Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 181–190 of 286

181

فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعْدَمَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثْمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

Then whoever alters the bequest after he has heard it - the sin is only upon those who have altered it. Indeed, Allah is Hearing and Knowing.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أو إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهم فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أو عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

الضَمِيرُ في "بَدَّلَهُ" عائِدٌ عَلى الإيصاءِ وأمْرِ المَيِّتِ، وكَذَلِكَ في "سَمِعَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الَّذِي في "سَمِعَهُ" عَلى أمْرِ اللهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أسْبَقُ لِلنّاظِرِ، لَكِنَّ في ضِمْنِهِ أنْ يَكُونَ المُبَدِّلُ عالِمًا بِالنَهْيِ عامِدًا لِخِلافِهِ. والضَمِيرُ في "إثْمُهُ" عائِدٌ عَلى التَبْدِيلِ، و﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ صِفَتانِ لا يَخْفى مَعَهُما شَيْءٌ مِن جَنَفِ المُوصِينَ وتَبْدِيلِ المُتَعَدِّينَ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، عن عاصِمٍ: "مِن مُوصٍ" بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الصادِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ الواوِ.

والجَنَفُ: المَيْلُ، وقالَ الأعْشى:

؎ تَجانَفُ عن حَجْرِ اليَمامَةِ ناقَتِي وما قَصَدْتُ مِن أهْلِها لِسِوائِكا

وقالَ عامِرُ الرامِي الحَضْرَمِيُّ المُحارِبِيُّ:

؎ هَمَّ المَوْلى وقَدْ جَنِفُوا عَلَيْنا ∗∗∗ وإنّا مِن عَدَواتِهِمْ لَزُورُ

ومَعْنى الآيَةِ عَلى ما قالَ مُجاهِدٌ: مَن خَشِيَ أنْ يَحِيفَ المُوصِي ويَقْطَعَ مِيراثَ طائِفَةٍ، ويَتَعَمَّدَ الإذايَةَ أو يَأْتِيَها دُونَ تَعَمُّدٍ، وذَلِكَ هو الجَنَفُ دُونَ إثْمٍ، وإذا تَعَمَّدَ فَهو الجَنَفُ في إثْمٍ، فالمَعْنى: مَن وعْظَهُ في ذَلِكَ ورَدَّهُ عنهُ، فَأصْلَحَ بِذَلِكَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ ورَثَتِهِ، وما بَيْنَ الوَرَثَةِ في ذاتِهِمْ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾. ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ عَنِ المُوصِي إذا عَمِلَتْ فِيهِ المَوْعِظَةُ، ورَجَعَ عَمّا أرادَ مِنَ الإذايَةِ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِهِ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَتادَةُ والرَبِيعُ: مَعْنى الآيَةِ: مَن خافَ، أيْ عَلِمَ ورَأى وأتى عِلْمُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ المُوصِي أنَّ المُوصِي حافَ وجَنَفَ وتَعَمَّدَ إذايَةَ بَعْضِ ورَثَتِهِ، فَأصْلَحَ ما وقَعَ بَيْنَ الوَرَثَةِ مِنَ الِاضْطِرابِ والشِقاقِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، أيْ لا يَلْحَقُهُ إثْمُ المُبَدِّلِ المَذْكُورِ قَبْلُ وإنْ كانَ في فِعْلِهِ تَبْدِيلٌ ما ولا بُدَّ، ولَكِنَّهُ تَبْدِيلٌ لِمَصْلَحَةٍ، والتَبْدِيلُ الَّذِي فِيهِ الإثْمُ إنَّما هو تَبْدِيلُ الهَوى، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: "فَلا إثْمَ" عَلَيْهِ بِحَذْفِ الألِفِ.

و" كُتِبَ " مَعْناهُ فُرِضَ. و"الصِيامُ" في اللُغَةِ: الإمْساكُ وتَرْكُ التَنَقُّلِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:

؎ خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجِ، وخَيْلٌ تَعْلُكُ اللُجُما

أيْ: خَيْلٌ ثابِتَةٌ مُمْسِكَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] أيْ: إمْساكًا عَنِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎ كَأنَّ الثُرَيّا عَلِّقَتْ في مَصامِها ∗∗∗.................

أيْ في مَوْضِعِ ثُبُوتِها وامْتِساكِها، ومِنهُ قَوْلُهُ:

؎ فَدَعْ ذا وسَلِّ الهَمَّ عنكَ بِجَسْرَةٍ ∗∗∗ ذُمُولٌ إذا صامَ النَهارُ وهَجَّرا

أيْ: وقَفَتِ الشَمْسُ عَنِ الِانْتِقالِ وثَبَتَتْ.

والصِيامُ في الشَرْعِ: إمْساكٌ عَنِ الطَعامِ …

Al-Baqara 2:181Listen in Qur'an →
182

فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍۢ جَنَفًا أَوْ إِثْمًۭا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

But if one fears from the bequeather [some] error or sin and corrects that which is between them, there is no sin upon him. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أو إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهم فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أو عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

الضَمِيرُ في "بَدَّلَهُ" عائِدٌ عَلى الإيصاءِ وأمْرِ المَيِّتِ، وكَذَلِكَ في "سَمِعَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الَّذِي في "سَمِعَهُ" عَلى أمْرِ اللهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أسْبَقُ لِلنّاظِرِ، لَكِنَّ في ضِمْنِهِ أنْ يَكُونَ المُبَدِّلُ عالِمًا بِالنَهْيِ عامِدًا لِخِلافِهِ. والضَمِيرُ في "إثْمُهُ" عائِدٌ عَلى التَبْدِيلِ، و﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ صِفَتانِ لا يَخْفى مَعَهُما شَيْءٌ مِن جَنَفِ المُوصِينَ وتَبْدِيلِ المُتَعَدِّينَ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، عن عاصِمٍ: "مِن مُوصٍ" بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الصادِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ الواوِ.

