Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji

Ayahs 191–200 of 286

191

وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ

And kill them wherever you overtake them and expel them from wherever they have expelled you, and fitnah is worse than killing. And do not fight them at al-Masjid al- Haram until they fight you there. But if they fight you, then kill them. Such is the recompense of the disbelievers.

وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191)

(واقتلوهم حيث ثقفتموهم) يقال ثقف يثقف ثقفاً ورجل ثقيف إذا كان محكماً لما يتناوله من الأمور، قال في الكشاف: والثقف وجود على وجه الأخذ والغلبة، ومنه رجل ثقف سريع الأخذ لأقرانه انتهى.

قال أبو السعود: أصل الثقف الحذق في إدراك الشيء علماً أو عملاً وفيه معنى الغلبة، قال ابن جرير: الخطاب للمهاجرين والضمير لكفار قريش انتهى والمعنى واقتلوهم حيث وجدتموهم وأدركتموهم في الحل والحرم وإن لم يبتدؤكم، وتحقيق القول فيه أن الله تعالى أمر بالجهاد في الآية الأولى بشرط إقدام الكفار على القتال، وفي هذه الآية أمرهم بالجهاد معهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام.

(وأخرجوهم من حيث أخرجوكم) أي أخرجوهم من مكة، وقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر ربه فأخرج من مكة من لم يسلم عند أن فتحها الله عليه (والفتنة أشد من القتل) أي الفتنة التي أرادوا أن يفتنوكم بها وهي رجوعكم إلى الكفر أشد من القتل، وقيل المراد بالفتنة المحنة التي تنزل بالإنسان في نفسه أو أهله أو ماله أو عرضه، وقيل المراد بالفتنة الشرك الذي عليه المشركون لأنهم كانوا يستعظمون القتل في الحرم، فأخبرهم الله أن الشرك الذي هم عليه أشد مما يستعظمونه، وقيل المراد فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام أشد من قتلكم إياهم في الحرم أو من قتلهم إياكم إن قتلوكم، والظاهر أن المراد الفتنة في الدين بأي سبب كان وعلى أي صورة اتفق فإنها أشد من القتل لأنه يؤدي إلى الخلود في النار، والقتل ليس كذلك ولذا جعل أشد منه.

(ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه) أختلف أهل العلم في ذلك فذهبت طائفة إلى أنها محكمة وأنه لا يجوز القتال في الحرم إلا بعد أن يتعدى متعد بالقتال فيه فإنه يجوز دفعه بالمقاتلة له، وهذا هو الحق، وقالت طائفة أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) ويجاب عن هذا الاستدلال بأن الجمع ممكن هنا ببناء العام على الخاص فيقتل المشرك حيث وجد إلا بالحرم، ومما يؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إنها لم تحل لأحد قبله وإنها أحلت لي ساعة من نهار "، وهو في الصحيح سبق ذكره..

وقد احتج القائلون بالنسخ بقتله صلى الله عليه وآله وسلم لابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، ويجاب عنه بأنه وقع في تلك الساعة التي أحل الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

(فإن قاتلوكم) أي في المسجد الحرام، هذا مفهوم الغاية (فاقتلوهم) أي فقاتلوهم (كذلك) أي القتل والاخراج (جزاء الكافرين) مطلقاً بأن يفعل بهم مثل ما فعلوا بغيرهم، فثبت بهذا تحريم القتال في الحرم إلا أن يقاتلوا فيقاتلوا ويكون دفعاً لهم

Al-Baqara 2:191Listen in Qur'an →
192

فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And if they cease, then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

(فإن انتهوا) عن قتالكم وعن الكفر ودخلوا في الإسلام (فإن الله غفور) لما سلف (رحيم) بعباده حيث لم يعاجلهم بالعقوبة.

(وقاتلوهم) فيه الأمر بمقاتلة المشركين ولو في الحرم وإن لم يبتدؤوكم بالقتال فيه، وهذا هو الذي استقر عليه الحكم الآن (حتى) أي إلى غاية هي أن (لا تكون فتنة ويكون الدين لله) وهو الدخول في الإسلام والخروج عن سائر الأديان المخالفة له فمن دخل في الإسلام وأقلع عن الشرك لم يحل قتاله، وقيل المراد بالفتنة هنا الشرك والظاهر أنها الفتنة في الدين عما عمومها كما سلف.

فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)

Al-Baqara 2:192Listen in Qur'an →
193

وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ

Fight them until there is no [more] fitnah and [until] worship is [acknowledged to be] for Allah. But if they cease, then there is to be no aggression except against the oppressors.

(فإن انتهوا) يعني عن القتال، وقيل عن الشرك والكفر (فلا عدوان إلا على الظالمين) أي لا تظلموا إلا الظالمين أي لا تعتدوا إلا على ظلم وهو من لم ينته عن الفتنة ولم يدخل في الإسلام، وإنما سمي جزاء الظالمين عدواناً مشاكلة كقوله تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وقوله (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه).

وسمي الكافر ظالماً لوضعه العبادة في غير موضعها، والنفي هنا بمعنى النهي لئلا يلزم الخلف في خبره تعالى، والعرب إذا بالغت في النهي عن الشيء أبرزته في صورة النفي المحض إشارة إلى أنه ينبغي أن لا يوجد البتة فدلوا على هذا المعنى بما ذكرت لك، وعكسه في الإثبات إذا بالغوا في الأمر بالشيء أبرزوه في صورة الخبر نحو (والوالدات يرضعن) وسيأتي.

Al-Baqara 2:193Listen in Qur'an →
194

ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَٰتُ قِصَاصٌۭ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا۟ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ

[Fighting in] the sacred month is for [aggression committed in] the sacred month, and for [all] violations is legal retribution. So whoever has assaulted you, then assault him in the same way that he has assaulted you. And fear Allah and know that Allah is with those who fear Him.

(الشهر الحرام) هو ذو القعدة من السنة السابعة (بالشهر الحرام) هو ذو القعدة من السنة السادسة وهذا في المعنى تعليل لقوله (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال لما سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معتمراً في سنة ست من الهجرة وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت، وصدوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة وهو شهر حرام قاضاهم على الدخول من قابل فدخلها في السنة الآتية هو ومن كان معه من المسلمين، وأقصه الله منهم، نزلت في ذلك هذه الآية ابن كثير 1/ 228.، وروي نحوه عن أبي العالية ومجاهد وقتادة وابن جريج، والمعنى إذا قاتلوكم في الشهر الحرام وهتكوا حرمته قاتلوهم في الشهر الحرام مكافأة لهم ومجازاة على فعلهم، وهذا صريح في أنه قد وقع منهم مقاتلة في عام الحديبية، وهو كذلك فقد وقع قتال خفيف بالرمي بالسهام والحجارة.

(والحرمات) جمع حرمة كالظلمات جمع ظلمة، وإنما جمع الحرمات لأنه أراد الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام، والحرمة ما منع الشرع انتهاكه (قصاص) أي المساواة والمماثلة، والمعنى أن كل حرمة يجزي فيها القصاص، فمن هتك حرمة عليكم فلكم أن تهتكوا حرمة عليه قصاصاً ولا تبالوا به، قيل وهذا كان في أول الإسلام ثم نسخ بالقتال، وقيل أنه ثابت بين أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم ينسخ، فيجوز لمن تعدي عليه في مال أو بدن أن يتعدى بمثل ما تعدي عليه، وبهذا قال الشافعي وغيره.

وقال آخرون إن أمور القصاص مقصورة على الحكام وهكذا الأموال لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك صحيح الجامع الصغير 238. "، أخرجه الدارقطني وغيره، وبه قال أبو حنيفة وجمهور المالكية وعطاء الخراساني، والقول الأول أرجح، وبه قال ابن المنذر، واختاره ابن العربي والقرطبي، وحكاه الداودي عن مالك، ويؤيده إذنه صلى الله عليه وآله وسلم لامرأة أبي سفيان أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها، وهو في الصحيح.

ولا أصرح وأوضح من قوله تعالى في هذه الآية (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وهذه الجملة في حكم التأكيد للجملة الأولى أعني قوله والحرمات قصاص، وإنما سمي المكافآت اعتداء مشاكلة كما تقدم.

وعن ابن عباس في هذه الآية وفي قوله (وجزاء سيئة) الآية وقوله (ولمن انتصر بعد ظلمه) الآية وقوله (وإن عاقبتم) الآية قال هذا ونحوه نزل بمكة، والمسلمون يومئذ قليل ليس لهم سلطان يقهر المشركين، فكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى، فأمر الله المسلمين من يتجارأ منهم أن يتجارأ بمثل ما أوتي إليه أو يصبر أو يعفو، فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وأعز الله سلطانه أمر المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم، ولا يعدو بعضهم على بعض كأهل الجاهلية، فقال (ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً) الآية يقول ينصره السلطان حتى ينصفه على من ظلمه، ومن انتصر لنفسه دون السلطان فهو عاص مسرف قد عمل بحمية الجاهلية ولم يرض بحكم الله انتهى.

