Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 181–190 of 286

181

فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعْدَمَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثْمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

Then whoever alters the bequest after he has heard it - the sin is only upon those who have altered it. Indeed, Allah is Hearing and Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨١] ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .

﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ أيْ: فَمَن غَيَّرَ الإيصاءَ عَنْ وجْهِهِ، إنْ كانَ مُوافِقًا لِلشَّرْعِ، مِنَ الأوْصِياءِ والشُّهُودِ: ﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ أيْ: بَعْدَ ما وصَلَ إلَيْهِ وتَحَقَّقَ لَدَيْهِ: ﴿فَإنَّما إثْمُهُ﴾ أيِ: التَّبْدِيلُ: ﴿عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ لِأنَّهم خانُوا وخالَفُوا حُكْمَ الشَّرْعِ، فَلا يَلْحَقُ المُوصِي مِنهُ شَيْءٌ، وقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِلْمُبَدِّلِينَ.

هَذا، وما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المَنهِيَّ عَنِ التَّبْدِيلِ إمّا الأوْصِياءُ أوِ الشُّهُودُ، هو المَشْهُورُ. وهُناكَ وجْهٌ آخَرُ - أراهُ أقْرَبُ - وهو أنْ يَكُونَ المَنهِيُّ عَنِ التَّغْيِيرِ هو المُوصِي، نُهِيَ عَنْ تَغْيِيرِ الوَصِيَّةِ عَنِ المَواضِعِ الَّتِي بَيَّنَ تَعالى الوَصِيَّةَ إلَيْها. وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُوصُونَ لِلْأبْعَدِينَ الأجانِبِ، طَلَبًا لِلْفَخْرِ والشَّرَفِ. ويَتْرُكُونَ الأقارِبَ في الفَقْرِ والمَسْكَنَةِ والضُّرِّ، فَأوْجَبَ اللَّهُ تَعالى الوَصِيَّةَ لِهَؤُلاءِ مَنعًا لِلْقَوْمِ عَمّا اعْتادُوهُ. كَذا قالَهُ الأصَمُّ.

Al-Baqara 2:181Listen in Qur'an →
182

فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍۢ جَنَفًا أَوْ إِثْمًۭا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

But if one fears from the bequeather [some] error or sin and corrects that which is between them, there is no sin upon him. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٢] ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهم فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

﴿فَمَن خافَ﴾ أيْ: تَوَقَّعَ وعَلِمَ، وهَذا في كَلامِهِمْ شائِعٌ، ويَقُولُونَ: أخافُ أنْ تُرْسِلَ السَّماءُ، يُرِيدُونَ: التَّوَقُّعَ والظَّنَّ الغالِبَ الجارِي مَجْرى العِلْمِ: ﴿مِن مُوصٍ جَنَفًا﴾ مَيْلًا عَنِ الحَقِّ، بِالخَطَأِ في الوَصِيَّةِ، والتَّصَرُّفِ فِيما لَيْسَ لَهُ: ﴿أوْ إثْمًا﴾ أيْ: مَيْلًا فِيها عَمْدًا: ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَهُ وبَيْنَ المُوصى لَهم - وهُمُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ - بِإجْرائِهِمْ عَلى طَرِيقِ الشَّرْعِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: بِأنْ يَأْمُرَهُ بِالعَدْلِ في وصِيَّتِهِ، وأنْ يَنْهاهم عَنْ مَنعِهِ فِيما أُذِنَ لَهُ فِيهِ وأُبِيحَ لَهُ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: بِهَذا التَّبْدِيلِ، لِأنَّ تَبْدِيلَهُ تَبْدِيلٌ باطِلٌ إلى حَقٍّ!: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: غَفُورٌ لِلْمُوصِي - فِيما كانَ حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الجَنَفِ والإثْمِ إذا تَرَكَ أنْ يَأْثَمَ ويَجْنَفَ في وصِيَّتِهِ - فَتَجاوَزَ لَهُ عَمّا كانَ حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الجَوْرِ إذْ لَمْ يَمْضِ ذَلِكَ، ﴿رَحِيمٌ﴾ بِالمُصْلِحِ بَيْنَ الوَصِيِّ وبَيْنَ مَن أرادَ أنْ يَحِيفَ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ أوْ يَأْثَمَ فِيهِ لَهُ..!.

تَنْبِيهٌ:

ما أفادَتْهُ الآيَةُ مِن فَرْضِيَّةِ الوَصِيَّةِ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ.

ذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أنَّهُ كانَ واجِبًا قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ المَوارِيثِ. فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الفَرائِضِ نَسَخَتْ هَذِهِ، وصارَتِ المَوارِيثُ المُقَدَّرَةُ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ، يَأْخُذُهُ أهْلُوها حَتْمًا مِن غَيْرِ وصِيَّةٍ، ولا تَحْمِلُ مِنَّةَ المُوصِي. ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ - الَّذِي في السُّنَنِ وغَيْرِها - عَنْ عَمْرِو بْنِ خارِجَةَ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ وهو يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ»» .

ونَصَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ عَلى أنَّ هَذا المَتْنَ مُتَواتِرٌ، فَقالَ: وجَدْنا أهْلَ الفُتْيا ومَن حَفِظْنا عَنْهم مِن أهْلِ العِلْمِ بِالمَغازِي مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ لا يَخْتَلِفُونَ في أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ عامَ الفَتْحِ: ««لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ»» . ويَأْثِرُونَهُ عَمَّنْ حَفِظُوهُ عَنْهُ مِمَّنْ لَقُوهُ مِن أهْلِ العِلْمِ، فَكانَ نَقْلَ كافَّةٍ عَنْ كافَّةٍ. فَهو أقْوى مِن نَقْلِ واحِدٍ.

