Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 181–190 of 286

181

فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعْدَمَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثْمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

Then whoever alters the bequest after he has heard it - the sin is only upon those who have altered it. Indeed, Allah is Hearing and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أمْرَ الوَصِيَّةِ ووُجُوبَها، وعِظَمَ أمْرِها، أتْبَعَهُ بِما يَجْرِي مَجْرى الوَعِيدِ في تَغْيِيرِها.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذا المُبَدِّلُ مَن هو ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: وهو المَشْهُورُ أنَّهُ هو الوَصِيُّ أوِ الشّاهِدُ أوْ سائِرُ النّاسِ، أمّا الوَصِيُّ فَبِأنْ يُغَيِّرَ الوَصِيُّ الوَصِيَّةَ إمّا في الكِتابَةِ وإمّا في قِسْمَةِ الحُقُوقِ، وأمّا الشّاهِدُ فَبِأنْ يُغَيِّرَ شَهادَةً أوْ يَكْتُمَها، وأمّا غَيْرُ الوَصِيِّ والشّاهِدُ فَبِأنْ يَمْنَعُوا مِن وصْلِ ذَلِكَ المالِ إلى مُسْتَحِقِّهِ، فَهَؤُلاءِ كُلُّهم داخِلُونَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ .

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَنهِيَّ عَنِ التَّغْيِيرِ هو المُوصِي نَهى عَنْ تَغْيِيرِ الوَصِيَّةِ عَنِ المَواضِعِ الَّتِي بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِالوَصِيَّةِ إلَيْها وذَلِكَ لِأنّا بَيَّنّا أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُوصُونَ لِلْأجانِبِ ويَتْرُكُونَ الأقارِبَ في الجُوعِ والضُّرِّ، فاللَّهُ تَعالى أمَرَهم بِالوَصِيَّةِ لِلْأقْرَبِينَ، ثُمَّ زَجَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ مَن أعْرَضَ عَنْ هَذا التَّكْلِيفِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ عائِدٌ إلى الوَصِيَّةِ، مَعَ أنَّ الكِنايَةَ المَذْكُورَةَ مُذَكَّرَةٌ والوَصِيَّةُ مُؤَنَّثَةٌ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ الوَصِيَّةَ بِمَعْنى الإيصاءِ ودالَّةٌ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥] أيْ وعْظٌ، والتَّقْدِيرُ: فَمَن بَدَّلَ ما قالَهُ المَيِّتُ، أوْ ما أوْصى بِهِ أوْ سَمِعَهُ عَنْهُ.

وثانِيها: قِيلَ الهاءُ راجِعَةٌ إلى الحُكْمِ والفَرْضِ والتَّقْدِيرُ: فَمَن بَدَّلَ الأمْرَ المُقَدَّمَ ذِكْرُهُ.

وثالِثُها: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى ما أوْصى بِهِ المَيِّتَ فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ، وإنْ كانَتِ الوَصِيَّةُ مُؤَنَّثَةً.

ورابِعُها: أنَّ الكِنايَةَ تَعُودُ إلى مَعْنى الوَصِيَّةِ وهو قَوْلٌ أوْ فِعْلٌ.

وخامِسُها: أنَّ تَأْنِيثَ الوَصِيَّةِ لَيْسَ بِالحَقِيقِيِّ فَيَجُوزُ أنْ يُكَنّى عَنْها بِكِنايَةِ المُذَكَّرِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ الإثْمَ إنَّما يَثْبُتُ أوْ يَعْظُمُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ المُبَدِّلُ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلسَّماعِ لَوْ لَمْ يَقَعِ العِلْمُ بِهِ، فَصارَ إثْباتُ سَماعِهِ كَإثْباتِ عِلْمِهِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ فاعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ (إنَّما) لِلْحَصْرِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (إثْمُهُ) عائِدٌ إلى التَّبْدِيلِ، والمَعْنى: أنَّ إثْمَ ذَلِكَ التَّبْدِيلِ لا يَعُودُ إلّا إلى المُبَدِّلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ أنَّ المُبَدِّلَ مَن هو.

واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أحْكامٍ:

أحَدُها: أنَّ الطِّفْلَ لا يُعَذَّبُ عَلى كُفْرِ أبِيهِ.

وثانِيها: أنَّ الإنْسانَ إذا أمَرَ الوارِثَ بِقَضاءِ دَيْنِهِ، ثُمَّ إنَّ الوارِثَ قَصَّرَ فِيهِ بِأنْ لا يَقْضِيَ دَيْنَهُ فَإنَّ الإنْسانَ المَيِّتَ لا يُعَذَّبُ

صفحة ٥٦

بِسَبَبِ تَقْصِيرِ ذَلِكَ الوارِثِ خِلافًا لِبَعْضِ الجُهّالِ.

وثالِثُها: أنَّ المَيِّتَ لا يُعَذَّبُ بِبُكاءِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ إثْمَ التَّبْدِيلِ لا يَعُودُ إلّا إلى المُبَدِّلِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى …

Al-Baqara 2:181Listen in Qur'an →
182

فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍۢ جَنَفًا أَوْ إِثْمًۭا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