وأقول هذه الآية التي جعلها ابن عباس ناسخة مؤيدة لما تدل عليه الآيات التي جعلها منسوخة ومؤكدة له، فإن الظاهر من قوله (فقد جعلنا لوليه سلطاناً) أنه جعل السلطان له، أي جعل له تسلطاً يتسلط به على القاتل، ولهذا قال (فلا يسرف في القتل).

ثم لو سلمنا أن معنى الآية كما قاله لكان ذلك مخصصاً للقتل من عموم الآيات المذكورة لا ناسخاً له، فإنه لم ينص في هذه الآية إلا على القتل وحده، وتلك الآيات شاملة له ولغيره، وهذا معلوم من لغة العرب التي هي المرجع في تفسير كلام الله سبحانه.

ولما أباح لهم الاقتصاص بالمثل، وشأن النفس حب المبالغة في الانتقام من العدو حذرهم من ذلك فقال (واتقوا الله) أي في حال كونكم منتصرين لأنفسكم ممن اعتدى عليكم فلا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم (واعلموا أن الله مع المتقين) بالنصر والعون.

Al-Baqara 2:194Listen in Qur'an →
195

وَأَنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوٓا۟ ۛ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

And spend in the way of Allah and do not throw [yourselves] with your [own] hands into destruction [by refraining]. And do good; indeed, Allah loves the doers of good.

وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)

(وأنفقوا في سبيل الله) في هذه الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله وهو الجهاد بالمال، واللفظ يتناول غيره مما يصدق عليه أنه من سبيل الله، والإنفاق هو صرف المال في وجوه المصالح الدينية كالإنفاق في الحج والعمرة وصلة الرحم والصدقة وتجهيز الغزاة وعلى النفس والعيال وغير ذلك مما فيه قربة الله تعالى، لأن كل ذلك يصدق عليه أنه في سبيل الله، ولكن إطلاق هذا اللفظ ينصرف إلى الجهاد.

عن خزيم بن فانك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من أنفق نفقة في سبيل الله كتب الله له سبعمائة ضعف " أخرجه الترمذي والنسائي صحيح الجامع الصغير 5986..

(ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) الباء زائدة ومثله (ألم يعلم بأن الله يرى) وقال المبرد: أي بأنفسكم تعبير بالبعض عن الكل كقوله (بما كسبت أيديكم) وقيل هذا مثل مضروب يقال فلان ألقى بيده في أمر كذا إذا استسلم لأن المستسلم في القتال يلقي سلاحه بيديه فكذلك فعل كل عاجز في أي فعل كان.

وقال قوم: التقدير ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم، وعبر بالأيدي عن الأنفس، لأن بها البطش والحركة، والتهلكة مصدر من هلك يهلك هلاكاً، وهلكاً وتهلكة أي لا تأخذوا فيما يهلككم، قال اليزيدي: التهلكة من نوادر المصادر ليست مما يجري على القياس.

وللسلف في معنى الآية أقوال، قال حذيفة: نزلت في النفقة أي تركها في سبيل الله مخافة العيلة، وروي نحوه عن ابن عباس وعكرمة والحسن، وقال الحسن: هو البخل، وقال زيد بن أسلم: هو أن يهلك رجل من الجوع والعطش ومن المشي في البعث.

وقال أبو أيوب: كانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وترك الغزو، وقال البراء بن عازب: هو الرجل يذنب الذنب فيلقي بيديه فيقول لا يغفر الله لي أبداً، وروي عن النعمان بن بشير نحوه. وقيل أنه القنوط وقيل عذاب الله، وقيل غير ذلك.

والحق أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما يصدق عليه أنه تهلكة في الدين أو الدنيا فهو داخل في هذا، وبه قال ابن جرير الطبري.

ومن جملة ما يدخل تحت الآية أن يقتحم الرجل في الحرب فيحمل على الجيش مع عدم قدرته على التخلص وعدم تأثيره لأثر ينفع المجاهدين.

