Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji

Ayahs 171–180 of 286

171

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَآءًۭ وَنِدَآءًۭ ۚ صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ

The example of those who disbelieve is like that of one who shouts at what hears nothing but calls and cries cattle or sheep - deaf, dumb and blind, so they do not understand.

(ومثل الذين كفروا) في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم وفي ذلك نهاية الزجر لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقهم في التقليد (كمثل الذي ينعق بما لا يسمع) فيه تشبيه واعظ الكافرين وداعهم وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - بالراعي الذي ينعق بالغنم أو الإبل فلا تسمع (إلا دعاء ونداء) ولا تفهم ما يقول، هكذا فسره الزجاج والفراء وسيبويه، وبه قال جماعة من السلف، قال سيبويه: لم يشبهوا بالناعق إنما شبهوا بالمنعوق به، والمعنى مثلك يا محمد - صلى الله عليه وسلم - ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به من البهائم التي لا تفهم، فحذف لدلالة المعنى عليه، وقال قطرب: المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم ما لا يفهم يعني الأصنام كمثل الراعي إذا نعق بغنمه وهو لا يدري أين هي، وبه قال ابن جرير الطبري، وقال ابن زيد: المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة الجماد كمثل الصائح في جوف الليل فيجيبه الصدى فهو يصيح بما لا يسمع ويجيبه ما لا حقيقة فيه، فهذه أربعة أقوال.

وقال البيضاوي: المعنى أن الكفرة لانهماكهم في التقليد لا يلقون أذهانهم إلى ما يتلى عليهم فهم في ذلك كالبهائم التي ينعق عليها فتسمع الصوت ولا تعرف مغزاه، وتحس بالنداء ولا تفهم معناه.

وقد اختلف الناس في هذه الآية اختلافاً واضطربوا اضطراباً شديداً.

والذي لخصناه أقوال مهذبة لكل قول منها تقدير، ذكره السمين، والنعيق زجر الغنم والصياح بها. والعرب تضرب المثل براعي الغنم في الجهل ويقولون أجهل من راعي ضان، قال ابن عباس: مثل الذين كفروا مثل البقر والحمار والشاة إن قلت لبعضها كلاماً لم يعلم ما تقول غير أنه يسمع صوتك، وكذلك الكافر إن أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وعظته لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك، ونحوه قال مجاهد والدعاء والنداء بمعنى واحد وسوغ العطف اختلاف اللفظ.

(صم بكم عمي) هذا نتيجة ما قبله، ورفع على الذم أي هم صم عن سماع الحق ودعاء الرسول (بكم) عن النطق بالحق (عمي) عن طريق الهدى (وفهم لا يعقلون) أي بالعقل للإخلال بالنظر نتيجة للنتيجة، قيل المراد به العقل الكسبي، لأن العقل الطبيعي كان حاصلاً فيهم، قال عطاء: هم اليهود الذين أنزل الله فيهم (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب) إلى قوله فما أصبرهم على النار.

Al-Baqara 2:171Listen in Qur'an →
172

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ

O you who have believed, eat from the good things which We have provided for you and be grateful to Allah if it is [indeed] Him that you worship.

(يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) هذا تأكيد للأمر الأول أعني قوله: (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً) هو وإنما خص المؤمنين هنا لكونهم أفضل أنواع الناس، قيل والمراد بالأكل الانتفاع وقيل المراد به الأكل المعتاد وهو الظاهر، وقيل أن الأمر في كلوا قد يكون للوجوب كالأكل لحفظ النفس ودفع الضر عنها، وقد يكون للندب كالأكل مع الضيف، وقد يكون للإباحة إذا خلا من هذه العوارض، وعن عمر بن عبد العزيز أن المراد بما في الآية طيب الكسب لا طيب الطعام، وقال الضحاك: أنها حلال الرزق.

وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله لا يقبل إلا طيباً وأن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم) وقال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له " وقيل الطيب المستلذ من الطعام فلعل قوماً تنزهوا عن أكل المستلذ من الطعام فأباح الله لهم ذلك.

