Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 141–150 of 286

141

تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

That is a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللهِ وهو رَبُّنا ورَبُّكم ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ ﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أو نَصارى قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمْ اللهُ ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهُ وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

مَعْنى الآيَةِ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ اليَهُودِ والنَصارى الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّهم أبْناءُ اللهِ وَأحِبّاؤُهُ وادَّعَوْا أنَّهم أولى بِاللهِ مِنكم لِقِدَمِ أدْيانِهِمْ وكُتُبِهِمْ: ﴿أتُحاجُّونَنا في اللهِ﴾ ؟ أيْ: أتُجاذِبُونَنا الحُجَّةَ عَلى دَعْواكُمْ؟ والرَبُّ تَعالى واحِدٌ. وكُلٌّ مُجازى بِعَمَلِهِ فَأيُّ تَأْثِيرٍ لِقِدَمِ الدِينِ، ثُمَّ وُبِّخُوا بِقَوْلِهِ: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾، أيْ: ولِمَ تُخْلِصُوا أنْتُمْ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ ما نَحْنُ أولى بِهِ مِنكُمْ؟ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "أتُحاجُّونّا" بِإدْغامِ النُونِ في النُونِ، وخَفَّ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنِينَ لِأنَّ الأوَّلَ حَرْفُ مَدٍّ ولِينٍ، فالمَدُّ كالحَرَكَةِ، ومِن هَذا البابِ: دابَّةٌ وشابَّةٌ، وفي اللهِ مَعْناهُ: في دِينِهِ والقُرْبِ مِنهُ والحُظْوَةِ لَدَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَقُولُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ المُتَقَدِّمَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ قَرَأها ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "أمْ يَقُولُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلٍ، و"أمْ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَقْطُوعَةٌ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، وحُكِيَ عن بَعْضِ النُحاةِ أنَّها لَيْسَتْ بِالمَقْطُوعَةِ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: أتَقُومُ أمْ يَقُومُ عَمْرٌو ؟ فالمَعْنى: أيَكُونُ هَذا أمْ هَذا؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا المِثالُ غَيْرُ جَيِّدٍ، لِأنَّ القائِلَ فِيهِ واحِدٌ والمُخاطَبُ واحِدٌ، والقَوْلُ في الآيَةِ مِنَ اثْنَيْنِ والمُخاطَبُ اثْنانِ غَيْرانِ، وإنَّما تَتَّجِهُ مُعادَلَةُ "أمْ" لِلْألْفِ عَلى الحُكْمِ المَعْنَوِيِّ، كَأنَّ مَعْنى ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا﴾: أيْ أيُحاجُّونَ يا مُحَمَّدُ أمْ يَقُولُونَ؟

وقِيلَ: إنَّ "أمْ" في هَذا المَوْضِعِ غَيْرُ مُعادَلَةٍ عَلى القِراءَتَيْنِ، وحُجَّةُ ذَلِكَ اخْتِلافُ مَعْنى الآيَتَيْنِ وأنَّهُما لَيْسا قِسْمَيْنِ، بَلِ المُحاجَّةُ مَوْجُودَةٌ في دَعْواهُمُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَلامُ.

وَوَقَفَهم تَعالى عَلى مَوْضِعِ الِانْقِطاعِ في الحُجَّةِ، لِأنَّهم إنْ قالُوا: إنَّ الأنْبِياءَ المَذْكُورِينَ عَلى اليَهُودِيَّةِ والنَصْرانِيَّةِ كَذَّبُوا، لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّ هَذَيْنَ الدِينَيْنِ حَدَثا بَعْدَهُمْ، وإنْ قالُوا: لَمْ يَكُونُوا عَلى اليَهُودِيَّةِ والنَصْرانِيَّةِ قِيلَ لَهُمْ: فَهَلُمُّوا إلى دِينِهِمْ إذْ تُقِرُّونَ بِالحَقِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللهُ﴾ ؟ تَقْرِيرٌ عَلى فَسادِ دَعْواهُمْ، إذْ لا جَوابَ لِمَفْطُورٍ إلّا أنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمُ. ﴿وَمَن أظْلَمُ﴾ لَفْظُهُ الِاسْتِفْهامُ، والمَعْنى: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُمْ، وإيّاهم أرادَ تَعالى بِكِتْمانِ الشَهادَةِ.

واخْتُلِفَ في الشَهادَةِ هُنا، ما هِيَ؟ فَقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والرَبِيعُ: هي ما في كُتُبِهِمْ مِن أنَّ الأنْبِياءَ عَلى الحَنِيفِيَّةِ لا عَلى ما ادَّعَوْا هُمْ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: هي ما عِنْدَهم مِنَ الأمْرِ بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ ﷺ واتِّباعُهُ، والأوَّلُ …

Al-Baqara 2:141Listen in Qur'an →
142

۞ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا۟ عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

The foolish among the people will say, "What has turned them away from their qiblah, which they used to face?" Say, "To Allah belongs the east and the west. He guides whom He wills to a straight path."

