Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Kashshaf by Al-Zamakhshari

Ayahs 171–180 of 286

171

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَآءًۭ وَنِدَآءًۭ ۚ صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ

The example of those who disbelieve is like that of one who shouts at what hears nothing but calls and cries cattle or sheep - deaf, dumb and blind, so they do not understand.

لا بدّ من مضاف محذوف تقديره. ومثل داعى الذين كفروا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ أو: ومثل الذين كفروا كبهائم الذي ينعق. والمعنى: ومثل داعيهم إلى الإيمان- في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوى الصوت، من غير إلقاء أذهان ولا استبصار- كمثل الناعق بالبهائم، التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها وزجر لها، ولا تفقه شيئا آخر ولا تعى، كما يفهم العقلاء ويعون. ويجوز أن يراد بما لا يسمع: الأصم الأصلخ، الذي لا يسمع من كلام الرافع صوته بكلامه إلا النداء والتصويت لا غير، من غير فهم للحروف. وقيل معناه: ومثلهم في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم، كمثل البهائم التي لا تسمع إلا ظاهر الصوت ولا تفهم ما تحته، فكذلك هؤلاء يتبعونهم على ظاهر حالهم ولا يفقهون أهم على حق أم باطل؟ وقيل معناه: ومثلهم في دعائهم الأصنام كمثل الناعق بما لا يسمع، إلا أنّ قوله إِلَّا دُعاءً وَنِداءً لا يساعد عليه، لأنّ الأصنام لا تسمع شيئا. والنعيق: التصويت. يقال: نعق المؤذن، ونعق الراعي بالضأن. قال الأخطل:

فَانْعِقْ بِضَأْنِكَ يَا جَرِيرُ فَإنّمَا ... مَنَّتْكَ نَفْسُكَ فِى الخَلَاءِ ضَلَالا [[للأخطل. ونعق ينعق نعيقا- بالعين المهملة- إذا صوت بغنمه. ونغق الغراب نغاقا- بالمعجمة- إذا صاح.

أى: صوت لغنمك يا جرير، واكتف بذلك عن المفاخر فلست من أهلها، إنما أنت راعى غنم. منتك: حدثتك نفسك ووعدتك وسولت لك في الفضاء الخالي عن الناس ضلالا وكذبا. لا هدى وصدقا كما تزعم، وذمه جرير بقوله:

والتغلبي إذا تنحنح للقرى ... حك استه وتمثل الأمثالا

ورد عليه الأخطل بقوله:

قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم بولي على النار]]

وأما «نغق الغراب» فبالغين المعجمة صُمٌّ هم صم، وهو رفع على الذمّ.

Al-Baqara 2:171Listen in Qur'an →
172

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ

O you who have believed, eat from the good things which We have provided for you and be grateful to Allah if it is [indeed] Him that you worship.

مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ من مستلذاته، لأنّ كل ما رزقه اللَّه لا يكون إلا حلالا قوله «كل ما رزقه اللَّه لا يكون إلا حلالا» هذا عند المعتزلة. أما عند أهل السنة فقد يكون حراما، كما بين في موضعه. (ع) وَاشْكُرُوا لِلَّهِ الذي رزقكموها إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إن صح أنكم تخصونه بالعبادة.

وتقرّون أنه مولى النعم. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «يقول اللَّه تعالى: إنى والجنّ والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويُعبد غيرى وأرزق ويُشكر غيرى أخرجه الطبراني في مسند الشاميين والبيهقي في الشعب من رواية بقية، حدثنا صفوان ابن عمر. حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير. وشريح بن عبيد عن أبى الدرداء عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم. قال «قال اللَّه عز وجل «إنى والجن والانس ... » فذكره سواء. .

Al-Baqara 2:172Listen in Qur'an →
173

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيْرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

He has only forbidden to you dead animals, blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allah. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], there is no sin upon him. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

قرئ (حَرّم) على البناء للفاعل، وحُرِّم على البناء للمفعول، وحَرُم بوزن كرم أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أى رفع به الصوت للصنم، وذلك قول أهل الجاهلية: باسم اللات والعزى غَيْرَ باغٍ على مضطرّ آخر بالاستيثار عليه وَلا عادٍ سدّ الجوعة. فإن قلت: في الميتات ما يحل وهو السمك والجراد. قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «أحلت لنا ميتتان ودمان» أخرجه أحمد والشافعي. وابن ماجة والدارقطني من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما، .؟ قلت: قصد ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه في العادة. ألا ترى أنّ القائل إذا قال: أكل فلان ميتة، لم يسبق الوهم إلى السمك والجراد، كما لو قال: أكل دما، لم يسبق إلى الكبد والطحال. ولاعتبار العادة والتعارف قالوا: من حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا لم يحنث- وإن أكل لحما في الحقيقة، قال اللَّه تعالى: (لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا) وشبهوه بمن حلف لا يركب دابة فركب كافرا لم يحنث- وإن سماه اللَّه تعالى دابة في قوله: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) . فإن قلت: فما له ذكر لحم الخنزير دون شحمه؟ قلت: لأنّ الشحم داخل في ذكر اللحم، لكونه تابعا له وصفة فيه، بدليل قولهم: لحم سمين، يريدون أنه شحيم.

