Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 171–180 of 286

171

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَآءًۭ وَنِدَآءًۭ ۚ صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ

The example of those who disbelieve is like that of one who shouts at what hears nothing but calls and cries cattle or sheep - deaf, dumb and blind, so they do not understand.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ .

صفحة ٨

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم عِنْدَ الدُّعاءِ إلى اتِّباعِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَرَكُوا النَّظَرَ والتَّدَبُّرَ، وأخْلَدُوا إلى التَّقْلِيدِ، وقالُوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ ضَرَبَ لَهم هَذا المَثَلَ تَنْبِيهًا لِلسّامِعِينَ لَهم أنَّهم إنَّما وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ بِسَبَبِ تَرْكِ الإصْغاءِ، وقِلَّةِ الِاهْتِمامِ بِالدِّينِ، فَصَيَّرَهم مِن هَذا الوَجْهِ بِمَنزِلِ الأنْعامِ، ومِثْلُ هَذا المَثَلِ يَزِيدُ السّامِعَ مَعْرِفَةً بِأحْوالِ الكُفّارِ، ويُحَقِّرُ إلى الكافِرِ نَفْسَهُ إذا سَمِعَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ كَسْرًا لِقَلْبِهِ، وتَضْيِيقًا لِصَدْرِهِ، حَيْثُ صَيَّرَهُ كالبَهِيمَةِ، فَيَكُونُ في ذَلِكَ نِهايَةُ الزَّجْرِ والرَّدْعِ لِمَن يَسْمَعُهُ عَنْ أنْ يَسْلُكَ مِثْلَ طَرِيقِهِ في التَّقْلِيدِ، وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: نَعَقَ الرّاعِي بِالغَنَمِ إذا صاحَ بِها، وأمّا نَغَقَ الغُرابُ فَبِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِلْعُلَماءِ مِن أهْلِ التَّأْوِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقانِ:

أحَدُهُما: تَصْحِيحُ المَعْنى بِالإضْمارِ في الآيَةِ.

والثّانِي: إجْراءُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها مِن غَيْرِ إضْمارٍ.

أمّا الَّذِينَ أضْمَرُوا فَذَكَرُوا وُجُوهًا:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الأخْفَشِ والزَّجّاجِ وابْنِ قُتَيْبَةَ، كَأنَّهُ قالَ: ومَثَلُ مَن يَدْعُو الَّذِينَ كَفَرُوا إلى الحَقِّ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ، فَصارَ النّاعِقُ الَّذِي هو الرّاعِي بِمَنزِلَةِ الدّاعِي إلى الحَقِّ، وهو الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وسائِرُ الدُّعاةِ إلى الحَقِّ، وصارَ الكُفّارُ بِمَنزِلَةِ الغَنَمِ المَنعُوقِ بِها، ووَجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّ البَهِيمَةَ تَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا تَفْهَمُ المُرادَ، وهَؤُلاءِ الكُفّارُ كانُوا يَسْمَعُونَ صَوْتَ الرَّسُولِ وألْفاظَهُ، وما كانُوا يَنْتَفِعُونَ بِها وبِمَعانِيها، لا جَرَمَ حَصَلَ وجْهُ التَّشْبِيهِ.

الثّانِي: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمْ آلِهَتَهم مِنَ الأوْثانِ كَمَثَلِ النّاعِقِ في دُعائِهِ ما لا يَسْمَعُ كالغَنَمِ، وما يَجْرِي مَجْراهُ مِنَ الكَلامِ، والبَهائِمُ لا تَفْهَمُ: فَشَبَّهُ الأصْنامَ في أنَّها لا تَفْهَمُ بِهَذِهِ البَهائِمِ، فَإذا كانَ لا شَكَّ أنَّ هَهُنا المَحْذُوفَ هو المَدْعُوُّ، وفي القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ المَحْذُوفُ هو الدّاعِي، وفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا دُعاءً ونِداءً﴾ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ شَيْئًا.

الثّالِثُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمْ آلِهَتَهم كَمَثَلِ النّاعِقِ في دُعائِهِ عِنْدَ الجَبَلِ، فَإنَّهُ لا يَسْمَعُ إلّا صَدى صَوْتِهِ فَإذا قالَ: يا زَيْدُ يَسْمَعُ مِنَ الصَّدى: يا زَيْدُ. فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ إذا دَعَوْا هَذِهِ الأوْثانَ لا يَسْمَعُونَ إلّا ما تَلَفَّظُوا بِهِ مِنَ الدُّعاءِ والنِّداءِ.

الطَّرِيقُ الثّانِي: في الآيَةِ وهو إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها مِن غَيْرِ إضْمارٍ وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَقُولَ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في قِلَّةِ عَقْلِهِمْ في عِبادَتِهِمْ لِهَذِهِ الأوْثانِ، كَمَثَلِ الرّاعِي إذا تَكَلَّمَ مَعَ البَهائِمِ فَكَما أنَّهُ يُقْضى عَلى ذَلِكَ الرّاعِي بِقِلَّةِ العَقْلِ، فَكَذا هَهُنا.

