Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 161–170 of 286

161

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌ أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ

Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - upon them will be the curse of Allah and of the angels and the people, all together,

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦٢]

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ [البقرة: ١٦٢] - أيْ: في اللَّعْنَةِ، أوْ في النّارِ، عَلى أنَّها أُضْمِرَتْ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها وتَهْوِيلًا لِأمْرِها -: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦٢] - إمّا مِنَ الإنْظارِ بِمَعْنى التَّأْخِيرِ والإمْهالِ. أيْ: لا يُمْهَلُونَ عَنِ العَذابِ ولا يُؤَخَّرُ عَنْهم ساعَةً بَلْ هو مُتَواصِلٌ دائِمٌ، أوْ مِنَ النَّظَرِ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ أيْ: لا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ نَظَرَ رَحْمَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]

Al-Baqara 2:161Listen in Qur'an →
162

خَٰلِدِينَ فِيهَا ۖ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ

Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦٢]

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ [البقرة: ١٦٢] - أيْ: في اللَّعْنَةِ، أوْ في النّارِ، عَلى أنَّها أُضْمِرَتْ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها وتَهْوِيلًا لِأمْرِها -: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦٢] - إمّا مِنَ الإنْظارِ بِمَعْنى التَّأْخِيرِ والإمْهالِ. أيْ: لا يُمْهَلُونَ عَنِ العَذابِ ولا يُؤَخَّرُ عَنْهم ساعَةً بَلْ هو مُتَواصِلٌ دائِمٌ، أوْ مِنَ النَّظَرِ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ أيْ: لا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ نَظَرَ رَحْمَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]

Al-Baqara 2:162Listen in Qur'an →
163

وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحْمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ

And your god is one God. There is no deity [worthy of worship] except Him, the Entirely Merciful, the Especially Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٣] ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾

﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ يُخْبِرُ تَعالى بِخِطابِهِ كافَّةَ النّاسِ عَنْ تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ ولا عَدِيلَ.

قالَ الرّاغِبُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ خِطابًا عامًّا، أيِ: المُسْتَحِقُّ مِنكُمُ العِبادَةَ هو إلَهٌ واحِدٌ لا أكْثَرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: الَّذِي تَعْبُدُونَهُ إلَهٌ واحِدٌ، تَنْبِيهًا أنَّكم لَسْتُمْ كالكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ أصْنامًا آلِهَةً والشَّيْطانَ والهَوى وغَيْرَ ذَلِكَ. إنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ الجَمْعِ بَيْنَ: (إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ) وبَيْنَ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ وأحَدُهُما يُبْنى عَلى الآخَرِ؟ قِيلَ: لِما بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالعِبادَةِ أوِ المُسْتَحِقُّ لَها - وكانَ يَجُوزُ أنْ يُتَوَهَّمَ أنْ يُوجَدَ إلَهٌ غَيْرُهُ، ولَكِنْ لا يُعْبَدُ ولا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ - أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ وحُقَّ لِهَذا المَعْنى أنْ يَكُونَ مُؤَكِّدًا وتُكَرَّرَ عَلَيْهِ الألْفاظُ؛ إذْ هو مَبْدَأٌ مَقْصُودُ العِبادَةِ ومُنْتَهاهُ. انْتَهى.

وقالَ الرّازِيُّ: إنَّما خَصَّ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذا المَوْضِعَ بِذِكْرِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الإلَهِيَّةِ والفَرْدانِيَّةِ يُفِيدُ القَهْرَ والعُلُوَّ، فَعَقَّبَهُما بِذِكْرِ هَذِهِ المُبالَغَةِ في الرَّحْمَةِ تَرْوِيحًا لِلْقُلُوبِ عَنْ هَيْبَةِ الإلَهِيَّةِ وعِزَّةِ الفَرْدانِيَّةِ، وإشْعارًا بِأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وأنَّهُ ما خَلَقَ الخَلْقَ إلّا لِلرَّحْمَةِ والإحْسانِ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ مَقامُ الوَحْدانِيَّةِ لا يَصِحُّ إلّا بِتَمامِ العِلْمِ وكَمالِ القُدْرَةِ، نَصَبَ تَعالى الأدِلَّةَ، مِنَ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ وعَوارِضِهِما والمُتَوَسِّطاتِ، عَلى ذَلِكَ تَبْصِيرًا لِلْجُهّالِ وتَذْكِيرًا لِلْعُلَماءِ بِقَوْلِهِ:

