Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 191–200 of 286

191

وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ

And kill them wherever you overtake them and expel them from wherever they have expelled you, and fitnah is worse than killing. And do not fight them at al-Masjid al- Haram until they fight you there. But if they fight you, then kill them. Such is the recompense of the disbelievers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩١] ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهم كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ .

﴿واقْتُلُوهُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: وجَدْتُمُوهُمْ: ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ. فَإنَّ قُرَيْشًا أخْرَجُوا المُسْلِمِينَ مِنها. والمُسْلِمُونَ أخْرَجُوا المُشْرِكِينَ يَوْمَ الفَتْحِ ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ أيِ: المِحْنَةُ والبَلاءُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالإنْسانِ يَتَعَذَّبُ بِهِ أشَدُّ عَلَيْهِ مِنَ القَتْلِ. أيْ: إنَّ فِتْنَتَهم إيّاكم في الحَرَمِ عَنْ دِينِكم - بِالتَّعْذِيبِ، والإخْراجِ مِنَ الوَطَنِ، والمُصادَرَةِ في المالِ - أشَدُّ قُبْحًا مِنَ القَتْلِ فِيهِ. إذْ لا بَلاءَ عَلى الإنْسانِ أشَدُّ مِن إيذائِهِ عَلى اعْتِقادِهِ الَّذِي تَمَكَّنَ مِن عَقْلِهِ ونَفْسِهِ. ورَآهُ سَعادَةً لَهُ في عاقِبَةِ أمْرِهِ. فالجُمْلَةُ دَفْعٌ لِما قَدْ يَقَعُ مِنِ اسْتِعْظامِ قَتْلِهِمْ في مِثْلِ الحَرَمِ، وإعْلامٌ بِأنَّ القِصاصَ مِنهم بِالقَتْلِ دُونَ جُرْمِهِمْ بِفِتْنَةِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ الفِتْنَةَ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ لِأنَّ حُرْمَتَهُ لِذاتِهِ. وحُرْمَةَ سائِرِ الحَرَمِ مِن أجْلِهِ. وهَذا بِمَثابَةِ الِاسْتِثْناءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ ﴿فَإنْ قاتَلُوكُمْ﴾ أيْ: فِيهِ فَلا تَفْتَقِرُونَ إلى الفِرارِ عَنِ الحَرَمِ: ﴿فاقْتُلُوهُمْ﴾ فِيهِ، إذْ لا حُرْمَةَ لَهم لِهَتْكِهِمْ حُرْمَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ: ﴿كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ لا يَتْرُكُ لَهم حُرْمَةً كَما لَمْ يَتْرُكُوا حُرْمَةَ اللَّهِ في آياتِهِ.

تَنْبِيهٌ:

دَلَّتِ الآيَةُ عَلى الأمْرِ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ في الحَرَمِ، إذا بَدَأُوا بِالقِتالِ فِيهِ، دَفْعًا لِصَوْتِهِمْ، كَما بايَعَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ عَلى القِتالِ، لَمّا تَألَّبَ عَلَيْهِ بُطُونُ قُرَيْشٍ ومَن والاهم مِن أحْياءِ ثَقِيفٍ والأحابِيشِ عامَئِذٍ. ثُمَّ كَفَّ اللَّهُ القِتالَ بَيْنَهم فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤] وقالَ ﷺ لِخالِدٍ ومَن مَعَهُ يَوْمَ الفَتْحِ: ««إنْ عَرَضَ لَكم أحَدٌ مِن قُرَيْشٍ فاحْصُدُوهم حَصْدًا حَتّى تُوافُونِي عَلى الصَّفا»» ... فَما عَرَضَ لَهم أحَدٌ إلّا أنامُوهُ، وأُصِيبَ مِنَ المُشْرِكِينَ نَحْوُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا. كَما في السِّيرَةِ.

Al-Baqara 2:191Listen in Qur'an →
192

فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And if they cease, then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٢] ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ أيْ: عَنِ القِتالِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: فَكُفُّوا عَنْهم ولا تَتَعَرَّضُوا لَهم تَخَلُّقًا بِصِفَتَيِ الحَقِّ تَعالى المَذْكُورَتَيْنِ وهُما: المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ، هَذا ظاهِرُ المَساقِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ أيْ: عَنِ الشِّرْكِ والقِتالِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِما سَلَفَ مِن طُغْيانِهِمْ: ﴿رَحِيمٌ﴾ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ وإيمانِهِمْ.

Al-Baqara 2:192Listen in Qur'an →
193

وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ

Fight them until there is no [more] fitnah and [until] worship is [acknowledged to be] for Allah. But if they cease, then there is to be no aggression except against the oppressors.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٣] ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلا عَلى الظّالِمِينَ﴾

﴿وقاتِلُوهُمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَسَبْناهم إلى قِتالِكم وإخْراجِكم وفَتْنِكُمْ: ﴿حَتّى لا تَكُونَ﴾ - أيْ: لا تُوجَدَ في الحَرَمِ -: ﴿فِتْنَةٌ﴾ أيْ: تَقَوٍّ بِسَبَبِهِ يَفْتِنُونَ النّاسَ عَنْ دِينِهِمْ، ويَمْنَعُونَهم مِن إظْهارِهِ والدَّعْوَةِ إلَيْهِ: ﴿ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ خالِصًا أيْ: لا يُعْبَدُ دُونَهُ شَيْءٌ في الحَرَمِ، ولا يُخْشى فِيهِ غَيْرُهُ، فَلا يُفْتَنُ أحَدٌ في دِينِهِ، ولا يُؤْذى لِأجْلِهِ.

وفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكاةَ. فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّ الإسْلامِ، وحِسابُهم عَلى اللَّهِ»» .

﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنْ قِتالِكم في الحَرَمِ: ﴿فَلا عُدْوانَ﴾ فَلا سَبِيلَ لَكم بِالقَتْلِ: ﴿إلا عَلى الظّالِمِينَ﴾ المُبْتَدِئِينَ بِالقَتْلِ.

ورَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أتاهُ رَجُلانِ في فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقالا: إنَّ النّاسَ قَدْ ضُيِّعُوا، وأنْتَ ابْنُ عُمَرَ وصاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ، فَما يَمْنَعُكَ أنْ تَخْرُجَ؟ فَقالَ: يَمْنَعُنِي أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دَمَ أخِي..! قالا: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ؟ فَقالَ: قاتَلْنا حَتّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ وكانَ الدِّينُ لِلَّهِ، وأنْتُمْ تُرِيدُونَ أنْ تُقاتِلُوا حَتّى تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونُ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ.

ثُمَّ ساقَ البُخارِيُّ رِوايَةً أُخْرى وفِيها: قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَعَلْنا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ في دِينِهِ، إمّا قَتَلُوهُ وإمّا يُعَذِّبُوهُ حَتّى كَثُرَ الإسْلامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ.

Al-Baqara 2:193Listen in Qur'an →
194

ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَٰتُ قِصَاصٌۭ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا۟ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ

[Fighting in] the sacred month is for [aggression committed in] the sacred month, and for [all] violations is legal retribution. So whoever has assaulted you, then assault him in the same way that he has assaulted you. And fear Allah and know that Allah is with those who fear Him.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٤] ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكم واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾

.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ إيذانٌ بِأنَّ مُراعاةَ حُرْمَةِ الشَّهْرِ واجِبَةٌ لِمَن راعى حُرْمَتَهُ، وإنَّ مَن هَتَكَها اقْتَصَّ مِنهُ، فَهَتْكُ حُرْمَتِهِ بِهَتْكِهِمْ حُرْمَتَهُ. فَكَما يُقاتِلُونَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ - إذا قاتَلُوا فِيهِ - يُقاتِلُونَ في الشَّهْرِ الحَرامِ إذا قاتَلُوا فِيهِ.

وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو في الشَّهْرِ الحَرامِ إلّا أنْ يُغْزى - أوْ يُغْزَوْا - فَإذا حَضَرَ ذَلِكَ أقامَ حَتّى يَنْسَلِخَ». ولِهَذا لَمّا سارَ ﷺ في ذِي القِعْدَةِ، سَنَةَ سِتٍّ مُعْتَمِرًا، وخَيَّمَ بِالحُدَيْبِيَةِ، وبَلَغَهُ أنَّ عُثْمانَ قُتِلَ - وكانَ بَعَثَهُ في رِسالَةٍ إلى المُشْرِكِينَ بايَعَ أصْحابَهُ وكانُوا ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ تَحْتَ الشَّجَرَةِ عَلى قِتالِ المُشْرِكِينَ. فَلَمّا بَلَغَهُ أنَّ عُثْمانَ لَمْ يُقْتَلْ كَفَّ عَنْ ذَلِكَ، وجَنَحَ إلى المُسالَمَةِ والمُصالَحَةِ، فَكانَ ما كانَ. وكَذَلِكَ لَمّا فَرَغَ مِن قِتالِ هَوازِنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وتَحَصَّنَ فَلَّهم بِالطّائِفِ عَدَلَ إلَيْها فَحاصَرَها، ودَخَلَ ذُو القِعْدَةِ وهو مُحاصِرٌ لَها بِالمَنجَنِيقِ. واسْتَمَرَّ عَلَيْها إلى كَمالِ أرْبَعِينَ يَوْمًا. كَما ثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أنَسٍ. فَلَمّا كَثُرَ القَتْلُ في أصْحابِهِ انْصَرَفَ عَنْها، ولَمْ تُفْتَحْ. ثُمَّ كَرَّ راجِعًا إلى مَكَّةَ، واعْتَمَرَ مِنَ الجُعْرانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنائِمَ حُنَيْنٍ، وكانَتْ عُمْرَتُهُ هَذِهِ في ذِي القِعْدَةِ أيْضًا عامَ ثَمانٍ.

﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ أيْ: مُتَساوِيَةٌ، فَلا يُفَضَّلُ شَهْرٌ حَرامٌ عَلى آخَرَ، بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ هَتْكُ حُرْمَتِهِ لِهَتْكِهِمْ حُرْمَةَ ما دُونَهُ، عَلى أنّا لا نَهْتِكُ حُرْمَةَ الشَّهْرِ والمَسْجِدِ الحَرامِ والحَرَمِ، بَلْ نَهْتِكُ حُرْمَةَ مَن هَتَكَ حُرْمَةَ أحَدِها - قالَهُ المَهايِمِيُّ.