(واشكروا الله) على ما رزقكم من نعمه وأحل لكم، وفيه التفات من ضمير المتكلم إلى الغيبة إذ لو جرى على الأسلوب الأول لقال واشكرونا، والأمر فيه للوجوب فقط (إن كنتم إياه تعبدون) أي تخصونه بالعبادة وتقرون بأن إلهكم لا غيره كما يفيده تقديم المفعول، وقيل إن كنتم عارفين بالله وبنعمته فاشكروه عليها، والأول أولى.

Al-Baqara 2:172Listen in Qur'an →
173

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيْرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

He has only forbidden to you dead animals, blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allah. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], there is no sin upon him. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

(إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) لما أمرنا الله تعالى في الآية التي تقدمت بأكل الطيبات التي هي الحلالات، بين في هذه الآية أنواعاً من المحرمات فقال (إنما) وهي كلمة موضوعة للحصر تثبت ما تناوله الخطاب وتنفي ما عداه، وقد حصرت ههنا التحريم في الأمور المذكورة بعدها أي ما حرم عليكم إلا الميتة وهي كل ما فارقه الروح من غير ذكاة.

وقد خصص هذا العموم بمثل حديث " أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالطحال والكبد " أخرجه أحمد وابن ماجة والدارقطني والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر، ومثل حديث جابر في العنبر الثابت في الصحيحين مع قوله تعالى (أحل لكم صيد البحر) فالمراد بالميتة هنا ميتة البر لا ميتة البحر.

وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز أكل جميع حيوانات البحر حيها وميتها، وقال بعض أهل العلم أنه يحرم من حيوانات البحر ما يحرم شبهه في البر، وتوقف ابن حبيب في خنزير الماء، قال ابن القاسم: أنا أتقيه ولا أراه حراماً، والدم هو الجاري السائل وكانت العرب تجعل الدم في المصارين ثم تشويه وتأكله، فحرمه الله تعالى.

وقد اتفق العلماء على أن الدم حرام، وفي الآية الأخرى (أو دماً مسفوحاً) فيحمل المطلق على المقيد لأن ما خلط باللحم غير محرم، قال القرطبي بالإجماع، وقد روت عائشة أنها كانت تطبخ اللحم فتعلو الصفرة على البرمة من الدم، فيأكل ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا ينكره.

وأما لحم الخنزير فظاهر هذه الآية والآية الأخرى أعني قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير) أن المحرم إنما هو اللحم فقط، وقد أجمعت الأمة على تحريم شحمه كما حكاه القرطبي في تفسيره، وقد ذكرت جماعة من أهل العلم أن اللحم يدخل تحته الشحم، وحكى القرطبي الإجماع أيضاً على أن جملة الخنزير محرمة إلا الشعر فإنه تجوز الخرازة به، وقيل: أراد بلحمه جميع أجزائه، وإنما خص اللحم بالذكر لأنه المقصود لذاته بالأكل، واختلفوا في نجاسته فقال الجمهور أنه نجس وقال مالك أنه طاهر وكذا كل حيوان عنده، لأن علة الطهارة هي الحياة، وللشافعي قولان في ولوغ الخنزير (الجديد) أنه كالكلب (والقديم) يكفي فيه غسلة واحدة.

والآية قصر قلب للرد على من استحل هذه الأربعة وحرم الحلال غيرها كالسوائب ومع ذلك هو نسبي أي ما حرم عليكم إلا هذه الأربعة لا غيرها من البحيرة وما بعدها في الآية وإن كان حرم غيرها من الأمور المذكورة في أول المائدة.

(وما أهل به لغير الله) يعني ما ذبح للأصنام والطواغيت وصيح في ذبحه لغير الله، وأصل الإهلال رفع الصوت يقال أهل بكذا أي صرخ ورفع صوته ومنه إهلال الصبي واستهلاله، وهو صياحه عند ولادته، ومنه الهلال لأنه يصرخ عند رؤيته، والمراد هنا ما ذكر عليه اسم غير الله تعالى كاللات والعزى إذا كان الذابح وثنياً، والنار إذا كان الذابح مجوسياً. ولا خلاف في تحريم هذا وأمثاله.