ولا يمنع من دخول هذا تحت الآية إنكار من أنكره من الذين رووا السبب، فإنهم ظنوا أن الآية لا تجاوز سببها، وهو ظن تدفعه لغة العرب.

(وأحسنوا) أي في الإنفاق في الطاعة أو الظن بالله في إخلافه عليكم وقال رجل من الصحابة معناه أدوا الفرائض، وقيل لا تقتروا ولا تسرفوا (إن الله يحب المحسنين) المنفقين في سبيله الظانين به حسناً.

Al-Baqara 2:195Listen in Qur'an →
196

وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا۟ رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُۥ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِۦٓ أَذًۭى مِّن رَّأْسِهِۦ فَفِدْيَةٌۭ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍۢ ۚ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٍۢ فِى ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌۭ كَامِلَةٌۭ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُۥ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

And complete the Hajj and 'umrah for Allah. But if you are prevented, then [offer] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And do not shave your heads until the sacrificial animal has reached its place of slaughter. And whoever among you is ill or has an ailment of the head [making shaving necessary must offer] a ransom of fasting [three days] or charity or sacrifice. And when you are secure, then whoever performs 'umrah [during the Hajj months] followed by Hajj [offers] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And whoever cannot find [or afford such an animal] - then a fast of three days during Hajj and of seven when you have returned [home]. Those are ten complete [days]. This is for those whose family is not in the area of al-Masjid al-Haram. And fear Allah and know that Allah is severe in penalty.

وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)

(وأتموا الحج والعمرة لله) اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة فقيل أداؤهما والإتيان بهما من دون أن يشوبهما بشيء مما هو محظور، ولا يخل بشرط ولا فرض كقوله تعالى (فأتمهن) وقوله (ثم أتموا الصيام إلى الليل) وقال سفيان الثوري: إتمامهما أن يخرج لهما لا لغيرهما. وقيل إتمامهما أن يفرد كل واحد منهما من غير تمتع ولا قران، وبه قال ابن حبيب.

وقال مقاتل: إتمامهما أن لا يستحلوا فيهما ما لا ينبغي لهم، وقيل إتمامهما أن يحرم لهما من دويرة أهله، وقيل أن ينفق في سفرهما الحلال الطيب.

وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل وابن عبد البر في التمهيد عن يعلى بن أمية قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر خلوق فقال كيف تأمرني يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أصنع في عمرتي، فأنزل الله (وأتموا الحج والعمرة لله) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أين السائل عن العمرة فقال: ها أناذا قال " اخلع الجبة واغسل عنك أثر الخلوق، ثم ما كنت صانعاً في حجك فاصنعه في عمرتك " وقد أخرجه الشيخان وغيرهما من حديثه، ولكن فيهما أنه أنزل عليه بعد السؤال ولم يذكرا ما الذي أنزل عليه.

وقال ابن عباس: تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة وزار البيت فقد حل، وتمام العمرة إذا طاف بالبيت وبالصفا وبالمروة فقد حل.

وقد ورد في فضل الحج والعمرة أحاديث كثيرة ليس هذا موطن ذكرها.

وقد اتفقت الأمة على وجوب الحج على من استطاع إليه سبيلاً، واستدل بهذه الآية على وجوب العمرة لأن الأمر بإتمامها أمر بها، وبذلك قال علي وابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي وسعيد ابن جبير ومسروق وعبد الله بن شداد والشافعي وأحمد وإسحق وأبو عبيد وابن الجهم من المالكية.

وقال مالك والنخعي وأصحاب الرأي كما حكاه ابن المنذر عنهم أنها سنة، وحكى عن أبي حنيفة أنه يقول بالوجوب.

ومن القائلين بأنها سنة ابن مسعود وجابر بن عبد الله.

ومن جملة ما استدل به الأولون ما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح أنه قال لأصحابه: " من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة " وثبت عنه أيضاً في الصحيح أنه قال: " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ".

وأخرج الدارقطني والحاكم من حديث زيد بن ثابت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت " قطعة من حديث طويل أورده مسلم/1218 ... دخلت العمرة في الحج -مرتين- لا بل لأبعد أبد ....

واستدل الآخرون بما أخرجه الشافعي في الأم وعبد الرازق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي صالح الحنفي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " الحج جهاد والعمرة تطوع ".

وأخرج ابن ماجة عن طلحة بن عبيد الله مرفوعاً مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وصححه عن جابر: أن رجلاً سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العمرة أواجبة هي، قال: لا وأن تعتمروا خير لكم.