الثّانِي: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في اتِّباعِهِمْ آباءَهم وتَقْلِيدِهِمْ لَهم، كَمَثَلِ الرّاعِي إذا تَكَلَّمَ مَعَ البَهائِمِ، فَكَما …

Al-Baqara 2:171Listen in Qur'an →
172

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ

O you who have believed, eat from the good things which We have provided for you and be grateful to Allah if it is [indeed] Him that you worship.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ شَبِيهَةٌ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكَلَّمَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَهُنا في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ واسْتَقْصى في الرَّدِّ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، ومِن هُنا شَرَعَ في بَيانِ الأحْكامِ، اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الأكْلَ قَدْ يَكُونُ واجِبًا، وذَلِكَ عِنْدَ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ، وقَدْ يَكُونُ مَندُوبًا، وذَلِكَ أنَّ الضَّيْفَ قَدْ يَمْتَنِعُ مِنَ الأكْلِ إذا انْفَرَدَ ويَنْبَسِطُ في ذَلِكَ إذا سُوعِدَ، فَهَذا الأكْلُ مَندُوبٌ، وقَدْ يَكُونُ مُباحًا إذا خَلا عَنْ هَذِهِ العَوارِضِ، والأصْلُ في الشَّيْءِ أنْ يَكُونَ خالِيًا عَنِ العَوارِضِ، فَلا جَرَمَ كانَ مُسَمّى الأكْلِ مُباحًا، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ ﴿كُلُوا﴾ في هَذا المَوْضِعِ لا يُفِيدُ الإيجابَ والنَّدْبَ بَلِ الإباحَةَ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ عَلى أنَّ الرِّزْقَ قَدْ يَكُونُ حَرامًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ فَإنَّ الطَّيِّبَ هو الحَلالُ، فَلَوْ كانَ كُلُّ رِزْقٍ حَلالًا لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ مَعْناهُ مِن مُحَلَّلاتِ ما أحْلَلْنا لَكم، فَيَكُونُ تَكْرارًا وهو خِلافُ الأصْلِ، أجابُوا عَنْهُ بِأنَّ الطَّيِّبَ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ المُسْتَلَذِّ المُسْتَطابِ، ولَعَلَّ أقْوامًا ظَنُّوا أنَّ التَّوَسُّعَ في المَطاعِمِ والِاسْتِكْثارَ مِن طَيِّباتِها مَمْنُوعٌ مِنهُ. فَأباحَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: كُلُوا مِن لَذائِذِ ما أحْلَلْناهُ لَكم، فَكانَ تَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِهَذا المَعْنى.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ أمْرٌ: ولَيْسَ بِإباحَةٍ، فَإنْ قِيلَ: الشُّكْرُ إمّا أنْ يَكُونَ بِالقَلْبِ أوْ بِاللِّسانِ أوْ بِالجَوارِحِ، أمّا بِالقَلْبِ فَهو إمّا العِلْمُ بِصُدُورِ النِّعْمَةِ عَنْ ذَلِكَ المُنْعِمِ، أوِ العَزْمُ عَلى تَعْظِيمِهِ بِاللِّسانِ وبِالجَوارِحِ، أمّا ذَلِكَ العِلْمُ فَهو مِن لَوازِمِ كَمالِ العَقْلِ، فَإنَّ العاقِلَ لا يَنْسى ذَلِكَ، فَإذا كانَ ذَلِكَ العِلْمُ ضَرُورِيًّا فَكَيْفَ يُمْكِنُ إيجابُهُ ؟

وأمّا العَزْمُ عَلى تَعْظِيمِهِ بِاللِّسانِ والجَوارِحِ فَذَلِكَ العَزْمُ القَلْبِيُّ مَعَ الإقْرارِ بِاللِّسانِ والعَمَلِ بِالجَوارِحِ، فَإذا بَيَّنّا أنَّهُما لا يُجِيبانِ كانَ العَزْمُ بِأنْ لا يَجِبَ أوْلى.

وأمّا الشُّكْرُ بِاللِّسانِ فَهو إمّا أنْ يُقِرَّ بِالِاعْتِرافِ لَهُ بِكَوْنِهِ مُنْعِمًا أوْ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ فَهَذا غَيْرُ واجِبٍ بِالِاتِّفاقِ بَلْ هو مِن بابِ المَندُوباتِ.

وأمّا الشُّكْرُ بِالجَوارِحِ والأعْضاءِ فَهو أنْ يَأْتِيَ بِأفْعالٍ دالَّةٍ عَلى تَعْظِيمِهِ، وذَلِكَ أيْضًا غَيْرُ واجِبٍ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ظَهَرَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ القَوْلُ بِوُجُوبِ الشُّكْرِ قُلْنا: الَّذِي تَلَخَّصَ في هَذا البابِ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ اعْتِقادُ كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلتَّعْظِيمِ وإظْهارُ ذَلِكَ بِاللِّسانِ أوْ بِسائِرِ الأفْعالِ إنْ وُجِدَتْ هُناكَ تُهْمَةٌ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ إنْ كُنْتُمْ عارِفِينَ بِاللَّهِ وبِنِعَمِهِ، فَعَبَّرَ …

Al-Baqara 2:172Listen in Qur'an →
173

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيْرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

He has only forbidden to you dead animals, blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allah. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], there is no sin upon him. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أمَرَنا في الآيَةِ السّالِفَةِ بِتَناوُلِ الحَلالِ فَصَّلَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعَ الحَرامِ. والكَلامُ فِيها عَلى نَوْعَيْنِ:

النَّوْعُ الأوَّلُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّفْسِيرِ.

والنَّوْعُ الثّانِي: ما يَتَعَلَّقُ بِالأحْكامِ الَّتِي اسْتَنْبَطَها العُلَماءُ مِن هَذِهِ الآيَةِ.

فالنَّوْعُ الأوَّلُ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ ﴿إنَّما﴾ عَلى وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ حَرْفًا واحِدًا، كَقَوْلِكَ: إنَّما دارِي دارُكَ، وإنَّما مالِي مالُكَ.

الثّانِي: أنْ تَكُونَ (ما) مُنْفَصِلَةً مِن: ”إنَّ“ وتَكُونُ (ما) بِمَعْنى الَّذِي، كَقَوْلِكَ: إنَّ ما أخَذْتَ مالُكَ، وإنَّ ما رَكِبْتَ دابَّتُكَ، وجاءَ في التَّنْزِيلِ عَلى الوَجْهَيْنِ؛ أمّا عَلى الأوَّلِ فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] و﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢] .

وأمّا عَلى الثّانِي فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ [طه: ٦٩] ولَوْ نَصَبْتَ ”كَيْدَ ساحِرٍ“ عَلى أنْ تَجْعَلَ ”إنَّما“ حَرْفًا واحِدًا كانَ صَوابًا، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ [العنكبوت: ٢٥] تَنْصِبُ المَوَدَّةَ وتَرْفَعُ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، واخْتَلَفُوا في حُكْمِها عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، فَمِنهم مَن قالَ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ والشِّعْرِ والقِياسِ؛ أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] أيْ ما هو إلّا إلَهٌ واحِدٌ، وقالَ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] أيْ لَهم لا لِغَيْرِهِمْ، وقالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] أيْ ما أنا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم، وكَذا هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَصارَتِ الآيَتانِ واحِدَةً، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلّا كَذا في تِلْكَ الآيَةِ، وأمّا الشِّعْرُ فَقَوْلُ الأعْشى:

ولَسْتُ بِالأكْثَرِ مِنهم حَصًى وإنَّما العِزَّةُ لِلْكاثِرِ

وقَوْلُ الفَرَزْدَقِ:

أنا الذّائِدُ الحامِي الذِّمارَ وإنَّما ∗∗∗ يُدافِعُ عَنْ أحْسابِهِ أنا أوْ مِثْلِي

وأمّا القِياسُ، فَهو أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّ“ لِلْإثْباتِ وكَلِمَةَ (ما) لِلنَّفْيِ، فَإذا اجْتَمَعا فَلا بُدَّ وأنْ يَبْقَيا عَلى أصْلَيْهِما؛ فَإمّا أنْ يُفِيدا ثُبُوتَ غَيْرِ المَذْكُورِ ونَفْيَ المَذْكُورِ - وهو باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ - أوْ ثُبُوتَ المَذْكُورِ ونَفْيَ غَيْرِ

صفحة ١١

المَذْكُورِ وهو المَطْلُوبُ.

واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهُ لا يُفِيدُ الحَصْرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢] ولَقَدْ كانَ غَيْرُهُ نَذِيرًا، وجَوابُهُ؛ مَعْناهُ: ما أنْتَ إلّا نَذِيرٌ فَهو يُفِيدُ الحَصْرَ، ولا يَنْفِي وُجُودَ نَذِيرٍ آخَرَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ (حَرَّمَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ و(حُرِّمَ) لِلْبِناءِ لِلْمَفْعُولِ و(حَرُمَ) بِوَزْنِ كَرُمَ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: المَيْتَةُ ما فارَقَتْهُ الرُّوحُ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ مِمّا …

Al-Baqara 2:173Listen in Qur'an →
174

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۙ أُو۟لَٰٓئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

Indeed, they who conceal what Allah has sent down of the Book and exchange it for a small price - those consume not into their bellies except the Fire. And Allah will not speak to them on the Day of Resurrection, nor will He purify them. And they will have a painful punishment.

صفحة ٢٣

الحُكْمُ الثّانِي

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلّا النّارَ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلّا النّارَ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رُؤَساءِ اليَهُودِ؛ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وكَعْبِ بْنِ أسَدٍ، ومالِكِ بْنِ الصَّيْفِ، وحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، وأبِي ياسِرِ بْنِ أخْطَبَ، كانُوا يَأْخُذُونَ مِن أتْباعِهِمُ الهَدايا، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ خافُوا انْقِطاعَ تِلْكَ المَنافِعِ، فَكَتَمُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وأمْرَ شَرائِعِهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهم أيَّ شَيْءٍ كانُوا يَكْتُمُونَ ؟ فَقِيلَ: كانُوا يَكْتُمُونَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ونَعْتَهُ والبِشارَةَ بِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ والأصَمِّ وأبِي مُسْلِمٍ، وقالَ الحَسَنُ: كَتَمُوا الأحْكامَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ الكِتْمانِ، فالمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم كانُوا مُحَرِّفِينَ يُحَرِّفُونَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ.

وعِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ هَذا مُمْتَنِعٌ؛ لِأنَّهُما كانا كِتابَيْنِ بَلَغا في الشُّهْرَةِ والتَّواتُرِ إلى حَيْثُ يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ فِيهِما، بَلْ كانُوا يَكْتُمُونَ التَّأْوِيلَ؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْرِفُ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانُوا يَذْكُرُونَ لَها تَأْوِيلاتٍ باطِلَةً، ويَصْرِفُونَها عَنْ مَحامِلِها الصَّحِيحَةِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الكِتْمانِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَعانِيَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الكِنايَةُ في ”بِهِ“ يَجُوزُ أنْ تَعُودَ إلى الكِتْمانِ والفِعْلُ يَدُلُّ عَلى المَصْدَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى المَكْتُومِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] وقَدْ مَرَّ ذَلِكَ. وبِالجُمْلَةِ فَكانَ غَرَضُهم مِن ذَلِكَ الكِتْمانِ: أخْذَ الأمْوالِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَهَذا هو المُرادُ مِنِ اشْتِرائِهِمْ بِذَلِكَ ثَمَنًا قَلِيلًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما سَمّاهُ قَلِيلًا إمّا لِأنَّهُ في نَفْسِهِ قَلِيلٌ، وإمّا؛ لِأنَّهُ بِالإضافَةِ إلى ما فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ العَظِيمِ قَلِيلٌ.

صفحة ٢٤

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: كانَ غَرَضُهم مِن ذَلِكَ الكِتْمانِ أخْذَ الأمْوالِ مِن عَوامِّهِمْ وأتْباعِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ كانَ غَرَضُهم مِن ذَلِكَ أخْذَهُمُ الأمْوالَ مِن كُبَرائِهِمْ وأغْنِيائِهِمُ الَّذِينَ كانُوا ناصِرِينَ لِذَلِكَ …

Al-Baqara 2:174Listen in Qur'an →
175

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ

Those are the ones who have exchanged guidance for error and forgiveness for punishment. How patient they are in pursuit of the Fire!

قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ عُلَماءَ اليَهُودِ بِكِتْمانِ الحَقِّ وعَظَّمَ في الوَعِيدِ عَلَيْهِ، وصَفَ ذَلِكَ الجُرْمِ لِيُعْلِمَ أنَّ ذَلِكَ العِقابَ إنَّما عَظُمَ لِهَذا الجُرْمِ العَظِيمِ.

واعْلَمْ أنَّ الفِعْلَ إمّا أنْ يُعْتَبَرَ حالُهُ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَأحْسَنُ الأشْياءِ الِاهْتِداءُ والعِلْمُ وأقْبَحُ الأشْياءِ الضَّلالُ والجَهْلُ، فَلَمّا تَرَكُوا الهُدى والعِلْمَ في الدُّنْيا، ورَضُوا بِالضَّلالِ والجَهْلِ، فَلا شَكَّ أنَّهم في نِهايَةِ الخَسارَةِ في الدُّنْيا، وأمّا في الآخِرَةِ فَأحْسَنُ الأشْياءِ المَغْفِرَةُ، وأخْسَرُها العَذابُ، فَلَمّا تَرَكُوا المَغْفِرَةَ ورَضُوا بِالعَذابِ، فَلا شَكَّ أنَّهم في نِهايَةِ الخَسارَةِ في الآخِرَةِ.

وإذا كانَتْ صِفَتُهم عَلى ما ذَكَرْناهُ، كانُوا لا مَحالَةَ أعْظَمَ النّاسِ خَسارًا في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وإنَّما حَكَمَ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهُمُ اشْتَرَوُا العَذابَ بِالمَغْفِرَةِ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا عالِمِينَ بِما هو الحَقُّ، وكانُوا عالِمِينَ بِأنَّ في إظْهارِهِ وإزالَةِ الشُّبْهَةِ عَنْهُ أعْظَمَ الثَّوابِ، وفي إخْفائِهِ وإلْقاءِ الشُّبْهَةِ فِيهِ أعْظَمَ العِقابِ، فَلَمّا أقْدَمُوا عَلى إخْفاءِ ذَلِكَ الحَقِّ كانُوا بائِعِينَ لِلْمَغْفِرَةِ بِالعَذابِ لا مَحالَةَ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ (ما) في هَذِهِ الآيَةِ اسْتِفْهامُ التَّوْبِيخِ مَعْناهُ: ما الَّذِي أصْبَرَهم وأيُّ شَيْءٍ صَبَّرَهَمْ عَلى النّارِ حَتّى تَرَكُوا الحَقَّ واتَّبَعُوا الباطِلَ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ وابْنِ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ يَكُونُ أصْبَرَ بِمَعْنى صَبَّرَ وكَثِيرًا ما يَكُونُ أفْعَلَ بِمَعْنى فَعَّلَ نَحْوُ أكْرَمَ وكَرَّمَ، وأخْبَرَ وخَبَّرَ.

الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الرّاضِيَ بِمُوجِبِ الشَّيْءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ راضِيًا بِمَعْلُولِهِ ولازِمِهِ إذا عَلِمَ ذَلِكَ اللُّزُومَ، فَلَمّا أقْدَمُوا عَلى ما يُوجِبُ النّارَ ويَقْتَضِي عَذابَ اللَّهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ صارُوا كالرّاضِينَ بِعَذابِ اللَّهِ تَعالى، والصّابِرِينَ عَلَيْهِ، فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ وهو كَما تَقُولُ لِمَن يَتَعَرَّضُ لِما يُوجِبُ غَضَبَ السُّلْطانِ: ما أصْبَرَكَ عَلى القَيْدِ والسِّجْنِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ أنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ عَلى حالِهِمْ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ ذَلِكَ وصْفٌ لَهم في حالِ التَّكْلِيفِ، وفي حالِ اشْتِرائِهِمُ الضَّلالَةَ بِالهُدى.

وقالَ الأصَمُّ: المُرادُ أنَّهُ إذا قِيلَ لَهم ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فَهم يَسْكُتُونَ

صفحة ٢٦

ويَصْبِرُونَ عَلى النّارِ لِلْيَأْسِ مِنَ الخَلاصِ. وهَذا ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهم بِذَلِكَ في الحالِ فَصَرَفَهُ إلى أنَّهم سَيَصِيرُونَ كَذَلِكَ خِلافَ الظّاهِرِ.

وثانِيها: أنَّ أهْلَ النّارِ قَدْ يَقَعُ مِنهُمُ الجَزَعُ والِاسْتِغاثَةُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في حَقِيقَةِ التَّعَجُّبِ وفي الألْفاظِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ في اللُّغَةِ.

وهَهُنا بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: في التَّعَجُّبِ: وهو اسْتِعْظامُ الشَّيْءِ مَعَ خَفاءِ سَبَبِ حُصُولِ عِظَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَما لَمْ يُوجَدِ المَعْنَيانِ لا يَحْصُلُ التَّعَجُّبُ …

Al-Baqara 2:175Listen in Qur'an →
176

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِى ٱلْكِتَٰبِ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ

That is [deserved by them] because Allah has sent down the Book in truth. And indeed, those who differ over the Book are in extreme dissension.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ماذا ؟ فَذَكَرُوا وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ عَلى الَّذِينَ يَكْتُمُونَ البَيِّناتِ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ، بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الوَعِيدَ عَلى ذَلِكَ الكِتْمانِ إنَّما كانَ لِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ والنَّصارى لِأجْلِ مُشاقَّةِ الرَّسُولِ يُخْفُونَهُ ويُوقِعُونَ الشُّبْهَةَ فِيهِ، فَلا جَرَمَ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ، ثُمَّ قَدْ تَقَدَّمَ في وعِيدِهِمْ أُمُورٌ:

أحَدُها: أنَّهُمُ اشْتَرَوُا العَذابَ بِالمَغْفِرَةِ.