Al-Baqara 2:173Listen in Qur'an →
174

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۙ أُو۟لَٰٓئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

Indeed, they who conceal what Allah has sent down of the Book and exchange it for a small price - those consume not into their bellies except the Fire. And Allah will not speak to them on the Day of Resurrection, nor will He purify them. And they will have a painful punishment.

فِي بُطُونِهِمْ ملء بطونهم. يقال: أكل فلان في بطنه، وأكل في بعض بطنه إِلَّا النَّارَ لأنه إذا أكل ما يتلبس بالنار لكونها عقوبة عليه، فكأنه أكل النار. ومنه قولهم: أكل فلان الدم، إذا أكل الدية التي هي بدل منه. قال:

أَكَلْتُ دَماً إنْ لَمْ أَرُعْكِ بِضَرَّةٍ [[دمشق خذيها واعلمي أن ليلة ... تمر بعودى نعشها ليلة القدر

أكلت دما إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر

لأعرابى تزوج امرأة فلم توافقه، فقيل له: إن حمى دمشق سريعة في موت النساء، فحملها إليها وقال لها ذلك، ونزل دمشق- وهي مدينة بالشام- منزلة العاقل فناداها. والظاهر أن هذا التنزيل من باب الاستعارة المكنية والنداء تخييل، وكذلك الأمر بالعلم، والمرور: المشي، فاسناده لليلة مجاز عقلى من الاسناد للزمان، وهو في الحقيقة لحملة النعش، أو بمعنى المضي فهو حقيقة والباء للملابسة، وهو كناية عن موتها. والعودان: طرفا النعش. وجعل تلك الليلة كليلة القدر عنده لشدة ترقبها وتمنيها والتشوق إليها، ثم التفت إلى خطابها ودعا على نفسه بقوله: أكلت دما، أى دية، لأنها بدل الدم وأخذها عار عند العرب، لدلالتها على الجبن وحب المال دون الثأر. وإن لم أرعك:

من راعه يروعه إذا أخافه. والمراد أنه يغيظها بتزوج ضرة عليها جميلة طويلة العنق. فبعد مهوى القرط: كناية عن ذلك. والقرط: حلى الأذن. ومهواه: مسقطه من المنكب. والنشر: الرائحة الطيبة. ويحتمل أنه دعا على نفسه بالجدب حتى يحتاج لفصد النوق وأكل دمها، وكذلك كانت تفعل الجاهلية في الجدب. ويحتمل أن المراد: شربت دما، فهو تعليق على الممتنع عنده دلالة على تحقيق التزوج، لأنه يرجع إلى أن عدم التزوج ممتنع كما أن شرب الدم ممتنع. ونظيره ما أنشده أبو إياس:

أمالك عمر إنما أنت حية ... إذا هي لم تقتل تعش آخر العمر

ثلاثين حولا لا أرى منك راحة ... لهنك في الدنيا لباقية العمر

دمشق خذيها لا تفتك قليلة ... تمر بعودى نعشها ليلة القدر

فان أنفلت من عمر صعبة سالما ... تكن من نساء الناس لي بيضة العقر

ولعل «العمر» في القافية الأولى بمعنى الدهر. ولهنك هاؤه بدل من همزة إن عند البصريين، وعند غيرهم أصله:

للَّه إنك. وبيضة العقر: زعموا أنها بيضة الديك لا يبيض في عمره غيرها. وقيل: هي مثل لما لا وجود له أصلا.

فالمعنى: أنه يتزوج جميلة لا يتزوج غيرها، أو أنه لا يتزوج أصلا. وصعبة هي امرأته.]] وقال: [[إن لنا أحمرة عجافا ... يأكلن كل ليلة إكافا

الأحمرة: الحمير. والعجاف: المهازيل. والأكاف: البرذعة، فالمراد: يأكلن كل ليلة علفا مشترى بثمن إكاف، بأن يباع الأكاف ثم يشترى بثمنه علفا لها، فأوقع الأكل على الأكاف بواسطتين، ولعل بيع براذعها لضعفها عن العمل. ويمكن أنه مجرد تقديم، وإنما خص الاكاف لاختصاصه بالحمير.]]

يَأْكُلْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ إكَافَا قوله «كل ليلة إكافا» هو ما يوضع على ظهر الحمار عند ركوبه أو تحميله. أفاده الصحاح. (ع)

أراد ثمن الإكاف، فسماه إكافا لتلبسه بكونه ثمنا له وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ تعريض بحرمانهم حال أهل الجنة في تكرمة اللَّه إياهم بكلامه وتزكيتهم بالثناء عليهم. وقيل: نفى الكلام عبارة عن غضبه عليهم كمن غضب على صاحبه فصرمه وقطع كلامه. وقيل: لا يكلمهم بما يحبون، ولكن بنحو قوله: (اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ) . فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ تعجب من حالهم في التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة منهم، كما تقول لمن يتعرّض لما يوجب غضب السلطان: ما أصبرك على القيد والسجن، تريد أنه لا يتعرض لذلك إلا من هو شديد الصبر على العذاب. وقيل: فما أصبرهم، فأى شيء صبرهم. يقال: أصبره على كذا وصبره بمعنى.