وأجابوا عن الآية والأحاديث المصرحة بأنها فريضة بحمل ذلك على أنه قد وقع الدخول فيها وهي بعد الشروع فيها واجبة بلا …

Al-Baqara 2:196Listen in Qur'an →
197

ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌۭ مَّعْلُومَٰتٌۭ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ۚ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ

Hajj is [during] well-known months, so whoever has made Hajj obligatory upon himself therein [by entering the state of ihram], there is [to be for him] no sexual relations and no disobedience and no disputing during Hajj. And whatever good you do - Allah knows it. And take provisions, but indeed, the best provision is fear of Allah. And fear Me, O you of understanding.

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197)

(الحج أشهر معلومات) أي وقت الحج أشهر أو وقت عمل الحج، وقيل التقدير الحج في أشهر، وقيل غير ذلك.

وقد اختلف في الأشهر المعلومات فقال ابن مسعود وابن عمر وعطاء والربيع ومجاهد والزهري: هي شوال وذو القعدة، وذو الحجة كله، وبه قال مالك.

وقال ابن عباس والسدي والشعبي والنخعي: هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم وقد روي أيضاً عن مالك.

وتظهر فائدة الخلاف فيما وقع من أعمال الحج بعد يوم النحر فمن قال أن ذا الحجة كله من الوقت قال لم يلزمه دم التأخير، ومن قال ليس إلا العشر منه قال يلزمه دم التأخير.

وقد استدل بهذه الآية من قال أنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، وهو عطاء وطاوس ومجاهد والأوزاعي والشافعي وأبو ثور، قالوا: فمن أحرم بالحج قبلها أحل بالعمرة ولا يجزئه عن إحرام الحج كمن دخل في صلاة قبل وقتها فلا تجزئه، وقال أحمد وأبو حنيفة أنه مكروه فقط، وروي نحوه عن مالك والمشهور عنه جواز الإحرام بالحج في جميع السنة من غير كراهة، وروي مثله عن أبي حنيفة.

وعلى هذا القول ينبغي أن ينظر في فائدة توقيت الحج بالأشهر المذكورة في الآية، وقد قيل أن النص عليها لزيادة فضلها، وقد روي القول بجواز الإحرام في جميع السنة عن إسحاق بن راهويه وإبراهيم النخعي والثوري والليث بن سعد، واحتج لهم بقوله تعالى (يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) فجعل الأهلة كلها مواقيت للحج، ولم يخص الثلاثة الأشهر، ويجاب بأن هذه الآية عامة وتلك خاصة والخاص مقدم على العام.

ومن جملة ما احتجوا به القياس للحج على العمرة فكما يجوز الإحرام للعمرة في جميع السنة كذلك يجوز للحج، ولا يخفى أن هذا القياس مصادم للنص القرآني فهو باطل.

والحق ما ذهب إليه الأولون إن كانت الأشهر المذكورة في قوله (الحج أشهر) مختصة بالثلاثة المذكورة بنص أو إجماع، فإن لم يكن كذلك فالأشهر، جمع شهر، وهو من جموع القلة يتردد ما بين الثلاثة إلى العشرة والثلاثة هي المتيقنة فيجب الوقوف عندها.

ومعنى معلومات أن الحق في السنة مرة واحدة في أشهر معلومات من شهورها ليس كالعمرة، أو المراد معلومات ببيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو معلومات عند المخاطبين لا يجوز التقدم عليها ولا التأخر عنها.

(فمن فرض) على نفسه (فيهن الحج) أي أوجبه عليها وألزمه إياها، وأصل الفرض في اللغة الحز والقطع، ومنه فرضة القوس والنهر والجبل، ففرضية الحج لازمة للعبد الحر كلزوم الحز للقوس، وقيل معنى فرض أبان وهو أيضاً يرجع إلى القطع لأن من قطع شيئاً فقد أبانه عن غيره.

وقال ابن مسعود: الفرض الإحرام، وقال ابن الزبير: الإهلال، وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين، والمعنى في الآية فمن ألزم نفسه وأوجب عليها فيهن الحج بالشروع فيه بالنية قصداً باطناً، وبالإحرام فعلاً ظاهراً وبالتلبية نطقاً مسموعاً، وقال أبو حنيفة إن إلزامه نفسه يكون بالتلبية أو بتقليد الهدي وسوقه، وقال الشافعي: تكفي النية في الإحرام بالحج.

