Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 171–180 of 286

171

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَآءًۭ وَنِدَآءًۭ ۚ صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ

The example of those who disbelieve is like that of one who shouts at what hears nothing but calls and cries cattle or sheep - deaf, dumb and blind, so they do not understand.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧١] ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾

﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ أيْ: يَصِيحُ، يُقالُ: نَعَقَ الرّاعِي بِغَنَمِهِ: صاحَ بِها وزَجَرَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً﴾ أيْ: بِالبَهائِمِ الَّتِي لا تَسْمَعُ إلّا دُعاءَ النّاعِقِ ونِداءَهُ - الَّذِي هو تَصْوِيتٌ بِها، وزَجْرٌ لَها - ولا تَفْقَهُ شَيْئًا آخَرَ، ولا تَعِي كَما يَفْهَمُ العُقَلاءُ ويَعُونَ. وقَدْ أفْهَمَ هَذا الإيجازُ البَلِيغَ تَمْثِيلَيْنِ في مَثَلٍ واحِدٍ. فَكَأنَّ وفاءَ اللَّفْظِ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ومَثَلُ داعِيهِمْ كَمَثَلِ الرّاعِي ومَثَلِ ما يَرْعى مِنَ البَهائِمِ. وهو مِن أعْلى خِطابِ فُصَحاءِ العَرَبِ، ومَن لا يَصِلُ فَهْمُهُ إلى جَمْعِ المَثَلَيْنِ، يَقْتَصِرُ عَلى تَأْوِيلِهِ بِمَثَلٍ واحِدٍ، فَيُقَدَّرُ في الكَلامِ: ومَثَلُ داعِي الَّذِينَ كَفَرُوا. أشارَ لِذَلِكَ الحَرالِيُّ فِيما نَقَلَهُ البِقاعِيُّ عَنْهُ.

وقالَ الفَرّاءُ: أضافَ تَعالى المَثَلَ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، ثُمَّ شَبَّهَهم بِالرّاعِي ولَمْ يَقُلْ كالغَنَمِ. والمَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كالبَهائِمِ الَّتِي لا تَفْقَهُ ما يَقُولُ الرّاعِي أكْثَرَ مِنَ الصَّوْتِ، فَأضافَ التَّشْبِيهَ إلى الرّاعِي والمَعْنى في المَرْعِيِّ. قالَ: ومِثْلُهُ في الكَلامِ: فُلانٌ يَخافُكَ كَخَوْفِ الأسَدِ. المَعْنى كَخَوْفِهِ الأسَدَ، لِأنَّ الأسَدَ مَعْرُوفٌ أنَّهُ المَخُوفُ.

وقِيلَ: أُرِيدَ تَشْبِيهُ حالِ الكافِرِ في دُعائِهِ الصَّنَمَ بِحالِ مَن يَنْعَقُ بِما لا يَسْمَعُهُ. والمَعْنى: مَثَلُ هَؤُلاءِ في دُعائِهِمْ آلِهَتَهُمُ الَّتِي لا تَفْقَهُ دُعاءَهم كَمَثَلِ النّاعِقِ بِغَنَمِهِ فَلا يَنْتَفِعُ مِن نَعِيقِهِ بِشَيْءٍ، غَيْرَ أنَّهُ هو في دُعاءٍ ونِداءٍ. وكَذَلِكَ المُشْرِكُ لَيْسَ لَهُ مِن دُعائِهِ وعِبادَتِهِ إلّا العَناءُ.

وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في " أعْلامِ المُوَقِّعِينَ ": ولَكَ أنْ تَجْعَلَ هَذا مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ، وأنْ تَجْعَلَهُ مِنَ التَّشْبِيهِ المُفَرِّقِ. فَإنْ جَعَلْتَهُ مِنَ المُرَكَّبِ: كانَ تَشْبِيهًا لِلْكَفّارِ في عَدَمِ فِقْهِهِمْ وانْتِفاعِهِمْ بِالغَنَمِ الَّتِي يَنْعَقُ بِها الرّاعِي فَلا تَفْقَهُ مِن قَوْلِهِ شَيْئًا غَيْرَ الصَّوْتِ المُجَرَّدِ الَّذِي هو الدُّعاءُ والنِّداءُ. وإنْ جَعَلْتَهُ مِنَ التَّشْبِيهِ المُفَرِّقِ: فالَّذِينَ كَفَرُوا بِمَنزِلَةِ البَهائِمِ، ودُعاءُ داعِيهِمْ إلى الطَّرِيقِ والهُدى بِمَنزِلَةِ الَّذِي يَنْعَقُ بِها، ودُعاؤُهم إلى الهُدى بِمَنزِلَةِ النَّعْقِ، وإدْراكُهم مُجَرَّدَ الدُّعاءِ والنِّداءِ كَإدْراكِ البَهائِمِ مُجَرَّدَ صَوْتِ النّاعِقِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

قالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم عِنْدَ الدُّعاءِ إلى اتِّباعِ ما أنْزَلَ اللَّهُ، تَرَكُوا النَّظَرَ والتَّدَبُّرَ، وأخْلَدُوا إلى التَّقْلِيدِ، وقالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا، ضَرَبَ لَهم هَذا المَثَلَ تَنْبِيهًا لِلسّامِعِينَ لَهم إنَّهم إنَّما وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ: بِسَبَبِ تَرْكِ الإصْغاءِ، وقِلَّةِ الِاهْتِمامِ بِالدِّينِ، فَصَيَّرَهم مِن هَذا الوَجْهِ بِمَنزِلَةِ الأنْعامِ...! ومِثْلُ هَذا المَثَلِ يَزِيدُ السّامِعَ مَعْرِفَةً بِأحْوالِ الكُفّارِ، ويُحَقِّرُ إلى الكافِرِ نَفْسَهُ إذا سَمِعَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ كَسْرًا لِقَلْبِهِ، وتَضْيِيقًا لِصَدْرِهِ حَيْثُ صَيَّرَهُ كالبَهِيمَةِ فَيَكُونُ في ذَلِكَ …

