Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 171–180 of 286

171

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَآءًۭ وَنِدَآءًۭ ۚ صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ

The example of those who disbelieve is like that of one who shouts at what hears nothing but calls and cries cattle or sheep - deaf, dumb and blind, so they do not understand.

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ وخُزاعَةَ وبَنِي مُدْلِجٍ فِيما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأنْعامِ.

حَكّاهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.

وقَوْلُهُ: ( حَلالًا ) مَفْعُولٌ أوْ حالٌ، وسُمِّيَ الحَلّالُ حَلالًا لِانْحِلالِ عُقْدَةِ الحَظْرِ عَنْهُ.

والطَّيِّبُ هُنا هو المُسْتَلَذُّ كَما قالَهُ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ.

وقالَ مالِكٌ وغَيْرُهُ: هو الحَلالُ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: حَلالًا.

و" مِن " في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا في الأرْضِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ لِلْقَطْعِ بِأنَّ في الأرْضِ ما هو حَرامٌ و( خُطُواتِ ) جَمْعُ خُطْوَةٍ بِالفَتْحِ والضَّمِّ، وهي بِالفَتْحِ لِلْمَرَّةِ، وبِالضَّمِّ لِما بَيْنَ القَدَمَيْنِ.

وقَرَأ الفَرّاءُ " خَطُؤاتِ " بِفَتْحِ الخاءِ، وقَرَأ أبُو سِماكٍ بِفَتْحِ الخاءِ والطّاءِ، وقَرَأ عَلِيٌّ وقَتادَةُ والأعْرَجُ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ والأعْمَشُ " خُطُؤاتِ " بِضَمِّ الخاءِ والطّاءِ والهَمْزِ عَلى الواوِ.

قالَ الأخْفَشُ: وذَهَبُوا بِهَذِهِ القِراءَةِ إلى أنَّها جَمْعُ خَطِيَّةٍ مِنَ الخَطَأِ لا مِنَ الخَطْوِ.

قالَ الجَوْهَرِيُّ: والخَطْوَةُ بِالفَتْحِ: المَرَّةُ الواحِدَةُ، والجَمْعُ خُطُواتٌ وخُطًا. انْتَهى.

والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: لا تَقْفُوا أثَرَ الشَّيْطانِ وعَمَلَهُ، وكُلُّ ما لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ فَهو مَنسُوبٌ إلى الشَّيْطانِ، وقِيلَ: هي النُّذُورُ والمَعاصِي، والأوْلى التَّعْمِيمُ وعَدَمُ التَّخْصِيصِ بِفَرْدٍ أوْ نَوْعٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ العَداوَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ .

وقَوْلُهُ: ( بِالسُّوءِ ) سُمِّيَ السُّوءُ سُوءًا لِأنَّهُ يَسُوءُ صاحِبَهُ بِسُوءِ عاقِبَتِهِ، وهو مَصْدَرُ ساءَهُ يَسُوءُهُ سَوْءًا ومَساءَةً: إذا أحْزَنَهُ.

والفَحْشاءُ أصْلُهُ سُوءُ المَنظَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎وجِيدٍ كَجِيدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفاحِشِ

ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيما يَقْبُحُ مِنَ المَعانِي، وقِيلَ: السُّوءُ: القَبِيحُ، والفَحْشاءُ: التَّجاوُزُ لِلْحَدِّ في القُبْحِ، وقِيلَ: السُّوءُ ما لا حَدَّ فِيهِ، والفَحْشاءُ: ما فِيهِ الحَدُّ، وقِيلَ: الفَحْشاءُ الزِّنا، وقِيلَ: إنَّ كُلَّ ما نَهَتْ عَنْهُ الشَّرِيعَةُ فَهو مِنَ الفَحْشاءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: يُرِيدُ ما حَرَّمُوهُ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ، ونَحْوَهِما مِمّا جَعَلُوهُ شَرْعًا، وقِيلَ: هو قَوْلُهم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، بِغَيْرِ عِلْمٍ.

والظّاهِرُ أنَّهُ يَصْدُقُ عَلى كُلِّ ما قِيلَ في الشَّرْعِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ، أوْ ظاهِرٌ مِنَ الأعْيانِ المَوْجُودَةِ في الأرْضِ فَأصْلُهُ الحِلُّ حَتّى يَرِدَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ، وأوْضَحُ دِلالَةٍ عَلى ذَلِكَ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ .

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ﴾ راجِعٌ إلى النّاسِ، لِأنَّ الكُفّارَ مِنهم، وهُمُ المَقْصُودُونَ هُنا، وقِيلَ: كُفّارُ العَرَبِ خاصَّةً، و( ألْفَيْنا ) مَعْناهُ وجَدْنا، والألِفُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ، وفُتِحَتِ الواوُ لِأنَّها واوُ العَطْفِ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الذَّمِّ لِلْمُقَلِّدِينَ والنِّداءِ بِجَهْلِهِمُ الفاحِشِ واعْتِقادِهِمُ الفاسِدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، ومِثْلُ …

Al-Baqara 2:171Listen in Qur'an →
172

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ

O you who have believed, eat from the good things which We have provided for you and be grateful to Allah if it is [indeed] Him that you worship.

قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم﴾ هَذا تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ: أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ وإنَّما خَصَّ المُؤْمِنِينَ هُنا لِكَوْنِهِمْ أفْضَلَ أنْواعِ النّاسِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالأكْلِ الِانْتِفاعُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الأكْلُ المُعْتادُ، وهو الظّاهِرُ.

قَوْلُهُ: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ يُقالُ شَكَرَهُ وشَكَرَ لَهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالحَرْفِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أيْ تَخُصُّونَهُ بِالعِبادَةِ كَما يُفِيدُهُ تَقَدُّمُ المَفْعُولِ.

قَوْلُهُ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " حُرِّمَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ و( إنَّما ) كَلِمَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلْحَصْرِ تُثْبِتُ ما تَناوَلَهُ الخِطابُ وتَنْفِي ما عَداهُ.