Al-Baqara 2:163Listen in Qur'an →
164

إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍۢ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ

Indeed, in the creation of the heavens and earth, and the alternation of the night and the day, and the [great] ships which sail through the sea with that which benefits people, and what Allah has sent down from the heavens of rain, giving life thereby to the earth after its lifelessness and dispersing therein every [kind of] moving creature, and [His] directing of the winds and the clouds controlled between the heaven and the earth are signs for a people who use reason.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٤] ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وما أنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾

﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ - في ارْتِفاعِ الأُولى ولَطافَتِها واتِّساعِها وكَواكِبِها السَّيّارَةِ والثَّوابِتِ ودَوَرانِ فَلَكِها، وفي انْخِفاضِ الثّانِيَةِ وكَثافَتِها وجِبالِها وبِحارِها وقِفارِها ووِهادِها وعُمْرانِها وما فِيها مِنَ المَنافِعِ -: ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيِ: اعْتِقابِهِما وكَوْنُ كُلٍّ مِنهُما خَلْفًا لِلْآخَرِ، فَيَجِيءُ أحَدُهُما ثُمَّ يَذْهَبُ ويُخْلِفُهُ الآخَرُ ويَعْقُبُهُ لا يَتَأخَّرُ عَنْهُ لَحْظَةً. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢] أوِ اخْتِلافُ كُلٍّ مِنهُما في أنْفُسِهِما ازْدِيادًا وانْتِقاصًا كَما قالَ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ [الحديد: ٦] أيْ: يَزِيدُ مِن هَذا في هَذا ومِن هَذا في ذاكَ ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ أيْ: في تَسْخِيرِ البَحْرِ بِحَمْلِ السُّفُنِ مِن جانِبٍ إلى آخَرَ لِمَعايِشِ النّاسِ والِانْتِفاعِ بِما عِنْدَ أهْلِ إقْلِيمٍ لِغَيْرِهِ.

قالَ الرّاغِبُ: ولَمّا لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ أنْ يُقالَ: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ وبَيْنَ أنْ يُقالَ: والبَحْرُ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ الفُلْكُ، في أنَّ القَصْدَ الأوَّلَ بِالآيَةِ أنْ يُعْرَفَ مَنفَعَةُ البَحْرِ، وإنْ أُخِّرَ في اللَّفْظِ، قَدَّمَ ذِكْرَ الفُلْكِ الَّذِي هو مِن صَنْعَتِنا. ولَمّا كانَ سَبِيلُنا إلى مَعْرِفَتِها أقْرَبَ مِنهُ إلى مَعْرِفَةِ صُنْعِهِ - قَدَّمَ ذِكْرَ الفُلْكِ لِيُنْظُرَ مِنها إلى آثارِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى ﴿وما أنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ: المُزْنَ: ﴿مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ﴾ بِأنْواعِ النَّباتِ والأزْهارِ وما عَلَيْها مِنَ الأشْجارِ: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ بِاسْتِيلاءِ اليُبُوسَةِ عَلَيْها: ﴿وبَثَّ فِيها﴾ أيْ: نَشَرَ وفَرَّقَ: ﴿مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ: ﴿وتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ أيْ: تَقْلِيبِها في مَهابِّها: قُبُولًا ودُبُورًا وجَنُوبًا وشَمالًا، وفي أحْوالِها: حارَّةً وبارِدَةً وعاصِفَةً ولَيِّنَةً، فَتارَةً مُبَشِّرَةً بَيْنَ يَدَيِ السَّحابِ، وطْوَرًا تَسُوقُهُ، وآوِنَةً تَجْمَعُهُ، ووَقْتًا تُفَرِّقُهُ، وحِينًا تَصْرِفُهُ.