قالَ الإمامُ مالِكٌ في " المُوَطَّأِ ": السُّنَّةُ الثّابِتَةُ عِنْدَنا الَّتِي لا اخْتِلافَ فِيها: أنَّهُ لا تَجُوزُ وصِيَّةٌ لِوارِثٍ إلّا أنْ يُجِيزَ لَهُ ذَلِكَ ورَثَةُ المَيِّتِ.

وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لا تُخالِفُ آيَةَ المَوارِيثِ. والمَعْنى: كَتَبَ عَلَيْكم ما أوْصاكم بِهِ مِن تَوْرِيثِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] أوْ كُتِبَ عَلى المُحْتَضَرِ: أنْ يُوصِيَ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِتَوْفِيرِ ما أوْصى بِهِ اللَّهُ لَهم عَلَيْهِمْ، وأنْ لا يُنْقِصَ مِن أنْصِبائِهِمْ! فَلا مُنافاةَ بَيْنَ ثُبُوتِ المِيراثِ لِلْأقْرِباءِ، مَعَ ثُبُوتِ الوَصِيَّةِ بِالمِيراثِ عَطِيَّةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، والوَصِيَّةُ عَطِيَّةٌ مِمَّنْ حَضَرَهُ المَوْتُ. فالوارِثُ جُمِعَ لَهُ بَيْنَ الوَصِيَّةِ والمِيراثِ بِحُكْمِ الآيَتَيْنِ. ولَوْ فُرِضَ المُنافاةُ، لَأمْكَنَ جَعْلُ آيَةِ المِيراثِ مُخَصَّصَةً لِهَذِهِ الآيَةِ. بِإبْقاءِ القَرِيبِ الَّذِي لا يَكُونُ وارِثًا لِأجْلِ صِلَةِ الرَّحِمِ. فَقَدْ أكَّدَ …

Al-Baqara 2:182Listen in Qur'an →
183

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

O you who have believed, decreed upon you is fasting as it was decreed upon those before you that you may become righteous -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ﴾ أيْ - فُرِضَ -: ﴿عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ وهو الإمْساكُ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ والوِقاعِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ.

واعْلَمْ أنَّ مَصالِحَ الصَّوْمِ لَمّا كانَتْ مَشْهُودَةً بِالعُقُولِ السَّلِيمَةِ، والفِطَرِ المُسْتَقِيمَةِ شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ رَحْمَةً لَهُمْ، وإحْسانًا إلَيْهِمْ، وحَمِيَّةً، وجُنَّةً..! فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ الصِّيامِ: حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَواتِ، وفَطْمُها عَنِ المَأْلُوفاتِ، وتَعْدِيلُ قُوَّتِها الشَّهْوانِيَّةِ، لِتَسْعَدَ بِطَلَبِ ما فِيهِ غايَةُ سَعادَتِها ونَعِيمِها، وقَبُولِ ما تَزْكُوا بِهِ مِمّا فِيهِ حَياتُها الأبَدِيَّةُ..!. ويَكْسِرُ الجُوعُ والظَّمَأُ مِن حِدَّتِها وسَوْرَتِها، ويُذَكِّرُها بِحالِ الأكْبادِ الجائِعَةِ مِنَ المَساكِينِ... وتَضِيقُ مَجارِي الشَّيْطانِ مِنَ العَبْدِ بِتَضْيِيقِ مَجارِي الطَّعامِ والشَّرابِ، وحَبْسُ قُوى الأعْضاءِ عَنِ اسْتِرْسالِها لِحُكْمِ الطَّبِيعَةِ فِيما يَضُرُّها في مَعاشِها ومَعادِها، ويُسَكِّنُ كُلَّ عُضْوٍ مِنها وكُلَّ قُوَّةٍ عَنْ جِماحِها، وتُلْجَمُ بِلِجامِهِ، فَهو لِجامُ المُتَّقِينَ، وجَنَّةُ المُجاهِدِينَ، ورِياضَةُ الأبْرارِ والمُقَرَّبِينَ... وهو لِرَبِّ العالَمِينَ مِن بَيْنِ سائِرِ الأعْمالِ، فَإنَّ الصّائِمَ لا يَفْعَلُ شَيْئًا، إنَّما تَرَكَ شَهْوَتَهُ وطَعامَهُ وشَرابَهُ مِن أجْلِ مَعْبُودِهِ، فَهو تَرْكُ مَحْبُوباتِ النَّفْسِ وتَلَذُّذاتِها؛ إيثارًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ ومَرْضاتِهِ، وهو سِرٌّ بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ، ولا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ سِواهُ...