وقَدْ حَصَرَتْ هاهُنا التَّحْرِيمَ في الأُمُورِ المَذْكُورَةِ بَعْدَها.

قَوْلُهُ: ( المَيْتَةَ ) قَرَأ ابْنُ عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ يَجْعَلُ " ما " في ( إنَّما ) مَوْصُولَةً مُنْفَصِلَةً في الخَطِّ، والمَيْتَةَ وما بَعْدَها خَبَرَ المَوْصُولِ، وقِراءَةُ الجَمِيعِ بِالنَّصْبِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ ( المَيِّتَةَ ) بِتَشْدِيدِ الياءِ، وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّهُ يَجُوزُ في مَيِّتٍ التَّخْفِيفُ والتَّشْدِيدُ.

والمَيْتَةُ ما فارَقَها الرُّوحُ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ.

وقَدْ خُصِّصَ هَذا العُمُومُ بِمِثْلِ حَدِيثِ «أُحِلَّ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ» .

وأخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، ومِثْلُ حَدِيثِ جابِرٍ في العَنْبَرِ الثّابِتِ في الصَّحِيحَيْنِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ فالمُرادُ بِالمَيْتَةِ هُنا مَيْتَةُ البَرِّ لا مَيْتَةُ البَحْرِ.

وقَدْ ذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى جَوازِ أكْلِ جَمِيعِ حَيَواناتِ البَحْرِ حَيِّها ومَيِّتِها.

وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّهُ يَحْرُمُ مِن حَيَواناتِ البَحْرِ ما يَحْرُمُ شَبَهُهُ في البَرِّ، وتَوَقَّفَ ابْنُ حَبِيبٍ في خِنْزِيرِ الماءِ.

وقالَ ابْنُ القاسِمِ: وأنا أتَّقِيهِ ولا أراهُ حَرامًا.

قَوْلُهُ: ( والدَّمَ ) قَدِ اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الدَّمَ حَرامٌ، وفي الآيَةِ الأُخْرى: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ فَيُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ لِأنَّ ما خُلِطَ بِاللَّحْمِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، قالَ القُرْطُبِيُّ: بِالإجْماعِ.

وقَدْ رَوَتْ «عائِشَةُ أنَّها كانَتْ تَطْبُخُ اللَّحْمَ فَتَعْلُو الصُّفْرَةُ عَلى البُرْمَةِ مِنَ الدَّمِ، فَيَأْكُلُ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ولا يُنْكِرُهُ» .

قَوْلُهُ: ﴿ولَحْمَ الخِنْزِيرِ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ والآيَةِ الأُخْرى أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ أنَّ المُحَرَّمَ إنَّما هو اللَّحْمُ فَقَطْ.

وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى تَحْرِيمِ شَحْمِهِ كَما حَكاهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.

وقَدْ ذَكَرَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ اللَّحْمَ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الشَّحْمُ.

وحَكى القُرْطُبِيُّ الإجْماعَ أيْضًا عَلى أنَّ جُمْلَةَ الخِنْزِيرِ مُحَرَّمَةٌ إلّا الشَّعَرَ فَإنَّهُ تَجُوزُ الخِرازَةُ بِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ الإهْلالُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، يُقالُ: أهَلَّ بِكَذا، أيْ رَفَعَ صَوْتَهُ.

قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ فَلاةً:

؎تُهِلُّ بِالفَرْقَدِ رُكْبانُها كَما يُهِلُّ الرّاكِبُ المُعْتَمِرُ

وقالَ النّابِغَةُ:

؎أوْ …

Al-Baqara 2:172Listen in Qur'an →
173

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيْرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

He has only forbidden to you dead animals, blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allah. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], there is no sin upon him. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم﴾ هَذا تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ: أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ وإنَّما خَصَّ المُؤْمِنِينَ هُنا لِكَوْنِهِمْ أفْضَلَ أنْواعِ النّاسِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالأكْلِ الِانْتِفاعُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الأكْلُ المُعْتادُ، وهو الظّاهِرُ.

قَوْلُهُ: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ يُقالُ شَكَرَهُ وشَكَرَ لَهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالحَرْفِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أيْ تَخُصُّونَهُ بِالعِبادَةِ كَما يُفِيدُهُ تَقَدُّمُ المَفْعُولِ.

قَوْلُهُ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " حُرِّمَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ و( إنَّما ) كَلِمَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلْحَصْرِ تُثْبِتُ ما تَناوَلَهُ الخِطابُ وتَنْفِي ما عَداهُ.

وقَدْ حَصَرَتْ هاهُنا التَّحْرِيمَ في الأُمُورِ المَذْكُورَةِ بَعْدَها.

قَوْلُهُ: ( المَيْتَةَ ) قَرَأ ابْنُ عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ يَجْعَلُ " ما " في ( إنَّما ) مَوْصُولَةً مُنْفَصِلَةً في الخَطِّ، والمَيْتَةَ وما بَعْدَها خَبَرَ المَوْصُولِ، وقِراءَةُ الجَمِيعِ بِالنَّصْبِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ ( المَيِّتَةَ ) بِتَشْدِيدِ الياءِ، وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّهُ يَجُوزُ في مَيِّتٍ التَّخْفِيفُ والتَّشْدِيدُ.

والمَيْتَةُ ما فارَقَها الرُّوحُ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ.

وقَدْ خُصِّصَ هَذا العُمُومُ بِمِثْلِ حَدِيثِ «أُحِلَّ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ» .

وأخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، ومِثْلُ حَدِيثِ جابِرٍ في العَنْبَرِ الثّابِتِ في الصَّحِيحَيْنِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ فالمُرادُ بِالمَيْتَةِ هُنا مَيْتَةُ البَرِّ لا مَيْتَةُ البَحْرِ.

وقَدْ ذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى جَوازِ أكْلِ جَمِيعِ حَيَواناتِ البَحْرِ حَيِّها ومَيِّتِها.

وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّهُ يَحْرُمُ مِن حَيَواناتِ البَحْرِ ما يَحْرُمُ شَبَهُهُ في البَرِّ، وتَوَقَّفَ ابْنُ حَبِيبٍ في خِنْزِيرِ الماءِ.

وقالَ ابْنُ القاسِمِ: وأنا أتَّقِيهِ ولا أراهُ حَرامًا.

قَوْلُهُ: ( والدَّمَ ) قَدِ اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الدَّمَ حَرامٌ، وفي الآيَةِ الأُخْرى: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ فَيُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ لِأنَّ ما خُلِطَ بِاللَّحْمِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، قالَ القُرْطُبِيُّ: بِالإجْماعِ.

وقَدْ رَوَتْ «عائِشَةُ أنَّها كانَتْ تَطْبُخُ اللَّحْمَ فَتَعْلُو الصُّفْرَةُ عَلى البُرْمَةِ مِنَ الدَّمِ، فَيَأْكُلُ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ولا يُنْكِرُهُ» .

قَوْلُهُ: ﴿ولَحْمَ الخِنْزِيرِ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ والآيَةِ الأُخْرى أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ أنَّ المُحَرَّمَ إنَّما هو اللَّحْمُ فَقَطْ.

وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى تَحْرِيمِ شَحْمِهِ كَما حَكاهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.

وقَدْ ذَكَرَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ اللَّحْمَ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الشَّحْمُ.

وحَكى القُرْطُبِيُّ الإجْماعَ أيْضًا عَلى أنَّ جُمْلَةَ الخِنْزِيرِ مُحَرَّمَةٌ إلّا الشَّعَرَ فَإنَّهُ تَجُوزُ الخِرازَةُ بِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ الإهْلالُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، يُقالُ: أهَلَّ بِكَذا، أيْ رَفَعَ صَوْتَهُ.

قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ فَلاةً:

؎تُهِلُّ بِالفَرْقَدِ رُكْبانُها كَما يُهِلُّ الرّاكِبُ المُعْتَمِرُ

وقالَ النّابِغَةُ:

؎أوْ …

Al-Baqara 2:173Listen in Qur'an →
174

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۙ أُو۟لَٰٓئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

Indeed, they who conceal what Allah has sent down of the Book and exchange it for a small price - those consume not into their bellies except the Fire. And Allah will not speak to them on the Day of Resurrection, nor will He purify them. And they will have a painful punishment.

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ عُلَماءُ اليَهُودِ، لِأنَّهم كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

والِاشْتِراءُ هُنا: الِاسْتِبْدالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وسَمّاهُ قَلِيلًا لِانْقِطاعِ مُدَّتِهِ وسُوءِ عاقِبَتِهِ، وهَذا السَّبَبُ وإنْ كانَ خاصًّا فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وهو يَشْمَلُ كُلَّ مَن كَتَمَ ما شَرَعَهُ اللَّهُ، وأخَذَ عَلَيْهِ الرِّشا، وذَكَرَ البُطُونَ دَلالَةً وتَأْكِيدًا أنَّ هَذا الأكْلَ حَقِيقَةٌ، إذْ قَدْ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في مِثْلِ: أكَلَ فُلانٌ أرْضِيَ. ونَحْوِهِ.

وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ مَعْنى ( في بُطُونِهِمْ ) مِلْءَ بُطُونِهِمْ، قالَ: يَقُولُ: أكَلَ فُلانٌ في بَطْنِهِ، وأكَلَ في بَعْضِ بَطْنِهِ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ: ( إلّا النّارَ ) أيْ أنَّهُ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ عَذابَ النّارِ، فَسَمّى ما أكَلُوهُ نارًا لِأنَّهُ يَئُولُ بِهِمْ إلَيْها، هَكَذا قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّهم يُعاقَبُونَ عَلى كِتْمانِهِمْ بِأكْلِ النّارِ في جَهَنَّمَ حَقِيقَةً، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ فِيهِ كِنايَةٌ عَنْ حُلُولِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وعَدَمِ الرِّضا عَنْهم، يُقالُ: فُلانٌ لا يُكَلِّمُ فُلانًا إذا غَضِبَ عَلَيْهِ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى ولا يُكَلِّمُهم بِما يُحِبُّونَهُ لا بِما يَكْرَهُونَهُ.

كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ .

وقَوْلُهُ: ( ولا يُزَكِّيهِمْ ) مَعْناهُ: لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ خَيْرًا.

قالَ الزَّجّاجُ: وقِيلَ مَعْناهُ: لا يُصْلِحُ أعْمالَهُمُ الخَبِيثَةَ فَيُطَهِّرُهم.

وقَوْلُهُ: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ ذَهَبَ الجُمْهُورُ ومِنهُمُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ إلى أنَّ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ.

والمُرادُ تَعْجِيبُ المَخْلُوقِينَ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ باشَرُوا الأسْبابَ لِعَذابِ النّارِ، فَكَأنَّهم بِهَذِهِ المُباشَرَةِ لِلْأسْبابِ صَبَرُوا عَلى العُقُوبَةِ في نارِ جَهَنَّمَ.

وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: ما أبْقاهم عَلى النّارِ، مِن قَوْلِهِمْ: ما أصْبَرَ فُلانًا عَلى الحَبْسِ، أيْ ما أبْقاهُ فِيهِ، وقِيلَ المَعْنى: ما أقَلَّ جَزَعَهم مِنَ النّارِ، فَجَعَلَ قِلَّةَ الجَزَعِ صَبْرًا.

وقالَ الكِسائِيُّ وقُطْرُبٌ، أيْ ما أدْوَمَهم عَلى عَمَلِ أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: ( ما ) اسْتِفْهامِيَّةٌ، ومَعْناهُ التَّوْبِيخُ، أيْ أيُّ شَيْءٍ أصْبَرَهم عَلى عَمَلِ النّارِ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وعَطاءٌ وأبُو عُبَيْدَةَ.

