Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 181–190 of 286

181

فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعْدَمَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثْمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

Then whoever alters the bequest after he has heard it - the sin is only upon those who have altered it. Indeed, Allah is Hearing and Knowing.

﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ غَيْرَهُ مِنَ الأوْصِياءِ والشُّهُودِ. ﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ أيْ وصَلَ إلَيْهِ وتَحَقَّقَ عِنْدِهِ، ﴿فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ فَما إثْمُ الإيصاءِ المُغَيَّرِ أوِ التَّبْدِيلِ إلّا عَلى مُبْدِلِيهِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ خافُوا وخالَفُوا الشَّرْعَ.

﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وعِيدٌ لِلْمُبَدِّلِ بِغَيْرِ حَقٍّ.

﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ﴾ أيْ تَوَقَّعَ وعَلِمَ، مِن قَوْلِهِمْ أخافُ أنْ تُرْسَلَ السَّماءُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ « مُوصٍّ» مُشَدَّدًا. ﴿جَنَفًا﴾ مَيْلًا بِالخَطَأِ في الوَصِيَّةِ. ﴿أوْ إثْمًا﴾ تَعَمُّدًا لِلْحَيْفِ. ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ بَيْنَ المُوصى لَهم بِإجْرائِهِمْ عَلى نَهْجِ الشَّرْعِ. ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ في هَذا التَّبْدِيلِ، لِأنَّهُ تَبْدِيلٌ باطِلٌ إلى حَقٍّ بِخِلافِ الأوَّلِ. ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعْدٌ لِلْمُصْلِحِ، وذَكَرَ المَغْفِرَةَ لِمُطابَقَةِ ذِكْرِ الإثْمِ وكَوْنِ الفِعْلِ مِن جِنْسِ ما يُؤْثِمُ.

Al-Baqara 2:181Listen in Qur'an →
182

فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍۢ جَنَفًا أَوْ إِثْمًۭا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

But if one fears from the bequeather [some] error or sin and corrects that which is between them, there is no sin upon him. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ غَيْرَهُ مِنَ الأوْصِياءِ والشُّهُودِ. ﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ أيْ وصَلَ إلَيْهِ وتَحَقَّقَ عِنْدِهِ، ﴿فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ فَما إثْمُ الإيصاءِ المُغَيَّرِ أوِ التَّبْدِيلِ إلّا عَلى مُبْدِلِيهِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ خافُوا وخالَفُوا الشَّرْعَ.

﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وعِيدٌ لِلْمُبَدِّلِ بِغَيْرِ حَقٍّ.

﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ﴾ أيْ تَوَقَّعَ وعَلِمَ، مِن قَوْلِهِمْ أخافُ أنْ تُرْسَلَ السَّماءُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ « مُوصٍّ» مُشَدَّدًا. ﴿جَنَفًا﴾ مَيْلًا بِالخَطَأِ في الوَصِيَّةِ. ﴿أوْ إثْمًا﴾ تَعَمُّدًا لِلْحَيْفِ. ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ بَيْنَ المُوصى لَهم بِإجْرائِهِمْ عَلى نَهْجِ الشَّرْعِ. ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ في هَذا التَّبْدِيلِ، لِأنَّهُ تَبْدِيلٌ باطِلٌ إلى حَقٍّ بِخِلافِ الأوَّلِ. ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعْدٌ لِلْمُصْلِحِ، وذَكَرَ المَغْفِرَةَ لِمُطابَقَةِ ذِكْرِ الإثْمِ وكَوْنِ الفِعْلِ مِن جِنْسِ ما يُؤْثِمُ.