ومثله ما يقع من المعتقدين للأموات من الذبح على قبورهم، فإنه مما أهل به لغير الله، ولا فرق بينه وبين الذبح للوثن، قال مجاهد: يعني ما ذبح لغير الله، أخرجه ابن أبي حاتم، وفي تفسير النيسابوري للنظام قال العلماء لو أن مسلماً ذبح ذبيحة وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتداً، وذبيحته ذبيحة مرتد انتهى.

وقال صاحب الروض: إن المسلم إذا ذبح للنبي - صلى الله عليه وسلم - كفر وانتهى، وهذا القائل من الشافعية.

قال الشوكاني: وإذا كان الذبح لسيد الرسل صلى الله عليه وآله وسلم كفراً عنده فكيف بالذبح لسائر الأموات، انتهى.

وقيل أن المراد بذلك ذبائح عبدة الأوثان التي كانوا يذبحونها لأصنامهم كما تقدم وأجازوا ذبيحة النصارى إذا سمي عليها باسم المسيح، وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب لعموم قوله تعالى (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: لا …

Al-Baqara 2:173Listen in Qur'an →
174

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۙ أُو۟لَٰٓئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

Indeed, they who conceal what Allah has sent down of the Book and exchange it for a small price - those consume not into their bellies except the Fire. And Allah will not speak to them on the Day of Resurrection, nor will He purify them. And they will have a painful punishment.

(إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب) المراد بهذه الآية علماء اليهود لأنهم كتموا ما أنزل الله في التوراة من صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - ونعته ووقت نبوته، هذا قول المفسرين، وقال المتكلمون بل كانوا يكتمون التأويل، والعنى يكتمون معاني ما أنزل الله من الكتاب، والأول أولى (ويشترون به) أي بالكتمان أو بما أنزل الله من الكتاب، والأول أظهر، والاشتراء هنا الاستبدال، وقد تقدم تحقيقه (ثمناً قليلاً) سماه قليلاً لانقطاع مدته وسوء عاقبته، وهذا السبب وإن كان خاصاً فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهو يشمل كل من كتم ما شرعه الله وأخذ عليه الرشا.

(أولئك ما يأكلون في بطونهم) ذكر البطون دلالة وتأكيداً على أن هذا الأكل حقيقة، إذ قد يستعمل مجازاً في مثل أكل فلان أرضي ونحوه، وقال في الكشاف معناه ملء بطونهم ظرف متعلق بما قبله لا حال مقدرة كما قال الكواشي (إلا النار) استثناء مفرغ أي أنه يوجب عليهم عذاب النار فسمى ما أكلوه ناراً لأنه يؤول إليها، هكذا قال أكثر المفسرين وهو من مجاز الكلام، وقيل إنهم يعاقبون على كتمانهم بأكل النار في جهنم حقيقة ومثله قوله سبحانه (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً).

(ولا يكلمهم الله يوم القيامة) أي كلام رحمة وما يسرهم بل يكلمهم بالتوبيخ، وعدم تكليم الله إياهم كناية عن حلول غضب الله عليهم وعدم الرضا عنهم، يقال فلان لا يكلم فلاناً إذا غضب عليه، وقال ابن جرير الطبري المعنى ولا يكلمهم بما يحبونه ولا بما يكرهونه كقوله تعالى (اخسؤوا فيها ولا تكلمون) وإنما كان عدم تكليمهم في معرض التهديد لأن يوم القيامة هو اليوم الذي يكلم الله فيه كل الخلائق بلا واسطة فيظهر عند كلامه السرور في أوليائه وضده في أعدائه.

(ولا يزكيهم) لا يثنى عليهم خيراً، قاله الزجاج وقيل معناه لا يصلح أعمالهم الخبيثة فيطهرهم أو لا ينزلهم منازل الأزكياء، وقيل لا يطهرهم من دنس الذنوب (ولهم عذاب أليم) أي وجيع يصل ألمه إلى قلوبهم وهو النار.

Al-Baqara 2:174Listen in Qur'an →
175

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ

Those are the ones who have exchanged guidance for error and forgiveness for punishment. How patient they are in pursuit of the Fire!