والحُرُماتُ: جَمْعُ حُرْمَةٍ، وهي ما يُحْفَظُ ويُرْعى ولا يُنْتَهَكُ. والقِصاصُ: المُساواةُ. والكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ. أيْ: ذَواتُ قِصاصٍ، أوِ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ: مُقاصَّةٌ، أوِ الحَمْلُ بِطَرِيقِ المُبالِغَةِ ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ أمْرٌ بِالعَدْلِ حَتّى في المُشْرِكِينَ، كَما قالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وقالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في هَتْكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ والمَسْجِدِ والحَرَمِ بِدُونِ هَتْكِهِمْ، وفي زِيادَةِ الِاعْتِداءِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: بِالمَعُونَةِ والنَّصْرِ والحِفْظِ والتَّأْيِيدِ.

Al-Baqara 2:194Listen in Qur'an →
195

وَأَنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوٓا۟ ۛ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

And spend in the way of Allah and do not throw [yourselves] with your [own] hands into destruction [by refraining]. And do good; indeed, Allah loves the doers of good.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٥] ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ وأحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾

﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أمْرٌ بِالإنْفاقِ في سائِرِ وُجُوهِ القُرُباتِ والطّاعاتِ. ومِن أهَمِّها: صَرْفُ الأمْوالِ في قِتالِ الأعْداءِ، وبَذْلِها فِيما يَقْوى بِهِ المُسْلِمُونَ عَلى عَدُوِّهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ أيْ: ما يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ أيْ: لا تُلْقُوا أنْفُسَكم بِأيْدِيكم إلى الهَلاكِ، وذَلِكَ بِالتَّعَرُّضِ لِما تَسْتَوْخِمُ عاقِبَتَهُ، جَهْلًا بِهِ.

وقالَ الرّاغِبُ: ولِلْآيَةِ تَأْوِيلانِ بِنَظَرَيْنِ:

أحَدُهُما: إنَّهُ نَهْيٌ عَنِ الإسْرافِ في الإنْفاقِ، وعَنِ التَّهَوُّرِ في الإقْدامِ.

والثّانِي: إنَّهُ نَهْيٌ عَنِ البُخْلِ بِالمالِ، وعَنِ القُعُودِ عَنِ الجِهادِ. وكِلا المَعْنَيَيْنِ يُرادُ بِها. فالإنْسانُ، كَما أنَّهُ مَنهِيٌّ عَنِ الإسْرافِ في الإنْفاقِ، والتَّهَوُّرِ في الإقْدامِ، فَهو مَنهِيٌّ عَنِ البُخْلِ والإحْجامِ عَنِ الجِهادِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] الآيَةَ، وقالَ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] الآيَةَ.

ولَمّا كانَ أمْرُ الإنْفاقِ أخَصَّ بِالأنْصارِ الَّذِينَ كانُوا أهْلَ الأمْوالِ، لِتَجَرُّدِ المُهاجِرِينَ عَنْها، وقَدِ اشْتُهِرَ في هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثُ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ، رَواهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ، والحاكِمُ في مُسْتَدْرِكِهِ وغَيْرُهم... ولَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: عَنْ أسْلَمَ أبِي عِمْرانَ قالَ: «كُنّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ فَأخْرَجُوا إلَيْنا صَفًّا عَظِيمًا مِنَ الرُّومِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ مِثْلُهم أوْ أكْثَرُ. وعَلى أهْلِ مِصْرَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ، وعَلى الجَماعَةِ فَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ. فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى صَفِّ الرُّومِ حَتّى دَخَلَ عَلَيْهِمْ، فَصاحَ النّاسُ وقالُوا: سُبْحانَ اللَّهِ يُلْقِي بِيَدَيْهِ إلى التَّهْلُكَةِ. فَقامَ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنَّكم لَتُؤَوِّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ هَذا التَّأْوِيلَ، وإنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينا مَعْشَرَ الأنْصارِ. لَمّا أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ، وكَثُرَ ناصِرُوهُ فَقالَ بَعْضُنا لِبَعْضٍ سِرًّا - دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: إنَّ أمْوالَنا قَدْ ضاعَتْ، وإنَّ اللَّهَ قَدْ أعَزَّ الإسْلامَ، وكَثُرَ ناصِرُوهُ، فَلَوْ أقَمْنا في أمْوالِنا فَأصْلَحْنا ما ضاعَ مِنها فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْنا ما قُلْنا: ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ فَكانَتِ التَّهْلُكَةُ الإقامَةَ عَلى الأمْوالِ وإصْلاحَها، وتَرْكَنا الغَزْوَ. فَما زالَ أبُو أيُّوبَ شاخِصًا في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى دُفِنَ بِأرْضِ الرُّومِ،» هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ.

أقُولُ: إنْكارُ أبِي أيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إمّا لِكَوْنِهِ لا يَقُولُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ بَلْ بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وإمّا لِرَدِّ زَعْمِ أنَّها نَزَلَتْ في القِتالِ. أيْ: في حَمْلِ الواحِدِ عَلى جَماعَةِ العَدُوِّ كَما تَأوَّلُوها. وهَذا هو الظّاهِرُ. وإلّا فاللَّفْظُ يَقْتَضِي العُمُومَ، ووُرُودُهُ عَلى السَّبَبِ لا يَصْلُحُ قَرِينَةً لِقِصَرِهِ عَلى ذَلِكَ. ولا شُبْهَةَ أنَّ التَّعَبُّدَ إنَّما هو بِاللَّفْظِ الوارِدِ وهو عامٌّ.