وهذا أصل معنى فعل التعجب. والذي روى عن الكسائي أنه قال: قال لي قاضى اليمن بمكة.

اختصم إلىّ رجلان من العرب فحلف أحدهما على حق صاحبه فقال له: ما أصبرك على اللَّه، فمعناه: ما أصبرك على عذاب اللَّه …

Al-Baqara 2:174Listen in Qur'an →
175

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ

Those are the ones who have exchanged guidance for error and forgiveness for punishment. How patient they are in pursuit of the Fire!

فِي بُطُونِهِمْ ملء بطونهم. يقال: أكل فلان في بطنه، وأكل في بعض بطنه إِلَّا النَّارَ لأنه إذا أكل ما يتلبس بالنار لكونها عقوبة عليه، فكأنه أكل النار. ومنه قولهم: أكل فلان الدم، إذا أكل الدية التي هي بدل منه. قال:

أَكَلْتُ دَماً إنْ لَمْ أَرُعْكِ بِضَرَّةٍ [[دمشق خذيها واعلمي أن ليلة ... تمر بعودى نعشها ليلة القدر

أكلت دما إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر

لأعرابى تزوج امرأة فلم توافقه، فقيل له: إن حمى دمشق سريعة في موت النساء، فحملها إليها وقال لها ذلك، ونزل دمشق- وهي مدينة بالشام- منزلة العاقل فناداها. والظاهر أن هذا التنزيل من باب الاستعارة المكنية والنداء تخييل، وكذلك الأمر بالعلم، والمرور: المشي، فاسناده لليلة مجاز عقلى من الاسناد للزمان، وهو في الحقيقة لحملة النعش، أو بمعنى المضي فهو حقيقة والباء للملابسة، وهو كناية عن موتها. والعودان: طرفا النعش. وجعل تلك الليلة كليلة القدر عنده لشدة ترقبها وتمنيها والتشوق إليها، ثم التفت إلى خطابها ودعا على نفسه بقوله: أكلت دما، أى دية، لأنها بدل الدم وأخذها عار عند العرب، لدلالتها على الجبن وحب المال دون الثأر. وإن لم أرعك:

من راعه يروعه إذا أخافه. والمراد أنه يغيظها بتزوج ضرة عليها جميلة طويلة العنق. فبعد مهوى القرط: كناية عن ذلك. والقرط: حلى الأذن. ومهواه: مسقطه من المنكب. والنشر: الرائحة الطيبة. ويحتمل أنه دعا على نفسه بالجدب حتى يحتاج لفصد النوق وأكل دمها، وكذلك كانت تفعل الجاهلية في الجدب. ويحتمل أن المراد: شربت دما، فهو تعليق على الممتنع عنده دلالة على تحقيق التزوج، لأنه يرجع إلى أن عدم التزوج ممتنع كما أن شرب الدم ممتنع. ونظيره ما أنشده أبو إياس:

أمالك عمر إنما أنت حية ... إذا هي لم تقتل تعش آخر العمر

ثلاثين حولا لا أرى منك راحة ... لهنك في الدنيا لباقية العمر

دمشق خذيها لا تفتك قليلة ... تمر بعودى نعشها ليلة القدر

فان أنفلت من عمر صعبة سالما ... تكن من نساء الناس لي بيضة العقر

ولعل «العمر» في القافية الأولى بمعنى الدهر. ولهنك هاؤه بدل من همزة إن عند البصريين، وعند غيرهم أصله:

للَّه إنك. وبيضة العقر: زعموا أنها بيضة الديك لا يبيض في عمره غيرها. وقيل: هي مثل لما لا وجود له أصلا.

فالمعنى: أنه يتزوج جميلة لا يتزوج غيرها، أو أنه لا يتزوج أصلا. وصعبة هي امرأته.]] وقال: [[إن لنا أحمرة عجافا ... يأكلن كل ليلة إكافا

الأحمرة: الحمير. والعجاف: المهازيل. والأكاف: البرذعة، فالمراد: يأكلن كل ليلة علفا مشترى بثمن إكاف، بأن يباع الأكاف ثم يشترى بثمنه علفا لها، فأوقع الأكل على الأكاف بواسطتين، ولعل بيع براذعها لضعفها عن العمل. ويمكن أنه مجرد تقديم، وإنما خص الاكاف لاختصاصه بالحمير.]]

يَأْكُلْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ إكَافَا قوله «كل ليلة إكافا» هو ما يوضع على ظهر الحمار عند ركوبه أو تحميله. أفاده الصحاح. (ع)

أراد ثمن الإكاف، فسماه إكافا لتلبسه بكونه ثمنا له وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ تعريض بحرمانهم حال أهل الجنة في تكرمة اللَّه إياهم بكلامه وتزكيتهم بالثناء عليهم. وقيل: نفى الكلام عبارة عن غضبه عليهم كمن غضب على صاحبه فصرمه وقطع كلامه. وقيل: لا يكلمهم بما يحبون، ولكن بنحو قوله: (اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ) . فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ تعجب من حالهم في التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة منهم، كما تقول لمن يتعرّض لما يوجب غضب السلطان: ما أصبرك على القيد والسجن، تريد أنه لا يتعرض لذلك إلا من هو شديد الصبر على العذاب. وقيل: فما أصبرهم، فأى شيء صبرهم. يقال: أصبره على كذا وصبره بمعنى.