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ الإشارَةُ بِاسْمِ الإشارَةِ إلى الأمْرِ، أيْ ذَلِكَ الأمْرُ وهو العَذابُ. قالَهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ خَبَرَ اسْمِ الإشارَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ مَعْلُومٌ.

والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ.

( بِالحَقِّ ) أيْ بِالصِّدْقِ، وقِيلَ: بِالحُجَّةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ هُنا التَّوْراةُ، فادَّعى النَّصارى أنَّ فِيها صِفَةَ عِيسى وأنْكَرَها اليَهُودُ، وقِيلَ: خالَفُوا ما في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ واخْتَلَفُوا فِيها، وقِيلَ: المُرادُ القُرْآنُ، والَّذِينَ اخْتَلَفُوا كُفّارُ قُرَيْشٍ، يَقُولُ بَعْضُهم: هو سِحْرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وبَعْضُهم يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ.

( لَفي …

Al-Baqara 2:174Listen in Qur'an →
175

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ

Those are the ones who have exchanged guidance for error and forgiveness for punishment. How patient they are in pursuit of the Fire!

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ عُلَماءُ اليَهُودِ، لِأنَّهم كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

والِاشْتِراءُ هُنا: الِاسْتِبْدالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وسَمّاهُ قَلِيلًا لِانْقِطاعِ مُدَّتِهِ وسُوءِ عاقِبَتِهِ، وهَذا السَّبَبُ وإنْ كانَ خاصًّا فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وهو يَشْمَلُ كُلَّ مَن كَتَمَ ما شَرَعَهُ اللَّهُ، وأخَذَ عَلَيْهِ الرِّشا، وذَكَرَ البُطُونَ دَلالَةً وتَأْكِيدًا أنَّ هَذا الأكْلَ حَقِيقَةٌ، إذْ قَدْ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في مِثْلِ: أكَلَ فُلانٌ أرْضِيَ. ونَحْوِهِ.

وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ مَعْنى ( في بُطُونِهِمْ ) مِلْءَ بُطُونِهِمْ، قالَ: يَقُولُ: أكَلَ فُلانٌ في بَطْنِهِ، وأكَلَ في بَعْضِ بَطْنِهِ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ: ( إلّا النّارَ ) أيْ أنَّهُ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ عَذابَ النّارِ، فَسَمّى ما أكَلُوهُ نارًا لِأنَّهُ يَئُولُ بِهِمْ إلَيْها، هَكَذا قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّهم يُعاقَبُونَ عَلى كِتْمانِهِمْ بِأكْلِ النّارِ في جَهَنَّمَ حَقِيقَةً، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ فِيهِ كِنايَةٌ عَنْ حُلُولِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وعَدَمِ الرِّضا عَنْهم، يُقالُ: فُلانٌ لا يُكَلِّمُ فُلانًا إذا غَضِبَ عَلَيْهِ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى ولا يُكَلِّمُهم بِما يُحِبُّونَهُ لا بِما يَكْرَهُونَهُ.

كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ .

وقَوْلُهُ: ( ولا يُزَكِّيهِمْ ) مَعْناهُ: لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ خَيْرًا.

قالَ الزَّجّاجُ: وقِيلَ مَعْناهُ: لا يُصْلِحُ أعْمالَهُمُ الخَبِيثَةَ فَيُطَهِّرُهم.

وقَوْلُهُ: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ ذَهَبَ الجُمْهُورُ ومِنهُمُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ إلى أنَّ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ.

والمُرادُ تَعْجِيبُ المَخْلُوقِينَ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ باشَرُوا الأسْبابَ لِعَذابِ النّارِ، فَكَأنَّهم بِهَذِهِ المُباشَرَةِ لِلْأسْبابِ صَبَرُوا عَلى العُقُوبَةِ في نارِ جَهَنَّمَ.

وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: ما أبْقاهم عَلى النّارِ، مِن قَوْلِهِمْ: ما أصْبَرَ فُلانًا عَلى الحَبْسِ، أيْ ما أبْقاهُ فِيهِ، وقِيلَ المَعْنى: ما أقَلَّ جَزَعَهم مِنَ النّارِ، فَجَعَلَ قِلَّةَ الجَزَعِ صَبْرًا.

وقالَ الكِسائِيُّ وقُطْرُبٌ، أيْ ما أدْوَمَهم عَلى عَمَلِ أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: ( ما ) اسْتِفْهامِيَّةٌ، ومَعْناهُ التَّوْبِيخُ، أيْ أيُّ شَيْءٍ أصْبَرَهم عَلى عَمَلِ النّارِ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وعَطاءٌ وأبُو عُبَيْدَةَ.

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ الإشارَةُ بِاسْمِ الإشارَةِ إلى الأمْرِ، أيْ ذَلِكَ الأمْرُ وهو العَذابُ. قالَهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ خَبَرَ اسْمِ الإشارَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ مَعْلُومٌ.

والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ.

( بِالحَقِّ ) أيْ بِالصِّدْقِ، وقِيلَ: بِالحُجَّةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ هُنا التَّوْراةُ، فادَّعى النَّصارى أنَّ فِيها صِفَةَ عِيسى وأنْكَرَها اليَهُودُ، وقِيلَ: خالَفُوا ما في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ واخْتَلَفُوا فِيها، وقِيلَ: المُرادُ القُرْآنُ، والَّذِينَ اخْتَلَفُوا كُفّارُ قُرَيْشٍ، يَقُولُ بَعْضُهم: هو سِحْرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وبَعْضُهم يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ.

( لَفي …

Al-Baqara 2:175Listen in Qur'an →
176

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِى ٱلْكِتَٰبِ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ

That is [deserved by them] because Allah has sent down the Book in truth. And indeed, those who differ over the Book are in extreme dissension.

