Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 151–160 of 286

151

كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًۭا مِّنكُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ

Just as We have sent among you a messenger from yourselves reciting to you Our verses and purifying you and teaching you the Book and wisdom and teaching you that which you did not know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥١ ] ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾

"كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكُمْ" وقَوْلُهُ تَعالى "فِيكُمُ" المُرادُ بِهِ العَرَبُ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ "مِنكُمْ" .

وفِي إرْسالِهِ فِيهِمْ ومِنهم نِعَمٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْهِمْ لِما لَهم فِيهِ مِنَ الشَّرَفِ. ولِأنَّ المَشْهُورَ مِن حالِ العَرَبِ الأنَفَةُ الشَّدِيدَةُ مِن الِانْقِيادِ لِلْغَيْرِ. فَبَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى مِن واسِطَتِهِمْ لِيَكُونُوا إلى القَبُولِ أقْرَبَ "يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا" يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ القُرْآنَ الَّذِي هو مِن أعْظَمِ النِّعَمِ. لِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ باقِيَةٌ. ولِأنَّهُ يُتْلى فَتَتَأدّى بِهِ العِباداتُ ويُسْتَفادُ مِنهُ جَمِيعُ العُلُومِ، ومَجامِعُ الأخْلاقِ الحَمِيدَةُ، فَتَحْصُلُ مِن تِلاوَتِهِ كُلُّ خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ "ويُزَكِّيكُمْ" أيْ يُطَهِّرُكم مِنَ الشِّرْكِ وأفْعالِ الجاهِلِيَّةِ وسَفاسِفِ الأخْلاقِ "ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ" وهو القُرْآنُ. وهَذا لَيْسَ بِتَكْرارٍ. لِأنَّ تِلاوَةَ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ غَيْرُ تَعْلِيمِهِ إيّاهم "والحِكْمَةَ" وهي العِلْمُ بِسائِرِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي يَشْتَمِلُ القُرْآنُ عَلى تَفْصِيلِها. ولِذَلِكَ قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الحِكْمَةُ هي سُنَّةُ الرَّسُولِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى أرْسَلَ رَسُولَهُ عَلى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وجَهالَةٍ مِنَ الأُمَمِ، فالخَلْقُ كانُوا مُتَحَيِّرِينَ ضالِّينَ في أمْرِ أدْيانِهِمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى النَّبِيَّ بِالحَقِّ. حَتّى عَلَّمَهم ما احْتاجُوا إلَيْهِ في دِينِهِمْ، فَصارُوا أعْمَقَ النّاسِ عِلْمًا وأبَرَّهم قُلُوبًا وأقَلَّهم تَكَلُّفًا وأصْدَقَهم لَهْجَةً، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ أنْواعِ النِّعَمِ. قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] الآيَةَ، وذَمَّ مَن لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي، بِنِعْمَةِ اللَّهِ، مُحَمَّدًا ﷺ، ولِهَذا نَدَبَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ إلى الِاعْتِرافِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ ومُقابَلَتِها بِذِكْرِهِ وشُكْرِهِ. وقالَ:

Al-Baqara 2:151Listen in Qur'an →
152

فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ

So remember Me; I will remember you. And be grateful to Me and do not deny Me.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٢ ] ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾

﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيِ اذْكُرُونِي أيُّها المُؤْمِنُونَ بِطاعَتِكم إيّايَ فِيما آمُرُكم بِهِ وفِيما أنْهاكم عَنْهُ، أذْكُرُكم بِرَحْمَتِي إيّاكم ومَغْفِرَتِي لَكم. وقَدْ كانَ بَعْضُهم يَتَأوَّلُ ذَلِكَ أنَّهُ مِنَ الذِّكْرِ بِالثَّناءِ والمَدْحِ. وقالَ القاشانِيُّ: اذْكُرُونِي بِالإجابَةِ والطّاعَةِ، أذْكُرُكم بِالمَزِيدِ والتَّوالِي. وهي بِمَعْنى ما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ "واشْكُرُوا لِي" قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيِ اشْكُرُوا لِي فِيما أنْعَمْتُ عَلَيْكم مِنَ الإسْلامِ والهِدايَةِ لِلدِّينِ الَّذِي شَرَعْتُهُ. وقَوْلُهُ "ولا تَكْفُرُونِ" أيْ لا تَجْحَدُوا إحْسانِي إلَيْكم فَأسْلُبَكم نِعْمَتِي الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم.

قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أيِ اشْكُرُوا نِعْمَتِي: أنْ أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ، ولا تَجْحَدُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ، ويُقالُ: النِّعْمَةُ، في الحَقِيقَةِ هي العِلْمُ. وما سِواهُ فَهو تَحَوُّلٌ مِن راحَةٍ إلى راحَةٍ، ولَيْسَ بِنِعْمَةٍ. والعِلْمُ لا يَمِلُّ مِنهُ صاحِبُهُ. بَلْ يَطْلُبُ مِنهُ الزِّيادَةَ. فَأمْرُ اللَّهِ تَعالى بِشُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ، وهي نِعْمَةُ بَعْثِهِ رَسُولًا يُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ. كَما قَصَّهُ الحَرّالِيُّ. ولَمّا كانَ لِلْعَرَبِ ولَعٌ بِالذِّكْرِ لِآبائِهِمْ ولِوَقائِعِهِمْ، جَعَلَ تَعالى ذِكْرَهُ لَهم عِوَضَ ما كانُوا يَذْكُرُونَ. كَما جَعَلَ كِتابَهُ عِوَضًا مِن أشْعارِهِمْ. وهَزَّ عَزائِمَهم لِذَلِكَ بِما يَسُرُّهم بِهِ مِن ذِكْرِهِ لَهم.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا مَعَ عَبْدِي حِينَ يَذْكُرُنِي. فَإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ هم خَيْرٌ مِنهم. وإنِ اقْتَرَبَ إلَيَّ شِبْرًا اقْتَرَبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا. وإنِ اقْتَرَبَ إلَيَّ ذِراعًا اقْتَرَبْتُ إلَيْهِ باعًا. فَإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»» . صَحِيحُ الإسْنادِ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ أيْضًا.

ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأبِي هُرَيْرَةَ: أنَّهُما شَهِدا عَلى النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إلّا حَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ، وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، ونَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وذَكَرَهُمُ اللَّهُ فَيَمَن عِنْدَهُ»» .

والآثارُ في فَضْلِ الذِّكْرِ مُتَوافِرَةٌ ويَكْفِي فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ.

(تَنْبِيهٌ) قالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: اعْلَمْ أنَّ فَضِيلَةَ الذِّكْرِ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ في التَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّحْمِيدِ والتَّكْبِيرِ ونَحْوِهِما، بَلْ كُلُّ عامِلٍ لِلَّهِ تَعالى بِطاعَةٍ، فَهو ذاكِرٌ لِلَّهِ تَعالى.

كَذا قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وغَيْرُهُ مِنَ العُلَماءِ. وقالَ عَطاءٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَجالِسُ الذِّكْرِ هي مَجالِسُ الحَلالِ والحَرامِ، كَيْفَ تَشْتَرِي وتَبِيعُ ؟ وتُصَلِّي وتَصُومُ ؟ وتَنْكِحُ وتُطَلِّقُ ؟ وأشْباهُ هَذا. وقالَ النَّوَوِيُّ أيْضًا: إنَّ الأذْكارَ المَشْرُوعَةَ في الصَّلاةِ وغَيْرِها، واجِبَةً كانَتْ أوْ مُسْتَحَبَّةً، لا يُحْسَبُ شَيْءٌ مِنها ولا يُعْتَدُّ بِهِ حَتّى يَتَلَفَّظَ بِهِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ نَفْسَهُ إذا كانَ صَحِيحَ السَّمْعِ، لا عارِضَ. وقَدْ صَنَّفَ، في عَمَلِ اليَوْمِ …

Al-Baqara 2:152Listen in Qur'an →
153

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ

O you who have believed, seek help through patience and prayer. Indeed, Allah is with the patient.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٣ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ أرْشَدَ تَعالى المُؤْمِنِينَ، إثْرَ الأمْرِ بِالشُّكْرِ في الآيَةِ قَبْلُ، بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ. لِأنَّ العَبْدَ إمّا أنْ يَكُونَ في نِعْمَةٍ فَيَشْكُرُ عَلَيْها، أوْ في نِقْمَةٍ فَيَصْبِرُ عَلَيْها. كَما جاءَ في الحَدِيثِ: ««عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ لا يُقْضى لَهُ قَضاءٌ إلّا كانَ خَيْرًا لَهُ، إنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ فَشَكَرَ كانَ خَيْرًا لَهُ، وإنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ فَصَبَرَ كانَ خَيْرًا لَهُ»» . وبَيَّنَ تَعالى أنَّ أجْوَدَ ما يُسْتَعانُ بِهِ عَلى تَحَمُّلِ المَصائِبِ في سَبِيلِ اللَّهِ، الصَّبْرُ والصَّلاةُ؛ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] وفي الحَدِيثِ: ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى»» . ثُمَّ إنَّ الصَّبْرَ صَبْرانِ: صَبْرٌ عَلى تَرْكِ المَحارِمِ والمَآثِمِ، وصَبْرٌ عَلى فِعْلِ الطّاعاتِ والقُرُباتِ. والثّانِي أكْثَرُ ثَوابًا. لِأنَّهُ المَقْصُودُ. وأمّا الصَّبْرُ الثّالِثُ، وهو الصَّبْرُ عَلى المَصائِبِ والنَّوائِبِ، فَذاكَ أيْضًا واجِبٌ. كالِاسْتِغْفارِ مِنَ المَعائِبِ.

وقالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في كِتابِهِ (السِّياسَةُ الشَّرْعِيَّةُ) وأعْظَمُ عَوْنٍ لِوَلِيِّ الأمْرِ خاصَّةً، ولِغَيْرِهِ عامَّةً ثَلاثَةُ أُمُورٍ: أحَدُها الإخْلاصُ لِلَّهِ، والتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ بِالدُّعاءِ وغَيْرِهِ. وأصْلُ ذَلِكَ المُحافَظَةُ عَلى الصَّلاةِ بِالقَلْبِ والبَدَنِ. والثّانِي الإحْسانُ إلى الخَلْقِ بِالنَّفْعِ والمالِ الَّذِي هو الزَّكاةُ. والثّالِثُ الصَّبْرُ عَلى الأذى مِنَ الخَلْقِ وغَيْرِهِ مِنَ النَّوائِبِ؛ ولِهَذا يَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَ الصَّلاةِ والصَّبْرِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥] وقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ [طه: ١٣٠] وأمّا قِرانُهُ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ في القُرْآنِ فَكَثِيرٌ جِدًّا. فَبِالقِيامِ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّبْرِ يَصْلُحُ حالُ الرّاعِي والرَّعِيَّةِ. إذا عَرَفَ الإنْسانُ ما يَدْخُلُ في هَذِهِ الأسْماءِ الجامِعَةِ، يَدْخُلُ في الصَّلاةِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى ودُعائِهِ وتِلاوَةِ كِتابِهِ وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وفي الزَّكاةِ الإحْسانُ إلى الخَلْقِ بِالمالِ والنَّفْعِ: مِن نَصْرِ المَظْلُومِ وإعانَةِ المَلْهُوفِ وقَضاءِ حاجَةِ المُحْتاجِ. وفي الصَّبْرِ احْتِمالُ الأذى وكَظْمُ الغَيْظِ والعَفْوُ عَنِ النّاسِ ومُخالَفَةُ الهَوى وتَرْكُ الشَّرِّ والبَطَرِ. انْتَهى.

"إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ" قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في (شَرْحِ حَدِيثِ النُّزُولِ): لَفْظُ المَعِيَّةِ في كِتابِ اللَّهِ جاءَ عامًّا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وفي قَوْلِهِ ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا﴾ [المجادلة: ٧] وجاءَ خاصًّا كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم …

Al-Baqara 2:153Listen in Qur'an →
154

وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتٌۢ ۚ بَلْ أَحْيَآءٌۭ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ

And do not say about those who are killed in the way of Allah, "They are dead." Rather, they are alive, but you perceive [it] not.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٤ ] ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [ ١٥٤ ]

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ يَنْهى تَعالى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يَقُولُوا لِلشُّهَداءِ أمْواتًا؛ بِمَعْنى الَّذِينَ تَلِفَتْ نُفُوسُهم وعَدِمُوا الحَياةَ، وتَصَرَّمَتْ عَنْهُمُ اللَّذّاتُ، وأضْحَوْا كالجَماداتِ، كَما يَتَبادَرُ مِن مَعْنى المَيِّتِ، ويَأْمُرُهم سُبْحانَهُ بِأنْ يَقُولُوا لَهُمُ: الأحْياءُ؛ لِأنَّهم أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، كَما قالَ تَعالى في آلِ عِمْرانَ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠] ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧١] فَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ "عِنْدَ رَبِّهِمْ" يُفَسِّرُ المُرادَ مِن حَياتِهِمْ؛ أيْ: إنَّها لِأرْواحِهِمْ عِنْدَهُ تَعالى، وقَوْلُهُ "ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ" أيْ بِحَياتِهِمُ الزَّوْجِيَّةِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ؛ إذْ لَمْ يَظْهَرْ مِنها شَيْءٌ في أبْدانِهِمْ، وإنْ حَفِظَ بَعْضَها عَنِ التَّلَفِ، كَما تَرَوْنَ النِّيامَ هُمُودًا لا يَتَحَرَّكُونَ، فَلا فَخْرَ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ في الدُّنْيا، ولا عَيْشَ أرْغَدُ مِنهُ في الآخِرَةِ.

قالَ الحَرّالِيُّ: فَكَأنَّهُ تَعالى يَنْفِي عَنِ المُجاهِدِ مَنالَ المَكْرُوهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، حَتّى في أنْ يُقالَ عَنْهُ: مَيِّتٌ. فَحَماهُ مِنَ القَوْلِ الَّذِي هو عِنْدَهم مِن أشَدِّ غَرَضِ أنْفُسِهِمْ، لِاعْتِلاقِ أنْفُسِهِمْ بِجَمِيلِ الذِّكْرِ. انْتَهى.

ولِذا قالَ الأصَمُّ: يَعْنِي لا تُسَمُّوهم بِالمَوْتى، وقُولُوا لَهُمُ الشُّهَداءُ الأحْياءُ. وقالَ الرّاغِبُ الأصْفَهانِيُّ: الحَياةُ عَلى أوْجُهٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِنها يُقابِلُهُ مَوْتٌ (الأُولى) هي القُوَّةُ النّامِيَةُ الَّتِي بِها الغِذاءُ، والشَّهْوَةُ إلَيْهِ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في النَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ. ولِذَلِكَ يُقالُ: نَباتٌ حَيٌّ.

(والثّانِيَةُ) في القُوَّةِ الحاسَّةِ الَّتِي بِها الحَرَكَةُ المَكانِيَّةُ. وهي في الحَيَوانِ دُونَ النَّباتِ.

(والثّالِثَةُ) القُوَّةُ العامِلَةُ العاقِلَةُ. وهي في الإنْسانِ دُونَ الحَيَوانِ والنَّباتِ. وبِها يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ. وقَدْ يُقالُ لِلْعِلْمِ المُسْتَفادِ والعَمَلِ الصّالِحِ: حَياةٌ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] وقِيلَ: المُحْسِنُ حَيٌّ وإنْ كانَ في دارِ الأمْواتِ، والمُسِيءُ مَيِّتٌ وإنْ كانَ في دارِ الأحْياءِ.