وقَدِ اسْتَشْهَدَ بِعُمُومِ الآيَةِ عَمْرُو بْنُ العاصِ فِيما رَواهُ ابْنُ أبِي …

Al-Baqara 2:195Listen in Qur'an →
196

وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا۟ رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُۥ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِۦٓ أَذًۭى مِّن رَّأْسِهِۦ فَفِدْيَةٌۭ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍۢ ۚ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٍۢ فِى ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌۭ كَامِلَةٌۭ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُۥ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

And complete the Hajj and 'umrah for Allah. But if you are prevented, then [offer] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And do not shave your heads until the sacrificial animal has reached its place of slaughter. And whoever among you is ill or has an ailment of the head [making shaving necessary must offer] a ransom of fasting [three days] or charity or sacrifice. And when you are secure, then whoever performs 'umrah [during the Hajj months] followed by Hajj [offers] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And whoever cannot find [or afford such an animal] - then a fast of three days during Hajj and of seven when you have returned [home]. Those are ten complete [days]. This is for those whose family is not in the area of al-Masjid al-Haram. And fear Allah and know that Allah is severe in penalty.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٦] ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ فَإذا أمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .

﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أيْ: أدُّوهُما تامَّيْنِ بِمَناسِكِهِما المَشْرُوعَةِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى.

قالَ الرّاغِبُ: قِيلَ: ﴿أتِمُّوا﴾ [البقرة: ١٨٧] خِطابٌ لِمَن خَرَجَ حاجًّا أوْ مُعْتَمِرًا، فَأُمِرَ أنْ لا يَصْرِفَ وجْهَهُ حَتّى يُتِمَّهُما. وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، واحْتَجَّ بِهِ في وُجُوبِ إتْمامِ كُلِّ عِبادَةٍ دَخَلَ فِيها الإنْسانُ مُتَنَفِّلًا، وأنَّهُ مَتى أفْسَدَها وجَبَ قَضاؤُها. وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لَهم ولِمَن لَمْ يَتَلَبَّسْ بِالعِبادَةِ. وذِكْرُ لَفْظِ الإتْمامِ تَنْبِيهٌ عَلى تَوْفِيَةِ حَقِّها وإكْمالِ شَرائِطِها، وعَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وإلى هَذا ذَهَبَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ واحْتَجَّ بِهِ في وُجُوبِ العُمْرَةِ. وإنَّما قالَ في الحَجِّ والعُمْرَةِ: ﴿لِلَّهِ﴾ ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ في الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ مِن أجْلِ أنَّهم كانُوا يَتَقَرَّبُونَ بِبَعْضِ أفْعالِ الحَجِّ والعُمْرَةِ إلى أصْنامِهِمْ، فَخَصَّهُما بِالذِّكْرِ لِلَّهِ تَعالى حَثًّا عَلى الإخْلاصِ فِيهِما، ومُجانَبَةِ ذَلِكَ الِاعْتِقادِ المَحْظُورِ.

﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أيْ: حَبَسَكم عَدُوٌّ عَنْ إتْمامِ الحَجِّ أوِ العُمْرَةِ وأرَدْتُمُ التَّحَلُّلَ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ أيْ: فَعَلَيْكُمْ، أوْ فالواجِبُ، أوْ فَأهْدُوا ما اسْتَيْسَرَ؛ يُقالُ: يَسُرَ الأمْرُ واسْتَيْسَرَ، كَما يُقالُ: صَعُبَ واسْتَصْعَبَ. والهَدْيُ بِتَخْفِيفِ الياءِ وتَشْدِيدِها: جَمْعُ هَدْيَةٍ وهَدِيَّةٍ، وهُوَ: ما أُهْدِيَ إلى مَكَّةَ مِنَ النِّعَمِ لِيُنْحَرَ تَقَرُّبًا بِهِ إلى اللَّهِ. قالَ ثَعْلَبٌ: الهَدْيُ بِالتَّخْفِيفِ، لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. والتَّثْقِيلِ عَلى فَعِيلٍ، لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، وسُفْلى قِيسٍ. وقَدْ قُرِئَ بِالوَجْهَيْنِ جَمِيعًا في الآيَةِ. وشاهِدُ الهَدْيِّ مُثْقَّلًا مِن كَلامِهِمْ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:

؎حَلَفْتُ بِرَبِّ مَكَّةَ والمُصَلّى وأعْناقِ الهَدِيِّ مُقَلِّداتِ

وشاهِدُ الهَدِيَّةِ كَذَلِكَ، قَوْلُ ساعِدَةَ بْنِ جُؤَيَّةَ:

؎إنِّي وأيْدِيَهم وكُلَّ هَدِيَّةٍ ∗∗∗ مِمّا تَثُجُّ لَهُ تَرائِبُ تَثْعَبُ.

