تَكُونَ مُسْنَدَةً إلى ما، والتَّأْنِيثُ لِأنَّ ما حَوْلَهُ أشْياءُ وأماكِنُ أوْ إلى ضَمِيرِ النّارِ، وما: مَوْصُولَةٌ في مَعْنى الأمْكِنَةِ، نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، أوْ مَزِيدَةٌ، وحَوْلَهُ ظَرْفٌ وتَأْلِيفُ الحَوْلِ لِلدَّوَرانِ. وقِيلَ لِلْعامِ حَوْلٌ لِأنَّهُ يَدُورُ.

﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ جَوابُ لَمّا، والضَّمِيرُ لِلَّذِي، وجَمَعَهُ لِلْحَمْلِ عَلى المَعْنى، وعَلى هَذا إنَّما قالَ: ﴿بِنُورِهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: بِنارِهِمْ لِأنَّهُ المُرادُ مِن إيقادِها. أوِ اسْتِئْنافٌ أُجِيبَ بِهِ اعْتِراضُ سائِلٍ يَقُولُ: ما بالُهم شُبِّهَتْ حالُهم بِحالِ مُسْتَوْقِدٍ انْطَفَأتْ نارُهُ؟ أوْ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ التَّمْثِيلِ عَلى سَبِيلِ البَيانِ. والضَّمِيرُ عَلى الوَجْهَيْنِ لِلْمُنافِقِينَ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ لِلْإيجازِ وأمْنِ الِالتِباسِ. وإسْنادُ الذَّهابِ إلى اللَّهِ تَعالى إمّا لِأنَّ الكُلَّ بِفِعْلِهِ، أوْ لِأنَّ الإطْفاءَ حَصَلَ بِسَبَبٍ خَفِيٍّ، أوْ أمْرٍ سَماوِيٍّ كَرِيحٍ أوْ مَطَرٍ، أوْ لِلْمُبالَغَةِ ولِذَلِكَ عَدّى الفِعْلَ بِالباءِ دُونَ الهَمْزَةِ لِما فِيها مِن مَعْنى الِاسْتِصْحابِ والِاسْتِمْساكِ، يُقالُ: ذَهَبَ …

Al-Baqara 2:17Listen in Qur'an →
18

صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ

Deaf, dumb and blind - so they will not return [to the right path].

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ لَمّا سَدُّوا مَسامِعَهم عَنِ الإصاخَةِ إلى الحَقِّ وأبَوْا أنْ يُنْطِقُوا بِهِ ألْسِنَتَهم ويَتَبَصَّرُوا الآياتِ بِأبْصارِهِمْ، جُعِلُوا كَأنَّما أيِفَتْ مَشاعِرُهم وانْتَفَتْ قُواهم كَقَوْلِهِ:

؎ صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ... وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا

وَكَقَوْلِهِ:

؎ أصَمُّ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا أُرِيدُهُ... ∗∗∗ وأسْمَعُ خَلْقِ اللَّهِ حِينَ أُرِيدُ

وَإطْلاقُها عَلَيْهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ لا الِاسْتِعارَةِ إذْ مِن شَرْطِها أنْ يُطْوى ذِكْرُ المُسْتَعارِ لَهُ، بِحَيْثُ يُمْكِنُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى المُسْتَعارِ مِنهُ لَوْلا القَرِينَةُ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ:

؎ لَدى أسَدٍ شاكِي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ... ∗∗∗ لَهُ لِبَدٌ أظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ

وَمَن ثَمَّ تَرى المُفْلِقِينَ السَّحَرَةَ يَضْرِبُونَ عَنْ تَوَهُّمٍ التَّشْبِيهَ صَفْحًا كَما قالَ أبُو تَمّامٍ الطّائِيُّ:

؎ ويَصْعَدُ حَتّى يَظُنَّ الجَهُولُ... ∗∗∗ بِأنَّ لَهُ حاجَةً في السَّماءِ

وَهاهُنا وإنْ طَوىَ ذِكْرَهُ بِحَذْفِ المُبْتَدَأِ لَكِنَّهُ في حُكْمِ المَنطُوقِ بِهِ، ونَظِيرُهُ:

؎ أُسَدٌ عَلِيَّ وفي الحُرُوبِ نَعامَةٌ... ∗∗∗ فَتْخاءُ تَنْفِرُ مِن صَفِيرِ الصّافِرِ