Al-Baqara 2:171Listen in Qur'an →
172

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ

O you who have believed, eat from the good things which We have provided for you and be grateful to Allah if it is [indeed] Him that you worship.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ: ما أخْلَصْناهُ لَكم مِنَ الشُّبَهِ، ولا تَعَرَّضُوا لِما فِيهِ دَنَسٌ كَما أحَلَّهُ المُشْرِكُونَ مِنَ المُحَرَّماتِ، ولا تُحَرِّمُوا ما أحَلُّوا مِنها مِنَ السّائِبَةِ وما مَعَها: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ الَّذِي رَزَقَكم هَذِهِ النِّعَمَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ: ﴿تَعْبُدُونَ﴾ أيْ: إنْ صَحَّ أنَّكم تَخُصُّونَهُ بِالعِبادَةِ، وتُقِرُّونَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُنْعِمُ لا غَيْرَ.

قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في " جَوابِ أهْلِ الإيمانِ ": الطَّيِّباتُ الَّتِي أباحَها هي المَطاعِمُ النّافِعَةُ لِلْعُقُولِ والأخْلاقِ، والخَبائِثُ هي الضّارَّةُ في العُقُولِ والأخْلاقِ، كَما أنَّ الخَمْرَ أُمُّ الخَبائِثِ لِأنَّها تُفْسِدُ العُقُولَ والأخْلاقَ. فَأباحَ اللَّهُ الطَّيِّباتِ لِلْمُتَّقِينَ الَّتِي يَسْتَعِينُونَ بِها عَلى عِبادَةِ رَبِّهِمُ الَّتِي خُلِقُوا لَها. وحَرَّمَ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ الَّتِي تَضُرُّهم في المَقْصُودِ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ، وأمَرَهم مَعَ أكْلِها بِالشُّكْرِ، ونَهاهم عَنْ تَحْرِيمِها، فَمَن أكَلَها ولَمْ يَشْكُرْ تَرَكَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ واسْتَحَقَّ العُقُوبَةَ، ومَن حَرَّمَها كالرُّهْبانِ فَقَدْ تَعَدّى حُدُودَ اللَّهِ فاسْتَحَقَّ العُقُوبَةَ.

وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ لِيَرْضى عَنِ العَبْدِ أنْ يَأْكُلَ الأكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها، أوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها»» . وفي حَدِيثٍ آخَرَ: ««الطّاعِمُ الشّاكِرُ بِمَنزِلَةِ الصّائِمِ الصّابِرِ»» .

وقالَ تَعالى: ﴿لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] أيْ: عَنْ شُكْرِهِ؛ فَإنَّهُ لا يُبِيحُ شَيْئًا ويُعاقِبُ مَن فَعَلَهُ، ولَكِنْ يَسْألُهُ عَنِ الواجِبِ الَّذِي أوْجَبَهُ مَعَهُ، وعَمّا حَرَّمَهُ عَلَيْهِ، هَلْ فَرَّطَ بِتَرْكِ مَأْمُورٍ أوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ؟ كَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]

ولَمّا قَيَّدَ تَعالى الإذْنَ لَهم بِالطَّيِّبِ مِنَ الرِّزْقِ، افْتَقَرَ الأمْرُ إلى بَيانِ الخَبِيثِ مِنهُ لِيُجْتَنَبَ، فَبَيَّنَ صَرِيحًا ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِمّا كانَ المُشْرِكُونَ يَسْتَحِلُّونَهُ ويُحَرِّمُونَ غَيْرَهُ وأفْهَمَ حِلَّ ما عَداهُ، وأنَّهُ كَثِيرٌ جِدًّا لِيَزْدادَ المُخاطَبُ شُكْرًا، فَقالَ:

Al-Baqara 2:172Listen in Qur'an →
173

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيْرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

He has only forbidden to you dead animals, blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allah. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], there is no sin upon him. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٣] ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْـزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ وهي في عُرْفِ الشَّرْعِ: ما ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ، أوْ قَتَلَ عَلى هَيْئَةٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ، إمّا في الفاعِلِ أوْ في المَفْعُولِ فَدَخَلَ فِيها: المُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ، والمُتَرَدِّيَةُ، والنَّطِيحَةُ، وما عَدا عَلَيْها السَّبُعُ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ خَصَّصَ الجُمْهُورُ مِن ذَلِكَ مَيْتَةَ البَحْرِ، لِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وحَدِيثُ العَنْبَرِ في الصَّحِيحِ.

وفِي المُسْنَدِ، والمُوَطَّأِ، والسُّنَنِ: قَوْلُهُ ﷺ في البَحْرِ: ««هو الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ»» .

ورَوى الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ والدّارَقُطْنِيُّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: ««أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ، فَأمّا المَيْتَتانِ الحُوتُ والجَرادُ. وأمّا الدَّمانِ فالكَبِدُ والطُّحالُ»» ﴿والدَّمَ﴾ وهو المَسْفُوحُ أيِ: الجارِي، كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ في الآيَةِ الأُخْرى والمُفَسَّرُ قاضٍ عَلى المُبْهَمِ، وكانَ بَعْضُ العَرَبِ يَجْعَلُ الدَّمَ في المَصارِينِ ثُمَّ يَشْوِيها ويَأْكُلُها ويُسَمُّونَهُ الفَصْدَ. وفي القامُوسِ وشَرْحِهِ: والفَصِيدُ دَمٌ كانَ يُوضَعُ في الجاهِلِيَّةِ في مِعًى مِن فَصْدِ عِرْقِ البَعِيرِ، ويُشْوى، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَهُ ويُطْعِمُونَهُ الضَّيْفَ في الأزْمَةِ.