(أولئك) أي الموصوفون بالصفات الستة من قوله (إن الذين يكتمون) إلى هنا، وهذا بيان لحالهم في الدنيا بعد أن بين حالهم في الآخرة (الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة) أي اختاروا الضلالة على الهدى واختاروا العذاب على المغفرة، لأنهم كانوا عالمين بالحق، ولكن كتموه وأخفوه، وكان في إظهاره الهدى والمغفرة. وفي كتمانه الضلالة والعذاب (فما أصبرهم على النار) حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل، وقد تقدم تحقيق معناه.

وذهب الجمهور ومنهم الحسن ومجاهد إلى أن معناه التعجب، والمراد تعجب المخلوقين من حال هؤلاء الذين باشروا الأسباب الموجبة لعذاب النار، فكأنهم بهذه المباشرة للأسباب صبروا على العقوبة في نار جهنم، وحكي الزجاج أن المعنى ما أبقاهم على النار، من قولهم ما أصبر فلاناً على الحبس أي ما أبقاه فيه، وقيل المعنى ما أقل جزعهم من النار، فجعل قلة الجزع صبراً، وقال الكسائي وقطرب أي ما أدومهم على عمل أهل النار، وقيل " ما " استفهامية ومعناه التوبيخ أي أي شيء صبرهم على عمل أهل النار، وهذا من مجاز الكلام، وبه قال ابن عباس والسدي وعطاء وأبو عبيدة.

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176) لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)

Al-Baqara 2:175Listen in Qur'an →
176

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِى ٱلْكِتَٰبِ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ

That is [deserved by them] because Allah has sent down the Book in truth. And indeed, those who differ over the Book are in extreme dissension.

(ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق) أي ذلك الأمر وهو العذاب، قاله الزجاج، وقال الأخفش: إن خبر اسم الإشارة محذوف والتقدير ذلك معلوم والمراد بالكتاب هنا القرآن أو التوراة والحق الصدق، وقيل الحجة (وإن الذين اختلفوا في الكتاب) يعني في معانيه وتأويله فحرفوه وبدلوه، وقيل آمنوا ببعض وكفروا ببعض، والمراد بالكتاب قيل التوراة فادعى النصارى أن فيها صفة عيسى وأنكرهم اليهود، وقيل خالفوا ما في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم واختلفوا فيها، وقيل المراد القرآن والمختلفون هم كفار قريش، يقول بعضهم هو سحر وكهانة، وبعضهم يقول هو أساطير الأولين، وبعضهم يقول غير ذلك، وقيل المختلفون هم اليهود والنصارى (لفي شقاق) أي خلاف ومنازعة (بعيد) عن الحق وقد تقدم معنى الشقاق.

Al-Baqara 2:176Listen in Qur'an →
177

۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّۦنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ

Righteousness is not that you turn your faces toward the east or the west, but [true] righteousness is [in] one who believes in Allah, the Last Day, the angels, the Book, and the prophets and gives wealth, in spite of love for it, to relatives, orphans, the needy, the traveler, those who ask [for help], and for freeing slaves; [and who] establishes prayer and gives zakah; [those who] fulfill their promise when they promise; and [those who] are patient in poverty and hardship and during battle. Those are the ones who have been true, and it is those who are the righteous.

(ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب) قيل أن هذه الآية نزلت للرد على اليهود والنصارى لما أكثروا الكلام في شأن القبلة عند تحويل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة، وقيل أن سبب نزولها أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سائل عن الإيمان فتلا هذه الآية حتى فرغ منها ثم سأله أيضاً فتلاها ثم سأله فتلاها قال وإذا عملت بحسنة أحبها قلبك، وإذا عملت بسيئة أبغضها قلبك "، أخرجه ابن أبي حاتم وصححه عن أبي ذر.

قيل أشار سبحانه بذكر المشرق إلى قبلة النصارى لأنهم يستقبلون مطلع الشمس وأشار بذكر المغرب إلى قبلة اليهود لأنهم يستقبلون بيت المقدس، وهو في جهة الغرب منهم إذ ذاك وزعم كل طائفة منهم أن البر في ذلك، فأخبر الله تعالى أن البر ليس فيما زعموا ولكنه فيما بينه في هذه الآية، وقيل المخاطب هم المسلمون وقيل هو عام لهم ولأهل الكتابين أي ليس البر مقصوراً على أمر القبلة.