(فلا رفث) قال ابن عباس وابن جبير والسدي وقتادة والحسن وعكرمة والزهري ومجاهد ومالك هو الجماع، وفي رواية عن ابن عباس هو غشيان النساء والتقبيل والغمز، وقال ابن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم: الرفث الإفحاش بالكلام والخنا، والقول القبيح، وعلى هذا التلفظ به في غيبة النساء يكون رفثاً، وقال أبو عبيدة الرفث اللغا من الكلام.

(ولا فسوق) أصله الخروج عن حدود الشرع وعن الطاعة، وقيل هو الذبح للأصنام، وقيل التنابز بالألقاب، وقيل السباب، وقال ابن عمر: هو ما نهى عنه المحرم في حال الإحرام من قتل الصيد …

Al-Baqara 2:197Listen in Qur'an →
198

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍۢ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ

There is no blame upon you for seeking bounty from your Lord [during Hajj]. But when you depart from 'Arafat, remember Allah at al- Mash'ar al-Haram. And remember Him, as He has guided you, for indeed, you were before that among those astray.

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198)

(ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم) فيه الترخيص لمن حج في التجارة ونحوها من الأعمال التي يحصل بها شيء من الرزق، وهو المراد بالفضل هنا، ومنه قوله تعالى (فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) أي لا إثم عليكم في أن تبتغوا في مواسم الحج رزقاً ونفعاً وهو الربح في التجارة مع سفركم لتأدية ما افترضه عليكم من الحج، نزل رداً لكراهتهم ذلك.

والحق أن الإذن في هذه التجارة جار مجرى الرخص وتركها أولى لقوله تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) والإخلاص هو أن لا يكون له حامل على الفعل سوى كونه عبادة.

(فإذا أفضتم من عرفات) يقال فاض الإناء إذا امتلأ ماء حتى ينصب من نواحيه، ورجل فياض أي مندفعة يده بالعطاء، ومعناه أفضتهم أنفسكم، فترك ذكر المفعول كما ترك في قولهم دفعوا من موضع كذا، وعرفات اسم لتلك البقعة كأذرعات أي موضع الوقوف، وعرفة اسم اليوم وسميت عرفات لأن الناس يتعارفون فيها، وقيل لأن آدم التقى هو وحواء فيها فتعارفا، وقيل غير ذلك.

قال ابن عطية: والظاهر أنه اسم مرتجل كسائر أسماء البقاع إلا على القول بأن أصله جمع، واستدل بالآية على وجوب الوقوف بعرفة لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده ولا يتم الحج إلا به، ووقت الإفاضة من عرفات بعد غروب الشمس، فإذا غربت دفع منها وأخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء بمزدلفة.

(فاذكروا الله) المراد بذكر الله هنا دعاؤه ومنه التلبية والتكبير أي اذكروه لذاته من غير ملاحظة نعمه، لأنه تعالى يستحق الحمد من حيث ذاته ومن حيث إنعامه على خلقه، فحصلت المغايرة بين هذا وقوله (واذكروه كما هداكم) وقيل المراد بالذكر صلاة المغرب والعشاء بالمزدلفة جمعاً، وقد أجمع أهل العلم على أن السنة أن يجمع الحاج بينهما فيها.

(عند المشعر الحرام) سمى مشعراً من الشعار وهو العلامة، والدعاء عنده من شعائر الحج ووصف بالحرام لحرمته من التحريم وهو المنع، فهو ممنوع من أن يفعل فيه ما لم يؤذن فيه، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم وقف به يذكر الله ويدعو حتى أسفر جداً، رواه مسلم أي دخل في السفر بفتحتين وهو بياض النهار، قاله الشوبري، والمشعر هو جبل قزح الذي يقف عليه الإمام، وقيل هو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادى محسر.

(واذكروه) ذكراً حسناً (كما هداكم) هداية حسنة، وكرر الأمر بالذكر تأكيداً، وقيل الأول أمر بالذكر عند المشعر الحرام، والثاني أمر بالذكر على حكم الإخلاص، وقيل المراد بالثاني تعديد النعمة عليهم والكاف للتعليل.

(وإن كنتم من قبله لمن الضالين) الضمير في قبله عائد إلى الهدى، وقيل إلى القرآن، وقيل إلى الرسول، والضالين الجاهلين بالإيمان والطاعة قاله الخطيب، وقيل جاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه.

