كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًۭا مِّنكُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ
Just as We have sent among you a messenger from yourselves reciting to you Our verses and purifying you and teaching you the Book and wisdom and teaching you that which you did not know.
قَوْلُهُ: ولِكُلٍّ بِحَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ لِدَلالَةِ التَّنْوِينِ عَلَيْهِ، أيْ لِكُلِّ أهْلِ دِينٍ وِجْهَةٌ، والوِجْهَةُ فِعْلَةٌ مِنَ المُواجَهَةِ وفي مَعْناها الجِهَةُ والوَجْهُ، والمُرادُ القِبْلَةُ، أيْ أنَّهم لا يَتَّبِعُونَ قِبْلَتَكَ وأنْتَ لا تَتَّبِعُ قِبْلَتَهم ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ إمّا بِحَقٍّ وإمّا بِباطِلٍ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ راجِعٌ إلى لَفْظِ كُلٍّ.
والهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿مُوَلِّيها﴾ هي المَفْعُولُ الأوَّلُ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ مُوَلِّيها وجْهَهُ.
والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ صاحِبِ مِلَّةٍ قِبْلَةً، صاحِبُ القِبْلَةِ مُوَلِّيها وجْهَهُ، أوْ لِكُلٍّ مِنكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ قِبْلَةٌ يُصَلِّي إلَيْها مِن شَرْقٍ أوْ غَرْبٍ أوْ جَنُوبٍ أوْ شَمالٍ إذا كانَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، إذْ هو مَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ فاعِلُ ذَلِكَ، والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ صاحِبِ مِلَّةٍ قِبْلَةً اللَّهُ مُوَلِّيها إيّاهُ.
وحَكى الطَّبَرِيُّ أنَّ قَوْمًا قَرَءُوا ( ولِكُلِّ وِجْهَةٍ ) بِالإضافَةِ، ونَسَبَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ في الكَشّافِ: والمَعْنى: وكُلُّ وِجْهَةٍ اللَّهُ مُوَلِّيها فَزِيدَتِ اللّامُ لِتَقَدُّمِ المَفْعُولِ كَقَوْلِكَ لَزَيْدٌ ضَرَبْتُ ولَزَيْدٌ أبُوهُ ضارِبُهُ. انْتَهى.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عامِرٍ: " مُوَلّاها " عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ: قالَ الزَّجّاجُ: والضَّمِيرُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِواحِدٍ، أيْ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ قِبْلَةٌ الواحِدُ مُوَلّاها، أيْ مَصْرُوفٌ إلَيْها.
وقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ أيْ إلى الخَيْراتِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، أيْ بادِرُوا إلى ما أمَرَكُمُ اللَّهُ مِنِ اسْتِقْبالِ البَيْتِ الحَرامِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ الأمْرَ بِالِاسْتِباقِ إلى كُلِّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ خَيْرٌ كَما يُفِيدُهُ العُمُومُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ الخَيْراتِ، والمُرادُ مِنَ الِاسْتِباقِ إلى الِاسْتِقْبالِ: الِاسْتِباقُ إلى الصَّلاةِ في أوَّلِ وقْتِها.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ في أيِّ جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ لِلْجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ يَجْمَعُكم جَمِيعًا، ويَجْعَلُ صَلاتَكم في الجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ كَأنَّها إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ كَرَّرَ سُبْحانَهُ هَذا لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، ولِلِاهْتِمامِ بِهِ، لِأنَّ مَوْقِعَ التَّحْوِيلِ كانَ مُعْتَنًى بِهِ في نُفُوسِهِمْ، وقِيلَ: وجْهُ التَّكْرِيرِ أنَّ النَّسْخَ مِن مَظانِّ الفِتْنَةِ ومَواطِنِ الشُّبْهَةِ، فَإذا سَمِعُوهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ثَبَتُوا وانْدَفَعَ ما يَخْتَلِجُ في صُدُورِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ كَرَّرَ هَذا الحُكْمَ لِتَعَدُّدِ عِلَلِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ لِلتَّحْوِيلِ ثَلاثَ عِلَلٍ: الأُولى ابْتِغاءُ مَرْضاتِهِ، والثّانِيَةُ جَرْيُ العادَةِ الإلَهِيَّةِ أنْ يُوَلِّيَ كُلَّ أهْلِ مِلَّةٍ وصاحِبِ دَعْوَةٍ جِهَةً يَسْتَقِلُّ بِها والثّالِثَةُ دَفْعُ حُجَجِ المُخالِفِينَ فَقَرَنَ بِكُلِّ عِلَّةٍ مَعْلُولَها، وقِيلَ: أرادَ بِالأوَّلِ: ولِّ وجْهَكَ شَطْرَ الكَعْبَةِ إذا صَلَّيْتَ تِلْقاءَها، ثُمَّ قالَ: وحَيْثُما كُنْتُمْ مَعاشِرَ المُسْلِمِينَ في سائِرِ المَساجِدِ بِالمَدِينَةِ وغَيْرِها فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ يَعْنِي وُجُوبَ الِاسْتِقْبالِ في الأسْفارِ فَكانَ …