وأعْلى الهَدْيِ بَدَنَةٌ، وأدْناهُ شاةٌ. والمَعْنى: أنَّ المُحْرِمَ إذا أُحْصِرَ وأرادَ أنْ يَتَحَلَّلَ، تَحَلَّلَ بِذَبْحِ هَدْيٍ تَيَسَّرَ عَلَيْهِ: مِن بَدَنَةٍ أوْ بَقَرَةٍ أوْ شاةٍ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الرّاغِبُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ أنَّهُ لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أنْ يُحْصَرَ بِمَكَّةَ أوْ بِغَيْرِها، وبَعْدَ عَرَفَةَ أوْ قَبْلَها. وكَذَلِكَ لا فَرْقَ في الظّاهِرِ بَيْنَ أنْ يَحْصُرَهُ عَدُوُّ مُسْلِمٍ أوْ غَيْرُهُ. وظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنَّهُ لا فَصْلَ بَيْنَ إحْصارِ العَدُوِّ وإحْصارِ المَرَضِ. لَوْلا أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في سَبَبِ العَدُوِّ فَلا يَجُوزُ أنْ تَتَعَدّى إلّا بِدَلالَةٍ. ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ يَدُلُّ …

Al-Baqara 2:196Listen in Qur'an →
197

ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌۭ مَّعْلُومَٰتٌۭ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ۚ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ

Hajj is [during] well-known months, so whoever has made Hajj obligatory upon himself therein [by entering the state of ihram], there is [to be for him] no sexual relations and no disobedience and no disputing during Hajj. And whatever good you do - Allah knows it. And take provisions, but indeed, the best provision is fear of Allah. And fear Me, O you of understanding.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٧] ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ﴾ .

﴿الحَجُّ﴾ أيْ: أوْقاتُ أعْمالِهِ ﴿أشْهُرٌ﴾ وهِيَ: شَوّالُ وذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ. أيْ: عُشْرُهُ الأوَّلُ. نَزَلَ مَنزِلَةَ الكُلِّ لِغايَةِ فَضْلِهِ.

قالَ الثَّعالِبِيُّ: وقَدْ جاءَ في تَفْسِيرِ أشْهُرِ الحَجِّ وعَشْرِ ذِي الحِجَّةِ - وفي بَعْضِها تِسْعٌ - فَمَن عَبَّرَ بِالتِّسْعِ أرادَ الأيّامَ، ومَن عَبَّرَ بِالعَشْرِ أرادَ اللَّيالِيَ، ولِقَوْلِهِ ﷺ: ««الحَجُّ عَرَفَةُ»» . وقَدْ تَبَيَّنْتُ أنَّهُ يَفُوتُ الوُقُوفُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿مَعْلُوماتٌ﴾ أيْ: قَبْلَ نُزُولِ الشَّرْعِ عِنْدَ النّاسِ، لا يَشْكُلْنَ عَلَيْهِمْ. وآذَنَ هَذا أنَّ الأمْرَ بَعْدَ الشَّرْعِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ: ﴿فَمَن فَرَضَ﴾ أيْ: أوْجَبَ عَلى نَفْسِهِ: ﴿فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ بِإحْرامِهِ: ﴿فَلا رَفَثَ﴾ أيْ: فَمُقْتَضى إحْرامِهِ أنْ لا يُوجَدَ جِماعٌ ولا مُقَدَّماتُهُ ولا فُحْشَ مِنَ القَوْلِ: ﴿ولا فُسُوقَ﴾ أيْ: خُرُوجٌ عَنْ حُدُودِ الشَّرِيعَةِ بِارْتِكابِ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ، وغَيْرِها كالسِّبابِ والتَّنابُزِ بِالألْقابِ: ﴿ولا جِدالَ﴾ أيْ: مُماراةَ أحَدٍ مِنَ الرُّفْقَةِ والخَدَمِ والمَكّارِينَ: ﴿فِي الحَجِّ﴾ أيْ: في أيّامِهِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يُوجَدَ فِيها كُلُّ خَيْرٍ مِن خَيْراتِ الحَجِّ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ عَدَمِ الحُكْمِ؛ فَإنَّ زِيارَةَ البَيْتِ المُعَظَّمِ، والتَّقَرُّبَ بِها إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، مِن مُوجِباتِ تَرْكِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، وإيثارُ النَّفْيِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ؛ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ حَقِيقٌ بِأنْ لا يَكُونَ، فَإنَّ ما كانَ مُنْكَرًا مُسْتَقْبَحًا في نَفْسِهِ، فَفي تَضاعِيفِ الحَجِّ أقْبَحُ: كَلَبْسِ الحَرِيرِ في الصَّلاةِ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ بَعْضُهُمُ: النُّكْتَةُ في مَنعِ هَذِهِ الأشْياءِ عَلى أنَّها آدابٌ لِسانِيَّةٌ: تَعْظِيمُ شَأْنِ الحَرَمِ، وتَغْلِيظُ أمْرِ الإثْمِ فِيهِ، إذِ الأعْمالُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الزَّمانِ والمَكانِ، فَلِلْمَلَأِ آدابٌ غَيْرُ آدابِ الخَلْوَةِ مَعَ الأهْلِ. ويُقالُ في مَجْلِسِ الإخْوانِ ما لا يُقالُ في مَجْلِسِ السُّلْطانِ. ويَجِبُ أنْ يَكُونَ المَرْءُ في أوْقاتِ العِبادَةِ والحُضُورِ مَعَ اللَّهِ تَعالى عَلى أكْمَلِ الآدابِ، وأفْضَلِ الأحْوالِ، وناهِيكَ بِالحُضُورِ في البَيْتِ الَّذِي نَسَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِ..! وأمّا السِّرُّ فِيها عَلى أنَّها مُحَرَّماتُ الإحْرامِ، فَهو أنْ يَتَمَثَّلَ الحاجُّ أنَّهُ بِزِيارَتِهِ لِبَيْتِ اللَّهِ تَعالى مُقْبِلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، قاصِدٌ لَهُ، فَيَتَجَرَّدُ عَنْ عاداتِهِ ونَعِيمِهِ، ويَنْسَلِخُ مِن مَفاخِرِهِ ومُمَيِّزاتِهِ عَلى غَيْرِهِ، بِحَيْثُ يُساوِي الغَنِيُّ الفَقِيرَ، ويُماثِلُ الصُّعْلُوكُ الأمِيرَ، فَيَكُونُ النّاسُ مِن جَمِيعِ الطَّبَقاتِ في زِيٍّ كَزِيِّ الأمْواتِ، وفي ذَلِكَ - مِن تَصْفِيَةِ النَّفْسِ، وتَهْذِيبِها، وإشْعارِها بِحَقِيقَةِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، والأُخُوَّةِ لِلنّاسِ - ما لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ، وإنْ كانَ لا يَخْفى أمْرُهُ...

﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ حَثٌّ عَلى الخَيْرِ عُقَيْبَ النَّهْيِ عَنِ الشَّرِّ، وأنْ يَسْتَعْمِلُوا مَكانَ القَبِيحِ مِنَ الكَلامِ الحَسَنَ، ومَكانَ الفُسُوقِ البِرَّ والتَّقْوى، ومَكانَ الجِدالِ …

Al-Baqara 2:197Listen in Qur'an →
198

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍۢ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ

There is no blame upon you for seeking bounty from your Lord [during Hajj]. But when you depart from 'Arafat, remember Allah at al- Mash'ar al-Haram. And remember Him, as He has guided you, for indeed, you were before that among those astray.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٨] ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكم فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ واذْكُرُوهُ كَما هَداكم وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ .

﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ قالَ الرّاغِبُ: كانَتِ العَرَبُ تَتَحاشى مِنَ التِّجارَةِ في الحَجِّ، حَتّى إنَّهم كانُوا يَتَجَنَّبُونَ المُبايَعَةَ إذا دَخَلَ العَشْرُ، وحَتّى سَمَّوْا مَن تَوَلّى مُتَجِّرًا في الحَجِّ: الدّاجُّ دُونَ الحاجِّ؛ فَأباحَ اللَّهُ ذَلِكَ، وعَلى إباحَةِ ذَلِكَ، دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] - إلى قَوْلِهِ -: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] وقَوْلُهُ: ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]

وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ ذُو المَجازِ وعُكاظٌ مَتْجَرَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ كَأنَّهم كَرِهُوا ذَلِكَ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ في مَواسِمِ الحَجِّ.

فَفِي الآيَةِ التَّرْخِيصُ لِمَن حَجَّ في التِّجارَةِ ونَحْوِها مِنَ الأعْمالِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها شَيْءٌ مِنَ الرِّزْقِ - وهو المُرادُ بِالفَضْلِ هُنا - ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] أيْ: لا إثْمَ عَلَيْكم في أنْ تَبْتَغُوا في مَواسِمِ الحَجِّ رِزْقًا ونَفْعًا وهو الرِّبْحُ في التِّجارَةِ مَعَ سَفَرِكم لِتَأْدِيَةِ ما افْتَرَضَهُ عَلَيْكم مِنَ الحَجِّ..!: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ - أيْ: دَفَعْتُمْ مِنها -: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ أيْ: بِالتَّلْبِيَةِ، والتَّهْلِيلِ، والتَّكْبِيرِ، والثَّناءِ والدَّعَواتِ و" المَشْعَرِ الحَرامِ ": مَوْضِعٌ بِالمُزْدَلِفَةِ. مِيمُهُ مَفْتُوحَةٌ وقَدْ تُكَسَرُ، وقَدْ وهِمَ مَن ظَنَّهُ جُبَيْلًا بِها. سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ مَعْلَمٌ لِلْعِبادَةِ ومَوْضِعٌ لَها - كَذا في القامُوسِ وشَرْحِهِ.

ونَقَلَ الفَخْرُ عَنِ الواحِدِيِّ في " البَسِيطِ ": إنَّ المَشْعَرَ الحَرامَ هو المُزْدَلِفَةُ. سَمّاها اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، لِأنَّ الصَّلاةَ والمَقامَ والمَبِيتَ بِهِ، والدُّعاءَ عِنْدَهُ. واسْتَقَرَّ بِهِ الفَخْرُ قالَ: لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ إلخ تَدُلُّ عَلى أنَّ الذِّكْرَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ يَحْصُلُ عُقَيْبَ الإفاضَةِ مِن عَرَفاتٍ، وما ذاكَ إلّا بِالبَيْتُوتَةِ بِالمُزْدَلِفَةِ. انْتَهى.

قالَ البَيْضاوِيُّ: ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما رَوى جابِرٌ: «أنَّهُ ﷺ لَمّا صَلّى الفَجْرَ - يَعْنِي بِالمُزْدَلِفَةِ بِغَلَسٍ - رَكِبَ ناقَتَهُ حَتّى أتى المَشْعَرَ الحَرامَ». أيْ: فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى تَغايُرِ المُزْدَلِفَةِ، والمَشْعَرِ الحَرامِ لِمَكانِ مَسِيرِهِ ﷺ مِنها إلى المَشْعَرِ الحَرامِ! وإنَّما قالَ: يُؤَيِّدُ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُؤَوَّلَ المَشْعَرُ الحَرامُ في الحَدِيثِ بِالجَبَلِ، إمّا بِحَذْفِ المُضافِ، أوْ بِتَسْمِيَةِ الجُزْءِ بِاسْمِ الكُلِّ - أفادَهُ السَّيْلَكُوتِيُّ.