Al-Baqara 2:198Listen in Qur'an →
199

ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Then depart from the place from where [all] the people depart and ask forgiveness of Allah. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199)

(ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) فيه الخطاب للحمس من قريش لأنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفات، بل كانوا يقفون بالمزدلفة وهي من الحرم، فأمروا بذلك.

وقد ورد في هذا المعنى روايات عن الصحابه والتابعين عند البخاري ومسلم وغيرهما، وعلى هذا يكون ثم لعطف جملة بمعنى الواو لا للترتيب، وقيل الخطاب لجميع الأمة، والمراد بالناس " إبراهيم " أي أفيضوا من حيث أفاض إبراهيم فيحتمل أن يكون أمراً لهم بالإضافة من عرفة، ويحتمل أن تكون إفاضة أخرى وهي التي من مزدلفة، وعلى هذا يكون " ثم " على بابها للترتيب في الذكر لا في الزمان الواقع فيه الأعمال، وقد رجح هذا الاحتمال الأخير ابن جرير الطبري وهو الذي يقتضيه ظاهر القرآن.

(واستغفروا الله) أي من مخالفتكم في الموقف ولجميع ذنوبكم، وإنما أمروا بالاستغفار لأنهم في مساقط الرحمة، ومواطن القبول، ومظنات الإجابة، وقيل أن المعنى استغفروا للذي كان مخالفاً لسنة إبراهيم وهو وقوفكم بالمزدلفة دون عرفة، وقد وردت أحاديث كثيرة في المغفرة لأهل عرفة ونزول الرحمة عليهم وإجابة دعائهم [[منها: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

ومنها: ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عدداً من النار من يوم عرفة.

ومنها: ما رؤى الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة.]].

(إن الله غفور رحيم) أي ساتر لذنوب عباده برحمته، وفيه دليل على أنه يقبل التوبة من عباده التائبين ويغفر لهم.

فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)

Al-Baqara 2:199Listen in Qur'an →
200

فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًۭا ۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَٰقٍۢ

And when you have completed your rites, remember Allah like your [previous] remembrance of your fathers or with [much] greater remembrance. And among the people is he who says, "Our Lord, give us in this world," and he will have in the Hereafter no share.

(فإذا قضيتم مناسككم) المراد بالمناسك أعمال الحج، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - " خذوا عني مناسككم " أي فإذا فرغتم من أعمال الحج، وقيل المراد بها الذبائح وذلك بعد رمي جمرة العقبة والاستقرار بمنى.

(فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً) إنما قال سبحانه ذلك لأن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم يقفون عند الجمرة، وقيل عند البيت فيذكرون مفاخر آبائهم ومناقب أسلافهم بالمنثور والمنظوم من الكلام الفصيح، وغرضهم بذلك الشهرة والسمعة والرفعة، فلما من الله عليهم بالإسلام أمرهم بذكره مكان ذلك الذكر، ويجعلونه ذكراً مثل ذكرهم لآبائهم أو أشد من ذكرهم لآبائهم، والذكر له بالتمجيد والتحميد والتهليل والتسبيح والتكبير والثناء عليه، وقيل أو بمعنى الواو أي وأكثروا ذكر الله تعالى من ذكركم للآباء لأنه هو المنعم عليكم وعلى آبائكم فهو المستحق للذكر والحمد مطلقاً.

(فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق) لما أرشد سبحانه عباده إلى ذكره وكان الدعاء نوعاً من نواع الذكر جعل من يدعوه منقسماً إلى قسمين: أحدهما يطلب حظ الدنيا ولا يلتفت إلى حظ الآخرة، والقسم الآخر يطلب الأمرين جميعاً، والخلاق النصيب أي ما لهذا الداعي في الآخرة من نصيب لأن همه مقصور على الدنيا لا يريد غيرها، ولا يطلب سواها.

وفي هذا الخبر معنى النهي عن الاقتصار على طلب الدنيا والذم لمن جعلها غاية رغبته ومعظم مقصوده.

عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال " تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش " أخرجه البخاري، وهذا دعاء عليه بالهلاك.

وفي الباب أحاديث كثيرة وإنما كان سؤال المشركين للدنيا ولم يطلبوا التوبة والمغفرة ونعيم الآخرة لأنهم كانوا ينكرون البعث.

Al-Baqara 2:200Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.