قوله عزّ وجلّ:

﴿سَيَقُولُ السُفَهاءُ مِنَ الناسِ ما ولاهم عن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مِنَ يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ ويَكُونَ الرَسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَسُولُ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللهُ وما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم إنَّ اللهُ بِالناسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

أعْلَمَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم سَيَقُولُونَ في شَأْنِ تَحَوُّلِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الشامِ إلى الكَعْبَةِ: "ما ولّاهُمْ"، و"السُفَهاءُ" هُمُ الخِفافُ الأحْكامِ والعُقُولِ، والسَفَهُ: الخِفَّةُ والهَلْهَلَةُ، ثَوْبٌ سَفِيهٌ أيْ غَيْرُ مُتْقَنِ النَسْجِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:

؎ مَشِينٌ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ أعالِيها مَرَّ الرِياحُ النَواسِمُ

أيِ اسْتَخَفَّتْها، وخَصَّ بِقَوْلِهِ: " مِنَ الناسِ " لِأنَّ السَفَهَ يَكُونُ في جَماداتٍ وحَيَواناتٍ، والمُرادُ بِـ "السُفَهاءُ" هُنا جَمِيعُ مَن قالَ: " ما ولّاهم "، وقالَها فِرَقٌ، واخْتَلَفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَها الأحْبارُ مِنهُمْ، وذَلِكَ أنَّهم جاءُوا إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ: ما ولّاكَ عن قِبْلَتِنا؟ ارْجِعْ إلَيْها ونُؤْمِنُ بِكَ، يُرِيدُونَ فِتْنَتَهُ، وقالَ السُدِّيُّ: قالَها بَعْضُ اليَهُودِ والمُنافِقُونَ اسْتِهْزاءً، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: اشْتاقَ الرَجُلُ إلى وطَنِهِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: قالَها كُفّارُ قُرَيْشٍ، لِأنَّهم قالُوا: ما ولّاهُ عن قِبْلَتِهِ؟ ما رَجَعَ إلَيْنا إلّا لِعِلْمِهِ أنّا عَلى الحَقِّ، وسَيَرْجِعُ إلى دِينِنا كُلِّهِ، و"وَلّاهُمْ" مَعْناهُ صَرَفَهُمْ، والقِبْلَةُ: فِعْلَةُ هَيْئَةِ المُقابِلِ لِلشَّيْءِ، فَهي كالقَعْدَةِ والإزْرَةِ.

وَجُعِلَ المُسْتَقْبَلُ مَوْضِعَ الماضِي في قَوْلِهِ: " سَيَقُولُ " دَلالَةٌ عَلى اسْتِدامَةِ ذَلِكَ، وأنَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ، ونَصَّ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ قَوْلِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ إقامَةُ حُجَّةٍ، أيْ: لَهُ مُلْكُ المَشارِقِ والمَغارِبِ وما بَيْنَهُما، و﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ إشارَةٌ إلى هِدايَةِ اللهِ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ إلى قِبْلَةِ إبْراهِيمَ. والصِراطُ: الطَرِيقُ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ، هَلْ كانَتْ صَلاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بِأمْرٍ مِنَ اللهِ تَعالى في القُرْآنِ، أو بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ؟، فَذَكَرَ ابْنُ فَوْرَكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ القِبْلَةُ، وقالَ الجُمْهُورُ: بَلْ كانَ أمْرُ قِبْلَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ، وقالَ الرَبِيعُ: خَيْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ في النَواحِي فاخْتارَ بَيْتُ المَقْدِسِ لِيَسْتَأْلِفَ بِها أهْلَ الكِتابِ، ومَن قالَ كانَ بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ قالَ: كانَ ذَلِكَ لِيَخْتَبِرَ اللهُ تَعالى مَن آمَنَ مِنَ العَرَبِ لِأنَّهم كانُوا يَأْلَفُونَ الكَعْبَةَ ويُنافِرُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ وغَيْرَهُ، واخْتُلِفَ كَمْ صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ؟ فَفي البُخارِيِّ سِتَّةَ عَشَرَ أو سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ورُوِيَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ تِسْعَةُ أو عَشَرَةُ أشْهُرٍ، ورُوِيَ عن غَيْرِهِ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا.