والعِبادُ قَدْ يَطَّلِعُونَ مِنهُ عَلى تَرْكِ المُفْطِراتِ الظّاهِرَةِ. وأمّا كَوْنُهُ تَرَكَ طَعامَهُ وشَرابَهُ وشَهْوَتَهُ مِن أجْلِ مَعْبُودِهِ، فَهو أمْرٌ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَشَرٌ. وذَلِكَ حَقِيقَةُ الصَّوْمِ..! ولِلصَّوْمِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ في حِفْظِ الجَوارِحِ الظّاهِرَةِ، والقُوى الباطِنَةِ. وحَمِيَّتِها عَنِ التَّخْلِيطِ الجالِبِ لَها المَوادَّ الفاسِدَةَ، الَّتِي إذا اسْتَوْلَتْ عَلَيْها أفْسَدَتْها. واسْتِفْراغِ المَوادِّ الرِّدْيَةِ المانِعَةِ لَهُ مِن صِحَّتِها، فالصَّوْمُ يَحْفَظُ عَلى القَلْبِ والجَوارِحِ صِحَّتَها. ويُعِيدُ إلَيْها ما اسْتَلَبَتْهُ مِنها أيْدِي الشَّهَواتِ. فَهو مِن أكْبَرِ العَوْنِ عَلى التَّقْوى، كَما قالَ تَعالى في تَتِمَّةِ الآيَةِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««الصَّوْمُ جُنَّةٌ»» . وأمَرَ مَنِ اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ شَهْوَةُ النِّكاحِ ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ بِالصِّيامِ، وجَعَلَهُ وِجاءَ هَذِهِ الشَّهْوَةِ. وكانَ هَدْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ أكْمَلَ الهَدْيِ، وأعْظَمَ تَحْصِيلًا لِلْمَقْصُودِ، وأسْهَلَهُ عَلى النُّفُوسِ. ولَمّا كانَ فَطْمُ النَّفْسِ عَنْ مَأْلُوفاتِها وشَهَواتِها مِن أشَقِّ الأُمُورِ وأصْعَبِها، تَأخَّرَ فَرْضُهُ إلى وسَطِ الإسْلامِ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ لَمّا تَوَطَّنَتِ النُّفُوسُ عَلى التَّوْحِيدِ والصَّلاةِ، وألَفِتْ أوامِرَ القُرْآنِ، فَنُقِلَتْ إلَيْهِ بِالتَّدْرِيجِ. وكانَ فَرْضُهُ السَّنَةَ الثّانِيَةَ مِنَ الهِجْرَةِ. فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقَدْ صامَ تِسْعَةَ رَمَضاناتٍ. وفُرِضَ أوَّلًا عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْ يُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. ثُمَّ نُقِلَ مِن ذَلِكَ التَّخْيِيرِ إلى تَحَتُّمِ الصَّوْمِ، وجُعِلَ الإطْعامُ لِلشَّيْخِ الكَبِيرِ …

Al-Baqara 2:183Listen in Qur'an →
184

أَيَّامًۭا مَّعْدُودَٰتٍۢ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ فَعِدَّةٌۭ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌۭ طَعَامُ مِسْكِينٍۢ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًۭا فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّهُۥ ۚ وَأَن تَصُومُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

[Fasting for] a limited number of days. So whoever among you is ill or on a journey [during them] - then an equal number of days [are to be made up]. And upon those who are able [to fast, but with hardship] - a ransom [as substitute] of feeding a poor person [each day]. And whoever volunteers excess - it is better for him. But to fast is best for you, if you only knew.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٤] ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .

﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، أيْ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ، وهي أيّامُ شَهْرِ رَمَضانَ، كَما بَيَّنَها تَعالى فِيما بَعْدُ، بِقَوْلِهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ أيْ: مَرَضًا يَضُرُّهُ الصَّوْمُ، أوْ يَعْسُرُ مَعَهُ.

والمَرَضُ: السَّقَمُ، وهو نَقِيضُ الصِّحَّةِ واضْطِرابُ الطَّبِيعَةِ بَعْدَ صَفائِها واعْتِدالِها: ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ أيْ: فافْطُرْ: ﴿فَعِدَّةٌ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ صَوْمُ عِدَّةِ أيّامِ المَرَضِ والسَّفَرِ: ﴿مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ غَيْرِ المَعْدُوداتِ المَذْكُورَةِ. وإنَّما رَخَّصَ الفِطْرَ في حالِ المَرَضِ والسَّفَرِ لِما في ذَلِكَ مِنَ المَشَقَّةِ. وقَدْ سافَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في رَمَضانَ في أعْظَمِ الغَزَواتِ وأجَلِّها: في غَزْوَةِ بَدْرٍ، وغَزْوَةِ الفَتْحِ. قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: «غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في رَمَضانَ غَزْوَتَيْنِ: يَوْمَ بَدْرٍ والفَتْحِ، فَأفْطَرْنا فِيهِما».

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: ثَبَتَ أنَّهُ ﷺ صامَ في السَّفَرِ وأفْطَرَ، كَما خَيَّرَ بَعْضَ الصَّحابَةِ بَيْنَ الصَّوْمِ والفِطْرِ. فَفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ أسْفارِهِ في يَوْمٍ حارٍّ، حَتّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلى رَأْسِهِ مِن شِدَّةِ الحَرِّ، وما فِينا صائِمٌ إلّا ما كانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وابْنِ رَواحَةَ». وقَوْلُهُ: في بَعْضِ أسْفارِهِ: وقَعَ في إحْدى رِوايَتَيْ مُسْلِمٍ، بَدَلَهُ في شَهْرِ رَمَضانَ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «سِرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو صائِمٌ». وفي رِوايَةٍ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَفَرٍ، فَلَمّا غابَتِ الشَّمْسُ قالَ لِرَجُلٍ: «انْزِلْ فاجْدَحْ لَنا..!» فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أمْسَيْتَ. قالَ: «انْزِلْ فاجْدَحْ لَنا» . قالَ: «إنَّ عَلَيْكَ نَهارًا» . فَنَزَلَ، فَجَدَحَ لَهُ، فَشَرِبَ، ثُمَّ قالَ: «إذا رَأيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أقْبَلَ مِن هَهُنا - وأشارَ بِيَدِهِ نَحْوَ المَشْرِقِ - فَقَدْ أفْطَرَ الصّائِمُ»» رَواهُ الشَّيْخانِ. واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ فَصامَ حَتّى بَلَغَ عُسْفانَ، ثُمَّ دَعا بِماءٍ فَرَفَعَهُ إلى يَدَيْهِ لِيُرِيَهُ النّاسَ، فَأفْطَرَ حَتّى قَدِمَ مَكَّةَ، وذَلِكَ في رَمَضانَ.

فَكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأفْطَرَ، فَمَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أفْطَرَ». رَواهُ الشَّيْخانِ. واللَّفْظُ لِلْبُخارِيِّ.

وعَنْ قَزْعَةَ قالَ: «أتَيْتُ أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ فَسَألَتْهُ عَنِ الصَّوْمِ في السَّفَرِ، فَقالَ: سافَرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى مَكَّةَ ونَحْنُ صِيامٌ، قالَ: فَنَزَلْنا مَنزِلًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّكم قَدْ دَنَوْتُمْ مِن عَدُوِّكُمْ، والفِطْرُ أقْوى لَكم» . فَكانَتْ رُخْصَةً، فَمِنّا مَن صامَ ومِنّا مَن أفْطَرَ.

ثُمَّ نَزَلْنا مَنزِلًا آخَرَ فَقالَ: «إنَّكم مُصَبِّحُو عَدُوِّكم والفِطْرُ أقْوى لَكم فَأفْطِرُوا» . وكانَتْ عَزْمَةً فَأفْطَرْنا. ثُمَّ قالَ لَقَدْ رَأيْتُنا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ في …

Al-Baqara 2:184Listen in Qur'an →
185

شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٍۢ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ فَعِدَّةٌۭ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

The month of Ramadhan [is that] in which was revealed the Qur'an, a guidance for the people and clear proofs of guidance and criterion. So whoever sights [the new moon of] the month, let him fast it; and whoever is ill or on a journey - then an equal number of other days. Allah intends for you ease and does not intend for you hardship and [wants] for you to complete the period and to glorify Allah for that [to] which He has guided you; and perhaps you will be grateful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٥] ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ .

﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ أفْخَمُ وآكَدُ مِن تَعْيِينِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ.

وقالَ الرّاغِبُ: جُعِلَ مَعالِمُ فَرْضِهِ عَلى الأهِلَّةِ لِيُبادِرَ الإنْسانُ بِهِ في كُلِّ وقْتٍ مِن أوْقاتِ السَّنَةِ، كَما يَدُورُ الشَّهْرُ فِيهِ مِنَ الصَّيْفِ والشِّتاءِ والرَّبِيعَيْنِ.

وفِي رَفْعِ: ﴿شَهْرُ﴾ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هي شَهْرٌ، يَعْنِي الأيّامَ المَعْدُوداتِ. فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أُنْـزِلَ﴾ نَعْتًا لِلشَّهْرِ أوْ لِرَمَضانَ.

والثّانِي: هُوَ مُبْتَدَأٌ.

ثُمَّ في الخَبَرِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: ﴿الَّذِي أُنْـزِلَ﴾

والثّانِي: إنَّ: ﴿الَّذِي أُنْـزِلَ﴾ صِفَةٌ، والخَبَرَ هو الجُمْلَةُ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شَهِدَ﴾

فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ خَبَرًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ الفاءُ لَأنَّ شَهْرَ رَمَضانَ لا يُشْبِهُ الشَّرْطَ؟!.

قِيلَ: الفاءُ - عَلى قَوْلِ الأخْفَشِ - زائِدَةٌ. وعَلى قَوْلِ غَيْرِهِ: لَيْسَتْ زائِدَةً، وإنَّما دَخَلَتْ لِأنَّكَ وصَفْتَ الشَّهْرَ بِـ: (الَّذِي)، فَدَخَلَتِ الفاءُ كَما تَدْخُلُ في خَبَرِ نَفْسِ الَّذِي. ومِثْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] فَإنْ قِيلَ: فَأيْنَ الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المُبْتَدَأِ مِنَ الجُمْلَةِ؟ قِيلَ: وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَهُ تَفْخِيمًا، أيْ: فَمِن شَهِدَهُ مِنكم. كَذا في العُكْبُرِيِّ.

﴿الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ أيِ: ابْتَدَأ فِيهِ إنْزالُهُ، وكانَ ذَلِكَ في لَيْلَةِ القَدْرِ.

قالَ الرّازِيُّ: لِأنَّ مَبادِي المِلَلِ والدُّوَلِ هي الَّتِي يُؤَرَّخُ بِها، لِكَوْنِها أشْرَفَ الأوْقاتِ، ولِأنَّها أيْضًا أوْقاتٌ مَضْبُوطَةٌ مَعْلُومَةٌ.

وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَعْناهُ: أُنْزِلَ في فَضْلِهِ القُرْآنُ. وهَذا اخْتِيارُ الحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ. قالَ: ومِثْلُهُ أنْ يُقالَ: أنْزَلَ اللَّهُ في الصِّدِّيقِ كَذا آيَةٍ، يُرِيدُونَ: في فَضْلِهِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أُنْزِلَ - في إيجابِ صَوْمِهِ عَلى الخَلْقِ - القُرْآنُ، كَما يُقالُ: أنْزَلَ اللَّهُ في الزَّكاةِ كَذا وكَذا، يُرِيدُ في إيجابِها، وأنْزَلَ في الخَمْرِ كَذا يُرِيدُ في تَحْرِيمِها. واللَّهُ أعْلَمُ.

قالَ الحَرالِيُّ: أشْعَرَتِ الآيَةُ أنَّ في الصَّوْمِ حُسْنَ تَلَقٍّ لِمَعْناهُ، ويُسْرًا لِتِلاوَتِهِ، ولِذَلِكَ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ صَوْمِ النَّهارِ وتَهَجُّدِ اللَّيْلِ، وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ القُرْءِ وهو ما جَمَعَ الكُتُبَ والصُّحُفَ والألْواحَ. انْتَهى.