والبر اسم جامع لكل طاعة وعمل الخير، ويجوز أن يكون بمعنى البار، ويطلق المصدر على اسم الفاعل كثيراً ومنه في التنزيل (إن أصبح ماؤكم غوراً) أي غائراً وهذا اختيار أبي عبيدة، والمشرق جهة شروق الشمس، والمغرب جهة غروبها، وهذا مشكل بما تقدم من أن قبلة اليهود إنما هي بيت المقدس، وهو بالنسبة إلى المدينة شمال لا مغرب إنما يأتي الإشكال على قول من فسر الآية بهذا القول، أما على قول الأخرين فلا إشكال. لأن من استقبل بيت المقدس يكون فيها ظهره مقابلاً لميزاب الكعبة ووجهه مقابلاً لبيت المقدس الذي هو من جهة الشام وكذا بالنسبة لمكة فلم يظهر المراد في هذه الآية، وقد تنبه أبو السعود لهذا وأجاب عنه بما لا يجدي شيئاً فليتأمل فإني لم أر من حقق المقام والله أعلم.

(ولكن البر) أي لكن ذا البر، وقرىء البار أو بر (من آمن بالله) والأخير أوفق وأحسن، والبر اسم جامع لكل طاعة وأعمال الخير مما لا يختلف باختلاف الشرائع وما يختلف باختلافها، والمراد بالبر هنا الإيمان والتقوى (واليوم الآخر) ذكر ذلك لأن عبدة الأوثان كانوا ينكرون البعث بعد الموت (والملائكة) أي الإيمان بهم كلهم لأن اليهود قالوا إن جبريل عدونا (والكتاب) قيل أراد به القرآن وقيل جميع الكتب المنزلة لسياق ما بعده وهو قوله (والنبيين) يعني أجمع، وإنما خص الإيمان بهذه الأمور الخمسة لأنه يدخل تحت كل واحد منها أشياء كثيرة مما يلزم المؤمن أن يصدق بها.

(وآتى المال على حبه) ضمير حبه راجع إلى المال، وقيل إلى الإيتاء المدلول عليه بقوله وآتى المال وقيل أنه راجع إلى الله سبحانه أي على حب الله، والمعنى على الأول أنه أعطى المال وهو يحبه ويشح به، ومنه قوله تعالى (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وعلى الثاني أنه يحب إيتاء المال وتطيب به نفسه، وعلى الثالث أنه أعطى من تضمنته الآية في حب الله عز وجل لا لغرض آخر، وهو مثل قوله (ويطعمون الطعام على حبه).

عن ابن مسعود قال: يعطى وهو صحيح شحيح يأمل العيش ويخاف الفقر، وأخرج الحاكم عنه مرفوعاً مثله، وعن أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله أي الصدقة أعظم قال " أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان " أخرجه الشيخان مسلم/1032 - البخاري/757..

(ذوي القربى) يعنى أهل قرابة المعطي وقدم ذوي القربى لكون دفع المال إليهم صدقة وصلة إذا كانوا فقراء، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة " أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والحاكم والبيهقي في سننه من حديث سلمان بن عامر الضبي أحمد 4/-214،18،7..

وفي الصحيحين وغيرهما من حديث زينب امرأة ابن مسعود أنها سألت رسول الله هل تجزىء عنها من الصدقة النفقة على زوجها وأيتام في حجرها فقال: " لك أجران …

Al-Baqara 2:177Listen in Qur'an →
178

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى ۖ ٱلْحُرُّ بِٱلْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلْأُنثَىٰ بِٱلْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌۭ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَٰنٍۢ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌۭ ۗ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

O you who have believed, prescribed for you is legal retribution for those murdered - the free for the free, the slave for the slave, and the female for the female. But whoever overlooks from his brother anything, then there should be a suitable follow-up and payment to him with good conduct. This is an alleviation from your Lord and a mercy. But whoever transgresses after that will have a painful punishment.