ويُحْكى: أنَّهُ باتَ رَجُلانِ عِنْدَ أعْرابِيٍّ فالتَقَيا صَباحًا، فَسَألَ أحَدُهُما صاحِبَهُ عَنِ القُرى، فَقالَ: ما قَرَيْتُ وإنَّما فُصِدَ لِي. فَقالَ لَمْ يُحْرَمْ مَن فُصْدَ لَهُ - بِسُكُونِ الصّادِ - فَجَرى ذَلِكَ مَثَلًا لِمَن نالَ بَعْضَ المَقْصِدِ، وسَكَّنَ الصّادَ تَخْفِيفًا، أيْ: لَمْ يُحْرَمِ القُرى مَن فَصَدَتْ لَهُ الرّاحِلَةُ فَحَظِيَ بِدَمِها. ويُرْوى: مَن فَزْدَ لَهُ بِالزّايِ بَدَلَ الصّادِ وبَعْضُهم يَقُولُ: مَن قُصِدَ لَهُ - بِالقافِ - أيْ: مَن أُعْطِيَ قَصْدًا أيْ: قَلِيلًا. وكَلامُ العَرَبِ بِالفاءِ. وقالَ يَعْقُوبُ: تَأْوِيلُ هَذا أنَّ الرَّجُلَ كانَ يُضِيفُ الرَّجُلَ في شِدَّةِ الزَّمانِ، فَلا يَكُونُ عِنْدَهُ ما يَقْرِيهِ، ويَشِحُّ أنْ يَنْحَرَ راحِلَتَهُ، فَيَفْصِدُها، فَإذا خَرَجَ الدَّمُ سَخَّنَهُ لِلضَّيْفِ إلى أنْ يُجَمَّدَ ويَقْوى فَيُطْعِمَهُ إيّاهُ ﴿ولَحْمَ الخِنْـزِيرِ﴾ ويَدْخُلُ شَحْمُهُ وبَقِيَّةُ أجْزائِهِ في حُكْمِ لَحْمِهِ: إمّا تَغْلِيبًا، أوْ لِأنَّ اللَّحْمَ يَشْمَلُ ذَلِكَ لُغَةً، لِأنَّهُ ما لَحَمَ بَيْنَ أخْفى ما في الحَيَوانِ مِن وسَطِ عَظْمِهِ، وما انْتَهى إلَيْهِ ظاهِرُهُ مِن سَطْحِ جِلْدِهِ، وعُرِفَ غَلَبَةُ اسْتِعْمالِهِ عَلى رُطَبِهِ الأحْمَرِ، وهو هُنا عَلى أصْلِهِ في اللُّغَةِ، وإمّا بِطَرِيقِ القِياسِ عَلى رَأْيٍ؛ لِأنَّهُ إذا حَرَّمَ لَحْمَهُ الَّذِي هو المَقْصُودُ بِالأكْلِ وهو أطْيَبُ ما فِيهِ كانَ غَيْرُهُ مِن أجْزائِهِ أوْلى بِالتَّحْرِيمِ، ولَمّا حَرَّمَ ما يَضُرُّ الجِسْمَ ويُؤْذِي النَّفْسَ، حَرَّمَ ما يَرِينُ عَلى القَلْبِ، فَقالَ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: ذُبِحَ عَلى غَيْرِ اسْمِهِ تَعالى مِنَ الأنْصابِ والأنْدادِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا كانَتِ الجاهِلِيَّةُ يَنْحَرُونَ لَهُ. وأصْلُ الإهْلالِ: رَفْعُ الصَّوْتِ أيْ: رَفَعَ بِهِ الصَّوْتَ لِلصَّنَمِ ونَحْوِهِ، وذَلِكَ كَقَوْلِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ: بِاسْمِ اللّاتِ …

Al-Baqara 2:173Listen in Qur'an →
174

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۙ أُو۟لَٰٓئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

Indeed, they who conceal what Allah has sent down of the Book and exchange it for a small price - those consume not into their bellies except the Fire. And Allah will not speak to them on the Day of Resurrection, nor will He purify them. And they will have a painful punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٤] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ: مِن حُدُودِهِ وأحْكامِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ الأُولى بِالبَيِّناتِ والهُدى: ﴿ويَشْتَرُونَ بِهِ﴾ أيْ: يَأْخُذُونَ بَدَلَهُ: ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ: مِمّا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ مِن لَذّاتِ العاجِلَةِ، وقَلَّلَهَ لِحَقارَتِهِ في نَفْسِهِ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِدَناءَةِ نُفُوسِهِمْ حَيْثُ رَضِيَتْ بِالقَلِيلِ، أوْ بِالنِّسْبَةِ لِما فَوَّتُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ الَّذِي لا يُحاطُ بِوَصْفِهِ: ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ﴾ أيْ: ما يَسْتَتْبِعُ النّارَ ويَسْتَلْزِمُها، فَكَأنَّهُ عَيْنُ النّارِ، وأكْلُهُ أكْلُها، و: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ: ﴿يَأْكُلُونَ﴾ وفائِدَتُهُ: تَأْكِيدُ الأكْلِ، وتَقْرِيرُهُ بِبَيانِ مُقِرِّ المَأْكُولِ.

قالَ الرّاغِبُ: أكْلُ النّارِ: تَناوُلُ ما يُؤَدِّي إلَيْها، وذُكِرُ الأكْلُ لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ الأوَّلَ بِتَحْصِيلِ المالِ، وذُكِرَ: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ تَنْبِيهًا عَلى شَرَهِهِمْ وتَقْبِيحًا لِتَضْيِيعِ أعْظَمِ النِّعَمِ لِأجْلِ الطَّعْمِ الَّذِي هو أخَسُّ مُتَناوَلٍ مِنَ الدُّنْيا....!

﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قالَ الرّاغِبُ: لَمْ يَعْنِ نَفْيَ الكَلامِ رَأْسًا، فَقَدْ قالَ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] وقالَ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ﴾ [الكهف: ٥٢] وإنَّما أرادَ كَلامًا يَقْتَضِي جَدْوى؛ ولِهَذا قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ يَغْضَبُ عَلَيْهِمْ تَنْبِيهًا أنَّهم بِخِلافِ مَن قالَ فِيهِمْ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] وقِيلَ: حَقِيقَةُ: {كَلِمَته } حَمَلْتُهُ عَلى الكَلامِ، نَحْوَ حَرَّكْتُهُ، لِأنَّ مَن كَلَّمْتَهُ فَقَدِ اسْتَدْعَيْتَ كَلامَهُ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَسْتَدْعِي كَلامَهم نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]

﴿ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ: يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ الذُّنُوبِ لِغَضَبِهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم كَتَمُوا، وقَدْ عَلِمُوا، فاسْتَحَقُّوا الغَضَبَ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: مُؤْلِمٌ.

Al-Baqara 2:174Listen in Qur'an →
175

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ

Those are the ones who have exchanged guidance for error and forgiveness for punishment. How patient they are in pursuit of the Fire!

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] أيِ: اسْتَبْدَلُوا إضْلالَ أنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ مِنَ الكِتْمانِ والتَّحْرِيفِ بِالِاهْتِداءِ: ﴿والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ﴾ أيْ: أسْبابَهُ بِأسْبابِها، ولَمّا جَعَلَ سُبْحانَهُ أوَّلَ مَأْكَلِهِمْ نارًا، وآخِرَ أمْرِهِمْ عَذابًا، وتَرْجَمَةَ حالِهِمْ عَدَمَ المَغْفِرَةِ، فَكانَ بِذَلِكَ أيْضًا أوْسَطُ حالِهِمْ نارًا سُبِّبَ عَنْهُ التَّعْجِيبُ مِن أمْرِهِمْ: بِحَبْسِهِمْ أنْفُسَهم في ذَلِكَ الَّذِي هو مَعْنى الصَّبْرِ، لِالتِباسِهِمْ بِالنّارِ حَقِيقَةً أوْ بِمُوجِباتِها مِن غَيْرِ مُبالاةٍ، فَقالَ: ﴿فَما أصْبَرَهُمْ﴾ أيْ: ما أشَدَّ حَبْسَهم أنْفُسَهُمْ، أوْ ما أجْرَأهُمْ: ﴿عَلى النّارِ﴾ الَّتِي أكَلُوها في الدُّنْيا فَأحَسُّوا بِها في الأُخْرى نَقَلَهُ البِقاعِيُّ.

ثُمَّ قالَ: وإذا جَعَلْتَهُ مَجازًا، كانَ مِثْلَ قَوْلِكَ لِمَن عانَدَ السُّلْطانَ: ما أصْبَرَكَ عَلى السِّجْنِ الطَّوِيلِ والقَيْدِ الثَّقِيلِ؟ تَهْدِيدًا لَهُ، تُرِيدُ أنَّهُ لا يَتَعَرَّضُ لِذَلِكَ إلّا مَن هو شَدِيدُ الصَّبْرِ عَلى العَذابِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: قالَ لِي قاضِي اليَمَنِ بِمَكَّةَ: اخْتَصَمَ إلَيَّ رَجُلانِ مِنَ العَرَبِ، فَحَلِفَ أحَدُهُما عَلى حَقِّ صاحِبِهِ فَقالَ لَهُ: ما أصْبَرَكَ عَلى اللَّهِ! أيْ: ما أصْبَرَكَ عَلى عَذابِ اللَّهِ. نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

قالَ الرّاغِبُ: وقَدْ يُوصَفُ بِالصَّبْرِ مَن لا صَبْرَ لَهُ اعْتِبارًا بِالنّاظِرِ إلَيْهِ، وتُصُوِّرَ أنَّهُ صابِرٌ، واسْتِعْمالُ لَفْظِ التَّعَجُّبِ في ذَلِكَ اعْتِبارًا بِالخَلْقِ لا بِالخالِقِ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى السَّبَبَ المُوجِبَ لِهَذا الإبْعادِ العَظِيمِ بِقَوْلِهِ:

Al-Baqara 2:175Listen in Qur'an →
176

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِى ٱلْكِتَٰبِ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ

That is [deserved by them] because Allah has sent down the Book in truth. And indeed, those who differ over the Book are in extreme dissension.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٦] ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَـزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَـزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ إنَّما اسْتَحَقُّوا هَذا العَذابَ الشَّدِيدَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ الكِتابَ الجامِعَ لِأنْواعِ الهُدى، وهو صالِحٌ لِإرادَةِ القُرْآنِ والتَّوْراةِ، بِالحَقِّ، أيْ: مُتَلَبِّسًا بِهِ، فَلا جَرَمَ يَكُونُ مَن يَخْتَلِفُ فِيهِ ويَرْفُضُهُ بِالتَّحْرِيفِ والكِتْمانِ مُبْتَلًى بِمِثْلِ هَذا مِن أفانِينِ العَذابِ؛ لِأنَّهُ حاوَلَ نَفْيَ ما أثْبَتَ اللَّهُ، فَقَدْ ضادَّ اللَّهَ في شَرْعِهِ، عِياذًا بِهِ سُبْحانَهُ ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ أيْ: في جِنْسِ الكِتابِ الإلَهِيِّ، بِأنْ آمَنُوا بِبَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى وكَفَرُوا بِبَعْضِها؛ أوْ في التَّوْراةِ، بِأنْ آمَنُوا بِبَعْضِ آياتِها وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، أوِ الِاخْتِلافِ في تَأْوِيلِها، فاجْتَرَأُوا لِأجْلِهِ عَلى تَحْرِيفِها، أوْ في القُرْآنِ بِأنَّ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ سِحْرٌ، وبَعْضُهم إنَّهُ شِعْرٌ، وبَعْضُهُمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ.