قالَ الثَّعالِبِيُّ: إذا جاءَتِ الرِّيحُ بِنَفَسٍ ضَعِيفٍ، ورَوْحٍ فَهي النَّسِيمُ، فَإذا كانَتْ شَدِيدَةً فَهي العاصِفُ، فَإذا حَرَّكَتِ الأغْصانَ تَحْرِيكًا شَدِيدًا وقَلَعَتِ الأشْجارَ فَهي الزَّعْزَعانُ والزَّعْزَعُ، فَإذا جاءَتْ بِالحَصْباءِ فَهي الحاصِبَةُ، فَإذا هَبَّتْ مِنَ الأرْضِ نَحْوَ السَّماءِ كالعَمُودِ فَهي الإعْصارُ، ويُقالُ لَها زَوْبَعَةٌ أيْضًا، فَإذا هَبَّتْ بِالغَبَرَةِ فَهي الهَبْوَةُ، فَإذا كانَتْ بارِدَةً فَهي الصَّرْصَرُ، فَإذا كانَ مَعَ بَرْدِها نَدًى فَهي البَلِيلُ، فَإذا كانَتْ حارَّةً فَهي الحَرُورُ والسَّمُومُ، فَإذا لَمْ تُلَقِّحْ شَجَرًا ولَمْ تَحْمِلْ مَطَرًا فَهي العَقِيمُ، ومِمّا يُذْكَرُ مِنها بِلَفْظِ الجَمْعِ: الأعاصِيرُ وهي الَّتِي تَهِيجُ بِالغُبارِ، واللَّواقِحُ الَّتِي تُلَقِّحُ الأشْجارَ، والمُعْصِراتُ الَّتِي تَأْتِي بِالأمْطارِ، والمُبَشِّراتُ الَّتِي تَأْتِي بِالسَّحابِ والغَيْثِ. …

Al-Baqara 2:164Listen in Qur'an →
165

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًۭا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَشَدُّ حُبًّۭا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًۭا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ

And [yet], among the people are those who take other than Allah as equals [to Him]. They love them as they [should] love Allah. But those who believe are stronger in love for Allah. And if only they who have wronged would consider [that] when they see the punishment, [they will be certain] that all power belongs to Allah and that Allah is severe in punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٥] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾

{و } لَكِنْ: {مِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أندادًا } أيْ: أمْثالًا. مَعَ أنَّ الآياتِ مَنَعَتْ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ واحِدٌ فَضْلًا عَنْ جَماعَتِها يُسَوُّونَ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ إذْ: ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ أيْ: يُعَظِّمُونَهم ويَخْضَعُونَ لَهم كَتَعْظِيمِ اللَّهِ والخُضُوعِ لَهُ. والأنْدادُ هِيَ: إمّا الأوْثانُ الَّتِي اتَّخَذُوها آلِهَةً لِتَقُرِّبَهم إلى اللَّهِ زُلْفى، ورَجَوْا مِنها النَّفْعَ والضُّرَّ، وقَصَدُوها بِالمَسائِلِ، ونَذَرُوا لَها النُّذُورَ وقَرَّبُوا لَها القَرابِينَ. وإمّا الرُّؤَساءُ الَّذِينَ يَتْبَعُونَهم فِيما يَأْتُونَ وما يَذَرُوَنَ، لاسِيَّما في الأوامِرِ والنَّواهِي، ورُجِّحَ هَذا؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِمَنِ اتَّخَذَ الرِّجالَ أنْدادًا، وأمْثالًا لِلَّهِ تَعالى يَلْتَزِمُونَ مِن تَعْظِيمِهِمْ والِانْقِيادِ لَهم ما يَلْتَزِمُهُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ لِأنْدادِهِمْ، لِأنَّ أُولَئِكَ أشْرَكُوا في المَحَبَّةِ، والمُؤْمِنُونَ أخْلَصُوها كُلَّها لِلَّهِ، ولِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ جَمِيعَ الكِمالاتِ لَهُ ومِنهُ، ولِأنَّهم لا يَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ، بِخِلافِ المُشْرِكِينَ فَكانُوا يَعْبُدُونَ الصَّنَمَ زَمانًا ثُمَّ يَرْفُضُونَهُ إلى غَيْرِهِ أوْ يَأْكُلُونَهُ، كَما أكَلَتْ باهِلَةُ إلَهَها مِن حَيْسٍ، عامَ المَجاعَةِ.