والجَنَفُ: المَيْلُ، وقالَ الأعْشى:

؎ تَجانَفُ عن حَجْرِ اليَمامَةِ ناقَتِي وما قَصَدْتُ مِن أهْلِها لِسِوائِكا

وقالَ عامِرُ الرامِي الحَضْرَمِيُّ المُحارِبِيُّ:

؎ هَمَّ المَوْلى وقَدْ جَنِفُوا عَلَيْنا ∗∗∗ وإنّا مِن عَدَواتِهِمْ لَزُورُ

ومَعْنى الآيَةِ عَلى ما قالَ مُجاهِدٌ: مَن خَشِيَ أنْ يَحِيفَ المُوصِي ويَقْطَعَ مِيراثَ طائِفَةٍ، ويَتَعَمَّدَ الإذايَةَ أو يَأْتِيَها دُونَ تَعَمُّدٍ، وذَلِكَ هو الجَنَفُ دُونَ إثْمٍ، وإذا تَعَمَّدَ فَهو الجَنَفُ في إثْمٍ، فالمَعْنى: مَن وعْظَهُ في ذَلِكَ ورَدَّهُ عنهُ، فَأصْلَحَ بِذَلِكَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ ورَثَتِهِ، وما بَيْنَ الوَرَثَةِ في ذاتِهِمْ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾. ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ عَنِ المُوصِي إذا عَمِلَتْ فِيهِ المَوْعِظَةُ، ورَجَعَ عَمّا أرادَ مِنَ الإذايَةِ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِهِ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَتادَةُ والرَبِيعُ: مَعْنى الآيَةِ: مَن خافَ، أيْ عَلِمَ ورَأى وأتى عِلْمُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ المُوصِي أنَّ المُوصِي حافَ وجَنَفَ وتَعَمَّدَ إذايَةَ بَعْضِ ورَثَتِهِ، فَأصْلَحَ ما وقَعَ بَيْنَ الوَرَثَةِ مِنَ الِاضْطِرابِ والشِقاقِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، أيْ لا يَلْحَقُهُ إثْمُ المُبَدِّلِ المَذْكُورِ قَبْلُ وإنْ كانَ في فِعْلِهِ تَبْدِيلٌ ما ولا بُدَّ، ولَكِنَّهُ تَبْدِيلٌ لِمَصْلَحَةٍ، والتَبْدِيلُ الَّذِي فِيهِ الإثْمُ إنَّما هو تَبْدِيلُ الهَوى، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: "فَلا إثْمَ" عَلَيْهِ بِحَذْفِ الألِفِ.

و" كُتِبَ " مَعْناهُ فُرِضَ. و"الصِيامُ" في اللُغَةِ: الإمْساكُ وتَرْكُ التَنَقُّلِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:

؎ خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجِ، وخَيْلٌ تَعْلُكُ اللُجُما

أيْ: خَيْلٌ ثابِتَةٌ مُمْسِكَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] أيْ: إمْساكًا عَنِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎ كَأنَّ الثُرَيّا عَلِّقَتْ في مَصامِها ∗∗∗.................

أيْ في مَوْضِعِ ثُبُوتِها وامْتِساكِها، ومِنهُ قَوْلُهُ:

؎ فَدَعْ ذا وسَلِّ الهَمَّ عنكَ بِجَسْرَةٍ ∗∗∗ ذُمُولٌ إذا صامَ النَهارُ وهَجَّرا

أيْ: وقَفَتِ الشَمْسُ عَنِ الِانْتِقالِ وثَبَتَتْ.

والصِيامُ في الشَرْعِ: إمْساكٌ عَنِ الطَعامِ …

Al-Baqara 2:182Listen in Qur'an →
183

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

O you who have believed, decreed upon you is fasting as it was decreed upon those before you that you may become righteous -

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أو إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهم فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أو عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

الضَمِيرُ في "بَدَّلَهُ" عائِدٌ عَلى الإيصاءِ وأمْرِ المَيِّتِ، وكَذَلِكَ في "سَمِعَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الَّذِي في "سَمِعَهُ" عَلى أمْرِ اللهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أسْبَقُ لِلنّاظِرِ، لَكِنَّ في ضِمْنِهِ أنْ يَكُونَ المُبَدِّلُ عالِمًا بِالنَهْيِ عامِدًا لِخِلافِهِ. والضَمِيرُ في "إثْمُهُ" عائِدٌ عَلى التَبْدِيلِ، و﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ صِفَتانِ لا يَخْفى مَعَهُما شَيْءٌ مِن جَنَفِ المُوصِينَ وتَبْدِيلِ المُتَعَدِّينَ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، عن عاصِمٍ: "مِن مُوصٍ" بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الصادِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ الواوِ.

والجَنَفُ: المَيْلُ، وقالَ الأعْشى:

؎ تَجانَفُ عن حَجْرِ اليَمامَةِ ناقَتِي وما قَصَدْتُ مِن أهْلِها لِسِوائِكا

وقالَ عامِرُ الرامِي الحَضْرَمِيُّ المُحارِبِيُّ:

؎ هَمَّ المَوْلى وقَدْ جَنِفُوا عَلَيْنا ∗∗∗ وإنّا مِن عَدَواتِهِمْ لَزُورُ

ومَعْنى الآيَةِ عَلى ما قالَ مُجاهِدٌ: مَن خَشِيَ أنْ يَحِيفَ المُوصِي ويَقْطَعَ مِيراثَ طائِفَةٍ، ويَتَعَمَّدَ الإذايَةَ أو يَأْتِيَها دُونَ تَعَمُّدٍ، وذَلِكَ هو الجَنَفُ دُونَ إثْمٍ، وإذا تَعَمَّدَ فَهو الجَنَفُ في إثْمٍ، فالمَعْنى: مَن وعْظَهُ في ذَلِكَ ورَدَّهُ عنهُ، فَأصْلَحَ بِذَلِكَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ ورَثَتِهِ، وما بَيْنَ الوَرَثَةِ في ذاتِهِمْ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾. ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ عَنِ المُوصِي إذا عَمِلَتْ فِيهِ المَوْعِظَةُ، ورَجَعَ عَمّا أرادَ مِنَ الإذايَةِ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِهِ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَتادَةُ والرَبِيعُ: مَعْنى الآيَةِ: مَن خافَ، أيْ عَلِمَ ورَأى وأتى عِلْمُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ المُوصِي أنَّ المُوصِي حافَ وجَنَفَ وتَعَمَّدَ إذايَةَ بَعْضِ ورَثَتِهِ، فَأصْلَحَ ما وقَعَ بَيْنَ الوَرَثَةِ مِنَ الِاضْطِرابِ والشِقاقِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، أيْ لا يَلْحَقُهُ إثْمُ المُبَدِّلِ المَذْكُورِ قَبْلُ وإنْ كانَ في فِعْلِهِ تَبْدِيلٌ ما ولا بُدَّ، ولَكِنَّهُ تَبْدِيلٌ لِمَصْلَحَةٍ، والتَبْدِيلُ الَّذِي فِيهِ الإثْمُ إنَّما هو تَبْدِيلُ الهَوى، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: "فَلا إثْمَ" عَلَيْهِ بِحَذْفِ الألِفِ.