Al-Baqara 2:182Listen in Qur'an →
183

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

O you who have believed, decreed upon you is fasting as it was decreed upon those before you that you may become righteous -

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ يَعْنِي الأنْبِياءَ والأُمَمَ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ تَوْكِيدٌ لِلْحُكْمِ وتَرْغِيبٌ في الفِعْلِ وتَطْيِيبٌ عَلى النَّفْسِ. والصَّوْمُ في اللُّغَةِ: الإمْساكُ عَمّا تُنازِعُ إلَيْهِ النَّفْسُ، وفي الشَّرْعِ: الإمْساكُ عَنِ المُفْطِراتِ بَياضَ النَّهارِ، فَإنَّها مُعْظَمُ ما تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ. ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ المَعاصِيَ فَإنَّ الصَّوْمَ يَكْسِرُ الشَّهْوَةَ الَّتِي هي مَبْدَؤُها كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجاءٌ» أوِ الإخْلالُ بِأدائِهِ لِأصالَتِهِ وقِدَمِهِ.

Al-Baqara 2:183Listen in Qur'an →
184

أَيَّامًۭا مَّعْدُودَٰتٍۢ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ فَعِدَّةٌۭ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌۭ طَعَامُ مِسْكِينٍۢ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًۭا فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّهُۥ ۚ وَأَن تَصُومُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

[Fasting for] a limited number of days. So whoever among you is ill or on a journey [during them] - then an equal number of days [are to be made up]. And upon those who are able [to fast, but with hardship] - a ransom [as substitute] of feeding a poor person [each day]. And whoever volunteers excess - it is better for him. But to fast is best for you, if you only knew.

﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ مُؤَقَّتاتٍ بِعَدَدٍ مَعْلُومٍ، أوْ قَلائِلَ. فَإنَّ القَلِيلَ مِنَ المالِ يُعَدُّ عَدًّا والكَثِيرُ يُهالُ هَيْلًا، ونَصْبُها لَيْسَ بِالصِّيامِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بَلْ بِإضْمارِ صُومُوا لِدَلالَةِ الصِّيامِ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِها رَمَضانُ أوْ ما وجَبَ صَوْمُهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ ونُسِخَ بِهِ، وهو عاشُوراءُ أوْ ثَلاثَةُ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، أوْ بِـ ﴿كَما كُتِبَ﴾ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ عَلى السِّعَةِ. وقِيلَ مَعْناهُ صَوْمُكم كَصَوْمِهِمْ في عَدَدِ الأيّامِ، لِما رُوِيَ: أنَّ رَمَضانَ كُتِبَ عَلى النَّصارى، فَوَقَعَ في بَرْدٍ أوْ حَرٍّ شَدِيدٍ فَحَوَّلُوهُ إلى الرَّبِيعِ وزادُوا عَلَيْهِ عِشْرِينَ كَفّارَةً لِتَحْوِيلِهِ. وقِيلَ زادُوا ذَلِكَ لَمُوتانٍ - أصابَهم. ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ مَرَضًا يَضُرُّهُ الصَّوْمُ أوْ يَعْسُرُ مَعَهُ. أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ راكِبِ سَفَرٍ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ مَن سافَرَ أثْناءَ اليَوْمِ لَمْ يُفْطِرْ. ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ صَوْمُ عَدَدِ أيّامِ المَرَضِ أوِ السَّفَرِ مِن أيّامٍ أُخَرَ إنْ أفْطَرَ، فَحُذِفَ الشَّرْطُ والمُضافُ والمُضافُ إلَيْهِ لِلْعِلْمِ بِها.

وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ أيْ فَلْيَصُمْ عِدَّةً، وهَذا عَلى سَبِيلِ الرُّخْصَةِ. وقِيلَ عَلى الوُجُوبِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الظّاهِرِيَّةُ وبِهِ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ وعَلى المُطِيقِينَ لِلصِّيامِ إنْ أفْطَرُوا. ﴿فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ أوْ صاعٌ مِن غَيْرِهِ عِنْدَ فُقَهاءِ العِراقِ، ومُدٌّ عِنْدَ فُقَهاءِ الحِجازِ. رُخِّصَ لَهم في ذَلِكَ أوَّلَ الأمْرِ لَمّا أُمِرُوا بِالصَّوْمِ فاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم لَمْ يَتَعَوَّدُوهُ، ثُمَّ نُسِخَ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ بِإضافَةِ الفِدْيَةِ إلى الطَّعامِ وجَمْعِ « المَساكِينِ» . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ هِشامٍ « مَساكِينَ» بِغَيْرِ إضافَةِ الفِدْيَةِ إلى الطَّعامِ، والباقُونَ بِغَيْرِ إضافَةٍ وتَوْحِيدِ مِسْكِينٍ، وقُرِئَ « يُطَوِّقُونَهُ» أيْ يُكَلِّفُونَهُ ويُقَلِّدُونَهُ في الطَّوْقِ بِمَعْنى الطّاقَةِ أوِ القِلادَةِ ويَتَطَوَّقُونَهُ أيْ يَتَكَلَّفُونَهُ، أوْ يَتَقَلَّدُونَهُ ويُطَوِّقُونَهُ بِالإدْغامِ، و « يُطِيقُونَهُ» و « يَطِيقُونَهُ» عَلى أنَّ أصْلَهُما يُطَيُّوقُونَهُ ويَتَطَوَّقُونَهُ مِن فَيْعَلٍ وتَفْعِيلٍ بِمَعْنى يُطَوِّقُونَهُ ويَتَطَوَّقُونَهُ، وعَلى هَذِهِ القِراءاتِ يَحْتَمِلُ مَعْنًى ثانِيًا وهو الرُّخْصَةُ لِمَن يُتْعِبُهُ الصَّوْمُ ويُجْهِدُهُ. وهُمُ الشُّيُوخُ والعَجائِزُ. في الإفْطارِ والفِدْيَةِ، فَيَكُونُ ثابِتًا وقَدْ أوَّلَ بِهِ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ، أيْ يَصُومُونَهُ جُهْدَهم وطاقَتَهم. ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فَزادَ في الفِدْيَةِ. ﴿فَهُوَ﴾ فالتَّطَوُّعُ أوِ الخَيْرُ. ﴿خَيْرٌ لَهُ وأنْ تَصُومُوا﴾ أيُّها المُطِيقُونَ، أوِ المُطَوِّقُونَ وجَهِدْتُمْ طاقَتَكم. أوِ المُرَخِّصُونَ في الإفْطارِ لِيَنْدَرِجَ تَحْتَهُ المَرِيضُ والمُسافِرُ. ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الفِدْيَةِ أوْ تَطَوُّعِ الخَيْرِ أوْ مِنهُما ومِنَ التَّأْخِيرِ لِلْقَضاءِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما في الصَّوْمِ مِنَ الفَضِيلَةِ وبَراءَةِ الذِّمَّةِ، وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ أيِ اخْتَرْتُمُوهُ. وقِيلَ مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ والتَّدَبُّرِ عَلِمْتُمْ أنَّ الصَّوْمَ خَيْرٌ لَكم مِن ذَلِكَ.

Al-Baqara 2:184Listen in Qur'an →
185

شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٍۢ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ فَعِدَّةٌۭ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

The month of Ramadhan [is that] in which was revealed the Qur'an, a guidance for the people and clear proofs of guidance and criterion. So whoever sights [the new moon of] the month, let him fast it; and whoever is ill or on a journey - then an equal number of other days. Allah intends for you ease and does not intend for you hardship and [wants] for you to complete the period and to glorify Allah for that [to] which He has guided you; and perhaps you will be grateful.

﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ذَلِكم شَهْرُ رَمَضانَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الصِّيامِ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ كُتُبٍ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ صِيامُ شَهْرِ رَمَضانَ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ صُومُوا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ، ﴿وَأنْ تَصُومُوا﴾ وفِيهِ ضَعْفٌ، أوْ بَدَلٌ مِن أيّامٍ مَعْدُوداتٍ. والشَّهْرُ: مِنَ الشُّهْرَةِ، ورَمَضانُ: مَصْدَرُ رَمَضَ إذا احْتَرَقَ فَأُضِيفَ إلَيْهِ الشَّهْرُ وجُعِلَ عَلَمًا ومُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والألِفِ والنُّونِ، كَما مُنِعَ دَأْيَةُ في ابْنِ دَأْيَةَ عَلَمًا لِلْغُرابِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ،

وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن صامَ رَمَضانَ» فَعَلى حَذْفِ المُضافِ لِأمْنِ الِالتِباسِ، وإنَّما سَمَّوْهُ بِذَلِكَ إمّا لِارْتِماضِهِمْ فِيهِ مِن حَرِّ الجُوعِ والعَطَشِ، أوْ لِارْتِماضِ الذُّنُوبِ فِيهِ، أوْ لِوُقُوعِهِ أيّامَ رَمْضِ الحَرِّ حِينَ ما نَقَلُوا أسْماءَ الشُّهُورِ عَنِ اللُّغَةِ القَدِيمَةِ. ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ أيِ ابْتَدِئْ فِيهِ إنْزالُهُ، وكانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ القَدْرِ، أوْ أنْزِلُ فِيهِ جُمْلَةً إلى سَماءِ الدُّنْيا ثُمَّ نَزَلَ مُنَجَّمًا إلى الأرْضِ، أوْ أُنْزِلَ في شَأْنِهِ القُرْآنُ وهو قَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ .

وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلَ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، وأُنْزِلَتِ التَّوْراةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ، والإنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ، والقُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ»

والمَوْصُولُ بِصِلَتِهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ أوْ صِفَتُهُ والخَبَرُ فَمَن شَهِدَ، والفاءُ لِوَصْفِ المُبْتَدَأِ بِما تَضَمَّنَ مَعْنى الشَّرْطِ. وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ الإنْزالَ فِيهِ سَبَبُ اخْتِصاصِهِ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ. ﴿هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ حالانِ مِنَ القُرْآنِ، أنْ أُنْزِلَ وهو هِدايَةٌ لِلنّاسِ بِإعْجازِهِ وآياتُ واضِحاتُ مِمّا يَهْدِي إلى الحَقِّ، ويُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الباطِلِ بِما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ. ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فَمَن حَضَرَ في الشَّهْرِ ولَمْ يَكُنْ مُسافِرًا فَلْيَصُمْ فِيهِ، والأصْلُ فَمَن شَهِدَ فِيهِ فَلْيَصُمْ فِيهِ، لَكِنُ وُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ الأوَّلِ لِلتَّعْظِيمِ، ونُصِبَ عَلى الظَّرْفِ وحُذِفَ الجارُّ ونُصِبَ الضَّمِيرُ الثّانِي عَلى الِاتِّساعِ. وقِيلَ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ﴾ هِلالَ الشَّهْرِ فَلْيَصُمْهُ، عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ كَقَوْلِكَ: شَهِدْتُ الجُمُعَةَ أيْ صَلاتَها فَيَكُونُ ﴿وَمَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ مُخَصَّصًا لَهُ، لِأنَّ المُسافِرَ والمَرِيضَ مِمَّنْ شَهِدَ الشَّهْرَ ولَعَلَّ تَكْرِيرَهُ لِذَلِكَ، أوْ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ نَسْخُهُ كَما نُسِخَ قَرِينُهُ. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ أيْ يُرِيدُ أنْ يُيَسِّرَ عَلَيْكم ولا يُعَسِّرَ عَلَيْكُمْ، فَلِذَلِكَ أباحَ الفِطْرَ في السَّفَرِ والمَرَضِ. ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ عِلَلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما سَبَقَ، أيْ وشَرَعَ جُمْلَةَ ما ذُكِرَ مِن أمْرِ الشّاهِدِ بِصَوْمِ الشَّهْرِ والمُرَخَّصِ بِالقَضاءِ ومُراعاةِ عِدَّةِ ما أفْطَرَ فِيهِ، والتَّرْخِيصُ ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ إلى آخِرِها عَلى سَبِيلِ اللَّفِّ، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ عِلَّةُ الأمْرِ بِمُراعاةِ العِدَّةِ، ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ عِلَّةُ …

Al-Baqara 2:185Listen in Qur'an →
186

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

And when My servants ask you, [O Muhammad], concerning Me - indeed I am near. I respond to the invocation of the supplicant when he calls upon Me. So let them respond to Me [by obedience] and believe in Me that they may be [rightly] guided.

﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ أيْ فَقُلْ لَهم إنِّي قَرِيبٌ، وهو تَمْثِيلٌ لِكَمالِ عِلْمِهِ بِأفْعالِ العِبادِ وأقْوالِهِمْ واطِّلاعِهِ عَلى أحْوالِهِمْ بِحالِ مَن قَرُبَ مَكانُهُ مِنهُمْ،

رُوِيَ: «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أقَرِيبُ رَبُّنا فَنُناجِيهِ أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيهِ فَنَزَلَتْ ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْقُرْبِ. ووَعْدٌ لِلدّاعِي بِالإجابَةِ.»

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ إذا دَعَوْتُهم لِلْإيمانِ والطّاعَةِ كَما أُجِيبُهم إذا دَعَوْنِي لِمُهِمّاتِهِمْ ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ أمْرٌ بِالثَّباتِ والمُداوَمَةِ عَلَيْهِ. ﴿لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾ راجِينَ إصابَةَ الرُّشْدِ وهو إصابَةُ الحَقِّ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الشِّينِ وكَسْرِها.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِصَوْمِ الشَّهْرِ ومُراعاةِ العِدَّةِ، وحَثِّهِمْ عَلى القِيامِ بِوَظائِفِ التَّكْبِيرِ والشُّكْرِ، عَقَّبَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ تَعالى خَبِيرٌ بِأحْوالِهِمْ، سَمِيعٌ لِأقْوالِهِمْ مُجِيبٌ لِدُعائِهِمْ، مُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ تَأْكِيدًا لَهُ وحَثًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أحْكامَ الصَّوْمِ فَقالَ:

Al-Baqara 2:186Listen in Qur'an →
187

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌۭ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌۭ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَٱلْـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَٰجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

It has been made permissible for you the night preceding fasting to go to your wives [for sexual relations]. They are clothing for you and you are clothing for them. Allah knows that you used to deceive yourselves, so He accepted your repentance and forgave you. So now, have relations with them and seek that which Allah has decreed for you. And eat and drink until the white thread of dawn becomes distinct to you from the black thread [of night]. Then complete the fast until the sunset. And do not have relations with them as long as you are staying for worship in the mosques. These are the limits [set by] Allah, so do not approach them. Thus does Allah make clear His ordinances to the people that they may become righteous.

﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ رُوِيَ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا أمْسَوْا حَلَّ لَهُمُ الأكْلُ والشُّرْبُ والجِماعُ إلى أنْ يُصَلُّوا العِشاءَ الآخِرَةَ أوْ يَرْقُدُوا، ثُمَّ: إنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ باشَرَ بَعْدَ العِشاءِ فَنَدِمَ وأتى النَّبِيَّ ﷺ واعْتَذَرَ إلَيْهِ، فَقامَ رِجالٌ واعْتَرَفُوا بِما صَنَعُوا بَعْدَ العِشاءِ فَنَزَلَتْ.

وَلَيْلَةُ الصِّيامِ: اللَّيْلَةُ الَّتِي تُصْبِحُ مِنها صائِمًا، والرَّفَثُ: كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، لِأنَّهُ لا يَكادُ يَخْلُو مِن رَفَثٍ وهو الإفْصاحُ بِما يَجِبُ أنْ يُكَنّى عَنْهُ، وعُدِّيَ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإفْضاءِ، وإيثارُهُ هاهُنا لِتَقْبِيحِ ما ارْتَكَبُوهُ ولِذَلِكَ سَمّاهُ خِيانَةً. وقُرِئَ « الرُّفُوثُ» ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ اسْتِئْنافٌ يُبَيِّنُ سَبَبَ الإحْلالِ وهو قِلَّةُ الصَّبْرِ عَنْهُنَّ، وصُعُوبَةُ اجْتِنابِهِنَّ لِكَثْرَةِ المُخالَطَةِ وشِدَّةِ المُلابَسَةِ، ولَمّا كانَ الرَّجُلُ والمَرْأةُ يَعْتَنِقانِ ويَشْتَمِلُ كُلٌّ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ شُبِّهَ بِاللِّباسِ قالَ الجَعْدِيُّ:

؎ إذا ما الضَّجِيعُ ثَنّى عِطْفَها... تَثَنَّتْ فَكانَتْ عَلَيْهِ لِباسا

أوْ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَسْتُرُ حالَ صاحِبِهِ ويَمْنَعُهُ مِنَ الفُجُورِ. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ تَظْلِمُونَها بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ، وتَنْقِيصِ حَظِّها مِنَ الثَّوابِ، والِاخْتِيانُ أبْلَغُ مِنَ الخِيانَةِ كالِاكْتِسابِ مِنَ الكَسْبِ.

﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ لَمّا تُبْتُمْ مِمّا اقْتَرَفْتُمُوهُ. ﴿وَعَفا عَنْكُمْ﴾ ومَحا عَنْكم أثَرَهُ. ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ لَمّا نَسَخَ عَنْكُمُ التَّحْرِيمَ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالقُرْآنِ، والمُباشَرَةُ: إلْزاقُ البَشَرَةِ كُنِّيَ بِهِ عَنِ الجِماعِ. ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ واطْلُبُوا ما قَدَّرَهُ لَكم وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِنَ الوَلَدِ، والمَعْنى أنَّ المُباشِرَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ غَرَضُهُ الوَلَدَ فَإنَّهُ الحِكْمَةُ مِن خَلْقِ الشَّهْوَةِ. وشَرَعَ النِّكاحَ لا قَضاءَ الوَطَرِ، وقِيلَ النَّهْيُ عَنِ العَزْلِ، وقِيلَ عَنْ غَيْرِ المَأْتِيِّ. والتَّقْدِيرُ وابْتَغُوا المَحِلَّ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم. ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ شَبَّهَ أوَّلَ ما يَبْدُو مِنَ الفَجْرِ المُعْتَرِضِ في الأُفُقِ وما يَمْتَدُّ مَعَهُ مِن غَبَشِ اللَّيْلِ، بِخَيْطَيْنِ أبْيَضَ وأسْوَدَ، واكْتَفى بِبَيانِ الخَيْطِ الأبْيَضِ بِقَوْلِهِ ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ عَنْ بَيانِ الخَيْطِ الأسْوَدِ، لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ. وبِذَلِكَ خَرَجا عَنِ الِاسْتِعارَةِ إلى التَّمْثِيلِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلتَّبْعِيضِ، فَإنَّ ما يَبْدُو بَعْضُ الفَجْرِ. وما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ ولَمْ يَنْزِلْ مِنَ الفَجْرِ، فَعَمَدَ رِجالٌ إلى خَيْطَيْنِ أسْوَدَ وأبْيَضَ ولا يَزالُونَ يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ حَتّى يَتَبَيَّنا لَهم فَنَزَلَتْ، إنْ صَحَّ فَلَعَلَّهُ كانَ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضانَ وتَأْخِيرِ البَيانِ إلى وقْتِ الحاجَةِ جائِزَةً، أوِ اكْتَفى أوَّلًا بِاشْتِهارِهِما في ذَلِكَ ثُمَّ صَرَّحَ بِالبَيانِ لِما التَبَسَ عَلى بَعْضِهِمْ وفي تَجْوِيزِ المُباشَرَةِ إلى الصُّبْحِ الدَّلالَةُ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ الغُسْلِ إلَيْهِ وصِحَّةِ صَوْمِ المُصْبِحِ جُنُبًا ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ بَيانٌ لِآخِرِ وقْتِهِ اللَّيْلِ عَنْهُ فَيَنْفِي صَوْمَ الوِصالِ ﴿وَلا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في …

Al-Baqara 2:187Listen in Qur'an →
188

وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا۟ فَرِيقًۭا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

And do not consume one another's wealth unjustly or send it [in bribery] to the rulers in order that [they might aid] you [to] consume a portion of the wealth of the people in sin, while you know [it is unlawful].

﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ أيْ ولا يَأْكُلُ بَعْضُكم مالَ بَعْضٍ بِالوَجْهِ الَّذِي لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ تَعالى.