(قالَ) ونَعُودُ إلى مَعْنى الآيَةِ فَنَقُولُ: قَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَثْبُتُ لَهُمُ الحَياةُ الَّتِي بِها النُّمُوُّ والغِذاءُ، ولا الحَياةُ الَّتِي بِها الحِسُّ. فَإنَّ فِقْدانَهُما عَنِ المَيِّتِ مَحْسُوسٌ ومَعْقُولٌ. فَبَعْضُ المُفَسِّرِينَ اعْتَبَرَ الحَياةَ المُخْتَصَّةَ بِالإنْسانِ. وقالَ: إنَّ هَذِهِ الحَياةَ مُخَصَّصَةٌ بِالقُوَّةِ المُسَمّاةِ تارَةً الرُّوحَ وتارَةً النَّفْسَ. قالَ: والمَوْتُ المُشاهَدُ هو مُفارَقَةُ هَذِهِ القُوَّةِ - الَّتِي هي الرُّوحُ البَدَنَ. فَمَتى كانَ الإنْسانُ مُحْسِنًا كانَ مُنَعَّمًا بِرُوحِهِ مَسْرُورًا لِمَكانِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وإنْ …

Al-Baqara 2:154Listen in Qur'an →
155

وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ

And We will surely test you with something of fear and hunger and a loss of wealth and lives and fruits, but give good tidings to the patient,

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٥ ] ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ [١٥٦ ] ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]

وقَوْلُهُ تَعالى: "ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ" خِطابٌ لِمَن آمَنَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، خُصُّوا بِهِ، وإنْ شَمِلَ مَن ماثَلَهم، لِأنَّهُمُ المُباشِرُونَ لِلدَّعْوَةِ والجِهادِ، ومُكافَحَةِ الفُجّارِ. وكُلُّ قائِمٍ بِحَقٍّ، وداعٍ إلَيْهِ، مُعَرَّضٌ لِلِابْتِلاءِ بِما ذَكَرَ، كُلَّهُ أوْ بَعْضَهُ. والتَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ؛ أيْ: بِقَلِيلٍ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ البَلايا وطَرَفٍ مِنهُ، وإنَّما قَلَّلَ لِيُؤْذَنَ أنَّ كُلَّ بِلاءٍ أصابَ الإنْسانَ، وإنْ جَلَّ، فَفَوْقَهُ ما يَقِلُّ إلَيْهِ، ولِيُخَفِّفَ عَلَيْهِمْ ويُرِيَهم أنَّ رَحْمَتَهُ مَعَهم في كُلِّ حالٍ لا تُزايِلُهم، وإنَّما أخْبَرَ بِهِ قَبْلَ الوُقُوعِ، لِيُوَطِّنُوا عَلَيْهِ نُفُوسَهم، ويَزْدادَ يَقِينُهم، عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ حَسْبَما أُخْبِرَ بِهِ، ولِيَعْلَمُوا أنَّهُ شَيْءٌ يَسِيرٌ، لَهُ عاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ "مِنَ الخَوْفِ" أيْ خَوْفِ العَدُوِّ والإرْجافِ بِهِ "والجُوعِ" أيِ الفَقْرِ، لِلشَّغْلِ بِالجِهادِ، أوْ فَقْدِ الزّادِ، إذا كُنْتُمْ في سَرِيَّةٍ تُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ. وقَدْ كانَ يَتَّفِقُ لَهم ذَلِكَ أيّامًا يَتَبَلَّغُونَ فِيها بِتَمْرَةٍ "ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ" أيْ: لِانْقِطاعِهِمْ بِالجِهادِ عَنْ عِمارَةِ بَساتِينِهِمْ، أوْ لِافْتِقادِ بَعْضِها بِسَبَبِ الهِجْرَةِ، وتَرْكِ شَيْءٍ مِنهُ في البَلْدَةِ المُهاجَرِ مِنها "والأنْفُسِ" بِقَتْلِها شَهِيدَةً في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ ذَهابِ أطْرافِها فِيهِ "والثَّمَراتِ" أيْ بِأنْ لا نَغِلَّ الحَدائِقَ كَعادَتِها، لِلْغَيْبَةِ عَنْها في سَبِيلِ اللَّهِ، وفَقْدِ مَن يَتَعاهَدُها، وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أعْظَمُ أمْوالِ الأنْصارِ الَّذِينَ هم أخَصُّ النّاسِ بِهَذا الذِّكْرِ لا سِيَّما في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ، وهو أوَّلُ زَمانِ الهِجْرَةِ. فَكُلُّ هَذا وأمْثالُهُ مِمّا يَخْتَبِرُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ كَما قالَ ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] قالَ الرّاغِبُ: هَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى مِحَنِ الدُّنْيا كُلِّها: أيْ إذا نَظَرَ إلى عُمُومِ كُلِّ فَرْدٍ مِمّا ذَكَرَ فِيها، وقَطَعَ النَّظَرَ عَنْ خُصُوصِ حالِ المُخاطَبِينَ فِيها، بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ سابِقُهُ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما لِلصّابِرِينَ عِنْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٦] مَكْرُوهٌ، اسْمُ فاعِلٍ مِن أصابَتْهُ شِدَّةٌ: لَحِقَتْهُ. أيْ كَهَذِهِ البَلايا "قالُواْ إنّا لِلَّهِ" أيْ مُلْكًا وخَلْقًا، فَلا يَنْبَغِي أنْ نَخافَ غَيْرَهُ، لِأنَّهُ غالِبٌ عَلى الكُلِّ، أوْ نُبالِي بِالجُوعِ؛ لِأنَّ رِزْقَ العَبْدِ عَلى سَيِّدِهِ، فَإنْ مُنِعَ وقْتًا، فَلا بُدَّ أنْ يَعُودَ إلَيْهِ. وأمْوالُنا وأنْفُسُنا وثَمَراتُنا مِلْكٌ لَهُ، فَلَهُ أنْ يَتَصَرَّفَ فِيها بِما يَشاءُ "وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ" في الدّارِ الآخِرَةِ. فَيَحْصُلُ لَنا عِنْدَهُ ما فَوَّتَهُ عَلَيْنا. لِأنَّهُ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ. فالمُصابُ يَهُونُ عَلَيْهِ خَطْبُهُ، إذا تَسَلّى بِقَوْلِهِ هَذا، وتَصَوَّرَ ما خُلِقَ لَهُ، وأنَّهُ راجِعٌ إلى رَبِّهِ، وتَذَكَّرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، ورَأى أنَّ ما أبْقى عَلَيْهِ أضْعافُ ما اسْتَرَدَّهُ مِنهُ. قالَ الرّاغِبُ: ولَيْسَ يُرِيدُ بِالقَوْلِ اللَّفْظَ فَقَطْ، فَإنَّ …