وفِي مَدْحِهِ - بِإنْزالِهِ فِيهِ - مَدْحٌ لِلْقُرْآنِ بِهِ، مِن حَيْثُ أشْعَرَ أنَّ مِن أعْظَمِ المَقاصِدِ بِمَشْرُوعِيَّتِهِ تَصْفِيَةَ الفِكْرِ لِأجْلِ فَهْمِ القُرْآنِ، لِيُوقَفَ عَلى حَقِيقَةِ ما اتَّبَعَ هَذا بِهِ مِن أوْصافِهِ الَّتِي قَرَّرَتْ ما افْتَتَحَتْ بِهِ السُّورَةُ، مِن أنَّهُ لا رَيْبَ فِيهِ، وأنَّهُ هُدًى عَلى وجْهٍ أعَمَّ مِن ذَلِكَ الأوَّلِ. فَقالَ تَعالى: ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ ﴿وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ عُطِفَ عَلى الحالِ قَبْلَهُ. فَهي حالٌ أيْضًا. والظَّرْفُ صِفَةٌ. أيْ: أُنْزِلَ حالَ كَوْنِهِ …

Al-Baqara 2:185Listen in Qur'an →
186

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

And when My servants ask you, [O Muhammad], concerning Me - indeed I am near. I respond to the invocation of the supplicant when he calls upon Me. So let them respond to Me [by obedience] and believe in Me that they may be [rightly] guided.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٦] ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ولْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾ .

﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ قالَ الرّاغِبُ: هَذِهِ الآيَةُ مِن تَمامِ الآيَةِ الأُولى. لِأنَّهُ لَمّا حَثَّ عَلى تَكْبِيرِهِ وشُكْرِهِ عَلى ما قَيَّضَهُ لَهم مِن تَمامِ الصَّوْمِ، بَيَّنَ أنَّ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ ويَشْكُرُونَهُ قَرِيبٌ مِنهُمْ، ومُجِيبٌ لَهم إذا دَعَوْهُ، ثُمَّ تَمَّمَ ما بَقِيَ مِن أحْكامِ الصَّوْمِ.

قالَ الرّازِيُّ: إنَّ السُّؤالَ مَتى كانَ مُبْهَمًا، والجَوابَ مُفَصَّلًا، دَلَّ الجَوابُ عَلى أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ المُبْهَمِ هو ذَلِكَ المُعَيَّنُ. فَلَمّا قالَ في الجَوابِ: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ عَلِمْنا أنَّ السُّؤالَ كانَ عَنِ القُرْبِ والبُعْدِ بِحَسْبِ الذّاتِ، أيْ: كَما صَرَّحَتْ بِهِ الرِّوايَةُ السّابِقَةُ. والقَرِيبُ مِن أسْمائِهِ تَعالى الحُسْنى. ومَعْناهُ القَرِيبُ مِن عَبْدِهِ بِسَماعِهِ دُعاءَهُ، ورُؤْيَتِهِ تَضَرُّعَهُ، وعِلْمِهِ بِهِ، كَما قالَ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وقالَ: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقالَ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]

قالَ الإمامُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، في عَقِيدَتِهِ الواسِطِيَّةِ:

ودَخَلَ - فِيما ذَكَرْناهُ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ - الإيمانُ بِما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ في كِتابِهِ، وتَواتَرَ عَنْ رَسُولِهِ ﷺ، وأجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ. مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ فَوْقَ سَماواتِهِ عَلى عَرْشِهِ، عَلِيٌّ عَلى خَلْقِهِ. وهو مَعَهم سُبْحانَهُ أيْنَما كانُوا. يَعْلَمُ ما هم عامِلُونَ. كَما جَمَعَ بَيْنَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْـزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] ولَيْسَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] أنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِالخَلْقِ، فَإنَّ هَذا لا تُوجِبُهُ اللُّغَةُ. وهو خِلافُ ما أجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ، وخِلافُ ما فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الخَلْقَ. بَلِ القَمَرُ - آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ - مِن أصْغَرِ مَخْلُوقاتِهِ، وهو مَوْضُوعٌ في السَّماءِ، وهو مَعَ المُسافِرِ أيْنَما كانَ. وهو سُبْحانُهُ فَوْقَ العَرْشِ رَقِيبٌ عَلى خَلْقِهِ، مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِمْ، مُطَّلِعٌ إلَيْهِمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن مَعانِي رُبُوبِيَّتِهِ، وكُلُّ هَذا الكَلامِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ مِن أنَّهُ فَوْقَ العَرْشِ، وأنَّهُ مَعَنا - حَقٌّ عَلى حَقِيقَتِهِ لا يَحْتاجُ إلى تَحْرِيفٍ، ولَكِنْ يُصانُ عَنِ الظُّنُونِ الكاذِبَةِ. ودَخَلَ في ذَلِكَ: الإيمانُ بِأنَّهُ قَرِيبٌ مِن خَلْقِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ الآيَةَ. وفي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أقْرَبُ إلى أحَدِكم مِن عُنُقِ راحِلَتِهِ»» . وما ذُكِرَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ - مِن قُرْبِهِ ومَعِيَّتِهِ - لا يُنافِي ما ذُكِرَ مِن عُلُوِّهِ وفَوْقِيَّتِهِ..! فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي جَمِيعِ نُعُوتِهِ. وهو عَلِيٌّ في دُنُوِّهِ، قَرِيبٌ في عُلُوِّهِ...!. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْقُرْبِ وتَحْقِيقٌ لَهُ، …

Al-Baqara 2:186Listen in Qur'an →
187

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌۭ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌۭ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَٱلْـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَٰجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