و" كُتِبَ " مَعْناهُ فُرِضَ. و"الصِيامُ" في اللُغَةِ: الإمْساكُ وتَرْكُ التَنَقُّلِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:

؎ خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجِ، وخَيْلٌ تَعْلُكُ اللُجُما

أيْ: خَيْلٌ ثابِتَةٌ مُمْسِكَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] أيْ: إمْساكًا عَنِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎ كَأنَّ الثُرَيّا عَلِّقَتْ في مَصامِها ∗∗∗.................

أيْ في مَوْضِعِ ثُبُوتِها وامْتِساكِها، ومِنهُ قَوْلُهُ:

؎ فَدَعْ ذا وسَلِّ الهَمَّ عنكَ بِجَسْرَةٍ ∗∗∗ ذُمُولٌ إذا صامَ النَهارُ وهَجَّرا

أيْ: وقَفَتِ الشَمْسُ عَنِ الِانْتِقالِ وثَبَتَتْ.

والصِيامُ في الشَرْعِ: إمْساكٌ عَنِ الطَعامِ …

Al-Baqara 2:183Listen in Qur'an →
184

أَيَّامًۭا مَّعْدُودَٰتٍۢ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ فَعِدَّةٌۭ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌۭ طَعَامُ مِسْكِينٍۢ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًۭا فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّهُۥ ۚ وَأَن تَصُومُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

[Fasting for] a limited number of days. So whoever among you is ill or on a journey [during them] - then an equal number of days [are to be made up]. And upon those who are able [to fast, but with hardship] - a ransom [as substitute] of feeding a poor person [each day]. And whoever volunteers excess - it is better for him. But to fast is best for you, if you only knew.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أو إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهم فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أو عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

الضَمِيرُ في "بَدَّلَهُ" عائِدٌ عَلى الإيصاءِ وأمْرِ المَيِّتِ، وكَذَلِكَ في "سَمِعَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الَّذِي في "سَمِعَهُ" عَلى أمْرِ اللهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أسْبَقُ لِلنّاظِرِ، لَكِنَّ في ضِمْنِهِ أنْ يَكُونَ المُبَدِّلُ عالِمًا بِالنَهْيِ عامِدًا لِخِلافِهِ. والضَمِيرُ في "إثْمُهُ" عائِدٌ عَلى التَبْدِيلِ، و﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ صِفَتانِ لا يَخْفى مَعَهُما شَيْءٌ مِن جَنَفِ المُوصِينَ وتَبْدِيلِ المُتَعَدِّينَ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، عن عاصِمٍ: "مِن مُوصٍ" بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الصادِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ الواوِ.

والجَنَفُ: المَيْلُ، وقالَ الأعْشى:

؎ تَجانَفُ عن حَجْرِ اليَمامَةِ ناقَتِي وما قَصَدْتُ مِن أهْلِها لِسِوائِكا

وقالَ عامِرُ الرامِي الحَضْرَمِيُّ المُحارِبِيُّ:

؎ هَمَّ المَوْلى وقَدْ جَنِفُوا عَلَيْنا ∗∗∗ وإنّا مِن عَدَواتِهِمْ لَزُورُ

ومَعْنى الآيَةِ عَلى ما قالَ مُجاهِدٌ: مَن خَشِيَ أنْ يَحِيفَ المُوصِي ويَقْطَعَ مِيراثَ طائِفَةٍ، ويَتَعَمَّدَ الإذايَةَ أو يَأْتِيَها دُونَ تَعَمُّدٍ، وذَلِكَ هو الجَنَفُ دُونَ إثْمٍ، وإذا تَعَمَّدَ فَهو الجَنَفُ في إثْمٍ، فالمَعْنى: مَن وعْظَهُ في ذَلِكَ ورَدَّهُ عنهُ، فَأصْلَحَ بِذَلِكَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ ورَثَتِهِ، وما بَيْنَ الوَرَثَةِ في ذاتِهِمْ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾. ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ عَنِ المُوصِي إذا عَمِلَتْ فِيهِ المَوْعِظَةُ، ورَجَعَ عَمّا أرادَ مِنَ الإذايَةِ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِهِ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَتادَةُ والرَبِيعُ: مَعْنى الآيَةِ: مَن خافَ، أيْ عَلِمَ ورَأى وأتى عِلْمُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ المُوصِي أنَّ المُوصِي حافَ وجَنَفَ وتَعَمَّدَ إذايَةَ بَعْضِ ورَثَتِهِ، فَأصْلَحَ ما وقَعَ بَيْنَ الوَرَثَةِ مِنَ الِاضْطِرابِ والشِقاقِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، أيْ لا يَلْحَقُهُ إثْمُ المُبَدِّلِ المَذْكُورِ قَبْلُ وإنْ كانَ في فِعْلِهِ تَبْدِيلٌ ما ولا بُدَّ، ولَكِنَّهُ تَبْدِيلٌ لِمَصْلَحَةٍ، والتَبْدِيلُ الَّذِي فِيهِ الإثْمُ إنَّما هو تَبْدِيلُ الهَوى، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: "فَلا إثْمَ" عَلَيْهِ بِحَذْفِ الألِفِ.

و" كُتِبَ " مَعْناهُ فُرِضَ. و"الصِيامُ" في اللُغَةِ: الإمْساكُ وتَرْكُ التَنَقُّلِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:

؎ خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجِ، وخَيْلٌ تَعْلُكُ اللُجُما

أيْ: خَيْلٌ ثابِتَةٌ مُمْسِكَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] أيْ: إمْساكًا عَنِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎ كَأنَّ الثُرَيّا عَلِّقَتْ في مَصامِها ∗∗∗.................