هَذا إذا جَعَلْتَ الضَّمِيرَ لِلْمُنافِقِينَ عَلى أنَّ الآيَةَ فَذْلَكَةُ التَّمْثِيلِ ونَتِيجَتُهُ، وإنْ جَعَلْتَهُ لِلْمُسْتَوْقِدِينَ فَهي عَلى حَقِيقَتِها. والمَعْنى: أنَّهم لَمّا أوْقَدُوا نارًا فَذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ، وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ هائِلَةٍ أدْهَشَتْهم بِحَيْثُ اخْتَلَّتْ حَواسُّهم وانْتَقَصَتْ قُواهم. وثَلاثَتُها قُرِئَتْ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ تَرَكَهم. والصَّمَمُ: أصْلُهُ صَلابَةٌ مِنِ اكْتِنازِ الأجْزاءِ، ومِنهُ قِيلَ حَجَرٌ أصَمُّ وقَناةٌ صَمّاءُ، وصِمامُ القارُورَةِ، سُمِّيَ بِهِ فِقْدانُ حاسَّةِ السَّمْعِ لِأنَّ سَبَبَهُ أنْ يَكُونَ باطِنُ الصِّماخِ مُكْتَنِزًا لا تَجْوِيفَ فِيهِ، فَيَشْتَمِلُ عَلى هَواءٍ يُسْمِعُ الصَّوْتَ بِتَمَوُّجِهِ. والبَكَمُ الخَرَسُ. والعَمى: عَدَمُ البَصَرِ عَمّا مِن شَأْنِهِ أنْ يُبْصَرَ وقَدْ يُقالُ لِعَدَمِ البَصِيرَةِ.

﴿فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ لا يَعُودُونَ إلى الهُدى الَّذِي باعُوهُ وضَيَّعُوهُ. أوْ عَنِ الضَّلالَةِ الَّتِي اشْتَرَوْها، أوْ فَهم مُتَحَيِّرُونَ لا يَدْرُونَ أيَتَقَدَّمُونَ أمْ يَتَأخَّرُونَ، وإلى حَيْثُ ابْتَدَءُوا مِنهُ كَيْفَ يَرْجِعُونَ. والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اتِّصافَهم بِالأحْكامِ السّابِقَةِ سَبَبٌ لِتَحَيُّرِهِمْ واحْتِباسِهِمْ.

Al-Baqara 2:18Listen in Qur'an →
19

أَوْ كَصَيِّبٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٌۭ وَرَعْدٌۭ وَبَرْقٌۭ يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ۚ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَٰفِرِينَ

Or [it is] like a rainstorm from the sky within which is darkness, thunder and lightning. They put their fingers in their ears against the thunderclaps in dread of death. But Allah is encompassing of the disbelievers.

﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ عَطْفٌ عَلى الَّذِي اسْتَوْقَدَ أيْ: كَمَثَلِ ذَوِي صَيِّبٍ لِقَوْلِهِ: ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ و (أوْ) في الأصْلِ لِلتَّساوِي في الشَّكِّ، ثُمَّ اتَّسَعَ فِيها فَأُطْلِقَتْ لِلتَّساوِي مِن غَيْرِ شَكٍّ مِثْلَ:

جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ . فَإنَّها تُفِيدُ التَّساوِيَ في حُسْنِ المُجالَسَةِ ووُجُوبِ العِصْيانِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ﴾ ومَعْناهُ أنَّ قِصَّةَ المُنافِقِينَ مُشَبَّهَةٌ بِهاتَيْنِ القِصَّتَيْنِ، وأنَّهُما سَواءٌ في صِحَّةِ التَّشْبِيهِ بِهِما، وأنْتِ مُخَيَّرٌ في التَّمْثِيلِ بِهِما أوْ بِأيِّهِما شِئْتَ. والصَّيِّبُ: فَيْعَلٌ مِنَ الصَّوْبِ، وهو النُّزُولُ، يُقالُ لِلْمَطَرِ ولِلسَّحابِ. قالَ الشَّمّاخُ:

؎ وأسْحَمَ دانٍ صادِقِ الرَّعْدِ صَيَّبِ

وَفِي الآيَةِ يَحْتَمِلُهُما، وتَنْكِيرُهُ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ نَوْعٌ مِنَ المَطَرِ شَدِيدٌ. وتَعْرِيفُ السَّماءِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الغَمامَ مُطْبِقٌ آخِذٌ بِآفاقِ السَّماءِ كُلِّها فَإنَّ كُلَّ أُفُقٍ مِنها يُسَمّى سَماءً كَما أنَّ كُلَّ طَبَقَةٍ مِنها سَماءٌ، وقالَ:

؎ ومِن بَعْدِ أرْضٍ بَيْنَنا وسَماءِ

أمَدَّ بِهِ ما في الصَّيِّبِ مِنَ المُبالَغَةِ مِن جِهَةِ الأصْلِ والبِناءِ والتَّنْكِيرِ، وقِيلَ المُرادُ بِالسَّماءِ السَّحابُ فاللّامُ لِتَعْرِيفِ الماهِيَّةِ.