قالَ العَلّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ في " شَرْحِ المَنازِلِ " في بابِ التَّوْبَةِ:

أمّا الشِّرْكُ فَهو نَوْعانِ: أكْبَرُ وأصْغَرُ. فالأكْبَرُ لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ إلّا بِالتَّوْبَةِ، وهو أنْ يَتَّخِذَ مِن دُونِ اللَّهِ نِدًّا يُحِبُّهُ كَما يُحِبُّ اللَّهَ تَعالى، وهو الشِّرْكُ الَّذِي تَضَمَّنَ تَسْوِيَةَ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ بِرَبِّ العالَمِينَ، ولِذا قالُوا لِآلِهَتِهِمْ في النّارِ: ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٩٧] ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨] مَعَ إقْرارِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ خالِقٌ كُلِّ شَيْءٍ، ورَبُّهُ، ومَلِيكُهُ، وأنَّ آلِهَتَهم لا تَخْلُقُ ولا تَرْزُقُ ولا تُمِيتُ ولا تُحْيِي، وإنَّما كانَتْ هَذِهِ التَّسْوِيَةُ في المَحَبَّةِ، والتَّعْظِيمِ، والعِبادَةِ، كَما هو حالُ أكْثَرِ مُشْرِكِي العالَمِ..! بَلْ كُلُّهم يُحِبُّونَ مَعْبُودِيهِمْ، ويُعَظِّمُونَها، ويُوادُّونَها مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى..! وكَثِيرٌ مِنهم - بَلْ أكْثَرُهم - يُحِبُّونَ آلِهَتَهم أعْظَمَ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى..! ويَسْتَبْشِرُونَ بِذِكْرِهِمْ أعْظَمَ مِنَ اسْتِبْشارِهِمْ إذا ذُكِرَ اللَّهُ تَعالى..! ويَغْضَبُونَ بِتَنَقُّصِ مَعْبُودِيهِمْ وآلِهَتِهِمْ مِنَ المَشايِخِ أعْظَمَ ما يَغْضَبُونَ إذا انْتَقَصَ أحَدٌ رَبَّ العالَمِينَ..! وإذا انْتُقِصَتْ حُرُماتُ آلِهَتِهِمْ ومَعْبُودِيهِمْ غَضِبُوا غَضَبَ اللَّيْثِ أوِ الكَلْبِ..! وإذا انْتُهِكَتْ حُرُماتُ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَغْضَبُوا لَها. بَلْ إذا قامَ المُنْتَهِكُ لَها بِإطْعامِهِمْ شَيْئًا رَضُوا عَنْهُ، ولَمْ تُنْكِرْ لَهُ قُلُوبُهم..! قَدْ شاهَدْنا نَحْنُ …

Al-Baqara 2:165Listen in Qur'an →
166

إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ وَرَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ

[And they should consider that] when those who have been followed disassociate themselves from those who followed [them], and they [all] see the punishment, and cut off from them are the ties [of relationship],

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٦] ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾

﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ بَدَلٌ مِن: ﴿إذْ يَرَوْنَ﴾ [البقرة: ١٦٥] أيْ: تَبَرَّأ المَتْبُوعُونَ وهُمُ الرُّؤَساءُ الآمِرُونَ بِاتِّخاذِ الأنْدادِ وكُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ مِنَ الأتْباعِ، بِأنِ اعْتَرَفُوا بِبُطْلانِ ما كانُوا يَدْعُونَهُ في الدُّنْيا لَهُمْ، أوْ يَدْعُونَهم إلَيْهِ مِن فُنُونِ الكُفْرِ والضَّلالِ، واعْتَزَلُوا عَنْ مُخالَطَتِهِمْ، وقابَلُوهم بِاللَّعْنِ. وقُرِئَ الأوَّلُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والثّانِي عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: تَبَرَّأ الأتْباعُ مِنَ الرُّؤَساءِ: ﴿ورَأوُا العَذابَ﴾ الواوُ لِلْحالِ، أيْ: تَبَرَّأُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ أيِ: الوُصَلُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُمْ، مِنَ الِاتِّفاقِ عَلى دِينٍ واحِدٍ، ومِنَ الأنْسابِ، والمَحابِّ، والِاتِّباعِ، والِاسْتِتْباعِ.