But if one fears from the bequeather [some] error or sin and corrects that which is between them, there is no sin upon him. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهم فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَوَعَّدَ مَن يُبَدِّلُ الوَصِيَّةَ، بَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ التَّبْدِيلِ أنْ يُبَدِّلَهُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، أمّا إذا غَيَّرَهُ عَنْ باطِلٍ إلى حَقٍّ عَلى طَرِيقِ الإصْلاحِ فَقَدْ أحْسَنَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾؛ لِأنَّ الإصْلاحَ يَقْتَضِي ضَرْبًا مِنَ التَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ فَذَكَرَ تَعالى الفَرْقَ بَيْنَ هَذا التَّبْدِيلِ وبَيْنَ ذَلِكَ التَّبْدِيلِ الأوَّلِ بِأنْ أوْجَبَ الإثْمَ في الأوَّلِ وأزالَهُ عَنِ الثّانِي بَعْدَ اشْتِراكِهِما في كَوْنِهِما تَبْدِيلَيْنِ وتَغْيِيرَيْنِ، لِئَلّا يُقَدَّرَ أنَّ حُكْمَهُما واحِدٌ في هَذا البابِ، وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (مُوَصٍّ) بِالتَّشْدِيدِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ وهُما لُغَتانِ: وصّى وأوْصى بِمَعْنًى واحِدٍ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجَنَفُ: المَيْلُ في الأُمُورِ، وأصْلُهُ العُدُولُ عَنِ الِاسْتِواءِ، يُقالُ: جَنِفَ يَجْنَفُ بِكَسْرِ النُّونِ في الماضِي، وفَتْحِها في المُسْتَقْبَلِ، جَنَفًا، وكَذَلِكَ: تَجانَفَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ﴾

صفحة ٥٧

[المائدة: ٣] والفَرْقُ بَيْنَ الجَنَفِ والإثْمِ أنَّ الجَنَفَ هو الخَطَأُ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُ بِهِ والإثْمُ هو العَمْدُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن خافَ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنهُ هو الخَوْفُ والخَشْيَةُ.

فَإنْ قِيلَ: الخَوْفُ إنَّما يَصِحُّ في أمْرٍ مُنْتَظَرٍ، والوَصِيَّةُ وقَعَتْ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَعَلُّقُها بِالخَوْفِ.

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ المُرادَ أنَّ هَذا المُصْلِحَ إذا شاهَدَ المُوصِيَ يُوصِي فَظَهَرَتْ مِنهُ أماراتُ الجَنَفِ الَّذِي هو المَيْلُ عَنْ طَرِيقَةِ الحَقِّ مَعَ ضَرْبٍ مِنَ الجَهالَةِ، أوْ مَعَ التَّأْوِيلِ أوْ شاهَدَ مِنهُ تَعَمُّدًا بِأنْ يَزِيدَ غَيْرَ المُسْتَحِقِّ، أوْ يَنْقُصَ المُسْتَحِقَّ حَقَّهُ، أوْ يَعْدِلَ عَنِ المُسْتَحِقِّ، فَعِنْدَ ظُهُورِ أماراتِ ذَلِكَ وقَبْلَ تَحْقِيقِ الوَصِيَّةِ يَأْخُذُ في الإصْلاحِ؛ لِأنَّ إصْلاحَ الأمْرِ عِنْدَ ظُهُورِ أماراتِ فَسادِهِ وقَبْلَ تَقْرِيرِ فَسادِهِ يَكُونُ أسْهَلَ، فَلِذَلِكَ عَلَّقَ تَعالى بِالخَوْفِ مِن دُونِ العِلْمِ، فَكَأنَّ المُوصِيَ يَقُولُ وقَدْ حَضَرَ الوَصِيُّ والشّاهِدُ عَلى وجْهِ المَشُورَةِ: أُرِيدُ أنْ أُوصِيَ لِلْأباعِدِ دُونَ الأقارِبِ وأنْ أزِيدَ فُلانًا مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلزِّيادَةِ، أوْ أنْقُصَ فُلانًا مَعَ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلزِّيادَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ السّامِعُ خائِفًا مِن حِنْثٍ وإثْمٍ لا قاطِعًا عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا﴾ فَعَلَّقَهُ بِالخَوْفِ الَّذِي هو الظَّنُّ ولَمْ يُعَلِّقْهُ بِالعِلْمِ.

الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّهُ إذا أوْصى عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ لَكِنَّهُ يَجُوزُ أنْ لا يَسْتَمِرَّ المُوصِي عَلى تِلْكَ الوَصِيَّةِ بَلْ يَفْسَخُها ويَجُوزُ أنْ يَسْتَمِرَّ؛ لِأنَّ المُوصِيَ ما لَمْ يَمُتْ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَنِ الوَصِيَّةِ وتَغْيِيرُها بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصِرِ الجَنَفُ والإثْمُ مَعْلُومَيْنِ؛ لِأنَّ تَجْوِيزَ فَسْخِهِ يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ مَقْطُوعًا عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ عَلَّقَهُ بِالخَوْفِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ في …

Al-Baqara 2:182Listen in Qur'an →
183

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

O you who have believed, decreed upon you is fasting as it was decreed upon those before you that you may become righteous -

الحُكْمُ السّادِسُ

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ الصِّيامَ مَصْدَرُ صامَ كالقِيامِ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ الإمْساكُ عَنِ الشَّيْءِ والتَّرْكُ لَهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلصَّمْتِ: صَوْمٌ لِأنَّهُ إمْساكٌ عَنِ الكَلامِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] وصَوْمُ النَّهارِ إذا اعْتَدَلَ وقامَ قائِمُ الظَّهِيرَةِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

فَدَعْها وسَلِّ الهَمَّ عَنْها بِجَسْرَةٍ ذَمُولٍ إذا صامَ النَّهارُ وهَجَّرا

وقالَ آخَرُ:

حَتّى إذا صامَ النَّهارُ واعْتَدَلْ

وصامَتِ الرِّيحُ إذا رَكَدَتْ، وصامَ الفَرَسُ إذا قامَ عَلى غَيْرِ اعْتِلافٍ وقالَ النّابِغَةُ:

خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجِ وأُخْرى تَعْلُكُ اللُّجُما

ويُقالُ: بَكَرَةٌ صائِمَةٌ إذا قامَتْ فَلَمْ تَدُرْ، قالَ الرّاجِزُ:

والبَكَراتُ شَرُّهُنَّ الصّائِمَهْ

ومَصامُ الشَّمْسِ حَيْثُ تَسْتَوِي في مُنْتَصَفِ النَّهارِ، وكَذَلِكَ مَصامُ النَّجْمِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

كَأنَّ الثُّرَيّا عُلِّقَتْ في مَصامِها ∗∗∗ بِأمْراسِ كَتّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ

هَذا هو مَعْنى الصَّوْمِ في اللُّغَةِ، وفي الشَّرِيعَةِ هو الإمْساكُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ عَنِ المُفْطِراتِ حالَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ صائِمًا مَعَ اقْتِرانِ النِّيَّةِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في هَذا التَّشْبِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ إلى أصْلِ إيجابِ الصَّوْمِ، يَعْنِي هَذِهِ العِبادَةَ كانَتْ مَكْتُوبَةً واجِبَةً عَلى الأنْبِياءِ والأُمَمِ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى عَهْدِكم، ما أخْلى اللَّهُ أُمَّةً مِن إيجابِها عَلَيْهِمْ لا يَفْرِضُها عَلَيْكم وحْدَكم، وفائِدَةُ هَذا الكَلامِ أنَّ الصَّوْمَ عِبادَةٌ شاقَّةٌ، والشَّيْءُ الشّاقُّ إذا عَمَّ سَهُلَ تَحَمُّلُهُ.

صفحة ٦٠

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ التَّشْبِيهَ يَعُودُ إلى وقْتِ الصَّوْمِ وإلى قَدْرِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ تَشْبِيهَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي اسْتِواءَهُما في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، فَأمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ يَقْتَضِي الِاسْتِواءَ في كُلِّ الأُمُورِ فَلا، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَضَ صِيامَ رَمَضانَ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، أمّا اليَهُودُ فَإنَّها تَرَكَتْ هَذا الشَّهْرَ وصامَتْ يَوْمًا مِنَ السَّنَةِ، زَعَمُوا أنَّهُ يَوْمٌ غَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ، وكَذَبُوا في ذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمُ عاشُوراءَ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أمّا النَّصارى فَإنَّهم صامُوا رَمَضانَ فَصادَفُوا فِيهِ الحَرَّ الشَّدِيدَ فَحَوَّلُوهُ إلى وقْتٍ لا يَتَغَيَّرُ، ثُمَّ قالُوا عِنْدَ التَّحْوِيلِ: نَزِيدُ فِيهِ فَزادُوا عَشْرًا، ثُمَّ بَعْدَ زَمانٍ اشْتَكى مَلِكُهم فَنَذَرَ سَبْعًا فَزادُوهُ، ثُمَّ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ مَلِكٌ آخَرُ فَقالَ: ما بالُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ فَأتَمَّهُ خَمْسِينَ يَوْمًا، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا﴾ [التوبة: ٣١] وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ.

وثانِيها: أنَّهم أخَذُوا بِالوَثِيقَةِ زَمانًا فَصامُوا قَبْلَ الثَّلاثِينَ يَوْمًا وبَعْدَها يَوْمًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الأخِيرُ يَسْتَسِنُّ بِسُنَّةِ القَرْنِ الَّذِي قَبْلَهُ حَتّى صارُوا إلى …

Al-Baqara 2:183Listen in Qur'an →
184

أَيَّامًۭا مَّعْدُودَٰتٍۢ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ فَعِدَّةٌۭ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌۭ طَعَامُ مِسْكِينٍۢ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًۭا فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّهُۥ ۚ وَأَن تَصُومُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

[Fasting for] a limited number of days. So whoever among you is ill or on a journey [during them] - then an equal number of days [are to be made up]. And upon those who are able [to fast, but with hardship] - a ransom [as substitute] of feeding a poor person [each day]. And whoever volunteers excess - it is better for him. But to fast is best for you, if you only knew.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: في انْتِصابِ ”أيّامًا“ أقْوالٌ؛ الأوَّلُ: نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ في أيّامٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: نَوَيْتُ الخُرُوجَ يَوْمَ الجُمُعَةِ.

والثّانِي: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ أنَّهُ خَبْرُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، كَقَوْلِهِمْ: أُعْطِيَ زَيْدٌ مالًا.

والثّالِثُ: عَلى التَّفْسِيرِ.

والرّابِعُ: بِإضْمارٍ أيْ فَصُومُوا أيّامًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في هَذِهِ الأيّامِ عَلى قَوْلَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّها غَيْرُ رَمَضانَ، وهو قَوْلُ مُعاذٍ وقَتادَةَ وعَطاءٍ، ورَواهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ فَقِيلَ: ثَلاثَةُ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، عَنْ عَطاءٍ، وقِيلَ: ثَلاثَةُ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، وصَوْمُ يَوْمِ عاشُوراءَ، عَنْ قَتادَةَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا أيْضًا فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ كانَ تَطَوُّعًا ثُمَّ فُرِضَ، وقِيلَ: بَلْ كانَ واجِبًا، واتَّفَقَ هَؤُلاءِ عَلى أنَّهُ مَنسُوخٌ بِصَوْمِ رَمَضانَ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الأيّامِ غَيْرُ صَوْمِ رَمَضانَ بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: ما رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ صَوْمَ رَمَضانَ نَسَخَ كُلَّ صَوْمٍ»، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ قَبْلَ وُجُوبِ رَمَضانَ كانَ صَوْمًا آخَرَ واجِبًا.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ حُكْمَ المَرِيضِ والمُسافِرِ في هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَهُما أيْضًا في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى صَوْمِ رَمَضانَ، فَلَوْ كانَ هَذا الصَّوْمُ هو صَوْمَ رَمَضانَ، لَكانَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا مَحْضًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ وأنَّهُ لا يَجُوزُ.

الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في هَذا المَوْضِعِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّوْمَ واجِبٌ عَلى التَّخْيِيرِ، يَعْنِي: إنْ شاءَ صامَ، وإنْ شاءَ أعْطى الفِدْيَةَ، وأمّا صَوْمُ رَمَضانَ فَإنَّهُ واجِبٌ عَلى التَّعْيِينِ، فَوَجَبَ أنَّ يَكُونَ صَوْمُ هَذِهِ الأيّامِ غَيْرَ صَوْمِ رَمَضانَ.

القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ المُحَقِّقِينَ، كابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وأبِي مُسْلِمٍ أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الأيّامِ المَعْدُوداتِ: شَهْرُ رَمَضانَ قالُوا، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى قالَ أوَّلًا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ وهَذا مُحْتَمِلٌ لِيَوْمٍ ويَوْمَيْنِ وأيّامٍ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ فَزالَ بَعْضُ الِاحْتِمالِ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ﴾

صفحة ٦٢

(القُرْآنُ) [البقرة: ١٨٥] فَعَلى هَذا التَّرْتِيبِ يُمْكِنُ جَعْلُ الأيّامِ المَعْدُوداتِ بِعَيْنِها شَهْرَ رَمَضانَ، وإذا أمْكَنَ ذَلِكَ فَلا وجْهَ لِحَمْلِهِ عَلى غَيْرِهِ وإثْباتِ النَّسْخِ فِيهِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ زِيادَةٌ لا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْها فَلا يَجُوزُ القَوْلُ بِهِ.

أمّا تَمَسُّكُهم أوَّلًا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ صَوْمَ رَمَضانَ نَسَخَ كُلَّ صَوْمٍ» “ .

فالجَوابُ: أنَّهُ لَيْسَ في الخَبَرِ أنَّهُ نَسَخَ عَنْهُ وعَنْ أُمَّتِهِ كُلَّ صَوْمٍ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ نَسَخَ كُلَّ صَوْمٍ واجِبٍ في الشَّرائِعِ المُتَقَدِّمَةِ؛ لِأنَّهُ كَما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَعْضُ شَرْعِهِ ناسِخًا لِلْبَعْضِ، …

Al-Baqara 2:184Listen in Qur'an →
185

شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٍۢ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ فَعِدَّةٌۭ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

The month of Ramadhan [is that] in which was revealed the Qur'an, a guidance for the people and clear proofs of guidance and criterion. So whoever sights [the new moon of] the month, let him fast it; and whoever is ill or on a journey - then an equal number of other days. Allah intends for you ease and does not intend for you hardship and [wants] for you to complete the period and to glorify Allah for that [to] which He has guided you; and perhaps you will be grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الشَّهْرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الشُّهْرَةِ يُقالُ، شَهَرَ الشَّيْءُ يَشْهَرُ شُهْرَةً وشَهْرًا إذا ظَهَرَ، وسُمِّيَ الشَّهْرُ شَهْرًا لِشُهْرَةِ أمْرِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ حاجاتِ النّاسِ ماسَّةٌ إلى مَعْرِفَتِهِ بِسَبَبِ أوْقاتِ دُيُونِهِمْ، وقَضاءِ نُسُكِهِمْ في صَوْمِهِمْ وحَجِّهِمْ، والشُّهْرَةُ ظُهُورُ الشَّيْءِ وسُمِيَ الهِلالُ شَهْرًا لِشُهْرَتِهِ وبَيانِهِ. قالَ بَعْضُهم سُمِّيَ الشَّهْرُ شَهْرًا بِاسْمِ الهِلالِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في رَمَضانَ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: قالَ مُجاهِدٌ: إنَّهُ اسْمُ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى قَوْلِ القائِلِ: شَهْرُ رَمَضانَ أيْ شَهْرُ اللَّهِ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لا تَقُولُوا جاءَ رَمَضانُ وذَهَبَ رَمَضانُ ولَكِنْ قُولُوا: جاءَ شَهْرُ رَمَضانَ وذَهَبَ شَهْرُ رَمَضانَ فَإنَّ رَمَضانَ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى» “ .

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ لِلشَّهْرِ كَشَهْرِ رَجَبٍ وشَعْبانَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِهِ عَلى وُجُوهٍ، الأوَّلُ: ما نُقِلَ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ مِنَ الرَّمْضاءِ بِسُكُونِ المِيمِ، وهو مَطَرٌ يَأْتِي قَبْلَ الخَرِيفِ يُطَهِّرُ وجْهَ الأرْضِ عَنِ الغُبارِ، والمَعْنى فِيهِ أنَّهُ كَما يَغْسِلُ ذَلِكَ المَطَرُ وجْهَ الأرْضِ ويُطَهِّرُها فَكَذَلِكَ شَهْرُ رَمَضانَ يَغْسِلُ أبْدانَ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الذُّنُوبِ ويُطَهِّرُ قُلُوبَهم.

الثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّمَضِ وهو حَرُّ الحِجارَةِ مِن شِدَّةِ حَرِّ الشَّمْسِ، والِاسْمُ الرَّمْضاءُ، فَسُمِّيَ هَذا الشَّهْرُ بِهَذا الِاسْمِ إمّا لِارْتِماضِهِمْ في هَذا الشَّهْرِ مِن حَرِّ الجُوعِ أوْ مُقاساةِ شِدَّتِهِ، كَما سَمُّوهُ تابِعًا لِأنَّهُ كانَ يَتْبَعُهم، أيْ يُزْعِجُهم لِشِدَّتِهِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: لَمّا نَقَلُوا أسْماءَ الشُّهُورِ عَنِ اللُّغَةِ القَدِيمَةِ سَمَّوْها بِالأزْمِنَةِ الَّتِي وقَعَتْ فِيها فَوافَقَ هَذا الشَّهْرُ أيّامَ رَمَضِ الحَرِّ، وقِيلَ: سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّهُ يَرْمِضُ الذُّنُوبَ أيْ يَحْرِقُها، وقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنَّما سُمِّيَ رَمَضانَ لِأنَّهُ يَرْمِضُ ذُنُوبَ عِبادِ اللَّهِ» “ .

الثّالِثُ: أنَّ هَذا الِاسْمَ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: رَمَضْتُ النَّصْلَ أرْمِضُهُ رَمْضًا إذا دَفَعْتَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ لِيَرِقَّ، ونَصْلٌ رَمِيضٌ ومَرْمُوضٌ، فَسُمِّيَ هَذا الشَّهْرُ رَمَضانَ، لِأنَّهم كانُوا يَرْمِضُونَ فِيهِ أسْلِحَتَهم لِيَقْضُوا مِنها أوْطارَهم، وهَذا القَوْلُ يُحْكى عَنِ الأزْهَرِيِّ.