قالَ الرّاغِبُ: وأصْلُ الِاخْتِلافِ: التَّخَلُّفُ عَنِ المَنهَجِ. وقِيلَ اخْتَلَفُوا: أتَوْا بِخِلافِ ما أنْزَلَ اللَّهُ. وقِيلَ: اخْتَلَفُوا: بِمَعْنى خَلَّفُوا نَحْوَ اكْتَسَبُوا، وكَسَبُوا، وعَمِلُوا واعْتَمَلُوا أيْ: صارُوا خُلَفاءَ فِيهِ، نَحْوَ: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم: ٥٩] و.

﴿لَفِي شِقاقٍ﴾ أيْ: خِلافٍ ومُنازَعَةٍ: ﴿بَعِيدٍ﴾ عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ، مُسْتَوْجِبٌ لِأشَدِّ العَذابِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

Al-Baqara 2:176Listen in Qur'an →
177

۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّۦنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ

Righteousness is not that you turn your faces toward the east or the west, but [true] righteousness is [in] one who believes in Allah, the Last Day, the angels, the Book, and the prophets and gives wealth, in spite of love for it, to relatives, orphans, the needy, the traveler, those who ask [for help], and for freeing slaves; [and who] establishes prayer and gives zakah; [those who] fulfill their promise when they promise; and [those who] are patient in poverty and hardship and during battle. Those are the ones who have been true, and it is those who are the righteous.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٧] ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾

﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ اسْمٌ جامِعٌ لِلطّاعاتِ، وأعْمالِ الخَيْرِ المُقَرِّبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، ومِن هَذا: بِرُّ الوالِدَيْنِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٣] ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٤] فَجَعَلَ البِرَّ ضِدَّ الفُجُورِ، وقالَ: ﴿وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ [المائدة: ٢] فَجَعَلَ البِرَّ ضِدَّ الإثْمِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ لِجَمِيعِ ما يُؤْجَرُ عَلَيْهِ الإنْسانُ. أيْ: لَيْسَ الصَّلاحُ والطّاعَةُ والفِعْلُ المُرْضِيُّ في تَزْكِيَةِ النَّفْسِ - الَّذِي يَجِبُ أنْ تُذْهَلُوا بِشَأْنِهِ عَنْ سائِرِ صُنُوفِ البِرِّ - هو أمْرَ القِبْلَةِ، ولَكِنَّ البِرَّ الَّذِي يَجِبُ الِاهْتِمامُ بِهِ - هو هَذِهِ الخِصالُ الَّتِي عَدَّها جَلَّ شَأْنُهُ.

ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ - عِنْدَ نَسْخِ القِبْلَةِ وتَحْوِيلِها - حَصَلَ مِنهُمُ الِاغْتِباطُ بِهَذِهِ القِبْلَةِ، وحَصَلَ مِنهُمُ التَّشَدُّدُ في شَأْنِها حَتّى ظَنُّوا أنَّهُ الغَرَضُ الأكْبَرُ في الدِّينِ، فَبَعَثَهم تَعالى بِهَذا الخِطابِ عَلى اسْتِيفاءِ جَمِيعِ العِباداتِ والطّاعاتِ. أشارَ لِهَذا الرّازِيُّ.

وقالَ الرّاغِبُ: الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِلْكُفّارِ والمُنافِقِينَ الَّذِينَ أنْكَرُوا تَغْيِيرَ القِبْلَةِ. وقِيلَ: بَلْ لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ قَدْ يَرَوْنَ أنَّهم نالُوا البِرَّ كُلَّهُ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْها.

﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ أيْ: إيمانُ مَن آمَنَ بِاللَّهِ الَّذِي دَعَتْ إلَيْهِ آيَةُ الوَحْدانِيَّةِ فَأثْبَتَ لَهُ صِفاتِ الكَمالِ، ونَزَّهَهُ عَنْ سِماتِ النُّقْصانِ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ الَّذِي كَذَّبَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فاخْتَلَّ نِظامُهم بِبَغْيِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ: ﴿والمَلائِكَةِ﴾ أيْ: وآمَنَ بِهِمْ وبِأنَّهم عِبادٌ مُكْرَمُونَ مُتَوَسِّطُونَ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ رُسُلِهِ بِإلْقاءِ الوَحْيِ وإنْزالِ الكُتُبِ: ﴿والكِتابِ﴾ أيْ: بِحَبْسِ الكِتابِ. فَيَشْمَلُ الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ مِنَ السَّماءِ عَلى الأنْبِياءِ الَّتِي مِن أفْرادِها: أشْرَفُها وهو القُرْآنُ المُهَيْمِنُ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ الَّذِي انْتَهى إلَيْهِ كُلُّ خَيْرٍ واشْتَمَلَ عَلى كُلِّ سَعادَةٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿والنَّبِيِّينَ﴾ جَمِيعًا مِن غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ، كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابَيْنِ.

قالَ الحَرالِيُّ فَفِيهِ - أيِ: الإيمانُ بِهِمْ وبِما قَبْلَهم قَهْرُ النَّفْسِ لِلْإذْعانِ لِمَن هو مِن جِنْسِها، والإيمانُ بِغَيْبِ مَن لَيْسَ مِن جِنْسِها، لِيَكُونَ في ذَلِكَ ما يَزَعُ النَّفْسَ عَنْ هَواها.

﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ أيْ: أخْرَجَهُ وهو مُحِبٌّ لَهُ راغِبٌ فِيهِ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وغَيْرُهُما مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««أفْضَلُ الصَّدَقَةِ أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ …

Al-Baqara 2:177Listen in Qur'an →
178

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى ۖ ٱلْحُرُّ بِٱلْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلْأُنثَىٰ بِٱلْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌۭ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَٰنٍۢ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌۭ ۗ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

O you who have believed, prescribed for you is legal retribution for those murdered - the free for the free, the slave for the slave, and the female for the female. But whoever overlooks from his brother anything, then there should be a suitable follow-up and payment to him with good conduct. This is an alleviation from your Lord and a mercy. But whoever transgresses after that will have a painful punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ الحُدُودِ والحُقُوقِ الَّتِي لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، وهي النُّفُوسُ. و: ﴿كُتِبَ﴾ بِمَعْنى فُرِضَ وأُوجِبَ.

قالَ الرّاغِبُ: الكِتابَةُ يُعَبَّرُ بِها عَنِ الإيجابِ. وأصْلُ ذَلِكَ: أنَّ الشَّيْءَ يُرادُ ثُمَّ يُقالُ ثُمَّ يُكْتَبُ. فَيُعَبَّرُ عَنِ المُرادِ الَّذِي هو المَبْدَأُ بِالكِتابَةِ الَّتِي هي المُنْتَهى.

﴿الحُرُّ﴾ يُقْتَلُ: ﴿بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى فَمَن عُفِيَ لَهُ﴾ مِنَ القاتِلِينَ: ﴿مِن أخِيهِ﴾ أيْ: دَمِ أخِيهِ المَقْتُولِ: ﴿شَيْءٌ﴾ بِأنْ تَرْكَ ولِيُّهُ القَوْدَ مِنهُ، ونَزَلَ عَنْ طَلَبِ الدَّمِ إلى الدِّيَةِ. وفي ذِكْرِ الأُخُوَّةِ: تَعَطُّفٌ داعٍ إلى العَفْوِ، وإيذانٌ بِأنَّ القَتْلَ لا يَقْطَعُ أُخُوَّةَ الإيمانِ: ﴿فاتِّباعٌ﴾ أيْ: فَعَلى العافِي اتِّباعٌ لِلْقاتِلِ: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ بِأنْ يُطالِبَهُ بِالدِّيَةِ بِلا عُنْفٍ: {و } عَلى القاتِلِ: {أداءٌ } لِلدِّيَةِ: ﴿إلَيْهِ﴾ أيِ: العافِي وهو الوارِثُ: ﴿بِإحْسانٍ﴾ بِلا مَطَلٍ ولا بَخْسٍ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الحُكْمِ، وهو جَوازُ القِصاصِ والعَفْوِ عَنْهُ عَلى الدِّيَةِ: ﴿تَخْفِيفٌ﴾ تَسْهِيلٌ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ عَلَيْكُمْ: ﴿ورَحْمَةٌ﴾ بِكُمْ، حَيْثُ وسَّعَ في ذَلِكَ، ولَمْ يُحَتِّمْ واحِدًا مِنهُما: ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بِأنْ قَتَلَ غَيْرَ القاتِلِ بَعْدَ وُرُودِ هَذا الحُكْمِ، أوْ قَتَلَ القاتِلَ بَعْدَ العَفْوِ، أوْ أخْذِ الدِّيَةِ: ﴿فَلَهُ﴾ بِاعْتِدائِهِ: ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أمّا في الدُّنْيا فَبِالِاقْتِصاصِ بِما قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِالنّارِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ: عَلى مَن يَتَوَجَّهُ هَذا الوُجُوبُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ ؟ أُجِيبَ: عَلى النّاسِ كافَّةً. فَمِنهم مَن يَلْزَمُهُ اسْتِقادَتُهُ - وهو الإمامُ - إذا طَلَبَهُ الوَلِيُّ. ومِنهُ مَن يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ النَّفْسِ وهو القاتِلُ. ومِنهم مَن يَلْزَمُهُ المُعاوَنَةُ والرِّضا بِهِ. ومِنهم مَن يَلْزَمُهُ أنْ لا يَتَعَدّى بَلْ يَقْتَصَّ، أوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ. والقَصْدُ بِالآيَةِ: مَنعُ التَّعَدِّي الجاهِلِيِّ.

الثّانِي: القَصاصُ مَصْدَرُ قاصَّهُ، المَزِيدُ. وأصْلُ القَصِّ: قَطْعُ الشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ الِاجْتِذاذِ، ومِنهُ: قَصَّ شَعْرَهُ. وقَصَّ الحَدِيثَ: اقْتَطَعَ كَلامًا حادِثًا جِدًّا وغَيْرَهُ، والقِصَّةُ اسْمٌ مِنهُ. وحَقِيقَةُ القَصاصِ: أنْ يُفْعَلَ بِالقاتِلِ والجارِحِ مِثْلُ ما فَعَلا. أفادَهُ الرّاغِبُ.