﴿فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ﴾ إنْ أُرِيدَ بِالصَّيِّبِ المَطَرُ، فَظُلُماتُهُ ظُلْمَةُ تَكاثُفِهِ بِتَتابُعِ القَطْرِ، وظُلْمَةُ غَمامِهِ مَعَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وجَعَلَهُ مَكانًا لِلرَّعْدِ والبَرْقِ لِأنَّهُما في أعْلاهُ ومُنْحَدَرِهِ مُلْتَبِسَيْنِ بِهِ. وإنْ أُرِيدَ بِهِ السَّحابُ، فَظُلُماتُهُ سُحْمَتُهُ وتَطْبِيقُهُ مَعَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وارْتِفاعُها بِالظَّرْفِ وِفاقًا لِأنَّهُ مُعْتَمِدٌ عَلى مَوْصُوفٍ. والرَّعْدُ: صَوْتٌ يُسْمَعُ مِنَ السَّحابِ. والمَشْهُورُ أنَّ سَبَبَهُ اضْطِرابُ أجْرامِ السَّحابِ واصْطِكاكُها إذا حَدَتْها الرِّيحُ مِنَ الِارْتِعادِ. والبَرْقُ ما يَلْمَعُ مِنَ السَّحابِ، مِن بَرَقَ الشَّيْءُ بَرِيقًا، وكِلاهُما مَصْدَرٌ في الأصْلِ ولِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعا.

﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ لِأصْحابِ الصَّيِّبِ وهو وإنْ حُذِفَ لَفْظُهُ وأُقِيمَ الصَّيِّبُ مَقامَهَ لَكِنَّ مَعْناهُ باقٍ، فَيَجُوزُ أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ كَما عَوَّلَ حَسّانُ في قَوْلِهِ:

؎ يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمُ... ∗∗∗ بَرَدى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ

حَيْثُ ذَكَرَ الضَّمِيرَ لِأنَّ المَعْنى ماءٌ بَرَدى، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ فَكَأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ما يُؤْذِنُ بِالشِّدَّةِ والهَوْلِ قِيلَ:

فَكَيْفَ حالُهم مَعَ مِثْلِ ذَلِكَ؟ فَأُجِيبَ بِها، وإنَّما أطْلَقَ الأصابِعَ مَوْضِعَ الأنامِلِ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿مِنَ الصَّواعِقِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَجْعَلُونَ أيْ مِن أجْلِها يَجْعَلُونَ، كَقَوْلِهِمْ سَقاهُ مِنَ الغَيْمَةِ. والصّاعِقَةُ قَصْفَةُ رَعْدٍ هائِلٍ مَعَها نارٌ لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ إلّا أتَتْ عَلَيْهِ، مِنَ الصَّعْقِ وهو شِدَّةُ الصَّوْتِ، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى كُلِّ هائِلٍ مَسْمُوعٍ أوْ مُشاهَدٍ، يُقالُ صَعَقَتْهُ الصّاعِقَةُ إذا أهْلَكَتْهُ بِالإحْراقِ أوْ شِدَّةِ الصَّوْتِ، وقُرِئَ مِنَ « الصَّواقِعِ» وهو لَيْسَ بِقَلْبِ ﴿مِنَ الصَّواعِقِ﴾ لِاسْتِواءِ كِلا البِناءَيْنِ في التَّصَرُّفِ يُقالُ: صَقَعَ الدِّيكُ، وخَطِيبٌ مِصْقَعٌ، وصَقَعَتْهُ الصّاقِعَةُ، وهي في الأصْلِ إمّا صِفَةٌ لِقَصْفَةِ الرَّعْدِ، أوْ لِلرَّعْدِ. والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَما في …

Al-Baqara 2:19Listen in Qur'an →
20

يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ ۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

The lightning almost snatches away their sight. Every time it lights [the way] for them, they walk therein; but when darkness comes over them, they stand [still]. And if Allah had willed, He could have taken away their hearing and their sight. Indeed, Allah is over all things competent.

﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ ثانٍ كَأنَّهُ جَوابٌ لِمَن يَقُولُ: ما حالُهم مَعَ تِلْكَ الصَّواعِقِ؟ وكادَ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ، وُضِعَتْ لِمُقارَبَةِ الخَبَرِ مِنَ الوُجُودِ لِعُرُوضِ سَبَبِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ، إمّا لِفَقْدِ شَرْطٍ، أوْ لِوُجُودِ مانِعٍ وعَسى مَوْضُوعَةٌ لِرَجائِهِ، فَهي خَبَرٌ مَحْضٌ ولِذَلِكَ جاءَتْ مُتَصَرِّفَةً بِخِلافِ عَسى، وخَبَرُها مَشْرُوطٌ فِيهِ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُضارِعًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ المَقْصُودُ بِالقُرْبِ مِن غَيْرِ أنْ، لِتَوْكِيدِ القُرْبِ بِالدَّلالَةِ عَلى الحالِ، وقَدْ تَدْخُلُ عَلَيْهِ حَمْلًا لَها عَلى عَسى، كَما تُحْمَلُ عَلَيْها بِالحَذْفِ مِن خَبَرِها لِمُشارَكَتِهِما في أصْلِ مَعْنى المُقارَبَةِ.