أيْ في مَوْضِعِ ثُبُوتِها وامْتِساكِها، ومِنهُ قَوْلُهُ:

؎ فَدَعْ ذا وسَلِّ الهَمَّ عنكَ بِجَسْرَةٍ ∗∗∗ ذُمُولٌ إذا صامَ النَهارُ وهَجَّرا

أيْ: وقَفَتِ الشَمْسُ عَنِ الِانْتِقالِ وثَبَتَتْ.

والصِيامُ في الشَرْعِ: إمْساكٌ عَنِ الطَعامِ …

Al-Baqara 2:184Listen in Qur'an →
185

شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٍۢ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ فَعِدَّةٌۭ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

The month of Ramadhan [is that] in which was revealed the Qur'an, a guidance for the people and clear proofs of guidance and criterion. So whoever sights [the new moon of] the month, let him fast it; and whoever is ill or on a journey - then an equal number of other days. Allah intends for you ease and does not intend for you hardship and [wants] for you to complete the period and to glorify Allah for that [to] which He has guided you; and perhaps you will be grateful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومَن كانَ مَرِيضًا أو عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنَ أيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللهُ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداعِ إذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ولْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾

الشَهْرُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الِاشْتِهارِ، لِأنَّهُ مُشْتَهَرٌ لا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ عَلى أحَدٍ يُرِيدُهُ. ورَمَضانُ عَلَّقَهُ الِاسْمُ مِن مُدَّةٍ كانَ فِيها في الرَمَضِ وشِدَّةِ الحَرِّ. وكانَ اسْمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ناتِقًا، كَما سُمِّيَ رَبِيعٌ مِن مُدَّةِ الرَبِيعِ، وجُمادى مِن مُدَّةِ الجُمُودِ. وكَرِهَ مُجاهِدٌ أنْ يُقالَ: رَمَضانُ، دُونَ أنْ يُقالَ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾، كَما قالَ اللهُ تَعالى، وقالَ: لَعَلَّ رَمَضانَ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "شَهْرٌ" بِالرَفْعِ، ووَجْهُهُ خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ ذَلِكم شَهْرُ، وقِيلَ: بُدِّلَ مِنَ الصِيامِ، وقِيلَ: عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾، وقِيلَ: ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ: ﴿فَمَن شَهِدَ﴾، و﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾ نَعْتٌ لَهُ. فَمَن قالَ: إنَّ الصِيامَ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] هي ثَلاثَةُ أيّامِ وعاشُوراءَ، قالَ: هاهُنا بِالِابْتِداءِ، ومَن قالَ: إنَّ الصِيامَ هُنالِكَ هو رَمَضانُ وهو الأيّامُ المَعْدُودَةُ؛ قالَ هُنا بِخَبَرِ الِابْتِداءِ أو بِالبَدَلِ مِنَ "الصِيامِ". وقَرَأ مُجاهِدٌ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: "شَهْرَ" بِالنَصْبِ، ورَواها أبُو عِمارَةَ، عن حَفْصٍ، عن عاصِمٍ، ورَواها هارُونُ عن أبِي عَمْرٍو، وهي عَلى الإغْراءِ، وقِيلَ: نُصِبَ بِـ "تَصُومُوا وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الظَرْفِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِإدْغامِ الراءِ في الراءِ، وذَلِكَ لا تَقْتَضِيهِ الأُصُولُ لِاجْتِماعِ الساكِنَيْنِ فِيهِ.

واخْتُلِفَ في إنْزالِ القُرْآنِ فِيهِ، فَقالَ الضَحّاكُ: أُنْزِلَ في فَرْضِهِ وتَعْظِيمِهِ والحَضِّ عَلَيْهِ، وقِيلَ: بُدِئَ بِنُزُولِهِ فِيهِ عَلى النَبِيِّ ﷺ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما يُؤْثَرُ: أُنْزِلَ إلى السَماءِ الدُنْيا جُمْلَةً واحِدَةً لَيْلَةَ أرْبَعٍ وعِشْرِينَ مِن رَمَضانَ، ثُمَّ كانَ جِبْرِيلُ يُنْزِلُهُ رُسُلًا رُسُلًا في الأوامِرِ والنَواهِي والأسْبابِ. ورَوى واثِلَةُ بْنُ الأسْقَعِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ أوَّلَ لَيْلَةٍ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، والتَوْراةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنهُ، والإنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ، والقُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ».

وتَرَكَ ابْنُ كَثِيرٍ هَمْزَةَ القُرْآنِ مَعَ التَعْرِيفِ والتَنْكِيرِ حَيْثُ وقَعَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ اشْتِقاقَهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مِن قَرَنَ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ.

و"هُدًى" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ "القُرْآنِ"، فالمُرادُ أنَّ القُرْآنَ بِجُمْلَتِهِ مِن مُحْكَمٍ ومُتَشابِهٍ، وناسِخٍ ومَنسُوخٍ. هُدًى، ثُمَّ شُرِّفَ بِالذِكْرِ والتَخْصِيصِ "البَيِّناتِ" مِنهُ، يَعْنِي الحَلالَ والحَرامَ والمَواعِظَ والمُحْكَمَ كُلَّهُ. فالألِفُ واللامُ في "الهُدى" لِلْعَهْدِ، والمُرادُ الأوَّلُ، "الفُرْقانِ" المُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. و"شَهِدَ" بِمَعْنى حَضَرَ، و"الشَهْرَ" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، والتَقْدِيرُ مَن حَضَرَ المِصْرَ في الشَهْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وَعِيسى الثَقَفِيُّ، والزُهْرِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ، …

Al-Baqara 2:185Listen in Qur'an →
186

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

And when My servants ask you, [O Muhammad], concerning Me - indeed I am near. I respond to the invocation of the supplicant when he calls upon Me. So let them respond to Me [by obedience] and believe in Me that they may be [rightly] guided.