وثانِيها: اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ

صفحة ٢٩

بِالهُدى.

وثالِثُها: أنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا.

ورابِعُها: أنَّ اللَّهَ لا يُزَكِّيهِمْ.

وخامِسُها: أنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّمُهم. فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ، وأنْ يَكُونَ إشارَةً إلى مَجْمُوعِها.

الثّانِي: أنَّ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَفْعَلُونَهُ مِن جَراءَتِهِمْ عَلى اللَّهِ في مُخالَفَتِهِمْ أمْرَ اللَّهِ، وكِتْمانِهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو مِن أجْلِ أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ، وقَدْ نَزَلَ فِيهِ أنَّ هَؤُلاءِ الرُّؤَساءَ مِن أهْلِ الكِتابِ لا يُؤْمِنُونَ ولا يَنْقادُونَ، ولا يَكُونُ مِنهم إلّا الإصْرارُ عَلى الكُفْرِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ الرَّفْعِ أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ، أمّا في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، ولا مَحالَةَ لَهُ خَبَرٌ، وذَلِكَ الخَبَرُ وجْهانِ:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ؛ ذَلِكَ الوَعِيدُ مَعْلُومٌ لَهم بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ، فَبَيَّنَ فِيهِ وعِيدَ مَن فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ فَكانَ هَذا الوَعِيدُ مَعْلُومًا لَهم لا مَحالَةَ.

الثّانِي: التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ العَذابُ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ وكَفَرُوا بِهِ، فَيَكُونُ الباءُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِالخَبَرِيَّةِ، وأمّا في مَحَلِّ النَّصْبِ فَلِأنَّ التَّقْدِيرَ: فَعَلْنا ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ وهم قَدْ حَرَّفُوهُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِنَ الكِتابِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هو التَّوْراةَ والإنْجِيلَ المُشْتَمِلَيْنِ عَلى بَعْثِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هو القُرْآنَ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ المَعْنى: وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِهِ وتَحْرِيفِهِ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ المَعْنى: وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في كَوْنِهِ حَقًّا مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالصِّدْقِ، وقِيلَ بِبَيانِ الحَقِّ.

* * *

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: إنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا قِيلَ: هُمُ الكُفّارُ أجْمَعُ اخْتَلَفُوا في القُرْآنِ، والأقْرَبُ حَمْلُهُ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ اللَّذَيْنِ ذُكِرَتِ البِشارَةُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيهِما؛ لِأنَّ القَوْمَ قَدْ عَرَفُوا ذَلِكَ وكَتَمُوهُ وحَرَّفُوا …

Al-Baqara 2:176Listen in Qur'an →
177

۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّۦنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ

Righteousness is not that you turn your faces toward the east or the west, but [true] righteousness is [in] one who believes in Allah, the Last Day, the angels, the Book, and the prophets and gives wealth, in spite of love for it, to relatives, orphans, the needy, the traveler, those who ask [for help], and for freeing slaves; [and who] establishes prayer and gives zakah; [those who] fulfill their promise when they promise; and [those who] are patient in poverty and hardship and during battle. Those are the ones who have been true, and it is those who are the righteous.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في أنَّ هَذا الخِطابَ عامٌّ أوْ خاصٌّ فَقالَ بَعْضُهم: أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ أهْلَ الكِتابِ لَمّا شَدَّدُوا في الثَّباتِ عَلى التَّوَجُّهِ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ فَقالَ تَعالى: لَيْسَ البِرُّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ. وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ مُخاطَبَةُ المُؤْمِنِينَ لَمّا ظَنُّوا أنَّهم قَدْ نالُوا البُغْيَةَ بِالتَّوَجُّهِ إلى

صفحة ٣١

الكَعْبَةِ مِن حَيْثُ كانُوا يُحِبُّونَ ذَلِكَ فَخُوطِبُوا بِهَذا الكَلامِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ هو خِطابٌ لِلْكُلِّ؛ لِأنَّ عِنْدَ نَسْخِ القِبْلَةِ وتَحْوِيلِها حَصَلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الِاغْتِباطُ بِهَذِهِ القِبْلَةِ وحَصَلَ مِنهُمُ التَّشَدُّدُ في تِلْكَ القِبْلَةِ حَتّى ظَنُّوا أنَّهُ الغَرَضُ الأكْبَرُ في الدِّينِ فَبَعَثَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الخِطابِ عَلى اسْتِيفاءِ جَمِيعِ العِباداتِ والطّاعاتِ، وبَيَّنَ أنَّ البِرَّ لَيْسَ بِأنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم شَرْقًا وغَرْبًا، وإنَّما البِرُّ كَيْتَ وكَيْتَ، وهَذا أشْبَهُ بِالظّاهِرِ؛ إذْ لا تَخْصِيصَ فِيهِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ؛ لَيْسَ البِرُّ المَطْلُوبُ هو أمْرَ القِبْلَةِ، بَلِ البِرُّ المَطْلُوبُ هَذِهِ الخِصالُ الَّتِي عَدَّها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ (لَيْسَ) فِعْلٌ ومِنهم مَن أنْكَرَهُ وزَعَمَ أنَّهُ حُرِّفَ.

حُجَّةُ مَن قالَ إنَّها فِعْلٌ اتِّصالُ الضَّمائِرِ بِها الَّتِي لا تَتَّصِلُ إلّا بِالأفْعالِ كَقَوْلِكَ: لَسْتُ ولَسْنا ولَسْتُمْ والقَوْمُ لَيْسُوا قائِمِينَ. وهَذِهِ الحُجَّةُ مَنقُوضَةٌ بِقَوْلِهِ: إنَّنِي ولَيْتَنِي ولَعَلَّ.