(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى) كتب معناه فرض وأثبت، وهذا إخبار من الله سبحانه لعباده بأنه شرع لهم ذلك وقيل إن كتب هنا إشارة إلى ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ، والخطاب للقاتلين وولاة الأمور، والقصاص أصله قص الأثر أي اتباعه ومنه القاص لأنه يتبع الآثار، وقص الشعر اتباع أثره، فكأن القاتل يسلك طريقاً من القتل يقص أثره فيها ومنه قوله تعالى (فارتدا على آثارهما قصصاً) وقيل أن القصاص مأخوذ من القص وهو القطع يقال قصصت ما بينهما أي قطعته، قيل نزلت في حيين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهلية بسبب قتيل فكانت بينهم قتلى وحروب وجراحات كثيرة ولم يأخذ بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام، وقيل نزلت في الأوس والخزرج، وكان لأحد الحيين طول على الآخر في الكثرة والشرف.

وقيل نزلت لإزالة الأحكام التي كانت قبل مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم من وجوب القتل بلا عفو، ووجوب العفو بلا قتل، والقتل تارة وأخذ الدية تارة؛ والقصاص فرض على القاتل للولي لا على الولي، والقصاص المساواة والمماثلة في القتل والدية والجراح فيقتل القاتل بمثل الذي قتل به، وهو قول مالك والشافعي؛ وقيل يقتل بالسيف وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد؛ والكلام في فروع هذه المسألة يطول؛ " وفي " في القتلى للسبب كقوله - صلى الله عليه وسلم - " أن امرأة دخلت النار في هرة أي بسببها " وفعلى يطرد جمعاً لفعيل بمعنى مفعول.

(الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى) وقد استدل بهذه الآية القائلون بأن الحر لا يقتل بالعبد وهم الجمهور، وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري وابن أبي ليلى وداود إلى أنه يقتل به إذا كان غير سيده، وأما سيده فلا يقتل به إجماعاً إلا ما روي عن النخعي، فليس مذهب أبي حنيفة ومن معه على الإطلاق ذكره الشوكاني في شرح المنتقي، قال القرطبي: وروي ذلك عن علي وابن مسعود وبه قال سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وقتادة والحكم بن عتبة، واستدلوا بقوله تعالى (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) وأجاب الأولون عن هذا الاستدلال بأن قوله الحر بالحر والعبد بالعبد مفسر لقوله تعالى (النفس بالنفس) وقالوا أيضاً أن قوله (وكتبنا عليهم فيها) يفيد أن ذلك حكاية عما شرعه الله لبني إسرائيل في التوراة.

ومن جملة ما استدل به الآخرون قوله - صلى الله عليه وسلم - " المسلمون تتكافأ دماؤهم " ويجاب عنه بأنه مجمل، والآية مبينة ولكنه يقال أن قوله تعالى (الحر بالحر والعبد بالعبد) إنما أفاد بمنطوقه أن الحر يقتل بالحر والعبد يقتل بالعبد، وليس فيه ما يدل على أن الحر لا يقتل بالعبد إلا باعتبار المفهوم، فمن أخذ بمثل هذا المفهوم لزمه القول به هنا، ومن لم يأخذ بمثل هذا المفهوم لم يلزمه القول به هنا، والبحث في هذا محرر في علم الأصول.

وقد استدل بهذه الآية القائلون بأن المسلم يقتل بالكافر، وهم الكوفيون والثوري لأن الحر يتناول الكافر كما يتناول المسلم، وكذا العبد والأنثى يتناولان الكافر كما يتناولان السلم، واستدلوا أيضاً بقوله تعالى (أن النفس بالنفس) لأن النفس تصدق على النفس الكافرة كما تصدق على النفس المسلمة، وذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل المسلم بالكافر، واستدلوا بما ورد في السنة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " لا يقتل مسلم بكافر " أحمد/1/ 79 - 2/ 178 وبرواية لا يقتل مؤمن بكافر 2/ 180. وهو مبين لما يراد في الآيتين، وهذه الآية مع الأحاديث الواردة في ذلك حجة على أصحاب الرأي، والبحث في هذا يطول.