قوله عزّ وجلّ:

﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومَن كانَ مَرِيضًا أو عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنَ أيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللهُ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداعِ إذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ولْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾

الشَهْرُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الِاشْتِهارِ، لِأنَّهُ مُشْتَهَرٌ لا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ عَلى أحَدٍ يُرِيدُهُ. ورَمَضانُ عَلَّقَهُ الِاسْمُ مِن مُدَّةٍ كانَ فِيها في الرَمَضِ وشِدَّةِ الحَرِّ. وكانَ اسْمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ناتِقًا، كَما سُمِّيَ رَبِيعٌ مِن مُدَّةِ الرَبِيعِ، وجُمادى مِن مُدَّةِ الجُمُودِ. وكَرِهَ مُجاهِدٌ أنْ يُقالَ: رَمَضانُ، دُونَ أنْ يُقالَ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾، كَما قالَ اللهُ تَعالى، وقالَ: لَعَلَّ رَمَضانَ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "شَهْرٌ" بِالرَفْعِ، ووَجْهُهُ خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ ذَلِكم شَهْرُ، وقِيلَ: بُدِّلَ مِنَ الصِيامِ، وقِيلَ: عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾، وقِيلَ: ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ: ﴿فَمَن شَهِدَ﴾، و﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾ نَعْتٌ لَهُ. فَمَن قالَ: إنَّ الصِيامَ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] هي ثَلاثَةُ أيّامِ وعاشُوراءَ، قالَ: هاهُنا بِالِابْتِداءِ، ومَن قالَ: إنَّ الصِيامَ هُنالِكَ هو رَمَضانُ وهو الأيّامُ المَعْدُودَةُ؛ قالَ هُنا بِخَبَرِ الِابْتِداءِ أو بِالبَدَلِ مِنَ "الصِيامِ". وقَرَأ مُجاهِدٌ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: "شَهْرَ" بِالنَصْبِ، ورَواها أبُو عِمارَةَ، عن حَفْصٍ، عن عاصِمٍ، ورَواها هارُونُ عن أبِي عَمْرٍو، وهي عَلى الإغْراءِ، وقِيلَ: نُصِبَ بِـ "تَصُومُوا وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الظَرْفِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِإدْغامِ الراءِ في الراءِ، وذَلِكَ لا تَقْتَضِيهِ الأُصُولُ لِاجْتِماعِ الساكِنَيْنِ فِيهِ.

واخْتُلِفَ في إنْزالِ القُرْآنِ فِيهِ، فَقالَ الضَحّاكُ: أُنْزِلَ في فَرْضِهِ وتَعْظِيمِهِ والحَضِّ عَلَيْهِ، وقِيلَ: بُدِئَ بِنُزُولِهِ فِيهِ عَلى النَبِيِّ ﷺ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما يُؤْثَرُ: أُنْزِلَ إلى السَماءِ الدُنْيا جُمْلَةً واحِدَةً لَيْلَةَ أرْبَعٍ وعِشْرِينَ مِن رَمَضانَ، ثُمَّ كانَ جِبْرِيلُ يُنْزِلُهُ رُسُلًا رُسُلًا في الأوامِرِ والنَواهِي والأسْبابِ. ورَوى واثِلَةُ بْنُ الأسْقَعِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ أوَّلَ لَيْلَةٍ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، والتَوْراةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنهُ، والإنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ، والقُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ».

وتَرَكَ ابْنُ كَثِيرٍ هَمْزَةَ القُرْآنِ مَعَ التَعْرِيفِ والتَنْكِيرِ حَيْثُ وقَعَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ اشْتِقاقَهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مِن قَرَنَ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ.

و"هُدًى" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ "القُرْآنِ"، فالمُرادُ أنَّ القُرْآنَ بِجُمْلَتِهِ مِن مُحْكَمٍ ومُتَشابِهٍ، وناسِخٍ ومَنسُوخٍ. هُدًى، ثُمَّ شُرِّفَ بِالذِكْرِ والتَخْصِيصِ "البَيِّناتِ" مِنهُ، يَعْنِي الحَلالَ والحَرامَ والمَواعِظَ والمُحْكَمَ كُلَّهُ. فالألِفُ واللامُ في "الهُدى" لِلْعَهْدِ، والمُرادُ الأوَّلُ، "الفُرْقانِ" المُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. و"شَهِدَ" بِمَعْنى حَضَرَ، و"الشَهْرَ" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، والتَقْدِيرُ مَن حَضَرَ المِصْرَ في الشَهْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وَعِيسى الثَقَفِيُّ، والزُهْرِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ، …

Al-Baqara 2:186Listen in Qur'an →
187

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌۭ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌۭ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَٱلْـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَٰجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

It has been made permissible for you the night preceding fasting to go to your wives [for sexual relations]. They are clothing for you and you are clothing for them. Allah knows that you used to deceive yourselves, so He accepted your repentance and forgave you. So now, have relations with them and seek that which Allah has decreed for you. And eat and drink until the white thread of dawn becomes distinct to you from the black thread [of night]. Then complete the fast until the sunset. And do not have relations with them as long as you are staying for worship in the mosques. These are the limits [set by] Allah, so do not approach them. Thus does Allah make clear His ordinances to the people that they may become righteous.

قوله عزّ وجلّ:

﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِيامِ الرَفَثُ إلى نِسائِكم هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عنكم فالآنَ باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكم وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكم الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطُ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أتِمُّوا الصِيامِ إلى اللَيْلِ ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهُ فَلا تَقْرَبُوها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾

لَفْظَةُ "أُحِلَّ" تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ مُحَرَّمًا قَبْلَ ذَلِكَ، و"لَيْلَةَ" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، وهي اسْمُ جِنْسٍ فَلِذَلِكَ أُفْرِدَتْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ عامِرٍ الرامِيِّ الحَضْرَمِيِّ المُحارِبِيِّ:

؎ هُمُ المَوْلى وقَدْ جَنَفُوا عَلَيْنا وإنّا مِن عَداوَتِهِمْ لَزُورُ

و"الرَفَثُ" كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، لِأنَّ اللهَ تَعالى كَرِيمٌ يُكَنّى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "الرُفُوثُ". و"الرَفَثُ" في غَيْرِ هَذا ما فَحُشَ مِنَ القَوْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ .................... ∗∗∗ عَنِ اللَغا ورَفَثِ التَكَلُّمِ

وقالَ أبُو إسْحاقَ: "الرَفَثُ" كُلُّ ما يَأْتِيهِ الرَجُلُ مَعَ المَرْأةِ مِن قُبْلَةٍ ولَمْسٍ وجِماعٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

أو كَلامٌ في هَذِهِ المَعانِي، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «مَن حَجَّ هَذا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِن خَطاياهُ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ».