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ عُلَماءُ اليَهُودِ، لِأنَّهم كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

والِاشْتِراءُ هُنا: الِاسْتِبْدالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وسَمّاهُ قَلِيلًا لِانْقِطاعِ مُدَّتِهِ وسُوءِ عاقِبَتِهِ، وهَذا السَّبَبُ وإنْ كانَ خاصًّا فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وهو يَشْمَلُ كُلَّ مَن كَتَمَ ما شَرَعَهُ اللَّهُ، وأخَذَ عَلَيْهِ الرِّشا، وذَكَرَ البُطُونَ دَلالَةً وتَأْكِيدًا أنَّ هَذا الأكْلَ حَقِيقَةٌ، إذْ قَدْ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في مِثْلِ: أكَلَ فُلانٌ أرْضِيَ. ونَحْوِهِ.

وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ مَعْنى ( في بُطُونِهِمْ ) مِلْءَ بُطُونِهِمْ، قالَ: يَقُولُ: أكَلَ فُلانٌ في بَطْنِهِ، وأكَلَ في بَعْضِ بَطْنِهِ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ: ( إلّا النّارَ ) أيْ أنَّهُ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ عَذابَ النّارِ، فَسَمّى ما أكَلُوهُ نارًا لِأنَّهُ يَئُولُ بِهِمْ إلَيْها، هَكَذا قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّهم يُعاقَبُونَ عَلى كِتْمانِهِمْ بِأكْلِ النّارِ في جَهَنَّمَ حَقِيقَةً، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ فِيهِ كِنايَةٌ عَنْ حُلُولِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وعَدَمِ الرِّضا عَنْهم، يُقالُ: فُلانٌ لا يُكَلِّمُ فُلانًا إذا غَضِبَ عَلَيْهِ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى ولا يُكَلِّمُهم بِما يُحِبُّونَهُ لا بِما يَكْرَهُونَهُ.

كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ .

وقَوْلُهُ: ( ولا يُزَكِّيهِمْ ) مَعْناهُ: لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ خَيْرًا.

قالَ الزَّجّاجُ: وقِيلَ مَعْناهُ: لا يُصْلِحُ أعْمالَهُمُ الخَبِيثَةَ فَيُطَهِّرُهم.

وقَوْلُهُ: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ ذَهَبَ الجُمْهُورُ ومِنهُمُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ إلى أنَّ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ.

والمُرادُ تَعْجِيبُ المَخْلُوقِينَ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ باشَرُوا الأسْبابَ لِعَذابِ النّارِ، فَكَأنَّهم بِهَذِهِ المُباشَرَةِ لِلْأسْبابِ صَبَرُوا عَلى العُقُوبَةِ في نارِ جَهَنَّمَ.

وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: ما أبْقاهم عَلى النّارِ، مِن قَوْلِهِمْ: ما أصْبَرَ فُلانًا عَلى الحَبْسِ، أيْ ما أبْقاهُ فِيهِ، وقِيلَ المَعْنى: ما أقَلَّ جَزَعَهم مِنَ النّارِ، فَجَعَلَ قِلَّةَ الجَزَعِ صَبْرًا.

وقالَ الكِسائِيُّ وقُطْرُبٌ، أيْ ما أدْوَمَهم عَلى عَمَلِ أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: ( ما ) اسْتِفْهامِيَّةٌ، ومَعْناهُ التَّوْبِيخُ، أيْ أيُّ شَيْءٍ أصْبَرَهم عَلى عَمَلِ النّارِ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وعَطاءٌ وأبُو عُبَيْدَةَ.

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ الإشارَةُ بِاسْمِ الإشارَةِ إلى الأمْرِ، أيْ ذَلِكَ الأمْرُ وهو العَذابُ. قالَهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ خَبَرَ اسْمِ الإشارَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ مَعْلُومٌ.

والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ.

( بِالحَقِّ ) أيْ بِالصِّدْقِ، وقِيلَ: بِالحُجَّةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ هُنا التَّوْراةُ، فادَّعى النَّصارى أنَّ فِيها صِفَةَ عِيسى وأنْكَرَها اليَهُودُ، وقِيلَ: خالَفُوا ما في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ واخْتَلَفُوا فِيها، وقِيلَ: المُرادُ القُرْآنُ، والَّذِينَ اخْتَلَفُوا كُفّارُ قُرَيْشٍ، يَقُولُ بَعْضُهم: هو سِحْرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وبَعْضُهم يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ.

( لَفي …

Al-Baqara 2:176Listen in Qur'an →
177

۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّۦنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ

Righteousness is not that you turn your faces toward the east or the west, but [true] righteousness is [in] one who believes in Allah, the Last Day, the angels, the Book, and the prophets and gives wealth, in spite of love for it, to relatives, orphans, the needy, the traveler, those who ask [for help], and for freeing slaves; [and who] establishes prayer and gives zakah; [those who] fulfill their promise when they promise; and [those who] are patient in poverty and hardship and during battle. Those are the ones who have been true, and it is those who are the righteous.

قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ والِاسْمُ ( أنْ تُوَلُّوا ) وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ الِاسْمُ. قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ لِلرَّدِّ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، لَمّا أكْثَرُوا الكَلامَ في شَأْنِ القِبْلَةِ عِنْدَ تَحْوِيلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الكَعْبَةِ، وقِيلَ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِها أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ سائِلٌ، وسَيَأْتِي ذَلِكَ آخِرَ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ قِيلَ: أشارَ سُبْحانَهُ بِذِكْرِ المَشْرِقِ إلى قِبْلَةِ النَّصارى لِأنَّهم يَسْتَقْبِلُونَ مَطْلَعَ الشَّمْسِ، وأشارَ بِذِكْرِ المَغْرِبِ إلى قِبْلَةِ اليَهُودِ، لِأنَّهم يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ وهو في جِهَةِ الغَرْبِ مِنهم إذْ ذاكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ﴾ هو اسْمٌ جامِعٌ لِلْخَيْرِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: بِرُّ مَن آمَنَ.