واستدل بهذه الآية القائلون بأن الذكر لا يقتل بالأنثى، وقرروا الدلالة على ذلك بمثل ما سبق إلا إذا سلم أولياء المرأة الزيادة على ديتها من دية الرجل، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحق والثوري وأبو ثور، وذهب الجمهور إلى أنه يقتل الرجل بالمرأة ولا زيادة وهو الحق، وقد بسط الشوكاني البحث في نيل الأوطار فليرجع إليه.

(فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع …

Al-Baqara 2:178Listen in Qur'an →
179

وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌۭ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

And there is for you in legal retribution [saving of] life, O you [people] of understanding, that you may become righteous.

(ولكم في القصاص حياة) خطاب لمريدي القتل ظلماً، وقال أبو السعود: بيان لمحاسن الحكم المذكور على وجه بديع لا تنال غايته حيث جعل الشيء وهو القصاص محلاً لضده وهو الحياة، ونكر الحياة ليدل على أن في هذا الجنس نوعاً من الحياة عظيماً لا يبلغه الوصف، وذلك لأنهم كانوا يقتلون الجماعة بالواحد فتنشر الفتنة بينهم، ففي شرع القصاص سلامة من هذا كله عن مسلم بن يزيد أحد بني سعد بن بكر أنه سمع أبا شريح الخزاعي ثم الكعبي وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في قتال بني بكر حتى أصبنا منهم ثأرنا وهو بمكة ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم نوافع السيف فلقي رهط منا الغد رجلاً من هذيل في الحرم يؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم كي يسلم وكان قد وترهم في الجاهلية وكانوا يطلبونه فقتلوه وبادروا أن يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب غضباً شديداً والله ما رأيته غضب غضباً أشد منة فسعينا إلى أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم نستشفعهم وخشينا أن نكون قد هلكنا فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قام فأثنى على الله عز وجل بما هو أهله ثم قال أما بعد فإن الله عز وجل هو حرم مكة ولم يحرمها الناس وإنما أحلها لي ساعة من النهار أمس وهي اليوم حرام كما حرمها الله عز وجل أوّل مرة وأن أغنى الناس على الله عز وجل ثلاثة رجل قتل فيها ورجل قتل غير قاتله ورجل طلب بذحل في الجاهلية وإني والله لأديّن هذا الرجل الذي قتلتم فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم.، والمعنى ولكم في هذا الحكم الذي شرعه الله بقاء وحياة لأن الرجل إذا علم أنه يقتل قصاصاً إذا قتل آخر كف عن القتل وانزجر عن التسرع إليه، والوقوع فيه، فيكون ذلك بمنزلة الحياة للنفوس الإنسانية.

وهذا نوع من البلاغة بليغ، وجنس من الفصاحة رفيع، فإنه جعل القصاص الذي هو موت، حياة باعتبار ما يؤول إليه من ارتداع الناس عن قتل بعضهم بعضاً إبقاء على أنفسهم واستدامة لحياتهم، وقيل إن الحياة سلامة من القصاص في الآخرة فإنه إذا اقتص في الدنيا لم يقتص عنه في الآخرة والأول أولى.

وقال الخازن: هذا الحكم غير مختص القصاص الذي هو القتل، بل يدخل فيه جميع الجروح والشجاج وغير ذلك، وقرأ أبو الجوزاء (ولكم في القصص حياة) أي فيما قص عليكم من حكم القتل حياة أو في كتاب الله أي نجاة وقيل أراد حياة القلوب، وقيل هو مصدر بمعنى القصاص. والكل ضعيف والقراءة به منكرة (يا أولي الألباب) أي ذوي العقول الكاملة، جعل هذا الخطاب موجهاً إلى أولي الألباب وناداهم للتأمل في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس لأنهم هم الذين ينظرون في العواقب، ويتحامون ما فيه الضرر الآجل، وأما من كان مصاباً بالحمق والطيش والخفة فإنه لا ينظر عند سورة غضبه وغليان مراجل طيشه إلى عاقبة، ولا يفكر في أمر مستقبل، والألباب جمع لب، وهو العقل الخالي من الهوى، سمي بذلك لأحد وجهين إما لبنائه من لب بالمكان أقام به وإما من اللباب وهو الخالص.