Al-Baqara 2:155Listen in Qur'an →
156

ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۭ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ

Who, when disaster strikes them, say, "Indeed we belong to Allah, and indeed to Him we will return."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٥ ] ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ [١٥٦ ] ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]

وقَوْلُهُ تَعالى: "ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ" خِطابٌ لِمَن آمَنَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، خُصُّوا بِهِ، وإنْ شَمِلَ مَن ماثَلَهم، لِأنَّهُمُ المُباشِرُونَ لِلدَّعْوَةِ والجِهادِ، ومُكافَحَةِ الفُجّارِ. وكُلُّ قائِمٍ بِحَقٍّ، وداعٍ إلَيْهِ، مُعَرَّضٌ لِلِابْتِلاءِ بِما ذَكَرَ، كُلَّهُ أوْ بَعْضَهُ. والتَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ؛ أيْ: بِقَلِيلٍ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ البَلايا وطَرَفٍ مِنهُ، وإنَّما قَلَّلَ لِيُؤْذَنَ أنَّ كُلَّ بِلاءٍ أصابَ الإنْسانَ، وإنْ جَلَّ، فَفَوْقَهُ ما يَقِلُّ إلَيْهِ، ولِيُخَفِّفَ عَلَيْهِمْ ويُرِيَهم أنَّ رَحْمَتَهُ مَعَهم في كُلِّ حالٍ لا تُزايِلُهم، وإنَّما أخْبَرَ بِهِ قَبْلَ الوُقُوعِ، لِيُوَطِّنُوا عَلَيْهِ نُفُوسَهم، ويَزْدادَ يَقِينُهم، عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ حَسْبَما أُخْبِرَ بِهِ، ولِيَعْلَمُوا أنَّهُ شَيْءٌ يَسِيرٌ، لَهُ عاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ "مِنَ الخَوْفِ" أيْ خَوْفِ العَدُوِّ والإرْجافِ بِهِ "والجُوعِ" أيِ الفَقْرِ، لِلشَّغْلِ بِالجِهادِ، أوْ فَقْدِ الزّادِ، إذا كُنْتُمْ في سَرِيَّةٍ تُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ. وقَدْ كانَ يَتَّفِقُ لَهم ذَلِكَ أيّامًا يَتَبَلَّغُونَ فِيها بِتَمْرَةٍ "ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ" أيْ: لِانْقِطاعِهِمْ بِالجِهادِ عَنْ عِمارَةِ بَساتِينِهِمْ، أوْ لِافْتِقادِ بَعْضِها بِسَبَبِ الهِجْرَةِ، وتَرْكِ شَيْءٍ مِنهُ في البَلْدَةِ المُهاجَرِ مِنها "والأنْفُسِ" بِقَتْلِها شَهِيدَةً في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ ذَهابِ أطْرافِها فِيهِ "والثَّمَراتِ" أيْ بِأنْ لا نَغِلَّ الحَدائِقَ كَعادَتِها، لِلْغَيْبَةِ عَنْها في سَبِيلِ اللَّهِ، وفَقْدِ مَن يَتَعاهَدُها، وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أعْظَمُ أمْوالِ الأنْصارِ الَّذِينَ هم أخَصُّ النّاسِ بِهَذا الذِّكْرِ لا سِيَّما في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ، وهو أوَّلُ زَمانِ الهِجْرَةِ. فَكُلُّ هَذا وأمْثالُهُ مِمّا يَخْتَبِرُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ كَما قالَ ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] قالَ الرّاغِبُ: هَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى مِحَنِ الدُّنْيا كُلِّها: أيْ إذا نَظَرَ إلى عُمُومِ كُلِّ فَرْدٍ مِمّا ذَكَرَ فِيها، وقَطَعَ النَّظَرَ عَنْ خُصُوصِ حالِ المُخاطَبِينَ فِيها، بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ سابِقُهُ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما لِلصّابِرِينَ عِنْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٦] مَكْرُوهٌ، اسْمُ فاعِلٍ مِن أصابَتْهُ شِدَّةٌ: لَحِقَتْهُ. أيْ كَهَذِهِ البَلايا "قالُواْ إنّا لِلَّهِ" أيْ مُلْكًا وخَلْقًا، فَلا يَنْبَغِي أنْ نَخافَ غَيْرَهُ، لِأنَّهُ غالِبٌ عَلى الكُلِّ، أوْ نُبالِي بِالجُوعِ؛ لِأنَّ رِزْقَ العَبْدِ عَلى سَيِّدِهِ، فَإنْ مُنِعَ وقْتًا، فَلا بُدَّ أنْ يَعُودَ إلَيْهِ. وأمْوالُنا وأنْفُسُنا وثَمَراتُنا مِلْكٌ لَهُ، فَلَهُ أنْ يَتَصَرَّفَ فِيها بِما يَشاءُ "وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ" في الدّارِ الآخِرَةِ. فَيَحْصُلُ لَنا عِنْدَهُ ما فَوَّتَهُ عَلَيْنا. لِأنَّهُ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ. فالمُصابُ يَهُونُ عَلَيْهِ خَطْبُهُ، إذا تَسَلّى بِقَوْلِهِ هَذا، وتَصَوَّرَ ما خُلِقَ لَهُ، وأنَّهُ راجِعٌ إلى رَبِّهِ، وتَذَكَّرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، ورَأى أنَّ ما أبْقى عَلَيْهِ أضْعافُ ما اسْتَرَدَّهُ مِنهُ. قالَ الرّاغِبُ: ولَيْسَ يُرِيدُ بِالقَوْلِ اللَّفْظَ فَقَطْ، فَإنَّ …