الرّابِعُ: لَوْ صَحَّ قَوْلُهم: إنَّ رَمَضانَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى، وهَذا الشَّهْرُ أيْضًا سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ، فالمَعْنى أنَّ الذُّنُوبَ تَتَلاشى في جَنْبِ رَحْمَةِ اللَّهِ حَتّى كَأنَّها احْتَرَقَتْ، وهَذا الشَّهْرُ أيْضًا رَمَضانُ بِمَعْنى أنَّ الذُّنُوبَ تَحْتَرِقُ في جَنْبِ بَرَكَتِهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ (شَهْرُ) بِالرَّفْعِ وبِالنَّصْبِ، أمّا الرَّفْعُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ أنَّهُ ارْتَفَعَ عَلى البَدَلِ مِنَ الصِّيامِ، والمَعْنى: كُتِبَ عَلَيْكم شَهْرُ رَمَضانَ.

والثّانِي: وهو …

Al-Baqara 2:185Listen in Qur'an →
186

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

And when My servants ask you, [O Muhammad], concerning Me - indeed I am near. I respond to the invocation of the supplicant when he calls upon Me. So let them respond to Me [by obedience] and believe in Me that they may be [rightly] guided.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ولْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ بَعْدَ إيجابِ فَرْضِ الصَّوْمِ وبَيانِ أحْكامِهِ: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَأمَرَ العَبْدَ بِالتَّكْبِيرِ الَّذِي هو الذِّكْرُ وبِالشُّكْرِ، بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ بِلُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ قَرِيبٌ مِنَ العَبْدِ مُطَّلِعٌ عَلى ذِكْرِهِ وشُكْرِهِ فَيَسْمَعُ نِداءَهُ، ويُجِيبُ دُعاءَهُ، ولا يُخَيِّبُ رَجاءَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ أمَرَ بِالتَّكْبِيرِ أوَّلًا ثُمَّ رَغَّبَهُ في الدُّعاءِ ثانِيًا، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الدُّعاءَ لا بُدَّ

صفحة ٨١

وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِالثَّناءِ الجَمِيلِ، ألا تَرى أنَّ الخَلِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أرادَ الدُّعاءَ قَدَّمَ عَلَيْهِ الثَّناءَ، فَقالَ أوَّلًا: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] وكُلُّ هَذا ثَناءٌ مِنهُ عَلى اللَّهِ تَعالى ثُمَّ شَرَعَ بَعْدَهُ في الدُّعاءِ فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] فَكَذا هَهُنا أمَرَ بِالتَّكْبِيرِ أوَّلًا ثُمَّ شَرَعَ بَعْدَهُ في الدُّعاءِ ثانِيًا.

الثّالِثُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا فَرَضَ عَلَيْهِمُ الصِّيامَ كَما فَرَضَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وكانَ ذَلِكَ عَلى أنَّهم إذا نامُوا حَرُمَ عَلَيْهِمْ ما يَحْرُمُ عَلى الصّائِمِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ حَتّى عَصَوُا اللَّهَ في ذَلِكَ التَّكْلِيفِ، ثُمَّ نَدِمُوا وسَألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ تَوْبَتِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ مُخْبِرًا لَهم بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، ونَسَخَ ذَلِكَ التَّشْدِيدَ بِسَبَبِ دُعائِهِمْ وتَضَرُّعِهِمْ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا:

أحَدُها: ما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رَبِّ أقَرِيبٌ أنْتَ فَأُناجِيكَ، أمْ بَعِيدٌ فَأُنادِيكَ ؟ فَقالَ: يا مُوسى أنا جَلِيسُ مَن ذَكَرَنِي، قالَ: يا رَبِّ فَإنّا نَكُونُ عَلى حالَةِ نَجِلُّكَ أنْ نَذْكُرَكَ عَلَيْها مِن جَنابَةٍ وغائِطٍ، قالَ: يا مُوسى اذْكُرْنِي عَلى كُلِّ حالٍ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ رَغَّبَ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ في ذِكْرِهِ وفي الرُّجُوعِ إلَيْهِ في جَمِيعِ الأحْوالِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

وثانِيها: «أنَّ أعْرابِيًّا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيهِ، أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيهِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .

وثالِثُها: «أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في غَزْوَةٍ وقَدْ رَفَعَ أصْحابُهُ أصْواتَهم بِالتَّكْبِيرِ والتَّهْلِيلِ والدُّعاءِ، فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: ”إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا إنَّما تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا“» .

ورابِعُها: ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ أنَّ سَبَبَهُ «أنَّ الصَّحابَةَ قالُوا: كَيْفَ نَدْعُو رَبَّنا يا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ فَأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ» .

وخامِسُها: «قالَ عَطاءٌ وغَيْرُهُ: إنَّهم سَألُوهُ في أيِّ ساعَةٍ نَدْعُو اللَّهَ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .

وسادِسُها: ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهو «أنَّ يَهُودَ أهْلِ المَدِينَةِ قالُوا: يا مُحَمَّدُ كَيْفَ يَسْمَعُ …

Al-Baqara 2:186Listen in Qur'an →
187

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌۭ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌۭ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَٱلْـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَٰجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

It has been made permissible for you the night preceding fasting to go to your wives [for sexual relations]. They are clothing for you and you are clothing for them. Allah knows that you used to deceive yourselves, so He accepted your repentance and forgave you. So now, have relations with them and seek that which Allah has decreed for you. And eat and drink until the white thread of dawn becomes distinct to you from the black thread [of night]. Then complete the fast until the sunset. And do not have relations with them as long as you are staying for worship in the mosques. These are the limits [set by] Allah, so do not approach them. Thus does Allah make clear His ordinances to the people that they may become righteous.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكم هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكم فالآنَ باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكم وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى﴾

صفحة ٨٨

﴿يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ في أوَّلِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ الصّائِمُ إذا أفْطَرَ حَلَّ لَهُ الأكْلُ والشُّرْبُ والوِقاعُ بِشَرْطِ أنْ لا يَنامَ وأنْ لا يُصَلِّيَ العِشاءَ الأخِيرَةَ، فَإذا فَعَلَ أحَدَهُما حَرُمَ عَلَيْهِ هَذِهِ الأشْياءُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى نَسَخَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ هَذِهِ الحُرْمَةُ ما كانَتْ ثابِتَةً في شَرْعِنا البَتَّةَ، بَلْ كانَتْ ثابِتَةً في شَرْعِ النَّصارى، واللَّهُ تَعالى نَسَخَ بِهَذِهِ الآيَةِ ما كانَ ثابِتًا في شَرْعِهِمْ، وجَرى فِيهِ عَلى مَذْهَبِهِ مِن أنَّهُ لَمْ يَقَعْ في شَرْعِنا نَسْخٌ البَتَّةَ، واحْتَجَّ الجُمْهُورُ عَلى قَوْلِهِمْ بِوُجُوهٍ:

الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] يَقْتَضِي تَشْبِيهَ صَوْمِنا بِصَوْمِهِمْ، وقَدْ كانَتْ هَذِهِ الحُرْمَةُ ثابِتَةً في صَوْمِهِمْ، فَوَجَبَ بِحُكْمِ هَذا التَّشْبِيهِ أنْ تَكُونَ ثابِتَةً أيْضًا في صَوْمِنا، وإذا ثَبَتَ أنَّ الحُرْمَةَ كانَتْ ثابِتَةً في شَرْعِنا، وهَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِهَذِهِ الحُرْمَةِ لَزِمَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةً لِحُكْمٍ كانَ ثابِتًا في شَرْعِنا.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ ولَوْ كانَ هَذا الحِلُّ ثابِتًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن أوَّلِ الأمْرِ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ فائِدَةٌ.

الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾، ولَوْ كانَ ذَلِكَ حَلالًا لَهم لَما كانَ بِهِمْ حاجَةٌ إلى أنْ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم.

الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكُمْ﴾، ولَوْلا أنَّ ذَلِكَ كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ وأنَّهم أقْدَمُوا عَلى المَعْصِيَةِ بِسَبَبِ الإقْدامِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، لَما صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكُمْ﴾ .

الحُجَّةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾، ولَوْ كانَ الحِلُّ ثابِتًا قَبْلَ ذَلِكَ كَما هو الآنَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ فائِدَةً.

الحُجَّةُ السّادِسَةُ: هي أنَّ الرِّواياتِ المَنقُولَةَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ دالَّةٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الحُرْمَةَ كانَتْ ثابِتَةً في شَرْعِنا، هَذا مَجْمُوعُ دَلائِلِ القائِلِينَ بِالنَّسْخِ.

أجابَ أبُو مُسْلِمٍ عَنْ هَذِهِ الدَّلائِلِ فَقالَ:

أمّا الحُجَّةُ الأُولى: فَضَعِيفَةٌ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ تَشْبِيهَ الصَّوْمِ بِالصَّوْمِ يَكْفِي في صِدْقِهِ مُشابَهَتُهُما في أصْلِ الوُجُوبِ.

وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةُ فَضَعِيفَةٌ أيْضًا لِأنّا نُسَلِّمُ أنَّ هَذِهِ الحُرْمَةَ كانَتْ ثابِتَةً في شَرْعِ مَن قَبْلَنا، فَقَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ مَعْناهُ أنَّ الَّذِي كانَ …

Al-Baqara 2:187Listen in Qur'an →
188

وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا۟ فَرِيقًۭا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

And do not consume one another's wealth unjustly or send it [in bribery] to the rulers in order that [they might aid] you [to] consume a portion of the wealth of the people in sin, while you know [it is unlawful].

مِنَ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ: حُكْمُ الأمْوالِ

﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

صفحة ١٠٠

اعْلَمْ أنَّهم مَثَّلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكُمْ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] وهَذا مُخالِفٌ لَها، لِأنَّ أكْلَهُ لِمالِ نَفْسِهِ بِالباطِلِ يَصِحُّ كَما يَصِحُّ أكْلُهُ مالَ غَيْرِهِ، قالَ الشَّيْخُ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ في كِتابِ الإحْياءِ: المالُ إنَّما يَحْرُمُ لِمَعْنًى في عَيْنِهِ أوْ لِحالٍ في جِهَةِ اكْتِسابِهِ.

والقِسْمُ الأوَّلُ: الحَرامُ لِصِفَةٍ في عَيْنِهِ.

واعْلَمْ أنَّ الأمْوالَ إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ المَعادِنِ أوْ مِنَ النَّباتِ، أوْ مِنَ الحَيَواناتِ، أمّا المَعادِنُ وهي أجْزاءُ الأرْضِ فَلا يَحْرُمُ شَيْءٌ مِنهُ إلّا مِن حَيْثُ يَضُرُّ بِالأكْلِ، وهو ما يَجْرِي مَجْرى السُّمِّ، وأمّا النَّباتُ فَلا يَحْرُمُ مِنهُ إلّا ما يُزِيلُ الحَياةَ والصِّحَّةَ أوِ العَقْلَ، فَمُزِيلُ الحَياةِ السُّمُومُ، ومُزِيلُ الصِّحَّةِ الأدْوِيَةُ في غَيْرِ وقْتِها، ومُزِيلُ العَقْلِ الخَمْرُ والبِنْجُ وسائِرُ المُسْكِراتِ.