وهذا أصل معنى فعل التعجب. والذي روى عن الكسائي أنه قال: قال لي قاضى اليمن بمكة.

اختصم إلىّ رجلان من العرب فحلف أحدهما على حق صاحبه فقال له: ما أصبرك على اللَّه، فمعناه: ما أصبرك على عذاب اللَّه …

Al-Baqara 2:175Listen in Qur'an →
176

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِى ٱلْكِتَٰبِ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ

That is [deserved by them] because Allah has sent down the Book in truth. And indeed, those who differ over the Book are in extreme dissension.

فِي بُطُونِهِمْ ملء بطونهم. يقال: أكل فلان في بطنه، وأكل في بعض بطنه إِلَّا النَّارَ لأنه إذا أكل ما يتلبس بالنار لكونها عقوبة عليه، فكأنه أكل النار. ومنه قولهم: أكل فلان الدم، إذا أكل الدية التي هي بدل منه. قال:

أَكَلْتُ دَماً إنْ لَمْ أَرُعْكِ بِضَرَّةٍ [[دمشق خذيها واعلمي أن ليلة ... تمر بعودى نعشها ليلة القدر

أكلت دما إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر

لأعرابى تزوج امرأة فلم توافقه، فقيل له: إن حمى دمشق سريعة في موت النساء، فحملها إليها وقال لها ذلك، ونزل دمشق- وهي مدينة بالشام- منزلة العاقل فناداها. والظاهر أن هذا التنزيل من باب الاستعارة المكنية والنداء تخييل، وكذلك الأمر بالعلم، والمرور: المشي، فاسناده لليلة مجاز عقلى من الاسناد للزمان، وهو في الحقيقة لحملة النعش، أو بمعنى المضي فهو حقيقة والباء للملابسة، وهو كناية عن موتها. والعودان: طرفا النعش. وجعل تلك الليلة كليلة القدر عنده لشدة ترقبها وتمنيها والتشوق إليها، ثم التفت إلى خطابها ودعا على نفسه بقوله: أكلت دما، أى دية، لأنها بدل الدم وأخذها عار عند العرب، لدلالتها على الجبن وحب المال دون الثأر. وإن لم أرعك:

من راعه يروعه إذا أخافه. والمراد أنه يغيظها بتزوج ضرة عليها جميلة طويلة العنق. فبعد مهوى القرط: كناية عن ذلك. والقرط: حلى الأذن. ومهواه: مسقطه من المنكب. والنشر: الرائحة الطيبة. ويحتمل أنه دعا على نفسه بالجدب حتى يحتاج لفصد النوق وأكل دمها، وكذلك كانت تفعل الجاهلية في الجدب. ويحتمل أن المراد: شربت دما، فهو تعليق على الممتنع عنده دلالة على تحقيق التزوج، لأنه يرجع إلى أن عدم التزوج ممتنع كما أن شرب الدم ممتنع. ونظيره ما أنشده أبو إياس:

أمالك عمر إنما أنت حية ... إذا هي لم تقتل تعش آخر العمر

ثلاثين حولا لا أرى منك راحة ... لهنك في الدنيا لباقية العمر

دمشق خذيها لا تفتك قليلة ... تمر بعودى نعشها ليلة القدر

فان أنفلت من عمر صعبة سالما ... تكن من نساء الناس لي بيضة العقر

ولعل «العمر» في القافية الأولى بمعنى الدهر. ولهنك هاؤه بدل من همزة إن عند البصريين، وعند غيرهم أصله:

للَّه إنك. وبيضة العقر: زعموا أنها بيضة الديك لا يبيض في عمره غيرها. وقيل: هي مثل لما لا وجود له أصلا.

فالمعنى: أنه يتزوج جميلة لا يتزوج غيرها، أو أنه لا يتزوج أصلا. وصعبة هي امرأته.]] وقال: [[إن لنا أحمرة عجافا ... يأكلن كل ليلة إكافا

الأحمرة: الحمير. والعجاف: المهازيل. والأكاف: البرذعة، فالمراد: يأكلن كل ليلة علفا مشترى بثمن إكاف، بأن يباع الأكاف ثم يشترى بثمنه علفا لها، فأوقع الأكل على الأكاف بواسطتين، ولعل بيع براذعها لضعفها عن العمل. ويمكن أنه مجرد تقديم، وإنما خص الاكاف لاختصاصه بالحمير.]]

يَأْكُلْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ إكَافَا قوله «كل ليلة إكافا» هو ما يوضع على ظهر الحمار عند ركوبه أو تحميله. أفاده الصحاح. (ع)

أراد ثمن الإكاف، فسماه إكافا لتلبسه بكونه ثمنا له وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ تعريض بحرمانهم حال أهل الجنة في تكرمة اللَّه إياهم بكلامه وتزكيتهم بالثناء عليهم. وقيل: نفى الكلام عبارة عن غضبه عليهم كمن غضب على صاحبه فصرمه وقطع كلامه. وقيل: لا يكلمهم بما يحبون، ولكن بنحو قوله: (اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ) . فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ تعجب من حالهم في التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة منهم، كما تقول لمن يتعرّض لما يوجب غضب السلطان: ما أصبرك على القيد والسجن، تريد أنه لا يتعرض لذلك إلا من هو شديد الصبر على العذاب. وقيل: فما أصبرهم، فأى شيء صبرهم. يقال: أصبره على كذا وصبره بمعنى.