Al-Baqara 2:156Listen in Qur'an →
157

أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌۭ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ

Those are the ones upon whom are blessings from their Lord and mercy. And it is those who are the [rightly] guided.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٧ ] ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾

"أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى الصّابِرِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذَكَرَ مِنَ النُّعُوتِ "عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ"

قالَ الرّاغِبُ: الصَّلاةُ، وإنْ كانَتْ في الأصْلِ الدُّعاءَ، فَهي مِنَ اللَّهِ البَرَكَةُ عَلى وجْهٍ، والمَغْفِرَةُ عَلى وجْهٍ. وقالَ الرّازِيُّ: الصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ هي الثَّناءُ والمَدْحُ والتَّعْظِيمُ. قالَ الرّاغِبُ: وإنَّما قالَ "صَلَواتٌ" عَلى الجَمْعِ، تَنْبِيهًا عَلى كَثْرَتِها مِنهُ وأنَّها حاصِلَةٌ في الدُّنْيا تَوْفِيقًا وإرْشادًا، وفي الآخِرَةِ ثَوابًا ومَغْفِرَةً "ورَحْمَةٌ" عَظِيمَةٌ في الدُّنْيا عِوَضُ مُصِيبَتِهِمْ "وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ" أيْ إلى الوَفاءِ بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، فَلا بُدَّ أنْ يُوَفِّيَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَلَواتِهُ ورَحْمَتَهُ.

(تَنْبِيهٌ) ورَدَ في ثَوابِ الِاسْتِرْجاعِ وهو قَوْلُ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، عِنْدَ المَصائِبِ، وفي أجْرِ الصّابِرِينَ، أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. مِنها ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««ما مِن عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ. اللَّهُمَّ أْجُرْنِي في مُصِيبَتِي، وأخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنها، إلّا أجَرَهُ اللَّهُ في مُصِيبَتِهِ، وأخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنها» . قالَتْ: فَلَمّا تُوُفِّيَ أبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: مَن خَيْرٌ مِن أبِي سَلَمَةَ: صاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ؟ ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ لِي فَقُلْتُها. قالَتْ: فَتَزَوَّجْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ».

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِما السَّلامُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««ما مِن مُسْلِمٍ ولا مُسْلِمَةٍ يُصابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَذْكُرُها، وإنْ طالَ عَهْدُها، فَيَحْدُثُ لِذَلِكَ اسْتِرْجاعًا، إلّا جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَأعْطاهُ مِثْلَ أجْرِها يَوْمَ أُصِيبَ بِها»» .

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ بِسَنَدِهِ عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: «دَفَنْتُ ابْنًا لِي، وإنِّي لَفي القَبْرِ إذْ أخَذَ بِيَدِي أبُو طَلْحَةَ (يَعْنِي الخَوْلانِيَّ) فَأخْرَجَنِي وقالَ: ألا أُبَشِّرُكَ ؟ قالَ قُلْتُ: بَلى. قالَ: حَدَّثَنِي الضَّحّاكُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَرْزَبٍ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قالَ اللَّهُ تَعالى: يا مَلَكَ المَوْتِ، قَبَضْتَ ولَدَ عَبْدِي، قَبَضْتَ قُرَّةَ عَيْنِهِ وثَمَرَةَ فُؤادِهِ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَما قالَ ؟ قالَ: حَمِدَكَ واسْتَرْجَعَ. قالَ ابْنُوا لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ وسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ»» . ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.

ورَوى البُخارِيُّ: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنهُ»» .

ورَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««ما يُصِيبُ المُسْلِمُ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ ولا هَمٍّ ولا حَزَنٍ ولا أذًى ولا غَمٍّ، حَتّى الشَّوْكَةِ يُشاكُها، إلّا كَفَّرَ اللَّهُ بِها مِن خَطاياهُ»» .

ورَوَيا أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما مِن مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أذًى مِن مَرَضٍ فَما سِواهُ إلّا حَطَّ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ مِن سَيِّئاتِهِ، كَما تَحُطُّ الشَّجَرَةُ ورَقَها»» .

والأحادِيثُ في ذَلِكَ مُتَوافِرَةٌ مَعْرُوفَةٌ في كُتُبِ السُّنَّةِ.

ولِلْإمامِ عِزِّ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، كَلامٌ عَلى فَوائِدِ المِحَنِ والرَّزايا …

Al-Baqara 2:157Listen in Qur'an →
158

۞ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًۭا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ

Indeed, as-Safa and al-Marwah are among the symbols of Allah. So whoever makes Hajj to the House or performs 'umrah - there is no blame upon him for walking between them. And whoever volunteers good - then indeed, Allah is appreciative and Knowing.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٨] ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ ﴿الصَّفا والمَرْوَةَ﴾ عَلَمانِ لِجَبَلَيْنِ بِمَكَّةَ، ومَعْنى كَوْنِهِما مِن شَعائِرِ اللَّهِ: مِن أعْلامِ مَناسِكِهِ ومُتَعَبَّداتِهِ.

قالَ الرّازِيُّ: كُلُّ شَيْءٍ جُعِلَ عَلَمًا مِن أعْلامِ طاعَةِ اللَّهِ، فَهو مِن شَعائِرِ اللَّهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] أيْ: عَلامَةً لِلْقُرْبَةِ. وقالَ: ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] وشَعائِرُ الحَجِّ مَعالِمُ نُسُكِهِ، ومِنهُ المَشْعَرُ الحَرامُ، ومِنهُ إشْعارُ السَّنامِ - وهو أنْ يُعَلَّمَ بِالمُدْيَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَمًا عَلى إحْرامِ صاحِبِها، وعَلى أنَّهُ قَدْ جَعَلَهُ هَدْيًا لِبَيْتِ اللَّهِ. و(الشَّعائِرُ): جَمْعُ شَعِيرَةٍ وهي العَلامَةُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الإشْعارِ الَّذِي هو الإعْلامُ، ومِنهُ قَوْلُكَ: شَعَرْتُ بِكَذا أيْ: عَلِمْتُ انْتَهى.

والحَجُّ: في اللُّغَةِ: القَصْدُ. والِاعْتِمارُ: الزِّيارَةُ. غُلِبا في الشَّرِيعَةِ عَلى قَصْدِ البَيْتِ، وزِيارَتِهِ، عَلى الوَجْهَيْنِ المَعْرُوفَيْنِ في النُّسُكِ. والجُناحُ: بِالضَّمِّ: الإثْمُ والتَّضْيِيقُ والمُؤاخَذَةُ. وأصْلُ الطَّوافِ: المَشْيُ حَوْلَ الشَّيْءِ. والمُرادُ: السَّعْيُ بَيْنَهُما.

وقَدْ رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ عِدَّةُ رِواياتٍ:

ولَفْظُ البُخارِيِّ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: «سَألْتُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَقُلْتُ لَها: أرَأيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ فَواللَّهِ! ما عَلى أحَدٍ جُناحٌ أنْ لا يَطَّوَّفَ بِالصَّفا والمَرْوَةِ! قالَتْ: بِئْسَما قُلْتَ يا ابْنَ أُخْتِي! إنَّ هَذِهِ لَوْ كانَتْ كَما أوَّلْتَها عَلَيْهِ، كانَتْ: لا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ لا يَتَطَوَّفَ بِهِما، ولَكِنَّها أُنْزِلَتْ في الأنْصارِ، كانُوا قَبْلَ أنْ يُسَلِّمُوا يَهُلُّونَ لِمَناةَ الطّاغِيَةِ، الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها عِنْدَ المُشَلَّلِ، فَكانَ مَن أهَلَّ يَتَحَرَّجُ أنْ يَطَّوَّفَ بِالصَّفا والمَرْوَةِ. فَلَمّا أسْلَمُوا سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنّا كُنّا نَتَحَرَّجُ أنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ﴾ الآيَةَ.

قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: وقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّوافَ بَيْنَهُما». فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَتْرُكَ الطَّوافَ بَيْنَهُما.