الثّالِثُ: ذَكَرَ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في " السِّياسَةِ الشَّرْعِيَّةِ " جُمْلَةً مِن أحْكامِ القَتْلِ نَأْثُرُها عَنْهُ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ:

القَتْلُ ثَلاثَةُ أنْواعٍ:

أحَدُها: العَمْدُ المَحْضُ، وهو أنْ يَقْصِدَ مَن يَعْلَمُهُ مَعْصُومًا بِما يَقْتُلُ غالِبًا. سَواءٌ كانَ يَقْتُلُ بِحَدِّهِ: كالسَّيْفِ ونَحْوِهِ، أوْ بِثِقَلِهِ: كالسِّنْدانِ وكَوْدَسِ القَصّارِ. أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ: كالتَّحْرِيقِ، والتَّغْرِيقِ، وإلْقاءٍ مِن مَكانٍ شاهِقٍ، والخَنْقِ، وإمْساكِ الخُصْيَتَيْنِ حَتّى يَخْرُجَ الرُّوحُ، وغَمِّ الوَجْهِ حَتّى يَمُوتَ، وسَقْيِ …

Al-Baqara 2:178Listen in Qur'an →
179

وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌۭ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

And there is for you in legal retribution [saving of] life, O you [people] of understanding, that you may become righteous.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٩] ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ كَلامٌ في غايَةِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ؛ لِما فِيهِ مِنَ الغَرابَةِ، حَيْثُ جُعِلَ الشَّيْءُ مَحَلَّ ضِدِّهِ، فَإنَّ القَصاصَ قَتْلٌ وتَفْوِيتٌ لِلْحَياةِ، وقَدْ جُعِلَ مَكانًا وظَرْفًا لِلْحَياةِ، وعَرَّفَ القَصاصَ ونَكَّرَ الحَياةَ؛ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ في هَذا الجِنْسِ مِنَ الحُكْمِ - الَّذِي هو القَصاصُ - حَياةً عَظِيمَةً. وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقْتُلُونَ بِالواحِدِ الجَماعَةَ. وكَمْ قُتِلَ مُهَلْهَلٌ بِأخِيهِ، حَتّى كادَ يَفْنى بَكْرُ بْنُ وائِلٍ!. وكانَ يُقْتَلُ بِالمَقْتُولِ غَيْرُ قاتِلِهِ، فَتَثُورُ الفِتْنَةُ، ويَقَعُ بَيْنَهُمُ التَّناحُرُ..!. فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ بِشَرْعِ القَصاصِ كانَتْ فِيهِ حَياةٌ أيُّ: حَياةٍ..! أوْ نَوْعٌ مِنَ الحَياةِ، وهي الحَياةُ الحاصِلَةُ بِالِارْتِداعِ عَنِ القَتْلِ لِوُقُوعِ العِلْمِ بِالِاقْتِصاصِ مِنَ القاتِلِ، لِأنَّهُ إذا هَمَّ بِالقَتْلِ، فَعَلِمَ أنَّهُ يُقْتَصُّ مِنهُ فارْتَدَعَ؛ سَلِمَ صاحِبُهُ مِنَ القَتْلِ، وسَلِمَ هو مِنَ القَوَدِ. فَكانَ القَصاصُ سَبَبَ حَياةِ نَفْسَيْنِ...!. هَذا ما يُسْتَفادُ مِنَ " الكَشّافِ ".

لَطِيفَةٌ:

اتَّفَقَ عُلَماءُ البَيانِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ - في الإيجازِ مَعَ جَمْعِ المَعانِي - بالِغَةٌ إلى أعْلى الدَّرَجاتِ...! وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ عَبَّرُوا عَنْ هَذا المَعْنى بِألْفاظٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِمْ: قَتْلُ البَعْضِ إحْياءٌ لِلْجَمِيعِ، وقَوْلُ آخَرِينَ: أكْثِرُوا القَتْلَ لِيَقِلَّ القَتْلُ. وأجْوَدُ الألْفاظِ المَنقُولَةِ عَنْهم في هَذا البابِ قَوْلُهُمُ: القَتْلُ أنْفى لِلْقَتْلِ. وقَدْ كانُوا مُطْبِقِينَ عَلى اسْتِجادَةِ مَعْنى كَلِمَتِهِمْ واسْتِرْشاقِ لَفْظِها...! ومِنَ المَعْلُومِ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ما في القُرْآنِ كَما بَيْنَ اللَّهِ وخَلْقِهِ! وأنّى لَها الوُصُولُ إلى رَشاقَةِ القُرْآنِ وعُذُوبَتِهِ.

قالَ في الإتْقانِ: وقَدْ فَضَّلْتُ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى أوْجَزِ ما كانَ عِنْدَ العَرَبِ في هَذا المَعْنى، وهو قَوْلُهُمُ: " القَتْلُ أنْفى لِلْقَتْلِ " بِعِشْرِينَ وجْهًا أوْ أكْثَرَ. وقَدْ أشارَ ابْنُ الأثِيرِ إلى إنْكارِ هَذا التَّفْضِيلِ وقالَ: لا تَشْبِيهَ بَيْنَ كَلامِ الخالِقِ وكَلامِ المَخْلُوقِ..! وإنَّما العُلَماءُ يَقْدَحُونَ أذْهانَهم فِيما يَظْهَرُ لَهم مِن ذَلِكَ..!

الأوَّلُ: أنَّ ما يُناظِرُهُ مِن كَلامِهِمْ وهُوَ: ﴿القِصاصِ حَياةٌ﴾ أقَلُّ حُرُوفًا، فَإنَّ حُرُوفَهُ عَشَرَةٌ، وحُرُوفَ " القَتْلِ أنْفى لِلْقَتْلِ " أرْبَعَةَ عَشَرَ..!

الثّانِي: أنَّ نَفْيَ القَتْلِ لا يَسْتَلْزِمُ الحَياةَ، والحَياةُ ناصَّةٌ عَلى ثُبُوتِها الَّتِي هي الغَرَضُ المَطْلُوبُ مِنهُ!.

الثّالِثُ: أنَّ تَنْكِيرَ: ﴿حَياةٌ﴾ يُفِيدُ تَعْظِيمًا، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ في القَصاصِ حَياةً مُتَطاوِلَةً، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] ولا كَذَلِكَ المَثَلُ، فَإنَّ اللّامَ فِيهِ لِلْجِنْسِ، ولِذا فَسَّرُوا الحَياةَ فِيها بِالبَقاءِ.