Al-Baqara 2:166Listen in Qur'an →
167

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةًۭ فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا۟ مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَٰلَهُمْ حَسَرَٰتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ

Those who followed will say, "If only we had another turn [at worldly life] so we could disassociate ourselves from them as they have disassociated themselves from us." Thus will Allah show them their deeds as regrets upon them. And they are never to emerge from the Fire.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٧] ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾

﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ حِينَ عايَنُوا تَبَرُّؤَ الرُّؤَساءِ مِنهُمْ، ونَدِمُوا عَلى ما فَعَلُوا مِنِ اتِّباعِهِمْ لَهم في الدُّنْيا: ﴿لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ أيْ: لَيْتَ لَنا رَجْعَةً إلى الدُّنْيا: ﴿فَنَتَبَرَّأ مِنهُمْ﴾ هُناكَ، ومِن عِبادَتِهِمْ، ونَعْبُدُهُ تَعالى وحْدَهُ: ﴿كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ اليَوْمَ. وهم كاذِبُونَ في هَذا، بَلْ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ، كَما أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِذَلِكَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ تِلْكَ الإراءَةِ الفَظِيعَةِ: ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ﴾ نَدَماتٍ شَدِيدَةً: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: تَذْهَبُ وتَضْمَحِلُّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقالَ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] الآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً﴾ [النور: ٣٩] الآيَةَ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبإ: ٣٢] ﴿وقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبإ: ٣٣] ؟ وقالَ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ [مريم: ٨١] ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]

وقالَ الخَلِيلُ لِقَوْمِهِ: ﴿إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥] وقالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ويَقُولُونَ: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤١] وقالَ تَعالى: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٦] وقالَ تَعالى: ﴿وقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢]

Al-Baqara 2:167Listen in Qur'an →
168

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُوا۟ مِمَّا فِى ٱلْأَرْضِ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌ

O mankind, eat from whatever is on earth [that is] lawful and good and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٨] ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾

﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا﴾ حالٌ أوْ مَفْعُولٌ، وهو ما انْتَفى عَنْهُ حُكْمُ التَّحْرِيمِ: ﴿طَيِّبًا﴾ أيْ: مُسْتَطابًا في نَفْسِهِ، غَيْرَ ضارٍّ لِلْأبْدانِ ولا لِلْعُقُولِ.

وقَدْ رَوى الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ فَقامَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ! فَقالَ: «يا سَعْدُ! أطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ. والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! إنَّ الرَّجُلَ لَيَقْذِفُ اللُّقْمَةَ الحَرامَ في جَوْفِهِ ما يُتَقَبَّلُ مِنهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وأيُّما عَبْدٍ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنَ السُّحْتِ والرِّبا فالنّارُ أوْلى بِهِ...!»»: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ وهي طَرائِقُهُ ومَسالِكُهُ فِيما أضَلَّ أتْباعَهُ فِيهِ مِن تَحْرِيمِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ والوَصائِلِ ونَحْوِها... مِمّا زَيَّنَهُ لَهم في جاهِلِيَّتِهِمْ، كَما في حَدِيثِ عِياضِ بْنِ حِمارٍ الَّذِي في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: إنَّ كُلَّ مالٍ مَنَحْتُهُ عِبادِي فَهو لَهم حَلالٌ» . وفِيهِ: «وإنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ، فَجاءَتْهُمُ الشَّياطِينُ فاجْتالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ، وحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ ما أحْلَلْتُ لَهم»» .