ثُمَّ أخْبَرْتُ أبا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقالَ: إنَّ هَذا لَعِلْمٌ ما كُنْتُ سَمِعْتُهُ، ولَقَدْ سَمِعْتُ رِجالًا مِن أهْلِ العِلْمِ يَذْكُرُونَ أنَّ النّاسَ - إلّا مَن ذَكَرَتْ عائِشَةُ مِمَّنْ كانَ يُهِلُّ بِمَناةَ - كانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهم بِالصَّفا والمَرْوَةِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الطَّوافَ بِالبَيْتِ، ولَمْ يَذْكُرِ الصَّفا والمَرْوَةَ في القُرْآنِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! كُنّا نَطُوفُ بِالصَّفا والمَرْوَةِ، وإنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الطَّوافَ بِالبَيْتِ فَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفا. فَهَلْ عَلَيْنا مَن حَرَجٍ أنْ نَطَّوَّفَ بِالصَّفا والمَرْوَةِ؟ فَأنْزَلَ …

Al-Baqara 2:158Listen in Qur'an →
159

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلْهُدَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِى ٱلْكِتَٰبِ ۙ أُو۟لَٰٓئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ

Indeed, those who conceal what We sent down of clear proofs and guidance after We made it clear for the people in the Scripture - those are cursed by Allah and cursed by those who curse,

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْـزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْـزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾

لَمّا تَقَدَّمَ أنَّ بَعْضَ أهْلِ الكِتابِ يَكْتُمُونَ ما يَعْلَمُونَ مِن هَذا الحَقِّ، وخَتَمَ ما أتْبَعَهُ لَهُ بِصِفَتَيِ الشُّكْرِ والعِلْمِ - تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا - بِأنَّهُ يَشْكُرُ مَن فَعَلَ ما شَرَعَهُ لَهُ، ويَعْلَمُ مَن أخْفاهُ وإنْ دَقَّ فِعْلُهُ وبالَغَ في كِتْمانِهِ، انْعَطَفَ الكَلامُ إلى تَبْكِيتِ المُنافِقِينَ مِنهُمْ، ولَعَنَهم عَلى كِتْمانِهِمْ ما يَعْلَمُونَ مِنَ الحَقِّ؛ إذْ كانَتْ هَذِهِ كُلُّها في الحَقِيقَةِ قِصَصَهُمْ، والخُرُوجُ إلى غَيْرِها إنَّما هو اسْتِطْرادٌ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ المُبِينِ؛ لِأنَّ هَذا الكِتابَ هُدًى، وكانَ السِّياقُ مُرْشِدًا إلى أنَّ التَّقْدِيرَ بَعْدَ: ﴿شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] ومَن أحْدَثَ شَرًّا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، فَوَصَلَ بِهِ اسْتِئْنافًا قَوْلَهُ - عَلى وجْهٍ يَعُمُّهم وغَيْرَهم -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْـزَلْنا﴾ الآيَةَ، بَيانًا لِجَزائِهِمْ، فانْتَظَمَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خَتْمِها لِهَذا الخِطابِ بِما مَضى في أوَّلِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] فَكانَتِ البِدايَةُ خاصَّةً، وكانَ الخَتْمُ عامًّا، لِيَكُونَ ما في كِتابِ اللَّهِ أمْرًا مُنْطَبِقًا - عَلى نَحْوِ ما كانَ أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ خَلْقًا - لِيَنْطَبِقَ الأمْرُ عَلى الخَلْقِ بَدْءًا وخَتْمًا انْطِباقًا واحِدًا، فَعَمَّ كُلَّ كاتِمٍ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ. نَقَلَهُ البِقاعِيُّ.

واللَّعْنُ: الطَّرْدُ والإبْعادُ عَنِ الخَيْرِ، هَذا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومِنَ الخَلْقِ: السَّبُّ والشَّتْمُ، والدُّعاءُ عَلى المَلْعُونِ، ومُشاقَّتُهُ، ومُخالَفَتُهُ، مَعَ السُّخْطِ عَلَيْهِ، والبَراءَةِ مِنهُ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿اللاعِنُونَ﴾ كُلُّ مَن يَصِحُّ مِنهُ لَعْنٌ، وقَدْ بَيَّنَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١] وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذا الكِتْمانَ مِنَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ فِيهِ اللَّعْنَ، لِأنَّ ما يَتَّصِلُ بِالدِّينِ ويَحْتاجُ إلَيْهِ المُكَلَّفُ لا يَجُوزُ أنْ يُكْتَمَ، ومَن كَتَمَهُ فَقَدْ عَظُمَتْ خَطِيئَتُهُ، وبَلَغَ لِلَعْنِهِ مِنَ الشَّقاوَةِ والخُسْرانِ الغايَةَ الَّتِي لا يُدْرَكُ كُنْهُها..! وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في النَّهْيِ عَنْ كِتْمانِ العِلْمِ. وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَوْلا آيَتانِ أنْزَلَهُما اللَّهُ في كِتابِهِ ما حَدَّثْتُ شَيْئًا أبَدًا: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] الآيَةَ.

ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى مِن هَؤُلاءِ مَن تابَ إلَيْهِ فَقالَ:

Al-Baqara 2:159Listen in Qur'an →
160

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَبَيَّنُوا۟ فَأُو۟لَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Except for those who repent and correct themselves and make evident [what they concealed]. Those - I will accept their repentance, and I am the Accepting of repentance, the Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٠] ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ - أيْ: عَنِ الكِتْمانِ -: ﴿وأصْلَحُوا﴾ - أيْ: عَمِلُوا صالِحًا -: ﴿وبَيَّنُوا﴾ - ما كانُوا كَتَمُوهُ فَظَهَرَتْ تَوْبَتُهم بِالإقْلاعِ -: ﴿فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ - أيْ: أقْبَلُ تَوْبَتَهم بِإفاضَةِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ -: ﴿وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ واسْتَمَرَّ بِهِ الحالُ إلى كُفْرِهِ بِقَوْلِهِ:

Al-Baqara 2:160Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.