قالَ ابْنُ القَيِّمِ في " زادِ المَعادِ " في سِياقِ حُجَّتِهِ ﷺ: فَلَمّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ واسْتَحْكَمَ غُرُوبُها أفاضَ مِن عَرَفَةَ بِالسَّكِينَةِ مِن طَرِيقِ المَأْزِمَيْنِ، ثُمَّ جَعَلَ يَسِيرُ العُنُقَ - وهو ضَرْبٌ مِنَ السَّيْرِ لَيْسَ بِالسَّرِيعِ ولا البَطِيءِ - فَإذا وجَدَ فَجْوَةً - وهو المُتَّسَعُ - نَصَّ سَيْرَهُ - أيْ: رَفَعَهُ فَوْقَ ذَلِكَ - وكانَ يُلَبِّي في مَسِيرِهِ ذَلِكَ لا يَقْطَعُ …

Al-Baqara 2:198Listen in Qur'an →
199

ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Then depart from the place from where [all] the people depart and ask forgiveness of Allah. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٩] ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ أيْ: مِن عَرَفَةَ لا مِنَ المُزْدَلِفَةِ. وفي الخِطابِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ لِقُرَيْشٍ وذَلِكَ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّرَفُّعِ عَلى النّاسِ والتَّعالِي عَلَيْهِمْ، وتَعَظُّمِهِمْ عَنْ أنْ يُساوُوهم في المَوْقِفِ، وقَوْلُهُمْ: نَحْنُ أهْلُ اللَّهِ، وقُطّانُ حَرَمِهِ، فَلا نَخْرُجُ مِنهُ. فَيَقِفُونَ بِجَمْعٍ، وسائِرُ النّاسِ بِعَرَفاتٍ.

وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَتْ: «كانَتْ قُرَيْشٌ ومَن دانَ دِينَها يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ، وكانُوا يُسَمُّونَ الحُمْسَ، وكانَ سائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ؛ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَأْتِيَ عَرَفاتٍ، ثُمَّ يَقِفُ بِها، ثُمَّ يُفِيضُ مِنها فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾»

وثانِيهُما: أنَّهُ أمْرٌ لِجَمِيعِ النّاسِ أنْ يُفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ يَعْنِي: إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

قالَ الرّاغِبُ: وسَمّاهُ النّاسُ لِأنَّ " النّاسُ " يُسْتَعْمَلُ عَلى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما: لِلنَّوْعِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ مَدْحٍ وذَمٍّ، والثّانِي: المَدْحُ اعْتِبارًا بِوُجُودِ تَمامِ الصُّورَةِ المُخْتَصَّةِ بِالإنْسانِيَّةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ، بَلْ في اسْمِ كُلِّ جِنْسٍ ونَوْعٍ - نَحْوَ: هَذِهِ فَرَسٌ، وفُلانٌ رَجُلٌ، ولَيْسَ هَذا بِفَرَسٍ ولا فُلانٌ بِرَجُلٍ - أيْ: لَيْسَ فِيهِ مَعْناهُ المُخْتَصُّ بِنَوْعِهِ، وبِهَذا النَّظَرِ نُفِيَ السَّمْعُ والبَصَرُ عَنِ الكُفّارِ! فَعَلى هَذا سُمِّيَ إبْراهِيمُ " النّاسُ " عَلى سَبِيلِ المَدْحِ - وهو أنَّ الواحِدَ يُسَمّى باسِمِ الجَماعَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يَقُومُ مَقامَهم في الحُكْمِ - وعَلى هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ولَيْسَ عَلى اللَّهِ بِمُسْتَنْكِرٍ أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدِ

وعَلى هَذا قالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] اهـ.

فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى كَلِمَةِ ثُمَّ فَإنَّها تَسْتَلْزِمُ تَراخِيَ الشَّيْءِ عَنْ نَفْسِهِ، سَواءٌ عُطِفَ عَلى مَجْمُوعِ الشَّرْطِ والجَزاءِ أوِ الجَزاءِ فَقَطْ..؟

فالجَوابُ: إنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ لَيْسَتْ لِلتَّراخِي، بَلْ مُسْتَعارَةٌ لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ الإفاضَتَيْنِ - أيِ: الإفاضَةُ مِن عَرَفاتٍ والإفاضَةُ مِن مُزْدَلِفَةَ- والبُعْدُ بَيْنَهُما بِأنَّ أحَدَهُما صَوابٌ والآخَرُ خَطَأٌ.

قالَ التَّفْتازانِيُّ: لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ المَعْنى التَّعْرِيضِيِّ، كانَ مَعْناهُ: ثُمَّ لا تُفِيضُوا مِن مُزْدَلِفَةَ، والمَقْصُودُ مِن إيرادِ كَلِمَةِ ثُمَّ التَّفاوُتُ بَيْنَ الإفاضَتَيْنِ في الرُّتْبَةِ بِأنَّ أحَدَهُما صَوابٌ والأُخْرى خَطَأٌ.

وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ ثُمَّ بِمَعْنى الواوِ.

﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ عَمّا سَلَفَ مِنَ المَعاصِي: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: كَثِيرًا ما يَأْمُرُ اللَّهُ بِذِكْرِهِ بَعْدَ قَضاءِ العِباداتِ. ولِهَذا ثَبَتَ في " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ثَلاثًا وثَلاثِينَ،» وفي الصَّحِيحَيْنِ: «أنَّهُ نَدَبَ إلى التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّكْبِيرِ ثَلاثًا وثَلاثِينَ». وقَدْ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ هَهُنا حَدِيثَ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ السُّلَمِيِّ في اسْتِغْفارِهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ.

Al-Baqara 2:199Listen in Qur'an →
200

فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًۭا ۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَٰقٍۢ

And when you have completed your rites, remember Allah like your [previous] remembrance of your fathers or with [much] greater remembrance. And among the people is he who says, "Our Lord, give us in this world," and he will have in the Hereafter no share.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٠٠] ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ .

﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ أيْ: فَرَغْتُمْ مِن أعْمالِ الحَجِّ ونَفَرْتُمْ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ أيْ: فَأكْثِرُوا ذِكْرَ اللَّهِ، وابْذُلُوا جُهْدَكم في الثَّناءِ عَلَيْهِ، وشَرْحِ آلائِهِ ونَعْمائِهِ، كَما تَفْعَلُونَ في ذِكْرِ آبائِكم ومَفاخِرِهِمْ وأيّامِهِمْ بَعْدَ قَضاءِ مَناسِكِكم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقِفُونَ في المَوْسِمِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنهُمْ: كانَ أبِي يُطْعِمُ ويَحْمِلُ الحِمالاتِ ويَحْمِلُ الدِّياتِ..! لَيْسَ لَهم ذِكْرٌ غَيْرُ فِعالِ آبائِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وفِيها إشْعارٌ بِتَحْوِيلِ القَوْمِ عَمّا اعْتادُوهُ، وحَثٌّ عَلى إفْرادِ ذِكْرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ.

ثُمَّ أرْشَدَ تَعالى إلى دُعائِهِ - بَعْدَ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ - فَإنَّهُ مَظِنَّةُ الإجابَةِ، وذَمَّ مَن لا يَسْألُهُ إلّا في أمْرِ دُنْياهُ وهو مُعْرِضٌ عَلى أُخْراهُ، فَقالَ: ﴿فَمِنَ النّاسِ﴾ أيِ: الَّذِينَ نَسُوا قَدْرَ الآخِرَةِ وكانَتِ الدُّنْيا أكْبَرَ هَمِّهِمْ: ﴿مَن يَقُولُ﴾ أيْ: في ذِكْرِهِ: ﴿رَبَّنا آتِنا﴾ أيْ: مَرْغُوباتِنا: ﴿فِي الدُّنْيا﴾ لا نَطْلُبُ غَيْرَها: ﴿وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ أيْ: نَصِيبٌ وحَظٌّ لِأنَّهُ اسْتَوْفى نَصِيبَهُ في الدُّنْيا بِتَخْصِيصِ دُعائِهِ بِهِ. فالجُمْلَةُ إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِبَيانِ حالِهِ في الآخِرَةِ؛ أوِ المَعْنى: ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن طَلَبِ خَلاقٍ. فَهو بَيانٌ لِحالِهِ في الدُّنْيا، وتَصْرِيحٌ بِما عُلِمَ ضِمْنًا مِن قَوْلِهِ: ﴿آتِنا في الدُّنْيا﴾ أوْ تَأْكِيدٌ لِكَوْنِ هَمِّهِ مَقْصُورًا عَلى الدُّنْيا. وقَوْلُهُ: ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ: ﴿خَلاقٍ﴾ حالٌ مِنهُ، وتَضَمَّنَ هَذا الذَّمَّ والتَّنْفِيرَ عَنِ التَّشَبُّهِ بِمَن هو كَذَلِكَ.

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ قَوْمٌ مِنَ الأعْرابِ يَجِيئُونَ إلى المَوْقِفِ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ! اجْعَلْهُ عامَ غَيْثٍ وعامَ خِصْبٍ وعامَ وِلادٍ حَسَنٍ..! لا يَذْكُرُونَ مِن أمْرِ الآخِرَةِ شَيْئًا. فَنَزَلَ فِيهِمْ ذَلِكَ.

وهَؤُلاءِ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم - أنَّهم يَقْتَصِرُونَ في الدُّعاءِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا - قالَ قَوْمٌ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ. وكَوْنُهم لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ظاهِرٌ؛ إذْ لا نَصِيبَ لَهم فِيها مِن كَرامَةٍ ونَعِيمٍ وثَوابٍ. وقالَ قَوْمٌ: هَؤُلاءِ قَدْ يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ ولَكِنَّهم يَسْألُونَ اللَّهَ لِدُنْياهم لا لِأُخْراهُمْ، ويَكُونُ سُؤالُهم هَذا مِن جُمْلَةِ الذُّنُوبِ، حَيْثُ سَألُوا اللَّهَ تَعالى - في أعْظَمِ المَواقِفِ وأشْرَفِ المَشاهِدِ - حُطامَ الدُّنْيا وعَرَضَها الفانِيَ، مُعْرِضِينَ عَنْ سُؤالِ النَّعِيمِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ..! ومَعْنى كَوْنِهِمْ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ، أيْ: إلّا أنْ يَتُوبُوا، أوْ إلّا أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ، أوْ لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ، كَخَلاقِ مَن سَألَ المَوْلى لِآخِرَتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. كَذا يُسْتَفادُ مِنَ الرّازِيِّ.

Al-Baqara 2:200Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.