ثم علل سبحانه هذا الحكم الذي شرعه لعباده بقوله (لعلكم تتقون) أي تعملون عمل أهل التقوى، وتتحامون القتل بالمحافظة على القصاص والحكم به والإذعان له، فيكون ذلك سبباً للتقوى.

Al-Baqara 2:179Listen in Qur'an →
180

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ

Prescribed for you when death approaches [any] one of you if he leaves wealth [is that he should make] a bequest for the parents and near relatives according to what is acceptable - a duty upon the righteous.

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)

(كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت) قد تقدم معنى كتب قريباً، وحضور الموت حضور أسبابه وأماراته وظهور علاماته من العلل والأمراض المخوفة، وليس المراد منه معاينة الموت، لأنه في ذلك الوقت يعجز عن الإيصاء، وإنما لم يؤنث الفعل المسند إلى الوصية وهو كتب لوجود الفاصل بينهما، وقيل لأنها بمعنى الإيصاء، وقد روي جواز إسناد ما لا تأنيث فيه إلى المؤنث مع عدم الفصل، وقد حكى سيبويه: أقام امرأة وهو خلاف ما أطبق عليه أئمة العربية.

(إن ترك خيراً) شرط سبحانه ما كتبه من الوصية بأن يترك الموصي خيراً أي مالاً. قال الزهري: هو يطلق على القليل والكثير، فتجب الوصية في الكل وقيل لا يطلق إلاّ على المال الكثير، وهو قول الأكثرين.

واختلف أهل العلم في مقدار الخير فقيل ما زاد على سبعمائة دينار، وقيل ألف دينار، وقيل ما زاد على خمسمائة دينار، وقيل ستون ديناراً فما فوقها. وقيل من خمسمائة إلى ألف، وقيل إنه المال الكثير الفاضل عن العيال، والخير هنا المال، ويقع في القرآن على وجوه ونبه بتسميته خيراً على أن الوصية تستحب في مال طيب.

(الوصية) أي الإيصاء، والوصية في الأصل عبارة عن الأمر بالشيء والعهد به في الحياة وبعد الموت وهي هنا عبارة عن الأمر بالشيء بعد الموت، وقد اتفق أهل العلم على وجوب الوصية على من عليه دين أو عنده وديعة أو نحوها، وأما من لم يكن كذلك فذهب أكثرهم إلى أنها غير واجبة عليه سواء كان فقيراً أو غنياً، وقالت طائفة إنها واجبة.

(للوالدين والأقربين) لم يبين الله سبحانه ههنا القدر الذي كتب الوصية به للوالدين والأقربين فقيل الخمس وقيل الربع وقيل الثلث، وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة فذهب جماعة إلى أنها محكمة، وقالوا هي وإن كانت عامة فمعناها الخصوص، والمراد بها من الوالدين من لا يرث كالأبوين الكافرين، ومن هو في الرق، ومن الأقربين من عدا الورثة منهم.

قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الوصية للوالدين اللذين لا يرثان والأقرباء الذين لا يرثون جائزة، وقال كثير من أهل العلم أنها منسوخة بآية المواريث مع قوله - صلى الله عليه وسلم - " لا وصية لوارث " رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وحسنه أحمد والترمذي من حديث أبي أمامة الباهلي به مرفوعاً وقواه ابن خزيمة وابن الجارود- انظر تمييز الطيب من الخبيث/1636. وهو حديث صححه بعض أهل الحديث، وروي من غير وجه، وللشيخ سعد التفتازاني فيه مناقشة، وقال بعض أهل العلم إنه نسخ الوجوب وبقي الندب، روي ذلك عن الشعبي والنخعي ومالك.

(بالمعروف) أي بالعدل لا وكس فيه ولا شطط، وقد أذن الله للميت بالثلث دون ما زاد عليه فلا يزيد على الثلث، ولا يوصي للغني ويدع الفقير، وعن علي لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث، فمن أوصي بالثلث فلم يترك، وقيل يوصي بالسدس أو بالخمس أو بالربع (حقا) مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله معناه الثبوت والوجوب، وقيل ثبوت ندب لا ثبوت فرض ووجوب (على المتقين) أي على الذين يتقون الشرك.

Al-Baqara 2:180Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.