وحُجَّةُ المُنْكِرِينَ:

أوَّلُها: أنَّها لَوْ كانَتْ فِعْلًا لَكانَتْ ماضِيًا ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا، فَلا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ فِعْلًا. بَيانُ المُلازَمَةِ أنَّ كُلَّ مَن قالَ إنَّهُ فِعْلٌ قالَ إنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، وبَيانُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا اتِّفاقُ الجُمْهُورِ عَلى أنَّهُ لِنَفْيِ الحالِ، ولَوْ كانَ ماضِيًا لَكانَ لِنَفْيِ الماضِي لا لِنَفْيِ الحالِ.

وثانِيها: أنَّهُ يَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ، فَنَقُولُ: لَيْسَ يَخْرُجُ زَيْدٌ، والفِعْلُ لا يَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ عَقْلًا ونَقْلًا، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ (لَيْسَ) داخِلٌ عَلى ضَمِيرِ القِصَّةِ والشَّأْنِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ الضَّمِيرِ؛ ضَعِيفٌ، فَإنَّهُ لَوْ جازَ ذَلِكَ جازَ مِثْلُهُ في (ما) .

وثالِثُها: أنَّ الحَرْفَ (ما) يَظْهَرُ مَعْناهُ في غَيْرِهِ، وهَذِهِ الكَلِمَةُ كَذَلِكَ، فَإنَّكَ لَوْ قُلْتَ: لَيْسَ زَيْدٌ لَمْ يَتِمَّ الكَلامُ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ تَقُولَ لَيْسَ زَيْدٌ قائِمًا.

ورابِعُها: أنَّ (لَيْسَ) لَوْ كانَ فِعْلًا لَكانَ (ما) فِعْلًا وهَذا باطِلٌ، فَذاكَ باطِلٌ، بَيانُ المُلازَمَةِ أنَّ (لَيْسَ) لَوْ كانَ فِعْلًا لَكانَ ذَلِكَ لِدَلالَتِهِ عَلى حُصُولِ مَعْنى السَّلْبِ مَقْرُونًا بِزَمانٍ مَخْصُوصٍ وهو الحالُ، وهَذا المَعْنى قائِمٌ في (ما) فَوَجَبَ أنْ …

Al-Baqara 2:177Listen in Qur'an →
178

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى ۖ ٱلْحُرُّ بِٱلْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلْأُنثَىٰ بِٱلْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌۭ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَٰنٍۢ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌۭ ۗ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

O you who have believed, prescribed for you is legal retribution for those murdered - the free for the free, the slave for the slave, and the female for the female. But whoever overlooks from his brother anything, then there should be a suitable follow-up and payment to him with good conduct. This is an alleviation from your Lord and a mercy. But whoever transgresses after that will have a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

قَبْلَ الشُّرُوعِ في التَّفْسِيرِ لا بُدَّ مِن ذِكْرِ سَبَبِ النُّزُولِ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّ سَبَبَ نُزُولِهِ إزالَةُ الأحْكامِ الَّتِي كانَتْ ثابِتَةً قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ كانُوا يُوجِبُونَ القَتْلَ فَقَطْ، والنَّصارى كانُوا يُوجِبُونَ العَفْوَ فَقَطْ، وأمّا العَرَبُ فَتارَةً كانُوا يُوجِبُونَ القَتْلَ، وأُخْرى يُوجِبُونَ الدِّيَةَ، لَكِنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ التَّعَدِّيَ في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الحُكْمَيْنِ، أمّا في القَتْلِ فَلِأنَّهُ إذا وقَعَ القَتْلُ بَيْنَ قَبِيلَتَيْنِ إحْداهُما أشْرَفُ مِنَ الأُخْرى، فالأشْرافُ كانُوا يَقُولُونَ: لَنَقْتُلَنَّ بِالعَبْدِ مِنّا الحُرَّ مِنهم، وبِالمَرْأةِ مِنّا الرَّجُلَ مِنهم، وبِالرَّجُلِ مِنّا الرَّجُلَيْنِ مِنهم، وكانُوا يَجْعَلُونَ جِراحاتِهِمْ ضِعْفَ جِراحاتِ خُصُومِهِمْ، ورُبَّما زادُوا عَلى ذَلِكَ، عَلى ما يُرْوى أنَّ واحِدًا قَتَلَ إنْسانًا مِنَ الأشْرافِ، فاجْتَمَعَ أقارِبُ القاتِلِ عِنْدَ والِدِ المَقْتُولِ، وقالُوا: ماذا تُرِيدُ ؟ فَقالَ إحْدى ثَلاثٍ قالُوا: وما هي ؟ قالَ: إمّا تُحْيُونَ ولَدِي، أوْ تَمْلَئُونَ دارِي مِن نُجُومِ السَّماءِ، أوْ تَدْفَعُوا إلَيَّ جُمْلَةَ قَوْمِكم حَتّى أقْتُلَهم، ثُمَّ لا أرى أنِّي أخَذْتُ عِوَضًا.

صفحة ٤١

وأمّا الظُّلْمُ في أمْرِ الدِّيَةِ فَهو أنَّهم رُبَّما جَعَلُوا دِيَةَ الشَّرِيفِ أضْعافَ دِيَةِ الرَّجُلِ الخَسِيسِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ أوْجَبَ رِعايَةَ العَدْلِ وسَوّى بَيْنِ عِبادِهِ في حُكْمِ القِصاصِ وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ.

والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ في هَذا المَعْنى وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ: إنَّ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ كانُوا مَعَ تَدَيُّنِهِمْ بِالكِتابِ سَلَكُوا طَرِيقَةَ العَرَبِ في التَّعَدِّي.

والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: أنَّها نَزَلَتْ في واقِعَةِ قَتْلِ حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

والرِّوايَةُ الرّابِعَةُ: ما نَقَلَها مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ النّاسِ، ورَواها عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّ بَيْنَ الحُرَّيْنِ والعَبْدَيْنِ والذَّكَرَيْنِ والأُنْثَيَيْنِ يَقَعُ القِصاصُ ويَكْفِي ذَلِكَ فَقَطْ، فَأمّا إذا كانَ القاتِلُ لِلْعَبْدِ حُرًّا، أوْ لِلْحُرِّ عَبْدًا فَإنَّهُ يَجِبُ مَعَ القِصاصِ التَّراجُعُ، وأمّا حُرٌّ قَتَلَ عَبْدًا فَهو قَوَدُهُ، فَإنْ شاءَ مَوالِي العَبْدِ أنْ يَقْتُلُوا الحُرَّ قَتَلُوهُ بِشَرْطِ أنْ يُسْقِطُوا ثَمَنَ العَبْدِ مِن دِيَةِ الحُرِّ، ويَرُدُّوا إلى أوْلِياءِ الحُرِّ بَقِيَّةَ دِيَتِهِ، وإنْ قَتَلَ عَبْدٌ حُرًّا فَهو بِهِ قَوَدٌ، فَإنْ شاءَ أوْلِياءُ الحُرِّ قَتَلُوا العَبْدَ وأسْقَطُوا قِيمَةَ العَبْدِ مِن دِيَةِ الحُرِّ، وأدَّوْا بَعْدَ ذَلِكَ إلى أوْلِياءِ الحُرِّ بَقِيَّةَ دِيَتِهِ، وإنْ شاءُوا أخَذُوا كُلَّ الدِّيَةِ وتَرَكُوا قَتْلَ العَبْدِ، وإنْ قَتَلَ رَجُلٌ امْرَأةً فَهو بِها قَوَدٌ، فَإنْ شاءَ أوْلِياءُ المَرْأةِ قَتَلُوهُ وأدَّوْا نِصْفَ الدِّيَةِ، وإنْ قَتَلَتِ المَرْأةُ رَجُلًا فَهي بِهِ قَوَدٌ، فَإنْ شاءَ أوْلِياءُ الرَّجُلِ قَتَلُوها وأخَذُوا نِصْفَ الدِّيَةِ، وإنْ شاءُوا أُعْطُوا كُلَّ …

Al-Baqara 2:178Listen in Qur'an →
179

وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌۭ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

And there is for you in legal retribution [saving of] life, O you [people] of understanding, that you may become righteous.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ ياأُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أوْجَبَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ القِصاصَ وكانَ القِصاصُ مِن بابِ الإيلامِ تَوَجَّهَ فِيهِ سُؤالٌ وهو أنْ يُقالَ: كَيْفَ يَلِيقُ بِكَمالِ رَحْمَتِهِ إيلامُ العَبْدِ الضَّعِيفِ ؟ فَلِأجْلِ دَفْعِ هَذا السُّؤالِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ حِكْمَةَ شَرْعِ القِصاصِ فَقالَ: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ: وُجُوهٌ

الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ نَفْسَ القِصاصِ حَياةٌ؛ لِأنَّ القِصاصَ إزالَةٌ لِلْحَياةِ، وإزالَةُ الشَّيْءِ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ نَفْسَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، بَلِ المُرادُ أنَّ شَرْعَ القِصاصِ يُفْضِي إلى الحَياةِ في حَقِّ مَن يُرِيدُ أنْ يَكُونَ قاتِلًا، وفي حَقِّ مَن يُرادُ جَعْلُهُ مَقْتُولًا وفي حَقِّ غَيْرِهِما أيْضًا، أمّا في حَقِّ مَن يُرِيدُ أنْ يَكُونَ قاتِلًا فَلِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّهُ لَوْ قَتَلَ قُتِلَ تَرَكَ القَتْلَ فَلا يَقْتُلُ فَيَبْقى حَيًّا، وأمّا في حَقِّ مَن يُرادُ جَعْلُهُ مَقْتُولًا فَلِأنَّ مَن أرادَ قَتْلَهُ إذا خافَ مِنَ القِصاصِ تَرَكَ قَتْلَهُ فَيَبْقى غَيْرَ مَقْتُولٍ، وأمّا في حَقِّ غَيْرِهِما فَلِأنَّ في شَرْعِ القِصاصِ بَقاءَ مَن هَمَّ بِالقَتْلِ، أوْ مَن يَهُمُّ بِهِ، وفي بَقائِهِما بَقاءُ مَن يَتَعَصَّبُ لَهُما؛ لِأنَّ الفِتْنَةَ تَعْظُمُ بِسَبَبِ القَتْلِ فَتُؤَدِّي إلى المُحارَبَةِ الَّتِي تَنْتَهِي إلى قَتْلِ عالَمٍ مِنَ النّاسِ، وفي تَصَوُّرِ كَوْنِ القِصاصِ مَشْرُوعًا

صفحة ٤٩

زَوالُ كُلِّ ذَلِكَ وفي زَوالِهِ حَياةُ الكُلِّ.

الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الآيَةِ أنَّ المُرادَ مِنها أنَّ نَفْسَ القِصاصِ سَبَبُ الحَياةِ وذَلِكَ؛ لِأنَّ سافِكَ الدَّمِ إذا أُقِيدَ مِنهُ ارْتَدَعَ مَن كانَ يَهُمُّ بِالقَتْلِ فَلَمْ يَقْتُلْ، فَكانَ القِصاصُ نَفْسُهُ سَبَبًا لِلْحَياةِ مِن هَذا الوَجْهِ، واعْلَمْ أنَّ الوَجْهَ الَّذِي ذَكَرْناهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالقِصاصِ الَّذِي هو القَتْلُ، يَدْخَلُ فِيهِ القِصاصُ في الجَوارِحِ والشِّجاجِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّهُ إنْ جَرَحَ عَدُوَّهُ اقْتُصَّ مِنهُ زَجَرَهُ ذَلِكَ عَنِ الإقْدامِ، فَيَصِيرُ سَبَبًا لِبَقائِهِما؛ لِأنَّ المَجْرُوحَ لا يُؤْمَنُ فِيهِ المَوْتُ، وكَذَلِكَ الجارِحُ إذا اقْتُصَّ مِنهُ، وأيْضًا فالشَّجَّةُ والجِراحَةُ الَّتِي لا قَوَدَ فِيها داخِلَةٌ تَحْتَ الآيَةِ؛ لِأنَّ الجارِحَ لا يَأْمَنُ أنْ تُؤَدِّيَ جِراحَتُهُ إلى زُهُوقِ النَّفْسِ فَيَلْزَمُ القَوَدُ، فَخَوْفُ القِصاصِ حاصِلٌ في النَّفْسِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِنَ القِصاصِ إيجابُ التَّسْوِيَةِ فَيَكُونُ المُرادُ أنَّ في إيجابِ التَّسْوِيَةِ حَياةٌ لِغَيْرِ القاتِلِ؛ لِأنَّهُ لا يُقْتَلُ غَيْرُ القاتِلِ بِخِلافِ ما يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والوَجْهُ الرّابِعُ: قَرَأ أبُو الجَوْزاءِ ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ أيْ فِيما قَصَّ عَلَيْكم مِن حُكْمِ القَتْلِ والقِصاصِ وقِيلَ: (القِصاصُ) القُرْآنُ، أيْ لَكم في القُرْآنِ حَياةٌ لِلْقُلُوبِ كَقَوْلِهِ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] و﴿ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] . واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقَ عُلَماءُ البَيانِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في الإيجازِ مَعَ جَمْعِ المَعانِي بِاللُّغَةِ بالِغَةٌ إلى أعْلى الدَّرَجاتِ، وذَلِكَ؛ لِأنَّ العَرَبَ عَبَّرُوا عَنْ هَذا المَعْنى بِألْفاظٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِمْ: قَتْلُ البَعْضِ إحْياءٌ لِلْجَمِيعِ، وقَوْلُ آخَرِينَ: …

Al-Baqara 2:179Listen in Qur'an →
180

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ

Prescribed for you when death approaches [any] one of you if he leaves wealth [is that he should make] a bequest for the parents and near relatives according to what is acceptable - a duty upon the righteous.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ يَقْتَضِي الوُجُوبَ عَلى ما بَيَّنّاهُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ فَلَيْسَ المُرادُ مِنهُ مُعايَنَةَ المَوْتِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ يَكُونُ عاجِزًا عَنِ الإيصاءِ، ثُمَّ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِهِ

صفحة ٥١

وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: وهو اخْتِيارُ الأكْثَرِينَ أنَّ المُرادَ حُضُورُ أمارَةِ المَوْتِ، وهو المَرَضُ المَخُوفُ، وذَلِكَ ظاهِرٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ فِيمَن يُخافُ عَلَيْهِ المَوْتُ: إنَّهُ قَدْ حَضَرَهُ المَوْتُ كَما يُقالُ لِمَن قارَبَ البَلَدَ: إنَّهُ قَدْ وصَلَ.

والثّانِي: قَوْلُ الأصَمِّ: إنَّ المُرادَ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الوَصِيَّةَ في حالَةِ الصِّحَّةِ بِأنْ تَقُولُوا: إذا حَضَرَنا المَوْتُ فافْعَلُوا كَذا.

قالَ القاضِي: والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُوصِيَ وإنْ لَمْ يَذْكُرْ في وصِيَّتِهِ المَوْتَ جازَ.

والثّانِي: أنَّ ما ذَكَرْناهُ هو الظّاهِرُ، وإذا أمْكَنَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ حَمْلُ الكَلامِ عَلى غَيْرِهِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ فَلا خِلافَ أنَّهُ المالُ هَهُنا والخَيْرُ يُرادُ بِهِ المالُ في كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ [العاديات: ٨] ﴿مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَهُنا قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ القَلِيلِ والكَثِيرِ، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، فالوَصِيَّةُ واجِبَةٌ في الكُلِّ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ الوَصِيَّةَ فِيما إذا تَرَكَ خَيْرًا، والمالُ القَلِيلُ خَيْرٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والمَعْقُولُ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، وأمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ الخَيْرَ ما يُنْتَفَعُ بِهِ، والمالُ القَلِيلُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ خَيْرًا.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى اعْتَبَرَ أحْكامَ المَوارِيثِ فِيما يَبْقى مِنَ المالِ قَلَّ أمْ كَثُرَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الوَصِيَّةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو أنَّ لَفْظَ الخَيْرِ في هَذِهِ الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِالمالِ الكَثِيرِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ مَن تَرَكَ دِرْهَمًا لا يُقالُ: إنَّهُ تَرَكَ خَيْرًا، كَما يُقالُ: فُلانٌ ذُو مالٍ، فَإنَّما يُرادُ تَعْظِيمُ مالِهِ ومُجاوَزَتُهُ حَدَّ أهْلِ الحاجَةِ، وإنْ كانَ اسْمُ المالِ قَدْ يَقَعُ في الحَقِيقَةِ عَلى كُلِّ ما يَتَمَوَّلُهُ الإنْسانُ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، وكَذَلِكَ إذا قِيلَ: فُلانٌ في نِعْمَةٍ، وفي رَفاهِيَةٍ مِنَ العَيْشِ. فَإنَّما يُرادُ بِهِ تَكْثِيرُ النِّعْمَةِ، وإنْ كانَ أحَدٌ لا يَنْفَكُّ عَنْ نِعْمَةِ اللَّهِ، وهَذا بابٌ مِنَ المَجازِ مَشْهُورٌ وهو نَفْيُ الِاسْمِ عَنِ الشَّيْءِ لِنَقْصِهِ، كَما قَدْ رُوِيَ مِن قَوْلِهِ: ”«لا صَلاةَ لِجارِ المَسْجِدِ إلّا في المَسْجِدِ» “ وقَوْلِهِ: ”«لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ مَن باتَ شَبْعانًا وجارُهُ …

Al-Baqara 2:180Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.