It has been made permissible for you the night preceding fasting to go to your wives [for sexual relations]. They are clothing for you and you are clothing for them. Allah knows that you used to deceive yourselves, so He accepted your repentance and forgave you. So now, have relations with them and seek that which Allah has decreed for you. And eat and drink until the white thread of dawn becomes distinct to you from the black thread [of night]. Then complete the fast until the sunset. And do not have relations with them as long as you are staying for worship in the mosques. These are the limits [set by] Allah, so do not approach them. Thus does Allah make clear His ordinances to the people that they may become righteous.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٧] ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكم هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكم فالآنَ باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكم وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾

.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ إرْشادٌ إلى ما شَرَعَهُ في الصَّوْمِ - بَعْدَ بَيانِ إيجابِهِ عَلى مَن وجَبَ عَلَيْهِ، وحالِهِ مَعَهُ حَضَرًا أوْ سَفَرًا، وعِدَّتِهِ مِن إحْلالِ غَشِيانِ الزَّوْجَ لَيْلًا. وكَأنَّ الصَّحابَةَ تَحَرَّجُوا عَنْ ذَلِكَ ظَنًّا أنَّهُ مِن تَتِمَّةِ الصَّوْمِ، ورَأوْا أنْ لا صَبْرَ لِأنْفُسِهِمْ عَنْهُ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّ ذَلِكَ حَلالٌ لا حَرَجَ فِيهِ.

وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضانَ كانُوا لا يَقْرَبُونَ النِّساءَ رَمَضانَ كُلَّهُ، وكانَ رِجالٌ يَخُونُونَ أنْفُسَهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكُمْ﴾

إيذانًا بِأنَّهُ أحَلَّهُ ولَمْ يُحَرِّمْهُ؛ إذْ لَمْ يُشَرِّعْ مِن فَضْلِهِ ما فِيهِ إعْناتٌ وحَرَجٌ.

و" الرَّفَثُ ": أصْلُهُ قَوْلُ الفُحْشِ. وكَنّى بِهِ هُنا عَنِ الجِماعِ وما يَتْبَعُهُ، كَما كَنّى عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ [الأعراف: ١٨٩] وقَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فاللَّهُ تَعالى كَرِيمٌ يُكَنِّي. وإيثارُ الكِنايَةِ عَنْهُ - هُنا - بِلَفْظِ الرَّفَثِ الدّالِّ عَلى مَعْنى القُبْحِ - عَدا بَقِيَّةِ الآياتِ - اسْتِهْجانًا لِما وجَدَ مِنهم قَبْلَ الإباحَةِ، كَما سَمّاهُ اخْتِيانًا لِأنْفُسِهِمْ. والكِنايَةُ عَمّا يُسْتَقْبَحُ ذِكْرُهُ بِما يُسْتَحْسَنُ لَفْظُهُ مِن سُنَنِ العَرَبِ. ولِلثَّعالِبِيِّ في آخِرِ كِتابِهِ " فِقْهِ اللُّغَةِ " فَصْلٌ في ذَلِكَ بَدِيعٌ.

ثُمَّ إنَّ المُسْتَعْمَلَ الشّائِعَ: رَفَثَ بِالمَرْأةِ - بِالباءِ - وإنَّما عُدِّيَ هُنا بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإفْضاءِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]

﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ قالَ الرّاغِبُ: جَعَلَ اللِّباسَ كِنايَةً عَنِ الزَّوْجِ لِكَوْنِهِ سَتْرًا لِنَفْسِهِ ولِزَوْجِهِ أنْ يَظْهَرَ مِنهُما سُوءٌ، كَما أنَّ اللِّباسَ سَتْرٌ يَمْنَعُ أنْ يَبْدُوَ مِنهُ السَّوْأةُ. وعَلى ذَلِكَ كَنّى عَنِ المَرْأةِ بِالإزارِ، وسُمِّيَ النِّكاحُ حِصْنًا لِكَوْنِهِ حِصْنًا لِذَوِيهِ عَنْ تَعاطِي القَبِيحِ.

وهَذا ألْطَفُ مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ: شَبَّهَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ - لِاشْتِمالِهِ عَلى صاحِبِهِ في العِناقِ والضَّمِّ - بِاللِّباسِ المُشْتَمِلِ عَلى لابِسِهِ، وفِيهِ قالَ الجَعْدِيُّ:

؎إذا ما الضَّجِيعُ ثَنّى عِطْفَها تَثَنَّتْ فَكانَتْ عَلَيْهِ لِباسا

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ﴾ ؟ قُلْتُ: هو اسْتِئْنافٌ كالبَيانِ لِسَبَبِ الإحْلالِ، وهو أنَّهُ إذا كانَتْ بَيْنَكم وبَيْنَهُنَّ مِثْلُ هَذِهِ المُخالَطَةِ والمُلابَسَةِ، قَلَّ صَبْرُكم عَنْهُنَّ، وصَعُبَ عَلَيْكُمُ اجْتِنابُهُنَّ؛ فَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَكم في مُباشَرَتِهِنَّ.

﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ …

Al-Baqara 2:187Listen in Qur'an →
188

وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا۟ فَرِيقًۭا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

And do not consume one another's wealth unjustly or send it [in bribery] to the rulers in order that [they might aid] you [to] consume a portion of the wealth of the people in sin, while you know [it is unlawful].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٨] ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي تَعالى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: ولا يَأْكُلْ بَعْضُكم مالَ بَعْضٍ بِالباطِلِ، فَجُعِلَ بِذَلِكَ آكِلُ مالِ أخِيهِ بِالباطِلِ كالآكِلِ مالَ نَفْسِهِ بِالباطِلِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] بِمَعْنى: لا يَلْمِزْ بَعْضُكم بَعْضًا ولا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعْلَ المُؤْمِنِينَ إخْوَةً. وكَذَلِكَ تَفْعَلُ العَرَبُ. تُكَنِّي عَنْ أنْفُسِها بِأخَواتِها، وعَنْ أخَواتِها بِأنْفُسِها؛ لِأنَّ أخا الرَّجُلِ عِنْدَها كَنَفْسِهِ. فَتَأْوِيلُ الكَلامِ: ولا يَأْكُلْ بَعْضُكم أمْوالَ بَعْضٍ فِيما بَيْنَكم بِالباطِلِ. وأكْلُهُ بِالباطِلِ أكْلُهُ مِن غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي أباحَهُ اللَّهُ لِآكِلِيهِ.اهـ.

وبَيْنَكُمْ: إمّا ظَرْفٌ لِـ " تَأْكُلُوا " بِمَعْنى: لا تَتَناوَلُوها فِيما بَيْنَكم بِالأكْلِ، أوْ حالٌ مِنَ الأمْوالِ أيْ: لا تَأْكُلُوها كائِنَةً بَيْنَكم ودائِرَةً بَيْنَكم. وبِالباطِلِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ " تَأْكُلُوا " أيْ: لا تَأْخُذُوها بِالسَّبَبِ الباطِلِ - أيِ: الوَجْهُ الَّذِي لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ تَعالى - ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الأمْوالِ أيْ: لا تَأْكُلُوها مُتَلَبِّسَةً بِالباطِلِ. أوْ مِنَ الفاعِلِ في تَأْكُلُوا أيْ: لا تَأْكُلُوها مُبْطِلِينَ، أيْ: مُتَلَبِّسِينَ بِالباطِلِ: ﴿وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ﴾ أيْ: تُخاصِمُوا بِها - أيْ: بِأمْوالِهِمْ - إلى الحُكّامِ، مَجْزُومٌ عَطْفًا عَلى النَّهْيِ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: {ولا وتُدْلُوا } بِإعادَةِ لا النّاهِيَةِ والإدْلاءُ: مَأْخُوذٌ مِن إدْلاءِ الدَّلْوِ، وهُوَ: إرْسالُها في البِئْرِ لِلِاسْتِقاءِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ إلْقاءِ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ تَوَصُّلًا إلى شَيْءٍ. ومِنهُ يُقالُ لِلْمُحْتَجِّ: أدْلى بِحُجَّتِهِ. كَأنَّهُ يُرْسِلُها لِيَصِيرَ إلى مُرادِهِ. كَإدْلاءِ المُسْتَقِي لِلدَّلْوِ لِيَصِلَ إلى مَطْلُوبِهِ مِنَ الماءِ. وفُلانٌ يُدْلِي إلى المَيِّتِ بِقَرابَةٍ أوْ رَحِمٍ: إذا كانَ مُنْتَسِبًا إلَيْهِ، فَيَطْلُبُ المِيراثَ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ. فالباءُ صِفَةُ الإدْلاءِ تَجُوُّزًا بِهِ عَنِ الإلْقاءِ كَما ذَكَرْنا. والمَعْنى: لا تُلْقُوا أمْرَها - والحُكُومَةُ فِيها - إلى الحُكّامِ. أوْ لا تُلْقُوا بَعْضَها إلى حُكّامِ السُّوءِ عَلى وجْهِ الرِّشْوَةِ لِيُعِينُوكم عَلى اقْتِطاعِ أمْوالِ النّاسِ. وقَدْ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرّاشِيَ والمُرْتَشِيَ والرّائِشَ» - وهو الواسِطَةُ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُما - رَواهُ أهْلُ السُّنَنِ. وذَلِكَ لِأنَّ ولِيِّ الأمْرِ إذا أكَلَ هَذا السُّحْتَ - أعْنِي الرِّشْوَةَ المُسَمّاةَ: بِالبِرْطِيلِ وتُسَمّى أحْيانًا: بِالهَدِيَّةِ وغَيْرِها - احْتاجَ أنْ يَسْمَعَ الكَذِبَ مِنَ الشَّهادَةِ الزُّورِ وغَيْرِها مِمّا فِيهِ إعانَةٌ عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ. ووَلِيُّ الأمْرِ إنَّما نُصِّبَ لِيَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ، هَذا مَقْصُودُ الوِلايَةِ. وإذا كانَ الوالِي يُمَكِّنُ مِنَ المُنْكَرِ بِمالٍ يَأْخُذُهُ كانَ قَدْ أتى بِضِدِّ المَقْصُودِ، مِثْلَ مَن نَصَّبْتَهُ لِيُعِينَكَ عَلى عَدُوِّكَ فَأعانَ عَدُوَّكَ عَلَيْكَ. وبِمَنزِلَةِ مِن أخَذَ مالًا لِيُجاهِدَ بِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَقاتَلَ المُسْلِمِينَ. والحُكّامُ: جَمْعُ حاكِمٍ، وهُوَ: …

Al-Baqara 2:188Listen in Qur'an →
189

۞ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَٰبِهَا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

They ask you, [O Muhammad], about the new moons. Say, "They are measurements of time for the people and for Hajj." And it is not righteousness to enter houses from the back, but righteousness is [in] one who fears Allah. And enter houses from their doors. And fear Allah that you may succeed.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٩] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ: بَلَغَنا «أنَّهم قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! لِمَ خُلِقَتِ الأهِلَّةُ؟ فَنَزَلَتْ». ورَوى أبُو نُعَيْمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «نَزَلَتْ في مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمٍ. قالا: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو - أوْ يَطْلُعُ - دَقِيقًا مِثْلَ الخَيْطِ، ثُمَّ يَزِيدُ حَتّى يَعْظُمَ ويَسْتَدِيرَ، ثُمَّ لا يَزالُ يَنْقُصُ ويَدُقُّ حَتّى يَعُودَ كَما كانَ، لا يَكُونُ عَلى حالٍ واحِدٍ؟ فَنَزَلَتْ».