ومِمّا يَدْخُلُ في خُطُواتِ الشَّيْطانِ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ، ومِنها: النُّذُورُ في المَعاصِي كَما قالَهُ بَعْضُ السَّلَفِ في الآيَةِ.

قالَ الشَّعْبِيُّ: نَذَرَ رَجُلٌ أنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ، فَأفْتاهُ مَسْرُوقٌ بِذَبْحِ كَبْشٍ، وقالَ: هَذا مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ!

قالَ أبُو الضُّحى عَنْ مَسْرُوقٍ: أتى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بِضَرْعٍ ومِلْحٍ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ فاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ناوِلُوا صاحِبَكُمْ، فَقالَ: لا أُرِيدُهُ. فَقالَ: أصائِمٌ أنْتَ؟ قالَ: لا..! قالَ: فَما شَأْنُكَ؟ قالَ حَرَّمْتُ أنْ آكُلَ ضَرْعًا أبَدًا...! فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذا مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، فَأطْعِمْ وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ..! رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ.

ورُوِيَ أيْضًا عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: غَضِبْتُ يَوْمًا عَلى امْرَأتِي، فَقالَتْ: هي يَوْمًا يَهُودِيَّةٌ ويَوْمًا نَصْرانِيَّةٌ، وكُلُّ مَمْلُوكٍ لَها حُرٌّ إنْ لَمْ تُطَلِّقِ امْرَأتَكَ..! فَأتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقالَ: إنَّما هَذِهِ مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ..! وكَذَلِكَ قالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ - وهي يَوْمَئِذٍ أفْقَهُ امْرَأةٍ في المَدِينَةِ - وأتَيْتُ عاصِمًا وابْنَ عُمَرَ فَقالا مِثْلَ ذَلِكَ.

ورَوى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما كانَ مِن يَمِينٍ أوْ نَذْرٍ في غَضَبٍ، فَهو مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ! نَقَلَهُ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ.

﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، لِلتَّنْفِيرِ عَنْهُ والتَّحْذِيرِ مِنهُ كَما قالَ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] وقالَ تَعالى: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا﴾ [الكهف: ٥٠]

Al-Baqara 2:168Listen in Qur'an →
169

إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

He only orders you to evil and immorality and to say about Allah what you do not know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٩] ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ عَداوَتِهِ، وتَفْصِيلٌ لِفُنُونِ شَرِّهِ وإفْسادِهِ. والسُّوءُ: يُشَكِّلُ جَمِيعَ المَعاصِي، سَواءٌ كانَتْ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ، أوْ أفْعالِ القُلُوبِ. و: ﴿والفَحْشاءِ﴾ ما تَجاوَزَ الحَدَّ في القُبْحِ مِنَ العَظائِمِ ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: بِأنْ تَفْتَرُوا عَلَيْهِ تَعالى بِأنَّهُ حَرَّمَ هَذا وذاكَ بِغَيْرِ عِلْمٍ. فَمَعْنى: ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ما لا تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِهِ.

قالَ البِقاعِيُّ: ولَقَدْ أبْلَغَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ في حُسْنِ الدُّعاءِ لِعِبادِهِ إلَيْهِ، لُطْفًا بِهِمْ ورَحْمَةً لَهُمْ، بِتَذْكِيرِهِمْ في سِياقِ الِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، بِخَلْقِهِ لَهم أوَّلًا، وبِجَعْلِهِ مُلائِمًا لَهم ثانِيًا وإباحَتِهِ لَهم ثالِثًا، وتَحْذِيرِهِ لَهم مِنَ العَدُوِّ رابِعًا.... إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن دَقائِقِ الألْطافِ وجَلائِلِ المِنَنِ...!اهـ.

قالَ الرّازِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَذاهِبِ الفاسِدَةِ، بَلْ يَتَناوَلُ مُقَلِّدَ الحَقِّ...! لِأنَّهُ - وإنْ كانَ مُقَلِّدًا لِلْحَقِّ - لَكِنَّهُ قالَ ما لا يَعْلَمُهُ، فَصارَ مُسْتَحِقًّا لِلذَّمِّ لِانْدَراجِهِ تَحْتَ الذَّمِّ في هَذِهِ الآيَةِ.! انْتَهى.

وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في " أعْلامِ المُوَقِّعِينَ ": القَوْلُ عَلى اللَّهِ بِلا عِلْمٍ يَعُمُّ القَوْلَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ في أسْمائِهِ، وصِفاتِهِ، وأفْعالِهِ، وفي دِينِهِ وشَرْعِهِ. وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أعْظَمِ المُحَرَّماتِ، بَلْ جَعَلَهُ في المَرْتَبَةِ العُلْيا مِنها، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النحل: ١١٧] ! فَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ سُبْحانَهُ بِالوَعِيدِ عَلى الكَذِبِ عَلَيْهِ في أحْكامِهِ، وقَوْلِهِمْ لِما لَمْ يُحَرِّمْهُ: هَذا حَرامٌ. ولِما لَمْ يَحِلُّهُ: هَذا حَلالٌ. وهَذا بَيانٌ مِنهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أنْ يَقُولَ: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، إلّا بِما عَلِمَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أحَلَّهُ وحَرَّمَهُ.

وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لِيَتَّقِ أحَدُكم أنْ يَقُولَ لِما لا يَعْلَمُ ولا ورَدَ الوَحْيُ المُبَيِّنُ بِتَحْلِيلِهِ وتَحْرِيمِهِ: أحَلَّهُ اللَّهُ وحَرَّمَهُ، لِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ أوْ بِالتَّأْوِيلِ.

وقَدْ نَهى النَّبِيُّ ﷺ، في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، أمِيرَهُ بُرَيْدَةَ أنْ يَنْزِلَ عَدُوَّهُ إذا حاصَرَهُمْ، عَلى حُكْمِ اللَّهِ، وقالَ: ««فَإنَّكَ لا تَدْرِي أتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أمْ لا....؟ ولَكِنْ أنْزِلْهم عَلى حُكْمِكَ وحُكْمِ أصْحابِكَ.....»» فَتَأمَّلْ، كَيْفَ فَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِ اللَّهِ وحُكْمِ الأمِيرِ المُجْتَهِدِ، ونَهى أنْ يُسَمّى حُكْمُ المُجْتَهِدِينَ حُكْمُ اللَّهِ. ومِن هَذالَمّا كَتَبَ الكاتِبُ بَيْنَ يَدَيْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ …

Al-Baqara 2:169Listen in Qur'an →
170

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۗ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَهْتَدُونَ

And when it is said to them, "Follow what Allah has revealed," they say, "Rather, we will follow that which we found our fathers doing." Even though their fathers understood nothing, nor were they guided?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٠] ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾

﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ عَلى رَسُولِهِ واجْتَهِدُوا في تَكْلِيفِ أنْفُسِكُمُ الرَّدَّ عَنِ الهَوى الَّذِي نَفَخَهُ فِيها الشَّيْطانُ: ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا﴾ أيْ: وجَدْنا: ﴿عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أيْ: مِن عِبادَةِ الأصْنامِ والأنْدادِ. فَقالَ مُبَكِّتًا لَهُمْ: ﴿أوَلَوْ﴾ أيْ: أيَتَّبِعُونَ آباءَهم ولَوْ: ﴿كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ أيْ: مِنَ الدِّينِ: ﴿ولا يَهْتَدُونَ﴾ لِلصَّوابِ إذْ جَهِلُوهُ؟

قالَ الحَرالِيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ عَوائِدَ الآباءِ مَنهِيَّةٌ حَتّى يَشْهَدَ لَها شاهِدُ أُبُوَّةِ الدِّينِ، فَفِيهِ التَّحْذِيرُ في رُتَبٍ ما بَيْنَ حالِ الكُفْرِ إلى أدْنى الفِتْنَةِ الَّتِي شَأْنُ النّاسِ أنْ يَتَّبِعُوا فِيها عَوائِدَ آبائِهِمْ.