وهذا أصل معنى فعل التعجب. والذي روى عن الكسائي أنه قال: قال لي قاضى اليمن بمكة.

اختصم إلىّ رجلان من العرب فحلف أحدهما على حق صاحبه فقال له: ما أصبرك على اللَّه، فمعناه: ما أصبرك على عذاب اللَّه …

Al-Baqara 2:176Listen in Qur'an →
177

۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّۦنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ

Righteousness is not that you turn your faces toward the east or the west, but [true] righteousness is [in] one who believes in Allah, the Last Day, the angels, the Book, and the prophets and gives wealth, in spite of love for it, to relatives, orphans, the needy, the traveler, those who ask [for help], and for freeing slaves; [and who] establishes prayer and gives zakah; [those who] fulfill their promise when they promise; and [those who] are patient in poverty and hardship and during battle. Those are the ones who have been true, and it is those who are the righteous.

الْبِرَّ اسم للخير ولكل فعل مرضىّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ الخطاب لأهل الكتاب قال محمود رحمه اللَّه: «الخطاب فيه لليهود والنصارى ... الخ» . قال أحمد رحمه اللَّه: هذا منقول عن المبرد، مصمى بسهام الرد، فان فيه إبهاما بأن اختلاف وجوه القراءة موكول إلى الاجتهاد، وأنه مهما اقتضاه قياس اللغة جازت القراءة به لمن يعد أهلا للاجتهاد في العربية واللغة. وهذا خطأ محض، فالقراآت سنة متبعة لا مجال فيها للدراية. على أن ما قاله وقدر أنه الأوجه ليس ببالغ ذروة فصاحة الآية إلا على القراآت المستفيضة، لأن الكلام مصدر بذكر البر الذي هو المصدر قولا واحدا، فلو عدل إلى ذكر البر الذي هو الوصف لا يفك المطابقة ومعنى النظام. ولذلك كان تأويل الآية بحذف المضاف من الثاني على تأويل: بر من آمن، أوجه وأحسن وأبقى على السياق. ومن ظن أنه يشق غبارا أو يتعلق بأذيال فصاحة المعجز للفصحاء، فقد سولت له نفسه محالا ومنته ضلالا. لأن اليهود تصلى قِبل المغرب إلى بيت المقدس، والنصارى قِبل المشرق. وذلك أنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حوّل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى الكعبة، وزعم كل واحد من الفريقين أنّ البرّ التوجه إلى قبلته، فردّ عليهم. وقيل: ليس البرّ فيما أنتم عليه فإنه منسوخ خارج من البرّ، ولكن البرّ ما نبينه. وقيل: كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر القبلة، فقيل: ليس البرّ العظيم الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البرّ أمر القبلة، ولكن البرّ الذي يجب الاهتمام به وصرف الهمة برّ من آمن وقام بهذه الأعمال. وقرئ: وليس البرّ- بالنصب على أنه خبر مقدم- وقرأ عبد اللَّه: بأن تولوا، على إدخال الباء على الخبر للتأكيد كقولك: ليس المنطلق بزيد وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ على تأويل حذف المضاف، أى برّ من آمن، أو يتأول البرّ بمعنى ذى البرّ، أو كما قالت:

فَإنَّمَا هِىَ إقْبَالٌ وَإدْبَارُ [[فما عجول على بو تطيف به ... لها حنينان إصغار وإكبار

لا تسأم الدهر منه كلما ذكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار

يوما بأوجد منى حين فارقنى ... صخر وللدهر إحلاء وإمرار

للخنساء ترئى أخاها صخراً. والعجول: الناقة التي أسقطت حملها قبل تمام شهرين، والتي فقدت ولدها بنحر أو موت والبو: جلد محشو تدر الناقة لأجله. وقيل: ولد الناقة. وطاف به يطوف طوفا وطوافا وطوفانا، إذا دار حوله وطاف عليه يطيف طيفاً، إذا أقبل عليه. وقد يستعمل كل موضع الآخر، أى تحرم حوله. ويروى: تحن له.

وإصغار وإكبار: بدل من حنينان. ويروى: إعلان وإسرار. والمعنى واحد، غير أن فيه تقديماً وتأخيراً.