ومَعْنى كَوْنِها: ﴿مَواقِيتُ لِلنّاسِ﴾ مَعالِمُ لَهم في حَلِّ دِينِهِمْ، ولِصَوْمِهِمْ، ولِفِطْرِهِمْ، وأوْقاتِ حَجِّهِمْ، وأجائِرِهِمْ، وأوْقاتِ الحَيْضِ، وعِدَدِ نِسائِهِمْ، والشُّرُوطِ الَّتِي إلى أجَلٍ، فَكُلُّ هَذا مِمّا لا يَسْهُلُ ضَبْطُ أوْقاتِها إلّا عِنْدَ وُقُوعِ الِاخْتِلافِ في شَكْلِ القَمَرِ زِيادَةً ونَقْصًا. ولِهَذا خالَفَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ الَّتِي هي دائِمَةٌ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ.

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثَمَرَةُ الآيَةِ: أنَّ الأحْكامَ الشَّرْعِيَّةَ - كالزَّكاةِ والعِدَدِ لِلنِّساءِ والحَمْلِ تَتَعَلَّقُ بِشُهُورِ الأهِلَّةِ لا بِشُهُورِ الفُرْسِ. أمّا ما تَعَلَّقَ بِالعُقُودِ والأفْعالِ المُتَعَلِّقَةِ بِفِعْلِ بَنِي آدَمَ فَيُتْبَعُ فِيهِ العُرْفُ مِن حِسابِهِمْ، بِالأهِلَّةِ أوْ بِشُهُورِ الفُرْسِ. فَهَذا حُكْمٌ، وذاكَ حُكْمٌ آخَرُ.

وقَدْ ذَكَرَ تَعالى هَذا المَعْنى في آياتٍ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يونس: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [الإسراء: ١٢] أيْ: مِن غَيْرِ افْتِقارٍ إلى مُراجَعَةِ المُنَجِّمِ وحِسابِ الحاسِبِ؛ رَحْمَةً مِنهُ تَعالى وفَضْلًا. وإفْرادُ الحَجِّ بِالذِّكْرِ هُنا تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ.

وقالَ القَفّالُ: نُكْتَةُ إفْرادِهِ: بَيانُ أنَّ الحَجَّ مَقْصُورٌ عَلى الأشْهُرِ الَّتِي عَيَّنَها اللَّهُ تَعالى لِفَرْضِهِ. وأنَّهُ لا يَجُوزُ نَقْلُ الحَجِّ مِن تِلْكَ الأشْهُرِ إلى أشْهُرٍ، كَما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ في النَّسِيءِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِ حاءِ الحَجِّ والحَسَنُ عَلى كَسْرِها في جَمِيعِ القُرْآنِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: هُما مَصْدَرانِ كالرَّدِّ والذِّكْرِ. وقِيلَ: بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، وبِالكَسْرِ الِاسْمُ. والأهِلَّةُ: جَمْعُ هِلالٍ. وجَمْعُهُ بِاخْتِلافِ زَمانِهِ. وهُوَ: غِرَّةُ القَمَرِ إلى ثَلاثِ لَيالٍ أوْ سَبْعٍ، ثُمَّ يُسَمّى قَمَرًا، ولَيْلَةَ البَدْرِ لِأرْبَعَ عَشْرَةَ.

قالَ أبُو العَبّاسٍ: سُمِّيَ الهِلالُ هِلالًا: لِأنَّ النّاسَ يَرْفَعُونَ أصْواتَهم بِالإخْبارِ عَنْهُ، وسُمِّي بَدْرًا: لِمُبادَرَتِهِ الشَّمْسَ بِالطُّلُوعِ كَأنَّهُ يَجْعَلُها المَغِيبَ. ويُقالُ: سُمِّيَ بَدْرًا: لِتَمامِهِ وامْتِلائِهِ، وكُلُّ شَيْءٍ تَمَّ فَهو بَدْرٌ.

تَنْبِيهٌ:

الجَوابُ عَلى الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ. وهو تَلَقِّي السّائِلِ بِغَيْرِ ما يَتَطَلَّبُ - بِتَنْزِيلِ سُؤالِهِ مَنزِلَةَ غَيْرِهِ؛ تَنْبِيهًا …

Al-Baqara 2:189Listen in Qur'an →
190

وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ

Fight in the way of Allah those who fight you but do not transgress. Indeed. Allah does not like transgressors.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٠] ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ .

﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ المُقاتَلَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ هو الجِهادُ لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وإعْزازِ الدِّينِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ تَهْيِيجٌ وإغْراءٌ بِالأعْداءِ الَّذِينَ هِمَّتُهم قِتالُ الإسْلامِ وأهْلِهِ. أيْ: كَما يُقاتِلُونَكم فاقْتُلُوهم أنْتُمْ. كَما قالَ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ أيْ: بِابْتِداءِ القِتالِ. أوْ بِقِتالِ مَن نُهِيتُمْ عَنْ قِتالِهِ، مِنَ النِّساءِ، والشُّيُوخِ، والصِّبْيانِ، وأصْحابِ الصَّوامِعِ، والَّذِينَ بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهْدٌ. أوْ بِالمُثْلَةِ، أوْ بِالمُفاجَأةِ مِن غَيْرِ دَعْوَةٍ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ أيِ: المُتَجاوِزِينَ حُكْمَهُ في هَذا وغَيْرِهِ.

Al-Baqara 2:190Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.