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ فِيما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: أنَّ جَماعَةً مِنَ المُسْلِمِينَ اخْتانُوا أنْفُسَهُمْ، وأصابُوا النِساءَ بَعْدَ النَوْمِ، أو بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ عَلى الخِلافِ. مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، جاءَ إلى امْرَأتِهِ فَأرادَها فَقالَتْ لَهُ: قَدْ نِمْتُ فَظَنَّ أنَّها تَعْتَلِ فَوَقَعَ بِها، ثُمَّ تَحَقَّقَ أنَّها قَدْ كانَتْ نامَتْ، وكانَ الوَطْءُ بَعْدَ نَوْمِ أحَدِهِما مَمْنُوعًا. وقالَ السُدِّيُّ: جَرى لَهُ هَذا في جارِيَةٍ لَهُ، قالُوا: فَذَهَبَ عُمَرُ فاعْتَذَرَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وجَرى نَحْوُ هَذا لِكَعْبِ بْنِ مالِكٍ الأنْصارِيِّ، فَنَزَلَ صَدُرُ الآيَةِ فِيهِمْ، فَهي ناسِخَةٌ لِلْحُكْمِ المُتَقَرِّرِ في مَنعِ الوَطْءِ بَعْدَ النَوْمِ.

وحَكى النَحّاسُ، ومَكِّيُّ أنَّ عُمَرَ نامَ، ثُمَّ وقَعَ بِامْرَأتِهِ، وهَذا عِنْدِي بَعِيدٌ عَلى عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ. ورُوِيَ أنَّ صِرْمَةَ بْنَ قَيْسٍ، ويُقالُ: صِرْمَةَ بْنَ مالِكٍ، ويُقالُ: أبُو أنَسٍ قَيْسُ بْنُ صِرْمَةَ نامَ قَبْلَ الأكْلِ فَبَقِيَ كَذَلِكَ دُونَ أكْلٍ حَتّى غُشِيَ عَلَيْهِ في نَهارِهِ المُقْبِلُ، فَنَزَلَ فِيهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا﴾.

واللِباسُ: أصْلُهُ في الثِيابِ، ثُمَّ شُبِّهَ التِباسُ الرَجُلِ بِالمَرْأةِ وامْتِزاجُهُما وتَلازُمُهِما بِذَلِكَ، كَما قالَ النابِغَةُ:

؎ إذا ما الضَجِيعُ ثَنى جِيدَها ∗∗∗ تَداعَتْ فَكانَتْ عَلَيْهِ لِباسًا

وقالَ النابِغَةُ أيْضًا:

؎ لَبِسْتُ أُناسًا فَأفْنَيْتُهم ∗∗∗ وأفْنَيْتُ بَعْدَ أُناسٍ أُناسًا

فَشَبَّهَ خَلْطَتَهُ لَهم بِاللِباسِ. نَحا هَذا المَنحى في تَفْسِيرِ اللِباسِ الرَبِيعُ، وغَيْرُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: لِباسٌ: سَكَنَ، أيْ يَسْكُنُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ.

وإنَّما سُمِّيَتْ هَذِهِ الأفْعالُ اخْتِيانًا لِعاقِبَةِ المَعْصِيَةِ وجَزائِها، فَراكِبُها يَخُونُ نَفْسَهُ ويُؤْذِيها.

وتابَ عَلَيْكم مَعْناهُ: مِنَ المَعْصِيَةِ الَّتِي واقَعْتُمُوها، ﴿وَعَفا عنكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَنِ …

Al-Baqara 2:187Listen in Qur'an →
188

وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا۟ فَرِيقًۭا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

And do not consume one another's wealth unjustly or send it [in bribery] to the rulers in order that [they might aid] you [to] consume a portion of the wealth of the people in sin, while you know [it is unlawful].

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ الناسِ بِالإثْمِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرُّ مِن اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللهِ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾

الخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَعْنى: لا يَأْكُلُ بَعْضُكم مالَ بَعْضٍ، فَأُضِيفَتِ الأمْوالُ إلى ضَمِيرِ المَنهِيِّ لَمّا كانَ كُلُّ واحِدٍ مَنهِيًّا عنهُ، وكَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥].

ويَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ القِمارُ والخِداعُ والغُصُوبُ وجَحْدُ الحَقائِقِ وغَيْرُ ذَلِكَ، ولا يَدْخُلُ فِيهِ الغَبْنُ في البَيْعِ مَعَ مَعْرِفَةِ البائِعِ بِحَقِيقَةِ ما يَبِيعُ لِأنَّ الغَبْنَ كَأنَّهُ وهَبَهُ.

وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالآيَةِ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ أيْ في المَلاهِي والقِيانِ، والشَرابِ، والبَطالَةِ، فَتَجِيءُ عَلى هَذا إضافَةُ المالِ إلى ضَمِيرِ المالِكِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِها﴾ الآيَةُ، يُقالُ: أدْلى الرَجُلُ بِالحُجَّةِ، أو بِالأمْرِ الَّذِي يَرْجُو النَجاحَ بِهِ، تَشْبِيهًا بِالَّذِي يُرْسِلُ الدَلْوَ في البِئْرِ يَرْجُو بِها الماءَ.

قالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ: تُسارِعُونَ في الأمْوالِ إلى المُخاصَمَةِ إذا عَلِمْتُمْ أنَّ الحُجَّةَ تَقُومُ لَكُمْ، إمّا بِألّا تَكُونَ عَلى الجاحِدِ بَيِّنَةٌ، أو يَكُونُ مالَ أمانَةٍ، كاليَتِيمِ ونَحْوِهِ، مِمّا يَكُونُ القَوْلُ فِيهِ قَوْلَهُ، فالباءُ في "بِها" باءُ السَبَبِ.

وقِيلَ مَعْنى الآيَةِ: تَرْشُوا بِها عَلى أكْلِ أكْثَرِ مِنها، فالباءُ إلْزاقُ مُجَرَّدٍ، وهَذا القَوْلُ يَتَرَجَّحُ لِأنَّ الحُكّامَ مَظِنَّةُ الرِشا، إلّا مَن عُصِمَ وهو الأقَلُّ، وأيْضًا فَإنَّ اللَفْظَتَيْنِ مُتَناسِبَتانِ، "تُدْلُوا" مِن أرْسَلَ الدَلْوَ، والرِشْوَةُ مِنَ الرِشاءِ، كَأنَّها يُمَدُّ بِها لِتُقْضى الحاجَةُ.