قالَهُ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ والزَّجّاجُ، وقِيلَ إنَّ التَّقْدِيرَ: ولَكِنْ ذُو البِرِّ مَن آمَنَ، ووَجْهُ هَذا التَّقْدِيرِ: الفِرارُ عَنِ الإخْبارِ بِاسْمِ العَيْنِ عَنِ اسْمِ المَعْنى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ البِرُّ بِمَعْنى البارِّ، وهو يُطْلِقُ المَصْدَرَ عَلى اسْمِ الفاعِلِ كَثِيرًا، ومِنهُ في التَّنْزِيلِ ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ أيْ غائِرًا وهَذا اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ.

والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا الجِنْسُ أوِ القُرْآنُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ( عَلى حُبِّهِ ) راجِعٌ إلى المالِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى الإيتاءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتى المالَ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، أيْ عَلى حُبِّ اللَّهِ، والمَعْنى عَلى الأوَّلِ: أنَّهُ أعْطى المالَ وهو يُحِبُّهُ ويَشِحُّ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ والمَعْنى عَلى الثّانِي: أنَّهُ يُحِبُّ إيتاءَ المالِ وتَطِيبُ بِهِ نَفْسُهُ، والمَعْنى عَلى الثّالِثِ: أنَّهُ أعْطى مَن تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ في حُبِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا لِغَرَضٍ آخَرَ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

؎إنَّ الكَرِيمَ عَلى عِلّاتِهِ هَرِمُ

وقَدَّمَ ذَوِي القُرْبى لِكَوْنِ دَفْعِ المالِ إلَيْهِمْ صَدَقَةً وصِلَةً إذا كانُوا فُقَراءَ، وهَكَذا اليَتامى الفُقَراءُ أوْلى بِالصَّدَقَةِ مِنَ الفُقَراءِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِيَتامى، لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى الكَسْبِ.

والمِسْكِينُ: السّاكِنُ إلى ما في أيْدِي النّاسِ لِكَوْنِهِ لا يَجِدُ شَيْئًا.

وابْنُ السَّبِيلِ المُسافِرُ المُنْقَطِعُ وجُعِلَ ابْنًا لِلسَّبِيلِ لِمُلازَمَتِهِ لَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ أيْ في مُعاوَنَةِ الأرِقّاءِ الَّذِينَ كاتَبَهُمُ المالِكُونَ لَهم، وقِيلَ: المُرادُ شِراءُ الرِّقابِ وإعْتاقُها، وقِيلَ: المُرادُ فَكُّ الأسارى.

وقَوْلُهُ: ﴿وآتى الزَّكاةَ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيتاءَ المُتَقَدِّمَ هو صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، لا صَدَقَةُ الفَرِيضَةِ.

وقَوْلُهُ: ( والمُوفُونَ ) قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ( مَن آمَنَ )، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنَّ البِرَّ المُؤْمِنُونَ والمُوفُونَ.

قالَهُ الفَرّاءُ والأخْفَشُ، وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: هو خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُمُ المُوفُونَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في ( آمَنَ ) وأنْكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ وقالَ: لَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ: ( والصّابِرِينَ ) مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾، ومِنهُ ما أنْشَدَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: …

Al-Baqara 2:177Listen in Qur'an →
178

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى ۖ ٱلْحُرُّ بِٱلْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلْأُنثَىٰ بِٱلْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌۭ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَٰنٍۢ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌۭ ۗ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

O you who have believed, prescribed for you is legal retribution for those murdered - the free for the free, the slave for the slave, and the female for the female. But whoever overlooks from his brother anything, then there should be a suitable follow-up and payment to him with good conduct. This is an alleviation from your Lord and a mercy. But whoever transgresses after that will have a painful punishment.

قَوْلُهُ: كُتِبَ مَعْناهُ فُرِضَ وأُثْبِتَ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:

؎كُتِبَ القَتْلُ والقِتالُ عَلَيْنا وعَلى الغانِياتِ جَرُّ الذُّيُولِ

وهَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ بِأنَّهُ شَرَعَ لَهم ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ كُتِبَ هُنا إشارَةٌ إلى ما جَرى بِهِ القَلَمُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

و﴿القِصاصُ﴾ أصْلُهُ قَصُّ الأثَرِ: أيِ اتِّباعُهُ، ومِنهُ القاصُّ لِأنَّهُ يَتَتَبَّعُ الآثارَ، وقَصُّ الشِّعْرِ اتِّباعُ أثَرِهِ، فَكَأنَّ القاتِلَ يَسْلُكُ طَرِيقًا مِنَ القَتْلِ، يَقُصُّ أثَرَهُ فِيها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ وقِيلَ: إنَّ القِصاصَ مَأْخُوذٌ مِنَ القَصِّ وهو القَطْعُ، يُقالُ قَصَصْتُ ما بَيْنَهُما، أيْ قَطَعْتُهُ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ القائِلُونَ بِأنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ وهُمُ الجُمْهُورُ.

وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ والثَّوْرِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى وداوُدُ إلى أنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ.

وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ وقَتادَةُ والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وأجابَ الأوَّلُونَ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وقالُوا أيْضًا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها﴾ يُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ حِكايَةٌ عَمّا شَرَعَهُ اللَّهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ.