وَبَيْنَ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، أوِ الحالِ مِنَ الأمْوالِ. ﴿وَتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ﴾ عَطْفٌ عَلى المَنهِيِّ، أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ أنَّ والإدْلاءُ الإلْقاءُ، أيْ ولا تُلْقُوا حُكُومَتَها إلى الحُكّامِ. ﴿لِتَأْكُلُوا﴾ بِالتَّحاكُمِ. ﴿فَرِيقًا﴾ طائِفَةً. ﴿مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ﴾ بِما يُوجِبُ إثْمًا، كَشَهادَةِ الزُّورِ واليَمِينِ الكاذِبَةِ، أوْ مُلْتَبِسِينَ بِالإثْمِ. ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّكم مُبْطِلُونَ، فَإنَّ ارْتِكابَ المَعْصِيَةِ مَعَ العِلْمِ بِها أقْبَحُ.

«رُوِيَ أنَّ عَبْدانَ الحَضْرَمِيَّ ادَّعى عَلى امْرِئِ القَيْسِ الكِنْدِيِّ قِطْعَةً مِن أرْضٍ ولَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَحَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَحْلِفَ امْرُؤُ القَيْسِ، فَهَمَّ بِهِ فَقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ الآيَةَ. فارْتَدَعَ عَنِ اليَمِينِ، وسَلَّمَ الأرْضَ إلى عَبْدانَ، فَنَزَلَتْ.» وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حُكْمَ القاضِي لا يَنْفُذُ باطِنًا، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إنَّما أنا بَشَرٌ وأنْتُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ولَعَلَّ بَعْضَكم يَكُونُ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فَأقْضِي لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ مِنهُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِن حَقِّ أخِيهِ فَإنَّما أقْضِي لَهُ قِطْعَةً مِن نارِهِ» .

Al-Baqara 2:188Listen in Qur'an →
189

۞ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَٰبِهَا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

They ask you, [O Muhammad], about the new moons. Say, "They are measurements of time for the people and for Hajj." And it is not righteousness to enter houses from the back, but righteousness is [in] one who fears Allah. And enter houses from their doors. And fear Allah that you may succeed.