وحَكى مَكِّيٌّ عن إبْراهِيمَ بْنِ إسْحاقَ «أنَّهُ قالَ: أوَّلُ أمْرِ الصَلاةِ أنَّها فُرِضَتْ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ في أوَّلِ النَهارِ، …

Al-Baqara 2:142Listen in Qur'an →
143

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًۭا ۗ وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

And thus we have made you a just community that you will be witnesses over the people and the Messenger will be a witness over you. And We did not make the qiblah which you used to face except that We might make evident who would follow the Messenger from who would turn back on his heels. And indeed, it is difficult except for those whom Allah has guided. And never would Allah have caused you to lose your faith. Indeed Allah is, to the people, Kind and Merciful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿سَيَقُولُ السُفَهاءُ مِنَ الناسِ ما ولاهم عن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مِنَ يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ ويَكُونَ الرَسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَسُولُ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللهُ وما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم إنَّ اللهُ بِالناسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

أعْلَمَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم سَيَقُولُونَ في شَأْنِ تَحَوُّلِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الشامِ إلى الكَعْبَةِ: "ما ولّاهُمْ"، و"السُفَهاءُ" هُمُ الخِفافُ الأحْكامِ والعُقُولِ، والسَفَهُ: الخِفَّةُ والهَلْهَلَةُ، ثَوْبٌ سَفِيهٌ أيْ غَيْرُ مُتْقَنِ النَسْجِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:

؎ مَشِينٌ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ أعالِيها مَرَّ الرِياحُ النَواسِمُ

أيِ اسْتَخَفَّتْها، وخَصَّ بِقَوْلِهِ: " مِنَ الناسِ " لِأنَّ السَفَهَ يَكُونُ في جَماداتٍ وحَيَواناتٍ، والمُرادُ بِـ "السُفَهاءُ" هُنا جَمِيعُ مَن قالَ: " ما ولّاهم "، وقالَها فِرَقٌ، واخْتَلَفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَها الأحْبارُ مِنهُمْ، وذَلِكَ أنَّهم جاءُوا إلى النَبِيِّ ﷺ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ: ما ولّاكَ عن قِبْلَتِنا؟ ارْجِعْ إلَيْها ونُؤْمِنُ بِكَ، يُرِيدُونَ فِتْنَتَهُ، وقالَ السُدِّيُّ: قالَها بَعْضُ اليَهُودِ والمُنافِقُونَ اسْتِهْزاءً، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: اشْتاقَ الرَجُلُ إلى وطَنِهِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: قالَها كُفّارُ قُرَيْشٍ، لِأنَّهم قالُوا: ما ولّاهُ عن قِبْلَتِهِ؟ ما رَجَعَ إلَيْنا إلّا لِعِلْمِهِ أنّا عَلى الحَقِّ، وسَيَرْجِعُ إلى دِينِنا كُلِّهِ، و"وَلّاهُمْ" مَعْناهُ صَرَفَهُمْ، والقِبْلَةُ: فِعْلَةُ هَيْئَةِ المُقابِلِ لِلشَّيْءِ، فَهي كالقَعْدَةِ والإزْرَةِ.

وَجُعِلَ المُسْتَقْبَلُ مَوْضِعَ الماضِي في قَوْلِهِ: " سَيَقُولُ " دَلالَةٌ عَلى اسْتِدامَةِ ذَلِكَ، وأنَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ، ونَصَّ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ قَوْلِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ إقامَةُ حُجَّةٍ، أيْ: لَهُ مُلْكُ المَشارِقِ والمَغارِبِ وما بَيْنَهُما، و﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ إشارَةٌ إلى هِدايَةِ اللهِ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ إلى قِبْلَةِ إبْراهِيمَ. والصِراطُ: الطَرِيقُ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ، هَلْ كانَتْ صَلاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بِأمْرٍ مِنَ اللهِ تَعالى في القُرْآنِ، أو بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ؟، فَذَكَرَ ابْنُ فَوْرَكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ القِبْلَةُ، وقالَ الجُمْهُورُ: بَلْ كانَ أمْرُ قِبْلَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ، وقالَ الرَبِيعُ: خَيْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ في النَواحِي فاخْتارَ بَيْتُ المَقْدِسِ لِيَسْتَأْلِفَ بِها أهْلَ الكِتابِ، ومَن قالَ كانَ بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ قالَ: كانَ ذَلِكَ لِيَخْتَبِرَ اللهُ تَعالى مَن آمَنَ مِنَ العَرَبِ لِأنَّهم كانُوا يَأْلَفُونَ الكَعْبَةَ ويُنافِرُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ وغَيْرَهُ، واخْتُلِفَ كَمْ صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ؟ فَفي البُخارِيِّ سِتَّةَ عَشَرَ أو سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ورُوِيَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ تِسْعَةُ أو عَشَرَةُ أشْهُرٍ، ورُوِيَ عن غَيْرِهِ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا.