أو الاصغار الحنين على الولد الصغير، والإكبار على الكبير، كذا قيل، لكن خير ما فسرته بالوارد. والدهر:

نصب بتسأم أى: لا تمل طول الدهر مما ذكر من الحنين ورجوعه للبو، تأباه جزالة المعنى. ويمكن عوده على الطيف المعلوم من تطيف. ويروى بدل هذا الشطر

ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت

وأصله اذتكرت أى تذكرت. ويروى

ترتع ما غفلت حتى إذا ذكرت

أى ترعى مدة غفلتها عنه، فإذا تذكرته فإنما هي ذات إقبال وذات إدبار، أو مقبلة ومدبرة، أو هي نفس الإقبال والأدبار مبالغة. أى تلتفت تارة أمامها وتارة خلفها وتتلهى عن الرعي. وقيل المراد إقبال النهار وإدبار الليل وعكسه. ويمكن أن وجهه استقلال المدة، أى فإنما مدة الدهر إقبال وإدبار دائرين بين الليل والنهار، بالضمير عائد على معلوم من السياق، لكن لا يظهر على الرواية الثانية. ويوما: نصب بأوجد وجاز تقدمه على أفعل التفضيل، لأنه ظرف، وكذاك تنبيهاً على أن المراد باليوم مطلق الزمن غالباً. وبأوجد:

خبر عجول. ويروى «بأوجع» أى ليست أشد حزنا منى حين فارقني أخي، وحين نصب بأوجد أيضاً. ووجهه أنه في معنى عاملين، أى ليس وجدها يوما أشد من وجدي حين الفراق، فالأول للأول، والثاني للثاني، ثم تسلت بقولها: وللدهر إحلاء …

Al-Baqara 2:177Listen in Qur'an →
178

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى ۖ ٱلْحُرُّ بِٱلْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلْأُنثَىٰ بِٱلْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌۭ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَٰنٍۢ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌۭ ۗ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

O you who have believed, prescribed for you is legal retribution for those murdered - the free for the free, the slave for the slave, and the female for the female. But whoever overlooks from his brother anything, then there should be a suitable follow-up and payment to him with good conduct. This is an alleviation from your Lord and a mercy. But whoever transgresses after that will have a painful punishment.

عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وعطاء، وعكرمة، وهو مذهب مالك والشافعي قال محمود رحمه اللَّه: «مذهب مالك والشافعي رضى اللَّه عنهما أن الحر لا يقتل بالعبد والذكر لا يقتل بالأنثى ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: وهذا من الزمخشري وهم على الإمامين، فإنهما يقتصان من الذكر للأنثى بلا خلاف عنهما. وأما الحر والعبد عندهما فهو الذي وهم الزمخشري عنهما. رحمة اللَّه عليهم: أنّ الحر لا يقتل بالعبد، والذكر لا يقتل بالأنثى، أخذا بهذه الآية. ويقولون:

هي مفسرة لما أبهم في قوله: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) ولأن تلك واردة لحكاية ما كتب في التوراة على أهلها، وهذه خوطب بها المسلمون وكتب عليهم ما فيها. وعن سعيد ابن المسيب، والشعبي والنخعي، وقتادة، والثوري، وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه: أنها منسوخة بقوله: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) والقصاص ثابت بين العبد والحرّ، والذكر والأنثى. ويستدلون بقوله صلى اللَّه عليه وسلم «المسلمون تتكافأ دماؤهم أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم من طريق قيس بن عباد عن على في قصة. ورواه أبو داود وابن ماجة من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وزاد «ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجبر عليهم أقصاهم. وهم يد على من سواهم» وفي الباب عن عائشة: رواه البخاري في تاريخه والدارقطني. وعن ابن عباس ومعقل بن يسار في ابن ماجة وعن جابر في المعجم الأوسط للطبراني. » وبأنّ التفاضل غير معتبر في الأنفس، بدليل أنّ جماعة لو قتلوا واحداً قتلوا به. وروى «أنه كان بين حيين من أحياء العرب دماء في الجاهلية، وكان لأحدهما طول على الآخر، فأقسموا لنقتلنّ الحرّ منكم بالعبد منا، والذكر بالأنثى، والاثنين بالواحد، فتحاكموا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حين جاء اللَّه بالإسلام فنزلت، وأمرهم أن يتباوؤا لم أجده. » فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ معناه: فمن عفى له من جهة أخيه قال محمود رحمه اللَّه: «معنى الآية: فمن عفى له من جهة أخيه ... الخ» . قال أحمد رحمه اللَّه: ويقوى هذا التأويل القول بأن موجب العمد أحد الأمرين من القصاص أو الدية، والخيار إلى الولي. وهو أحد القولين في مذهب مالك رضى اللَّه عنه ومشهورهما. إذ لو جعلنا موجب العمد القود على القول الآخر، لكان في ذلك تضييق على الولي. والآية مشعرة بالتخفيف والسعة وتحتمل الآية وجها آخر، وهو عود الضميرين جميعا إلى الولي، وقالوا على هذا الوجه يكون العفو إعطاء البدل، كأنه قال: فمن أعطى شيئا من أخيه أى بدلا من أخيه. ويكون «من» مثلها في قوله تعالى: (وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) . ونظيره في استعمال العفو في العطاء عندي قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) إذا حمل الذي بيده العقدة على الزوج. وهو مذهب الشافعي رضى اللَّه عنه. ويقول أصحابه. عفوه على أحد وجهين: إما من استرجاع النصف الواجب إن كان قد سلم جميع المهر، وإما على دفع النصف الآخر الذي سقط عنه إن كان لم يسلمه، فيكون العفو على هذا مستعملا في الإعطاء. ويقوى هذا الوجه في أنه لا قصاص قوله: (فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ) لأن المخاطب بالاتباع بالمعروف إنما هو الولي، فإذا جعلنا الضميرين له انساق الكلام سياقة واحدة إلى جهة واحدة، وصار المعنى: فمن أعطى من الأولياء بدلا من أخيه، فليتبع بالمعروف في طلب ما أعطى. ولما خالفه الولي عن التقاضي خاطب القاتل بحسن الأداء، فلينتظم الكلام موجها إلى وجهة واحدة. وأما على الوجه الذي قرره الزمخشري، فالضميران جميعاً راجعان إلى القاتل وتقدير الكلام: فمن عفى له من القاتلين عن جنايته شيء من العفو فليتبع الولي هذا القاتل المعفو عنه بالمعروف، فيكون المخاطب أول الآية القاتل، وآخرها الولي، بخلاف الوجه الذي قررته واللَّه أعلم. وكلا الوجهين حسن جيد. شيء من العفو. على أنه …