والخَطْفُ الأخْذُ بِسُرْعَةٍ وقُرِئَ (يَخْطِفُ) بِكَسْرِ الطّاءِ ويَخْطَفُ عَلى أنَّهُ يَخْتَطِفُ، فَنُقِلَتْ فَتْحَةُ التّاءِ إلى الخاءِ ثُمَّ أُدْغِمَتْ في الطّاءِ، ويَخْطِفُ بِكَسْرِ الخاءِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ واتِّباعِ الياءِ لَها، ويَخْطِفُ ويَتَخَطَّفُ.

﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ اسْتِئْنافٌ ثالِثٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَفْعَلُونَ في تارَتَيْ خُفُوقِ البَرْقِ، وخِفْيَتِهِ؟ فَأُجِيبَ بِذَلِكَ. وأضاءَ إمّا مُتَعَدٍّ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ بِمَعْنى كُلَّما نَوَّرَ لَهم مَمْشى أخَذُوهُ، أوْ لازِمٌ بِمَعْنًى، كُلَّما لَمَعَ لَهم مَشَوْا في مَطْرَحِ نُورِهِ، وكَذَلِكَ أظْلَمَ فَإنَّهُ جاءَ مُتَعَدِّيًا مَنقُولًا مِن ظُلْمِ اللَّيْلِ، ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَةُ أظْلَمَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَوْلُ أبِي تَمامٍ:

؎ هُما أظْلَما حالَيَّ ثَمَّةَ أجْلَيا... ظَلامَيْهِما عَنْ وجْهِ أمْرَدَ أشْيَبِ

فَإنَّهُ وإنْ كانَ مِنَ المُحْدَثِينَ لَكِنَّهُ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَجْعَلَ ما يَقُولُهُ بِمَنزِلَةِ ما يَرْوِيهِ. وإنَّما قالَ مَعَ الإضاءَةِ (كُلَّما) ومَعَ الإظْلامِ (إذا) لِأنَّهم حُرّاصٌ عَلى المَشْيِ، فَكُلَّما صادَفُوا مِنهُ فُرْصَةً انْتَهَزُوها ولا كَذَلِكَ التَّوَقُّفُ. ومَعْنى ﴿قامُوا﴾ وقَفُوا، ومِنهُ قامَتِ السُّوقُ إذا رَكَدَتْ، وقامَ الماءُ إذا جَمُدَ. ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ أيْ ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَذْهَبَ بِسَمْعِهِمْ بِقَصِيفِ الرَّعْدِ وأبْصارِهِمْ بِوَمِيضِ البَرْقِ لَذَهَبَ بِهِما، فَحُذِفَ المَفْعُولُ لِدَلالَةِ الجَوابِ عَلَيْهِ، ولَقَدْ تَكاثَرَ حَذْفُهُ في شاءَ وأرادَ حَتّى لا يَكادَ يَذَّكَّرُ إلّا في الشَّيْءِ المُسْتَغْرَبِ كَقَوْلِهِ:

؎ فَلَوْ شِئْتُ أنْ أبْكِيَ دَمًا لَبَكَيْتُهُ

﴿وَلَوْ﴾ مِن حُرُوفِ الشَّرْطِ، وظاهِرُها الدَّلالَةُ عَلى انْتِفاءِ الأوَّلِ لِانْتِفاءِ الثّانِي، ضَرُورَةُ انْتِفاءِ المَلْزُومِ عِنْدَ انْتِفاءِ لازِمِهِ، وقُرِئَ: لَأذْهَبَ بِأسْماعِهِمْ، بِزِيادَةِ الباءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ .

وَفائِدَةُ هَذِهِ الشُّرْطِيَّةِ إبْداءُ المانِعِ لِذَهابِ سَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ مَعَ قِيامِ ما يَقْتَضِيهِ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ تَأْثِيرَ الأسْبابِ في مُسَبِّباتِها مَشْرُوطٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ وجُودَها مُرْتَبِطٌ بِأسْبابِها واقِعٌ بِقُدْرَتِهِ وقَوْلِهِ.

﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كالتَّصْرِيحِ بِهِ والتَّقْرِيرِ لَهُ. والشَّيْءُ يَخْتَصُّ بِالمَوْجُودِ، لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرَ شاءَ أُطْلِقَ بِمَعْنى شاءَ تارَةً، وحِينَئِذٍ يَتَناوَلُ البارِئَ تَعالى كَما قالَ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ وبِمَعْنى مُشِيءٍ أُخْرى، أيْ …

Al-Baqara 2:20Listen in Qur'an →

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.