الرّابِعُ: أنَّ الآيَةَ فِيهِ مُطَّرِدَةٌ، بِخِلافِ المَثَلِ، فَإنَّهُ لَيْسَ كُلُّ قَتْلٍ أنْفى لِلْقَتْلِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ أدْعى لَهُ، وهو القَتْلُ ظُلْمًا! وإنَّما يَنْفِيهِ قَتْلٌ خاصٌّ، وهو القَصاصُ، فَفِيهِ حَياةٌ أبَدًا..

الخامِسُ: أنَّ الآيَةَ خالِيَةٌ مِن تَكْرارِ لَفْظِ القَتْلِ الواقِعِ في المَثَلِ، والخالِي مِنَ التَّكْرارِ أفْضَلُ مِنَ المُشْتَمِلِ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُخِلًّا …

Al-Baqara 2:179Listen in Qur'an →
180

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ

Prescribed for you when death approaches [any] one of you if he leaves wealth [is that he should make] a bequest for the parents and near relatives according to what is acceptable - a duty upon the righteous.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٠] ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ .

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: فُرِضَ، كَما اسْتَفاضَ في الشَّرْعِ: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ: أمارَتُهُ وهو المَرَضُ المُخَوِّفُ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أيْ: مالًا يَنْبَغِي أنْ يُوصِيَ فِيهِ. وقَدْ أُطْلِقَ في القُرْآنِ: الخَيْرُ وأُرِيدَ بِهِ المالُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، مِنها هَذِهِ، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ [البقرة: ٢٧٢] ومِنها: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] ومِنها: ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْـزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] إلى غَيْرِها. وإنَّما سُمِّيَ المالُ خَيْرًا؛ تَنْبِيهًا عَلى مَعْنًى لَطِيفٍ: وهو أنَّ المالَ الَّذِي يُحَسَنُ الوَصِيَّةُ بِهِ ما كانَ مَجْمُوعًا مِن وجْهٍ مَحْمُودٍ..! كَما أنَّ في التَّسْمِيَةِ إشارَةً إلى كَثْرَتِهِ، كَما قالَ بَعْضُهُمْ: لا يُقالُ لِلْمالِ خَيْرٌ حَتّى يَكُونَ كَثِيرًا، ومِن مَكانٍ طَيِّبٍ..!. وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ: أنْ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَخَلَ عَلى رَجُلٍ مِن قَوْمِهِ يَعُودُهُ، فَقالَ لَهُ: أُوصِي؟ فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: إنَّما قالَ اللَّهُ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ﴾ إنَّما تَرَكْتَ شَيْئًا يَسِيرًا فاتْرُكْهُ لِوَلَدِكَ..! ورَوى الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَن لَمْ يَتْرُكْ سِتِّينَ دِينارًا لَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا!. وقالَ طاوُسٌ: لَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا مَن لَمْ يَتْرُكْ ثَمانِينَ دِينارًا. وقالَ قَتادَةُ: كانَ يُقالُ: ألْفًا فَما فَوْقَها.

ومِنهُ يُعْلَمُ أنْ لا تَحْدِيدَ لِلْكَثْرَةِ المَفْهُومَةِ، وأنَّ مَرَدَّها لِلْعُرْفِ لِاخْتِلافِ أحْوالِ الزَّمانِ والمَكانِ.

ثُمَّ ذُكِرَ نائِبُ فاعِلٍ كُتِبَ بَعْدَ أنِ اشْتَدَّ التَّشَوُّفُ إلَيْهِ، فَقالَ: الوَصِيَّةُ وتَذْكِيرُ الفِعْلِ الرّافِعِ لَها: إمّا لِأنَّهُ أُرِيدَ بِالوَصِيَّةِ الإيصاءُ، ولِذَلِكَ ذُكِرَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] وإمّا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الفِعْلِ ونائِبِهِ، لِأنَّ الكَلامَ لَمّا طالَ، كانَ الفاصِلُ بَيْنَ المُؤَنَّثِ والفِعْلِ كالعِوَضِ مِن تاءِ التَّأْنِيثِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِلْوالِدَيْنِ﴾ بَدَأ بِهِما لِشَرَفِهِما وعِظَمِ حَقِّهِما: ﴿والأقْرَبِينَ﴾ مَن عَداهُما مِن جَمِيعِ القَراباتِ: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ وهو ما تَتَقَبَّلُهُ الأنْفُسُ ولا تَجِدُ مِنهُ تَكَرُّهًا.

وفِي الصَّحِيحَيْنِ: «أنَّ سَعْدًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي مالًا ولا يَرِثُنِي إلّا ابْنَةٌ لِي: أفَأُوصِي بِثُلُثَيْ مالِي؟ قالَ: «لا» .. قالَ: فَبِالشَّطْرِ؟ قالَ: «لا» ..! قالَ: فالثُّلُثُ؟ قالَ: «الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ، إنَّكَ إنْ تَذَرَ ورَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِن أنْ تَدَعَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ»» !. وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: «لَوْ أنَّ النّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إلى الرُّبُعِ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ»» ..!.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَوْلى بَنِي هاشِمٍ عَنْ زِيادِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ حَنْظَلَةَ: سَمِعْتُ حَنْظَلَةَ بْنَ جُذَيْمِ بْنِ حَنِيفَةَ «أنَّ جَدَّهُ حَنِيفَةَ أوْصى لِيَتِيمٍ في حِجْرِهِ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى بَنِيهِ، فارْتَفَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ حَنِيفَةُ: إنِّي أوْصَيْتُ لِيَتِيمٍ لِي بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ كُنّا نُسَمِّيها: المُطَبِّيَّةُ، فَقالَ النَّبِيُّ …

Al-Baqara 2:180Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.