Al-Baqara 2:178Listen in Qur'an →
179

وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌۭ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

And there is for you in legal retribution [saving of] life, O you [people] of understanding, that you may become righteous.

عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وعطاء، وعكرمة، وهو مذهب مالك والشافعي قال محمود رحمه اللَّه: «مذهب مالك والشافعي رضى اللَّه عنهما أن الحر لا يقتل بالعبد والذكر لا يقتل بالأنثى ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: وهذا من الزمخشري وهم على الإمامين، فإنهما يقتصان من الذكر للأنثى بلا خلاف عنهما. وأما الحر والعبد عندهما فهو الذي وهم الزمخشري عنهما. رحمة اللَّه عليهم: أنّ الحر لا يقتل بالعبد، والذكر لا يقتل بالأنثى، أخذا بهذه الآية. ويقولون:

هي مفسرة لما أبهم في قوله: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) ولأن تلك واردة لحكاية ما كتب في التوراة على أهلها، وهذه خوطب بها المسلمون وكتب عليهم ما فيها. وعن سعيد ابن المسيب، والشعبي والنخعي، وقتادة، والثوري، وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه: أنها منسوخة بقوله: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) والقصاص ثابت بين العبد والحرّ، والذكر والأنثى. ويستدلون بقوله صلى اللَّه عليه وسلم «المسلمون تتكافأ دماؤهم أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم من طريق قيس بن عباد عن على في قصة. ورواه أبو داود وابن ماجة من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وزاد «ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجبر عليهم أقصاهم. وهم يد على من سواهم» وفي الباب عن عائشة: رواه البخاري في تاريخه والدارقطني. وعن ابن عباس ومعقل بن يسار في ابن ماجة وعن جابر في المعجم الأوسط للطبراني. » وبأنّ التفاضل غير معتبر في الأنفس، بدليل أنّ جماعة لو قتلوا واحداً قتلوا به. وروى «أنه كان بين حيين من أحياء العرب دماء في الجاهلية، وكان لأحدهما طول على الآخر، فأقسموا لنقتلنّ الحرّ منكم بالعبد منا، والذكر بالأنثى، والاثنين بالواحد، فتحاكموا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حين جاء اللَّه بالإسلام فنزلت، وأمرهم أن يتباوؤا لم أجده. » فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ معناه: فمن عفى له من جهة أخيه قال محمود رحمه اللَّه: «معنى الآية: فمن عفى له من جهة أخيه ... الخ» . قال أحمد رحمه اللَّه: ويقوى هذا التأويل القول بأن موجب العمد أحد الأمرين من القصاص أو الدية، والخيار إلى الولي. وهو أحد القولين في مذهب مالك رضى اللَّه عنه ومشهورهما. إذ لو جعلنا موجب العمد القود على القول الآخر، لكان في ذلك تضييق على الولي. والآية مشعرة بالتخفيف والسعة وتحتمل الآية وجها آخر، وهو عود الضميرين جميعا إلى الولي، وقالوا على هذا الوجه يكون العفو إعطاء البدل، كأنه قال: فمن أعطى شيئا من أخيه أى بدلا من أخيه. ويكون «من» مثلها في قوله تعالى: (وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) . ونظيره في استعمال العفو في العطاء عندي قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) إذا حمل الذي بيده العقدة على الزوج. وهو مذهب الشافعي رضى اللَّه عنه. ويقول أصحابه. عفوه على أحد وجهين: إما من استرجاع النصف الواجب إن كان قد سلم جميع المهر، وإما على دفع النصف الآخر الذي سقط عنه إن كان لم يسلمه، فيكون العفو على هذا مستعملا في الإعطاء. ويقوى هذا الوجه في أنه لا قصاص قوله: (فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ) لأن المخاطب بالاتباع بالمعروف إنما هو الولي، فإذا جعلنا الضميرين له انساق الكلام سياقة واحدة إلى جهة واحدة، وصار المعنى: فمن أعطى من الأولياء بدلا من أخيه، فليتبع بالمعروف في طلب ما أعطى. ولما خالفه الولي عن التقاضي خاطب القاتل بحسن الأداء، فلينتظم الكلام موجها إلى وجهة واحدة. وأما على الوجه الذي قرره الزمخشري، فالضميران جميعاً راجعان إلى القاتل وتقدير الكلام: فمن عفى له من القاتلين عن جنايته شيء من العفو فليتبع الولي هذا القاتل المعفو عنه بالمعروف، فيكون المخاطب أول الآية القاتل، وآخرها الولي، بخلاف الوجه الذي قررته واللَّه أعلم. وكلا الوجهين حسن جيد. شيء من العفو. على أنه …

Al-Baqara 2:179Listen in Qur'an →
180

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ

Prescribed for you when death approaches [any] one of you if he leaves wealth [is that he should make] a bequest for the parents and near relatives according to what is acceptable - a duty upon the righteous.

إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إذا دنا منه وظهرت أماراته (خَيْراً) مالا كثيراً. عن عائشة رضى اللَّه عنها أنّ رجلا أراد الوصية وله عيال وأربعمائة دينار، فقالت: ما أرى فيه فضلا أخرجه عبد الرزاق عن الثوري عن منصور بن صفية حدثنا عبد اللَّه بن عبيد بن عمير «أن عائشة سئلت عن رجل مات وله أربعمائة دينار. وله عدة من الولد. فقالت عائشة: ما في هذا فضل عن ولده» وعن ابن جريج عن منصور بن عبد الرحمن عن أمه عن عائشة مثله، وزاد «فلامته عائشة، وقالت: إن ذلك لقليل، قلت: منصور ابن عبد الرحمن هو ابن صفية. فكأنه سمعه من أمه ومن عبد اللَّه كلاهما عن عائشة رضى اللَّه عنها. .

وأراد آخر أن يوصى فسألته: كم مالك؟ فقال: ثلاثة آلاف. قالت: كم عيالك؟ قال:

أربعة. قالت: إنما قال اللَّه (إِنْ تَرَكَ خَيْراً) وإنّ هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك أخرجه ابن أبى شيبة حدثنا أبو معاوية عن محمد بن شريك عن ابن أبى مليكة عن عائشة «أن رجلا قال لها: إنى أريد أن أوصى- فذكره» . ، وعن علىّ رضى اللَّه عنه: أنّ مولى له أراد أن يوصى وله سبعمائة فمنعه أخرجه عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن هشام عن أبيه قال «دخل على رضى اللَّه عنه على مولى له في الموت فقال: ألا أوصى؟ فقال له على: إنما قال اللَّه تعالى: (إِنْ تَرَكَ خَيْراً) وليس لك كثير مال. قال: وكان له سبعمائة درهم» ورواه ابن أبى شيبة عن أبى خالد الأحمر عن هشام به. . وقال: قال اللَّه تعالى (إِنْ تَرَكَ خَيْراً) والخير هو المال، وليس لك مال. والوصية فاعل كتب، وذكر فعلها للفاصل، ولأنها بمعنى أن يوصى، ولذلك ذكر الراجع في قوله: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ) والوصية للوارث كانت في بدء الإسلام فنسخت بآية المواريث، وبقوله عليه السلام «إنّ اللَّه أعطى كلّ ذى حق حقه ألا لا وصية لوارث أخرجه أبو داود والترمذي: وحسنه، وابن ماجة من حديث أبى أمامة، والترمذي أيضا وصححه، والنسائي وابن ماجة من حديث عمرو بن خارجة، وابن ماجة من رواية عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن سعيد بن أبى سعيد أنه حدثه عن أنس بن مالك به. » وبتلقى الأمّة إياه بالقبول حتى لحق بالمتواتر وإن كان من الآحاد، لأنهم لا يتلقون بالقبول إلا الثبت الذي صحت روايته. وقيل: لم تنسخ، والوارث يجمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين. وقيل: ما هي بمخالفة لآية المواريث.

ومعناها: كتب عليكم ما أوصى به اللَّه من توريث الوالدين والأقربين قوله «من توريث الوالدين والأقربين من» لعله في. (ع) من قوله تعالى:

(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) أو كتب على المحتضر أن يوصى للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به اللَّه لهم عليهم، وأن لا ينقص من أنصبائهم بِالْمَعْرُوفِ بالعدل، وهو أن لا يوصى للغنى ويدع الفقير ولا يتجاوز الثلث حَقًّا مصدر مؤكد، أى حق ذلك حقاً فَمَنْ بَدَّلَهُ فمن غير الإيصاء عن وجهه إن كان موافقاً للشرع من الأوصياء والشهود بَعْدَ ما سَمِعَهُ وتحققه فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ فما إثم الإيصاء المغير أو التبديل إلا على مبدّليه دون غيرهم من الموصى والموصى له، لأنهما بريان من الحيف إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وعيد المبدّل فَمَنْ خافَ فمن توقع وعلم، وهذا في كلامهم شائع يقولون: أخاف أن ترسل السماء، يريدون التوقع والظنّ الغالب الجاري مجرى العلم جَنَفاً ميلا عن الحق بالخطإ في الوصية أَوْ إِثْماً أو تعمداً للحيف فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ بين الموصى لهم وهم الوالدان والأقربون بإجرائهم على طريق الشرع فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ حينئذ، لأنّ تبديله تبديل باطل إلى حق ذكر من يبدّل بالباطل ثم من يبدّل بالحق ليعلم أنّ كل تبديل لا يؤثم قوله «أن كل تبديل لا يؤثم» لعل المعنى أن ليس كل تبديل يؤثم (ع) .

Al-Baqara 2:180Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Kashshaf by Al-Zamakhshari. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.