و"تَدْلُوا" في مَوْضِعِ جَزْمٍ عَطْفًا عَلى "تَأْكُلُوا"، وفي مُصْحَفٍ أُبَيٍّ: "وَلا تُدْلُوا" بِتَكْرارِ حَرْفِ النَهْيِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيَّدُ جَزْمَ "تُدْلُوا" في قِراءَةِ الجَماعَةِ.

وقِيلَ: "تُدْلُوا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَرْفِ، وهَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، أنَّ مَعْنى الظَرْفِ هو الناصِبُ، والَّذِي يُنْصَبُ في مِثْلِ هَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ "أنْ" مُضْمَرَةً.

والفَرِيقُ: القِطْعَةُ والجُزْءُ و"بِالإثْمِ" مَعْناهُ: بِالظُلْمِ والتَعَدِّي، وسُمِّيَ ذَلِكَ إثْمًا لَمّا كانَ الإثْمُ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِفاعِلِهِ، ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ إنَّكم مُبْطِلُونَ آثِمُونَ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في المَعْصِيَةِ والجُرْأةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ، وَغَيْرُهُمْ: نَزَلَتْ عَلى سُؤالِ قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ النَبِيَّ ﷺ عَنِ الهِلالِ. وما فائِدَةُ مُحاقِهِ وكَمالِهِ ومُخالَفَتِهِ لِحالِ الشَمْسِ؟

وجَمْعٌ وهو واحِدٌ في الحَقِيقَةِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ هِلالًا في شَهْرٍ غَيْرِ كَوْنِهِ هِلالًا في الآخَرِ، فَإنَّما جَمْعُ أحْوالِهِ مِنَ الهِلالِيَّةِ، والهِلالُ لَيْلَتانِ بِلا خِلافٍ ثُمَّ يَقْمُرُ، وقِيلَ: ثَلاثٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: هو هِلالٌ حَتّى يَحْجُرَ ويَسْتَدِيرَ لَهُ كالخَيْطِ الرَقِيقِ، وقِيلَ: هو هِلالٌ حَتّى يُبْهِرَ بِضَوْئِهِ السَماءَ وذَلِكَ …

Al-Baqara 2:188Listen in Qur'an →
189

۞ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَٰبِهَا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

They ask you, [O Muhammad], about the new moons. Say, "They are measurements of time for the people and for Hajj." And it is not righteousness to enter houses from the back, but righteousness is [in] one who fears Allah. And enter houses from their doors. And fear Allah that you may succeed.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ الناسِ بِالإثْمِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرُّ مِن اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللهِ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾

الخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَعْنى: لا يَأْكُلُ بَعْضُكم مالَ بَعْضٍ، فَأُضِيفَتِ الأمْوالُ إلى ضَمِيرِ المَنهِيِّ لَمّا كانَ كُلُّ واحِدٍ مَنهِيًّا عنهُ، وكَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥].

ويَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ القِمارُ والخِداعُ والغُصُوبُ وجَحْدُ الحَقائِقِ وغَيْرُ ذَلِكَ، ولا يَدْخُلُ فِيهِ الغَبْنُ في البَيْعِ مَعَ مَعْرِفَةِ البائِعِ بِحَقِيقَةِ ما يَبِيعُ لِأنَّ الغَبْنَ كَأنَّهُ وهَبَهُ.

وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالآيَةِ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ أيْ في المَلاهِي والقِيانِ، والشَرابِ، والبَطالَةِ، فَتَجِيءُ عَلى هَذا إضافَةُ المالِ إلى ضَمِيرِ المالِكِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِها﴾ الآيَةُ، يُقالُ: أدْلى الرَجُلُ بِالحُجَّةِ، أو بِالأمْرِ الَّذِي يَرْجُو النَجاحَ بِهِ، تَشْبِيهًا بِالَّذِي يُرْسِلُ الدَلْوَ في البِئْرِ يَرْجُو بِها الماءَ.

قالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ: تُسارِعُونَ في الأمْوالِ إلى المُخاصَمَةِ إذا عَلِمْتُمْ أنَّ الحُجَّةَ تَقُومُ لَكُمْ، إمّا بِألّا تَكُونَ عَلى الجاحِدِ بَيِّنَةٌ، أو يَكُونُ مالَ أمانَةٍ، كاليَتِيمِ ونَحْوِهِ، مِمّا يَكُونُ القَوْلُ فِيهِ قَوْلَهُ، فالباءُ في "بِها" باءُ السَبَبِ.

وقِيلَ مَعْنى الآيَةِ: تَرْشُوا بِها عَلى أكْلِ أكْثَرِ مِنها، فالباءُ إلْزاقُ مُجَرَّدٍ، وهَذا القَوْلُ يَتَرَجَّحُ لِأنَّ الحُكّامَ مَظِنَّةُ الرِشا، إلّا مَن عُصِمَ وهو الأقَلُّ، وأيْضًا فَإنَّ اللَفْظَتَيْنِ مُتَناسِبَتانِ، "تُدْلُوا" مِن أرْسَلَ الدَلْوَ، والرِشْوَةُ مِنَ الرِشاءِ، كَأنَّها يُمَدُّ بِها لِتُقْضى الحاجَةُ.

و"تَدْلُوا" في مَوْضِعِ جَزْمٍ عَطْفًا عَلى "تَأْكُلُوا"، وفي مُصْحَفٍ أُبَيٍّ: "وَلا تُدْلُوا" بِتَكْرارِ حَرْفِ النَهْيِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيَّدُ جَزْمَ "تُدْلُوا" في قِراءَةِ الجَماعَةِ.

وقِيلَ: "تُدْلُوا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَرْفِ، وهَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، أنَّ مَعْنى الظَرْفِ هو الناصِبُ، والَّذِي يُنْصَبُ في مِثْلِ هَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ "أنْ" مُضْمَرَةً.