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ سَألَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وثَعْلَبَةُ بْنُ غَنْمٍ فَقالا: (ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو دَقِيقًا كالخَيْطِ، ثُمَّ يَزِيدُ حَتّى يَسْتَوِيَ، ثُمَّ لا يَزالُ يَنْقُصُ حَتّى يَعُودَ كَما بَدَأ) ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ فَإنَّهم سَألُوا عَنِ الحِكْمَةِ في اخْتِلافِ حالِ القَمَرِ وتَبَدُّلِ أمْرِهِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُجِيبَ بِأنَّ الحِكْمَةَ الظّاهِرَةَ في ذَلِكَ أنْ تَكُونَ مَعالِمَ لِلنّاسِ يُؤَقِّتُونَ بِها أُمُورَهُمْ، ومَعالِمَ لِلْعِباداتِ المُؤَقَّتَةِ يُعْرَفُ بِها أوْقاتُها. وخُصُوصًا الحَجَّ فَإنَّ الوَقْتَ مُراعًى فِيهِ أداءً وقَضاءً. والمَواقِيتُ: جَمْعُ مِيقاتٍ، مِنَ الوَقْتِ والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُدَّةِ والزَّمانِ: أنَّ المُدَّةَ المُطْلَقَةَ امْتِدادُ حَرَكَةِ الفَلَكِ مِن مَبْدَئِها إلى مُنْتَهاها. والزَّمانُ: مُدَّةٌ مَقْسُومَةٌ، والوَقْتُ: الزَّمانُ المَفْرُوضُ لِأمْرٍ. ﴿وَلَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ووَرْشٌ وحَفْصٌ بِضَمِّ الباءِ، والباقُونَ بِالكَسْرِ. ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى﴾ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِتَخْفِيفِ ولَكِنْ، ورَفْعِ البِرِّ. كانَتِ الأنْصارُ إذا أحْرَمُوا لَمْ يَدْخُلُوا دارًا ولا فُسْطاطًا مِن بابِهِ، وإنَّما يَدْخُلُونَ مِن نَقْبٍ أوْ فُرْجَةٍ وراءَهُ، ويَعُدُّونَ ذَلِكَ بِرًّا، فَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ لَيْسَ بِبِرٍّ وإنَّما البِرُّ: بِرُّ مِنِ اتَّقى المَحارِمَ والشَّهَواتِ، ووَجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ أنَّهم سَألُوا عَنِ الأمْرَيْنِ. أوْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّها مَواقِيتُ الحَجِّ وهَذا أيْضًا مِن أفْعالِهِمْ في الحَجِّ ذَكَرَهُ لِلِاسْتِطْرادِ، أوْ أنَّهم لَمّا سَألُوا عَمّا لا يَعْنِيهِمْ ولا يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ النُّبُوَّةِ وتَرَكُوا السُّؤالَ عَمّا يَعْنِيهِمْ ويَخْتَصُّ بِعِلْمِ النُّبُوَّةِ، عَقَّبَ بِذِكْرِهِ جَوابَ ما سَألُوهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اللّائِقَ بِهِمْ أنْ يَسْألُوا أمْثالَ ذَلِكَ ويَهْتَمُّوا بِالعِلْمِ بِها، أوْ أنَّ المُرادَ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلى تَعْكِيسِهِمْ في السُّؤالِ بِتَمْثِيلِ حالِهِمْ بِحالِ مَن تَرَكَ بابَ البَيْتِ ودَخَلَ مِن ورائِهِ. والمَعْنى: ولَيْسَ البَرَّ بِأنْ تَعْكِسُوا مَسائِلَكم ولَكِنَّ البَرَّ بِرَّ مَنِ اتَّقى ذَلِكَ ولَمْ يَجْسُرْ عَلى مِثْلِهِ. ﴿وَأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها﴾ إذْ لَيْسَ في العُدُولِ بِرٌّ فَباشِرُوا الأُمُورَ مِن وُجُوهِها. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في تَغْيِيرِ أحْكامِهِ والِاعْتِراضِ عَلى أفْعالِهِ. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ لِكَيْ تَظْفَرُوا بِالهُدى والبِرِّ.

Al-Baqara 2:189Listen in Qur'an →
190

وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ

Fight in the way of Allah those who fight you but do not transgress. Indeed. Allah does not like transgressors.

﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جاهِدُوا لِإعْلاءِ كَلِمَتِهِ وإعْزازِ دِينِهِ. ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ قِيلَ: كانَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ أُمِرُوا بِقِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً المُقاتِلِينَ مِنهم والمُحاجِزِينَ. وقِيلَ مَعْناهُ الَّذِينَ يُناصِبُونَكُمُ القِتالَ ويُتَوَقَّعُ مِنهم ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ المَشايِخِ والصِّبْيانِ والرُّهْبانِ والنِّساءِ، أوِ الكَفَرَةُ كُلُّهم فَإنَّهم بِصَدَدِ قِتالِ المُسْلِمِينَ وعَلى قَصْدِهِ. ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما

رُوِيَ: أنَّ المُشْرِكِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وصالَحُوهُ عَلى أنْ يَرْجِعَ مِن قابِلٍ فَيُخْلُوا لَهُ مَكَّةَ. شَرَّفَها اللَّهُ. ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَرَجَعَ لِعُمْرَةِ القَضاءِ وخافَ المُسْلِمُونَ أنْ لا يُوفُوا لَهم ويُقاتِلُوهم في الحَرَمِ. أوِ الشَّهْرِ الحَرامِ وكَرِهُوا ذَلِكَ فَنَزَلَتْ: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ بِابْتِداءِ القِتالِ، أوْ بِقِتالِ المُعاهَدِ، أوِ المُفاجَأةِ بِهِ مِن غَيْرِ دَعْوَةٍ، أوِ المُثْلَةِ، أوْ قَتْلِ مَن نُهِيتُمْ عَنْ قَتْلِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ لا يُرِيدُ بِهِمُ الخَيْرَ.

Al-Baqara 2:190Listen in Qur'an →

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.