قالَ الرّازِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم بِأنْ يَتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ. فَهم قالُوا: لا نَتَّبِعُ ذَلِكَ وإنَّما نَتَّبِعُ آباءَنا وأسْلافَنا. فَكَأنَّهم عارَضُوا الدَّلالَةَ بِالتَّقْلِيدِ، وأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ.

ثُمَّ قالَ: تَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنْ يُقالَ لِلْمُقَلِّدِ: هَلْ تَعْتَرِفُ بِأنَّ شَرْطَ جَوازِ تَقْلِيدِ الإنْسانِ أنْ يُعْلَمَ كَوْنُهُ مُحِقًّا أمْ لا؟ فَإنِ اعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ، لَمْ تَعْلَمْ جَوازَ تَقْلِيدِهِ إلّا بَعْدَ أنْ تَعْرِفَ كَوْنَهُ مُحِقًّا، فَكَيْفَ عَرَفْتَ أنَّهُ مُحِقٌّ؟ وإنْ عَرَفْتَهُ بِتَقْلِيدٍ آخَرَ، لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ عَرَفْتَهُ بِالعَقْلِ، فَذاكَ كافٍ، فَلا حاجَةَ إلى التَّقْلِيدِ...! وإنْ قُلْتَ: لَيْسَ مِن شَرْطِ جَوازِ تَقْلِيدِهِ أنْ يُعْلَمَ كَوْنُهُ مُحِقًّا... فَإذَنْ قَدْ جَوَّزْتَ تَقْلِيدَهُ وإنْ كانَ مُبْطِلًا..! فَإذَنْ أنْتَ - عَلى تَقْلِيدِكَ - لا تَعْلَمُ أنَّكَ مُحِقٌّ أوْ مُبْطِلٌ...!

وثانِيها: هَبْ أنَّ ذَلِكَ المُتَقَدِّمَ كانَ عالِمًا بِهَذا الشَّيْءِ، إلّا أنّا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ ذَلِكَ المُتَقَدِّمَ ما كانَ عالِمًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ قَطُّ، وما اخْتارَ فِيهِ البَتَّةَ مَذْهَبًا، فَأنْتَ ماذا كُنْتَ تَعْمَلُ؟ فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ لا يُوجَدَ ذَلِكَ المُتَقَدِّمُ ولا مَذْهَبُهُ، كانَ لا بُدَّ مِنَ العُدُولِ إلى النَّظَرِ، فَكَذا هَهُنا.

وثالِثُها: أنَّكَ إذا قَلَّدْتَ مَن قَبْلَكَ، فَذَلِكَ المُتَقَدِّمُ كَيْفَ عَرَفْتَهُ؟ أعَرَفْتَهُ بِتَقْلِيدٍ أمْ لا بِتَقْلِيدٍ؟ فَإنْ عَرَفْتَهُ بِتَقْلِيدٍ، لَزِمَ إمّا الدَّوْرُ وإمّا التَّسَلْسُلُ. وإنْ عَرَفْتَهُ لا بِتَقْلِيدٍ، بَلْ بِدَلِيلٍ، فَإذا أوْجَبْتَ تَقْلِيدَ ذَلِكَ المُتَقَدِّمَ، وجَبَ أنْ تَطْلُبَ العِلْمَ بِالدَّلِيلِ لا بِالتَّقْلِيدِ؛ لِأنَّكَ لَوْ طَلَبْتَ بِالتَّقْلِيدِ لا بِالدَّلِيلِ - مَعَ أنَّ ذَلِكَ المُتَقَدِّمَ طَلَبَهُ بِالدَّلِيلِ لا بِالتَّقْلِيدِ - كُنْتَ مُخالِفًا لَهُ. فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ يُفْضِي ثُبُوتُهُ إلى نَفْيِهِ، فَيَكُونُ باطِلًا.

ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: إنَّما ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ عُقَيْبَ الزَّجْرِ عَنِ اتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ مُتابَعَةِ وساوِسِ الشَّيْطانِ وبَيْنَ مُتابَعَةِ التَّقْلِيدِ، وفِيهِ أقْوى دَلِيلٍ، عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ وتَرْكِ التَّعْوِيلِ …

Al-Baqara 2:170Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.