والفَرِيقُ: القِطْعَةُ والجُزْءُ و"بِالإثْمِ" مَعْناهُ: بِالظُلْمِ والتَعَدِّي، وسُمِّيَ ذَلِكَ إثْمًا لَمّا كانَ الإثْمُ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِفاعِلِهِ، ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ إنَّكم مُبْطِلُونَ آثِمُونَ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في المَعْصِيَةِ والجُرْأةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ، وَغَيْرُهُمْ: نَزَلَتْ عَلى سُؤالِ قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ النَبِيَّ ﷺ عَنِ الهِلالِ. وما فائِدَةُ مُحاقِهِ وكَمالِهِ ومُخالَفَتِهِ لِحالِ الشَمْسِ؟

وجَمْعٌ وهو واحِدٌ في الحَقِيقَةِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ هِلالًا في شَهْرٍ غَيْرِ كَوْنِهِ هِلالًا في الآخَرِ، فَإنَّما جَمْعُ أحْوالِهِ مِنَ الهِلالِيَّةِ، والهِلالُ لَيْلَتانِ بِلا خِلافٍ ثُمَّ يَقْمُرُ، وقِيلَ: ثَلاثٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: هو هِلالٌ حَتّى يَحْجُرَ ويَسْتَدِيرَ لَهُ كالخَيْطِ الرَقِيقِ، وقِيلَ: هو هِلالٌ حَتّى يُبْهِرَ بِضَوْئِهِ السَماءَ وذَلِكَ …

Al-Baqara 2:189Listen in Qur'an →
190

وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ

Fight in the way of Allah those who fight you but do not transgress. Indeed. Allah does not like transgressors.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ الناسِ بِالإثْمِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرُّ مِن اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللهِ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾

الخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَعْنى: لا يَأْكُلُ بَعْضُكم مالَ بَعْضٍ، فَأُضِيفَتِ الأمْوالُ إلى ضَمِيرِ المَنهِيِّ لَمّا كانَ كُلُّ واحِدٍ مَنهِيًّا عنهُ، وكَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥].

ويَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ القِمارُ والخِداعُ والغُصُوبُ وجَحْدُ الحَقائِقِ وغَيْرُ ذَلِكَ، ولا يَدْخُلُ فِيهِ الغَبْنُ في البَيْعِ مَعَ مَعْرِفَةِ البائِعِ بِحَقِيقَةِ ما يَبِيعُ لِأنَّ الغَبْنَ كَأنَّهُ وهَبَهُ.

وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالآيَةِ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ أيْ في المَلاهِي والقِيانِ، والشَرابِ، والبَطالَةِ، فَتَجِيءُ عَلى هَذا إضافَةُ المالِ إلى ضَمِيرِ المالِكِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِها﴾ الآيَةُ، يُقالُ: أدْلى الرَجُلُ بِالحُجَّةِ، أو بِالأمْرِ الَّذِي يَرْجُو النَجاحَ بِهِ، تَشْبِيهًا بِالَّذِي يُرْسِلُ الدَلْوَ في البِئْرِ يَرْجُو بِها الماءَ.

قالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ: تُسارِعُونَ في الأمْوالِ إلى المُخاصَمَةِ إذا عَلِمْتُمْ أنَّ الحُجَّةَ تَقُومُ لَكُمْ، إمّا بِألّا تَكُونَ عَلى الجاحِدِ بَيِّنَةٌ، أو يَكُونُ مالَ أمانَةٍ، كاليَتِيمِ ونَحْوِهِ، مِمّا يَكُونُ القَوْلُ فِيهِ قَوْلَهُ، فالباءُ في "بِها" باءُ السَبَبِ.

وقِيلَ مَعْنى الآيَةِ: تَرْشُوا بِها عَلى أكْلِ أكْثَرِ مِنها، فالباءُ إلْزاقُ مُجَرَّدٍ، وهَذا القَوْلُ يَتَرَجَّحُ لِأنَّ الحُكّامَ مَظِنَّةُ الرِشا، إلّا مَن عُصِمَ وهو الأقَلُّ، وأيْضًا فَإنَّ اللَفْظَتَيْنِ مُتَناسِبَتانِ، "تُدْلُوا" مِن أرْسَلَ الدَلْوَ، والرِشْوَةُ مِنَ الرِشاءِ، كَأنَّها يُمَدُّ بِها لِتُقْضى الحاجَةُ.

و"تَدْلُوا" في مَوْضِعِ جَزْمٍ عَطْفًا عَلى "تَأْكُلُوا"، وفي مُصْحَفٍ أُبَيٍّ: "وَلا تُدْلُوا" بِتَكْرارِ حَرْفِ النَهْيِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيَّدُ جَزْمَ "تُدْلُوا" في قِراءَةِ الجَماعَةِ.

وقِيلَ: "تُدْلُوا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَرْفِ، وهَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، أنَّ مَعْنى الظَرْفِ هو الناصِبُ، والَّذِي يُنْصَبُ في مِثْلِ هَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ "أنْ" مُضْمَرَةً.

والفَرِيقُ: القِطْعَةُ والجُزْءُ و"بِالإثْمِ" مَعْناهُ: بِالظُلْمِ والتَعَدِّي، وسُمِّيَ ذَلِكَ إثْمًا لَمّا كانَ الإثْمُ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِفاعِلِهِ، ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ إنَّكم مُبْطِلُونَ آثِمُونَ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في المَعْصِيَةِ والجُرْأةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ، وَغَيْرُهُمْ: نَزَلَتْ عَلى سُؤالِ قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ النَبِيَّ ﷺ عَنِ الهِلالِ. وما فائِدَةُ مُحاقِهِ وكَمالِهِ ومُخالَفَتِهِ لِحالِ الشَمْسِ؟

وجَمْعٌ وهو واحِدٌ في الحَقِيقَةِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ هِلالًا في شَهْرٍ غَيْرِ كَوْنِهِ هِلالًا في الآخَرِ، فَإنَّما جَمْعُ أحْوالِهِ مِنَ الهِلالِيَّةِ، والهِلالُ لَيْلَتانِ بِلا خِلافٍ ثُمَّ يَقْمُرُ، وقِيلَ: ثَلاثٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: هو هِلالٌ حَتّى يَحْجُرَ ويَسْتَدِيرَ لَهُ كالخَيْطِ الرَقِيقِ، وقِيلَ: هو هِلالٌ حَتّى يُبْهِرَ بِضَوْئِهِ السَماءَ وذَلِكَ …

Al-Baqara 2:190Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.