وأمّا الحَيَواناتُ فَتَنْقَسِمُ إلى ما يُؤْكَلُ وإلى ما لا يُؤْكَلُ، وما يَحِلُّ إنَّما يَحِلُّ إذا ذُبِحَ ذَبْحًا شَرْعِيًّا ثُمَّ إذا ذُبِحَتْ فَلا تَحِلُّ بِجَمِيعِ أجْزائِها، بَلْ يَحْرُمُ مِنها الفَرْثُ والدَّمُ، وكُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ.

القِسْمُ الثّانِي: ما يَحْرُمُ لِخَلَلٍ مِن جِهَةِ إثْباتِ اليَدِ عَلَيْهِ، فَنَقُولُ: أخْذُ المالِ إمّا أنْ يَكُونَ بِاخْتِيارِ المُتَمَلِّكِ، أوْ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ كالإرْثِ، والَّذِي بِاخْتِيارِهِ إمّا أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنَ غَيْرِ المالِكِ كَأخْذِ المَعادِنِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِن مالِكٍ، وذَلِكَ إمّا أنْ يُؤْخَذَ قَهْرًا أوْ بِالتَّراضِي، والمَأْخُوذُ قَهْرًا إمّا أنْ يُؤْخَذَ لِسُقُوطِ عِصْمَةِ المِلْكِ كالغَنائِمِ، أوْ لِاسْتِحْقاقِ الأخْذِ كَزَكَواتِ المُمْتَنِعِينَ والنَّفَقاتِ الواجِبَةِ عَلَيْهِمْ، والمَأْخُوذُ تَراضِيًا إمّا أنْ يُؤْخَذَ بِعِوَضٍ كالبَيْعِ والصَّداقِ والأُجْرَةِ، وإمّا أنَّ يُؤْخَذَ بِغَيْرِ عِوَضٍ كالهِبَةِ والوَصِيَّةِ فَيَحْصُلُ مِن هَذا التَّقْسِيمِ أقْسامٌ سِتَّةٌ:

الأوَّلُ: ما يُؤْخَذُ مِن غَيْرِ مالِكٍ كَنَيْلِ المَعادِنِ، وإحْياءِ المَوْتِ، والِاصْطِيادِ، والِاحْتِطابِ، والِاسْتِقاءِ مِنَ الأنْهارِ، والِاحْتِشاشِ، فَهَذا حَلالٌ بِشَرْطِ أنْ لا يَكُونَ المَأْخُوذُ مُخْتَصًّا بِذِي حُرْمَةٍ مِنَ الآدَمِيِّينَ.

الثّانِي: المَأْخُوذُ قَهْرًا مِمَّنْ لا حُرْمَةَ لَهُ، وهو الفَيْءُ، والغَنِيمَةُ، وسائِرُ أمْوالِ الكُفّارِ المُحارِبِينَ، وذَلِكَ حَلالٌ لِلْمُسْلِمِينَ إذا أخْرَجُوا مِنهُ الخُمْسَ، وقَسَّمُوهُ بَيْنَ المُسْتَحِقِّينَ بِالعَدْلِ، ولَمْ يَأْخُذُوهُ مِن كافِرٍ لَهُ حُرْمَةٌ وأمانٌ وعَهْدٌ.

والثّالِثُ: ما يُؤْخَذُ قَهْرًا بِاسْتِحِقاقٍ عِنْدَ امْتِناعِ مَن عَلَيْهِ فَيُؤْخَذُ دُونَ رِضاهُ، وذَلِكَ حَلالٌ إذا تَمَّ سَبَبُ الِاسْتِحْقاقِ، وتَمَّ وصْفُ المُسْتَحَقِّ واقْتَصَرَ عَلى القَدْرِ المُسْتَحَقِّ.

الرّابِعُ: ما يُؤْخَذُ تَراضِيًا بِمُعاوَضَةٍ وذَلِكَ حَلالٌ إذا رُوعِيَ شَرْطُ العِوَضَيْنِ وشَرْطُ العاقِدَيْنَ وشَرْطُ اللَّفْظَيْنِ؛ أعْنِي الإيجابَ …

Al-Baqara 2:188Listen in Qur'an →
189

۞ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَٰبِهَا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

They ask you, [O Muhammad], about the new moons. Say, "They are measurements of time for the people and for Hajj." And it is not righteousness to enter houses from the back, but righteousness is [in] one who fears Allah. And enter houses from their doors. And fear Allah that you may succeed.

الحُكْمُ التّاسِعُ

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ما كانَ قَوْمٌ أقَلَّ سُؤالًا مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ سَألُوا عَنْ أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا فَأُجِيبُوا.

وأقُولُ: ثَمانِيَةٌ مِنها في سُورَةِ البَقَرَةِ:

أوَّلُها: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] .

وثانِيها: هَذِهِ الآيَةُ ثُمَّ السِّتَّةُ الباقِيَةُ بَعْدُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، فالمَجْمُوعُ ثَمانِيَةٌ مِن هَذِهِ السُّورَةِ.

والتّاسِعُ: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٤] .

والعاشِرُ: في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنفال: ١] .

والحادِيَ عَشَرَ: في بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] .

والثّانِي عَشَرَ: في الكَهْفِ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣] .

والثّالِثَ عَشَرَ: في طه ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ [طه: ١٠٥] .

والرّابِعَ عَشَرَ: في النّازِعاتِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ [النازعات: ٤٢] .

ولِهَذِهِ الأسْئِلَةِ تَرْتِيبٌ عَجِيبٌ: اثْنانِ مِنها في الأوَّلِ في شَرْحِ المَبْدَأِ:

فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي﴾ [البقرة: ١٨٦] وهَذا سُؤالٌ عَنِ الذّاتِ.

والثّانِي: قَوْلُهُ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾، وهَذا سُؤالٌ عَنْ صِفَةِ الخَلاقِيَّةِ والحِكْمَةِ في جَعْلِ الهِلالِ عَلى هَذا الوَجْهِ، واثْنانِ مِنها في الآخِرَةِ في شَرْحِ المَعادِ:

أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ [طه: ١٠٥] .

والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ [النازعات: ٤٢]، ونَظِيرُ هَذا أنَّهُ ورَدَ في القُرْآنِ سُورَتانِ:

أُولاهُما: (يا أيُّها النّاسُ) أحَدُهُما في النِّصْفِ الأوَّلِ، وهي السُّورَةُ الرّابِعَةُ مِن سُورَةِ النِّصْفِ الأوَّلِ، فَإنَّ أُولاها الفاتِحَةُ وثانِيَتُها البَقَرَةُ وثالِثَتُها آلُ عِمْرانَ ورابِعَتُها النِّساءُ، وثانِيَتُهُما في النِّصْفِ الثّانِي مِنَ القُرْآنِ وهي أيْضًا السُّورَةُ الرّابِعَةُ مِن سُوَرِ النِّصْفِ الثّانِي أُولاها مَرْيَمُ، وثانِيَتُها طه، وثالِثَتُها الأنْبِياءُ، ورابِعَتُها الحَجُّ، ثُمَّ (يا أيُّها النّاسُ) الَّتِي في النِّصْفِ الأوَّلِ تَشْتَمِلُ عَلى شَرْحِ المَبْدَأِ، فَقالَ ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [النساء: ١]، و(يا أيُّها النّاسُ) الَّتِي في النِّصْفِ الثّانِي تَشْتَمِلُ عَلى شَرْحِ المَعادِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] فَسُبْحانَ مَن لَهُ في هَذا القُرْآنِ أسْرارٌ خَفِيَّةٌ، وحِكَمٌ مَطْوِيَّةٌ لا يَعْرِفُها إلّا الخَواصُّ مِن عَبِيدِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: «رُوِيَ أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ وثَعْلَبَةَ بْنَ غَنْمٍ وكُلَّ واحِدٍ مِنهُما كانَ مِنَ الأنْصارِ قالا يا رَسُولَ

صفحة ١٠٣

اللَّهِ: ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو دَقِيقًا مِثْلَ الخَيْطِ ثُمَّ يَزِيدُ حَتّى يَمْتَلِئَ ويَسْتَوِيَ، ثُمَّ لا يَزالُ يَنْقُصُ حَتّى يَعُودَ كَما …

Al-Baqara 2:189Listen in Qur'an →
190

وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ

Fight in the way of Allah those who fight you but do not transgress. Indeed. Allah does not like transgressors.

الحُكْمُ العاشِرُ

ما يَتَعَلَّقُ بِالقِتالِ

﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾

صفحة ١٠٩

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالِاسْتِقامَةِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالتَّقْوى في طَرِيقِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها﴾ [البقرة: ١٨٩] وأمَرَ بِالتَّقْوى في طَرِيقِ طاعَةِ اللَّهِ، وهو عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ المَحْظُوراتِ وفِعْلِ الواجِباتِ فالِاسْتِقامَةُ عِلْمٌ، والتَّقْوى عَمَلٌ، ولَيْسَ التَّكْلِيفُ إلّا في هَذَيْنِ، ثُمَّ لَمّا أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأشَدِّ أقْسامِ التَّقْوى وأشَقِّها عَلى النَّفْسِ، وهو قَتْلُ أعْداءِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ النُّزُولِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: قالَ الرَّبِيعُ وابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ، فَلَمّا نَزَلَتْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقاتِلُ مَن قاتَلَ، ويَكُفُّ عَنْ قِتالِ مَن تَرَكَهُ، وبَقِيَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ إلى أنَّ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] .

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - خَرَجَ بِأصْحابِهِ لِإرادَةِ الحَجِّ ونَزَلَ الحُدَيْبِيَةَ وهو مَوْضِعٌ كَثِيرُ الشَّجَرِ والماءِ، فَصَدَّهُمُ المُشْرِكُونَ عَنْ دُخُولِ البَيْتِ فَأقامَ شَهْرًا لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ صالَحُوهُ عَلى أنْ يَرْجِعَ ذَلِكَ العامَ ويَعُودَ إلَيْهِمْ في العامِ القابِلِ، ويَتْرُكُونَ لَهُ مَكَّةَ ثَلاثَةَ أيّامٍ حَتّى يَطُوفَ ويَنْحَرَ الهَدْيَ ويَفْعَلَ ما شاءَ، فَرَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ وصالَحَهم عَلَيْهِ، ثُمَّ عادَ إلى المَدِينَةِ وتَجَهَّزَ في السَّنَةِ القابِلَةِ، ثُمَّ خافَ أصْحابُهُ مِن قُرَيْشٍ أنْ لا يَفُوا بِالوَعْدِ ويَصُدُّوهم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وأنْ يُقاتِلُوهم، وكانُوا كارِهِينَ لِمُقاتَلَتِهِمْ في الشَّهْرِ الحَرامِ وفي الحَرَمِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ، وبَيَّنَ لَهم كَيْفِيَّةَ المُقاتَلَةِ إنِ احْتاجُوا إلَيْها، فَقالَ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ في طاعَتِهِ وطَلَبِ رِضْوانِهِ، رَوى أبُو مُوسى «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَمَّنْ يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَقالَ: هو مَن قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا، ولا يُقاتِلُ رِياءً ولا سُمْعَةً» .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، المُرادُ مِنهُ: قاتِلُوا الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم إمّا عَلى وجْهِ الدَّفْعِ عَنِ الحَجِّ، أوْ عَلى وجْهِ المُقاتَلَةِ ابْتِداءً، وهَذا الوَجْهُ مُوافِقٌ لِما رَوَيْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.

وثانِيها: قاتِلُوا كُلَّ مَن لَهُ قُدْرَةٌ وأهْلِيَّةٌ عَلى القِتالِ.

وثالِثُها: قاتَلُوا كُلَّ مَن لَهُ قُدْرَةٌ عَلى القِتالِ وأهْلِيَّةٌ كَذَلِكَ سِوى مَن جَنَحَ لِلسَّلْمِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾ [الأنفال: ٦١] واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ لِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهم فاعِلِينَ لِلْقِتالِ، …

Al-Baqara 2:190Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.