ومِن جُمْلَةِ ما اسْتَدَلَّ بِهِ الآخِرُونَ قَوْلُهُ ﷺ: «المُسْلِمُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهم» ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ مُجْمَلٌ والآيَةُ مُبَيِّنَةٌ، ولَكِنَّهُ يُقالُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ إنَّما أفادَ بِمَنطُوقِهِ أنَّ الحُرَّ يُقْتَلُ بِالحُرِّ، والعَبْدَ يُقْتَلُ بِالعَبْدِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ إلّا بِاعْتِبارِ المَفْهُومِ، فَمَن أخَذَ بِمِثْلِ هَذا المَفْهُومِ لَزِمَهُ القَوْلُ بِهِ هُنا، ومَن لَمْ يَأْخُذْ بِمِثْلِ هَذا المَفْهُومِ لَمْ يَلْزَمْهُ القَوْلُ بِهِ هُنا، والبَحْثُ في هَذا مُحَرَّرٌ في عِلْمِ الأُصُولِ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ القائِلُونَ بِأنْ المُسْلِمَ يُقْتَلُ بِالكافِرِ وهُمُ الكُوفِيُّونَ والثَّوْرِيُّ، لِأنَّ الحُرَّ يَتَناوَلُ الكافِرَ كَما يَتَناوَلُ المُسْلِمَ، وكَذا العَبْدُ والأُنْثى يَتَناوَلانِ الكافِرَ كَما يَتَناوَلانِ المُسْلِمَ.

واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ لِأنَّ النَّفْسَ تَصْدُقُ عَلى النَّفْسِ الكافِرَةِ كَما تَصْدُقُ عَلى النَّفْسِ المُسْلِمَةِ.

وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ لا يُقْتَلُ المُسْلِمُ بِالكافِرِ، واسْتَدَلُّوا بِما ورَدَ مِنَ السُّنَّةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ،» وهو مُبَيِّنٌ لِما يُرادُ في الآيَتَيْنِ، والبَحْثُ في هَذا يَطُولُ.

واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ القائِلُونَ بِأنَّ الذَّكَرَ لا يُقْتَلُ بِالأُنْثى، وقَرَّرُوا الدَّلالَةَ عَلى ذَلِكَ بِمِثْلِ ما سَبَقَ إلّا إذا سَلَّمَ أوْلِياءُ المَرْأةِ الزِّيادَةَ عَلى دِيَتِها مِن دِيَةِ الرَّجُلِ.

وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ والثَّوْرِيُّ وأبُو ثَوْرٍ.

وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالمَرْأةِ ولا زِيادَةَ، وهو الحَقُّ.

وقَدْ بَسَطْنا البَحْثَ في شَرْحِ المُنْتَقى فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ. …

Al-Baqara 2:178Listen in Qur'an →
179

وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌۭ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

And there is for you in legal retribution [saving of] life, O you [people] of understanding, that you may become righteous.

قَوْلُهُ: كُتِبَ مَعْناهُ فُرِضَ وأُثْبِتَ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:

؎كُتِبَ القَتْلُ والقِتالُ عَلَيْنا وعَلى الغانِياتِ جَرُّ الذُّيُولِ

وهَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ بِأنَّهُ شَرَعَ لَهم ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ كُتِبَ هُنا إشارَةٌ إلى ما جَرى بِهِ القَلَمُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

و﴿القِصاصُ﴾ أصْلُهُ قَصُّ الأثَرِ: أيِ اتِّباعُهُ، ومِنهُ القاصُّ لِأنَّهُ يَتَتَبَّعُ الآثارَ، وقَصُّ الشِّعْرِ اتِّباعُ أثَرِهِ، فَكَأنَّ القاتِلَ يَسْلُكُ طَرِيقًا مِنَ القَتْلِ، يَقُصُّ أثَرَهُ فِيها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ وقِيلَ: إنَّ القِصاصَ مَأْخُوذٌ مِنَ القَصِّ وهو القَطْعُ، يُقالُ قَصَصْتُ ما بَيْنَهُما، أيْ قَطَعْتُهُ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ القائِلُونَ بِأنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ وهُمُ الجُمْهُورُ.

وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ والثَّوْرِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى وداوُدُ إلى أنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ.

وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ وقَتادَةُ والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وأجابَ الأوَّلُونَ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وقالُوا أيْضًا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها﴾ يُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ حِكايَةٌ عَمّا شَرَعَهُ اللَّهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ.

ومِن جُمْلَةِ ما اسْتَدَلَّ بِهِ الآخِرُونَ قَوْلُهُ ﷺ: «المُسْلِمُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهم» ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ مُجْمَلٌ والآيَةُ مُبَيِّنَةٌ، ولَكِنَّهُ يُقالُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ إنَّما أفادَ بِمَنطُوقِهِ أنَّ الحُرَّ يُقْتَلُ بِالحُرِّ، والعَبْدَ يُقْتَلُ بِالعَبْدِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ إلّا بِاعْتِبارِ المَفْهُومِ، فَمَن أخَذَ بِمِثْلِ هَذا المَفْهُومِ لَزِمَهُ القَوْلُ بِهِ هُنا، ومَن لَمْ يَأْخُذْ بِمِثْلِ هَذا المَفْهُومِ لَمْ يَلْزَمْهُ القَوْلُ بِهِ هُنا، والبَحْثُ في هَذا مُحَرَّرٌ في عِلْمِ الأُصُولِ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ القائِلُونَ بِأنْ المُسْلِمَ يُقْتَلُ بِالكافِرِ وهُمُ الكُوفِيُّونَ والثَّوْرِيُّ، لِأنَّ الحُرَّ يَتَناوَلُ الكافِرَ كَما يَتَناوَلُ المُسْلِمَ، وكَذا العَبْدُ والأُنْثى يَتَناوَلانِ الكافِرَ كَما يَتَناوَلانِ المُسْلِمَ.

واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ لِأنَّ النَّفْسَ تَصْدُقُ عَلى النَّفْسِ الكافِرَةِ كَما تَصْدُقُ عَلى النَّفْسِ المُسْلِمَةِ.

وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ لا يُقْتَلُ المُسْلِمُ بِالكافِرِ، واسْتَدَلُّوا بِما ورَدَ مِنَ السُّنَّةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ،» وهو مُبَيِّنٌ لِما يُرادُ في الآيَتَيْنِ، والبَحْثُ في هَذا يَطُولُ.

واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ القائِلُونَ بِأنَّ الذَّكَرَ لا يُقْتَلُ بِالأُنْثى، وقَرَّرُوا الدَّلالَةَ عَلى ذَلِكَ بِمِثْلِ ما سَبَقَ إلّا إذا سَلَّمَ أوْلِياءُ المَرْأةِ الزِّيادَةَ عَلى دِيَتِها مِن دِيَةِ الرَّجُلِ.

وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ والثَّوْرِيُّ وأبُو ثَوْرٍ.

وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالمَرْأةِ ولا زِيادَةَ، وهو الحَقُّ.

وقَدْ بَسَطْنا البَحْثَ في شَرْحِ المُنْتَقى فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ. …

Al-Baqara 2:179Listen in Qur'an →
180

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ

Prescribed for you when death approaches [any] one of you if he leaves wealth [is that he should make] a bequest for the parents and near relatives according to what is acceptable - a duty upon the righteous.

قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى كُتِبَ قَرِيبًا، وحُضُورُ المَوْتِ حُضُورُ أسْبابِهِ وظُهُورُ عَلاماتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:

؎وإنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذا ما وصَلْتُ بَنانَها بِالهِنْدُوانِيِّ

وقالَ جَرِيرٌ:

؎أنا المَوْتُ الَّذِي حُدِّثْتَ عَنْهُ ∗∗∗ فَلَيْسَ لِهارِبٍ مِنِّي نَجاةٌ

وإنَّما لَمْ يُؤَنَّثِ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى الوَصِيَّةِ، وهو كُتِبَ لِوُجُودِ الفاصِلِ بَيْنَهُما، وقِيلَ: لِأنَّها بِمَعْنى الإيصاءِ، وقَدْ رُوِيَ جَوازُ إسْنادِ ما لا تَأْنِيثَ فِيهِ إلى المُؤَنَّثِ مَعَ عَدَمِ الفَصْلِ.

وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ: قامَ امْرَأةٌ، وهو خِلافُ ما أطْبَقَ عَلَيْهِ أئِمَّةُ العَرَبِيَّةِ، وشَرَطَ سُبْحانَهُ ما كَتَبَهُ مِنَ الوَصِيَّةِ بِأنْ يَتْرُكَ المُوصِي خَيْرًا.

واخْتُلِفَ في جَوابِ هَذا الشَّرْطِ ما هو ؟ فَرُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ تَرَكَ خَيْرًا فالوَصِيَّةُ، ثُمَّ حُذِفَتِ الفاءُ كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها ∗∗∗ والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ

والثّانِي: أنَّ جَوابَهُ مُقَدَّرٌ قَبْلَهُ، أيْ كُتِبَ الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ إنْ تَرَكَ خَيْرًا.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مِقْدارِ الخَيْرِ، فَقِيلَ: ما زادَ عَلى سَبْعِمِائَةِ دِينارٍ، وقِيلَ: ألْفُ دِينارٍ، وقِيلَ: ما زادَ عَلى خَمْسِمِائَةِ دِينارٍ.

والوَصِيَّةُ في الأصْلِ: عِبارَةٌ عَنِ الأمْرِ بِالشَّيْءِ والعَهْدِ بِهِ في الحَياةِ وبَعْدَ المَوْتِ، وهي هُنا: عِبارَةٌ عَنِ الأمْرِ بِالشَّيْءِ لِبَعْدِ المَوْتِ.

وقَدِ اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى وُجُوبِ الوَصِيَّةِ عَلى مَن عَلَيْهِ دَيْنٌ أوْ عِنْدَهُ ودِيعَةٌ أوْ نَحْوُها.

وأمّا مَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَذَهَبَ أكْثَرُهم إلى أنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ عَلَيْهِ سَواءٌ كانَ فَقِيرًا أوْ غَنِيًّا، وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّها واجِبَةٌ.

ولَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ سُبْحانَهُ هاهُنا القَدْرَ الَّذِي كَتَبَ الوَصِيَّةُ بِهِ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ، فَقِيلَ: الخُمُسُ، وقِيلَ: الرُّبُعُ، وقِيلَ: الثُّلُثُ.

وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّها مُحْكَمَةٌ، قالُوا: وهي وإنْ كانَتْ عامَّةً فَمَعْناها الخُصُوصُ.

والمُرادُ بِها مِنَ الوالِدَيْنِ مَن لا يَرِثُ كالأبَوَيْنِ الكافِرَيْنِ ومَن هو في الرِّقِّ، ومِنَ الأقْرَبِينَ مَن عَدا الوَرَثَةِ مِنهم.

قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عَنْهُ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ الوَصِيَّةَ لِلْوالِدَيْنِ اللَّذَيْنِ لا يَرِثانِ والأقْرِباءِ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ جائِزَةٌ.

وقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المَوارِيثِ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ: «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» وهو حَدِيثٌ صَحَّحَهُ بَعْضُ أهْلِ الحَدِيثِ، ورُوِيَ مِن غَيْرِ وجْهٍ.

وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّهُ نَسَخَ الوُجُوبَ ونَفى النَّدْبَ، ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ والنَّخَعِيِّ ومالِكٍ.

قَوْلُهُ: بِالمَعْرُوفِ أيِ العَدْلِ لا وكْسَ فِيهِ ولا شَطَطَ.

وقَدْ أذِنَ اللَّهُ لِلْمَيِّتِ بِالثُّلُثِ دُونَ ما زادَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ: حَقًّا مَصْدَرٌ مَعْناهُ الثُّبُوتُ والوُجُوبُ.

قَوْلُهُ: فَمَن بَدَّلَهُ هَذا الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإيصاءِ المَفْهُومِ مِنَ الوَصِيَّةِ، وكَذَلِكَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: سَمِعَهُ والتَّبْدِيلُ: التَّغْيِيرُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: فَإنَّما إثْمُهُ راجِعٌ إلى التَّبْدِيلِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: بَدَّلَهُ وهَذا وعِيدٌ لِمَن غَيَّرَ الوَصِيَّةَ المُطابِقَةَ لِلْحَقِّ الَّتِي …

Al-Baqara 2:180Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.