وحَكى مَكِّيٌّ عن إبْراهِيمَ بْنِ إسْحاقَ «أنَّهُ قالَ: أوَّلُ أمْرِ الصَلاةِ أنَّها فُرِضَتْ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ في أوَّلِ النَهارِ، …

Al-Baqara 2:143Listen in Qur'an →
144

قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةًۭ تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ

We have certainly seen the turning of your face, [O Muhammad], toward the heaven, and We will surely turn you to a qiblah with which you will be pleased. So turn your face toward al-Masjid al-Haram. And wherever you [believers] are, turn your faces toward it [in prayer]. Indeed, those who have been given the Scripture well know that it is the truth from their Lord. And Allah is not unaware of what they do.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهِكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَلَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهم وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ولَئِنْ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظالِمِينَ﴾

المَقْصِدُ تَقَلُّبُ البَصَرِ، وذُكِرَ الوَجْهُ لِأنَّهُ أعَمُّ وأشْرَفُ، وهو المُسْتَعْمَلُ في طَلَبِ الرَغائِبِ، تَقُولُ: بَذَلْتُ وجْهِي في كَذا، وفَعَلْتُ لِوَجْهِ فُلانٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ رَجَعْتُ بِما أبْغِي ووَجْهِي بِمائِهِ.................

وأيْضًا فالوَجْهُ يَتَقَلَّبُ بِتَقَلُّبِ البَصَرِ، وقالَ قَتادَةُ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُما: «كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقَلِّبُ وجْهَهُ في الدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى، أنْ يُحَوِّلَهُ إلى قِبْلَةِ مَكَّةَ، وقِيلَ: كانَ يُقَلِّبُ لِيُؤْذَنَ لَهُ في الدُعاءِ».

ومَعْنى التَقَلُّبِ نَحْوَ السَماءِ أنَّ السَماءَ جِهَةٌ قَدْ تَعَوَّدَ العالِمُ مِنها الرَحْمَةَ كالمَطَرِ والأنْوارِ والوَحْيِ، فَهم يَجْعَلُونَ رَغْبَتَهم حَيْثُ تَوالَتِ النِعَمُ. و"تَرْضاها" مَعْناهُ: تُحِبُّها وتَقَرُّ بِها عَيْنُكَ.

وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ الكَعْبَةَ والتَحَوُّلَ عن بَيْتِ المَقْدِسِ لِوُجُوهٍ ثَلاثَةٍ رُوِيَتْ، فَقالَ مُجاهِدٌ: لِقَوْلِ اليَهُودِ: ما عَلِمَ مُحَمَّدٌ دِينَهُ حَتّى اتَّبَعَنا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولِيُصِيبَ قِبْلَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ الرَبِيعُ، والسُدِّيُّ: ولِيَسْتَأْلِفَ العَرَبَ لِمَحَبَّتِها في الكَعْبَةِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: إنَّما وجَّهَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وأُمَّتَهُ حِيالَ مِيزابِ الكَعْبَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: بَلْ وُجِّهَ إلى البَيْتِ كُلِّهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والمِيزابُ: هو قِبْلَةُ المَدِينَةِ والشامِ، وهُنالِكَ قِبْلَةُ أهْلِ الأنْدَلُسِ بِلا رَيْبٍ، ولا خِلافَ أنَّ الكَعْبَةَ قِبْلَةٌ مِن كُلِّ أُفُقٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ الآيَةُ، أمْرٌ بِالتَحَوُّلِ ونَسْخٌ لِقِبْلَةِ الشامِ.

وقِيلَ: «نَزَلَ ذَلِكَ عَلى النَبِيِّ ﷺ وهو في صَلاةِ الظُهْرِ بَعْدَ رَكْعَتَيْنِ مِنها فَتَحَوَّلَ في الصَلاةِ». وذَكَرَ أبُو الفَرَجِ أنَّ عَبّادَ بْنَ نَهْيِكٍ كانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في هَذِهِ الصَلاةِ. وقِيلَ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في غَيْرِ صَلاةٍ وكانَتْ أوَّلَ صَلاةٍ إلى الكَعْبَةِ العَصْرُ، و"شَطْرَ" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، ويُشْبِهُ المَفْعُولَ بِهِ لِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْهِ، ومَعْناهُ: نَحْوَ وتِلْقاءَ.

قالَ ابْنُ أحْمَرَ:

؎ تَعْدُو بِنا شَطْرَ جَمْعٍ وهي عاقِدَةٌ ∗∗∗ قَدْ كارَبَ العَقْدُ مِن إيفادِها الحُقَبا

وقالَ غَيْرُهُ:

؎ أقُولُ لِأُمِّ زِنْباعَ أقِيمِي ∗∗∗ صُدُورَ العِيسِ شَطْرَ بَنِي تَمِيمٍ

وقالَ لَقِيطُ:

؎ وقَدْ أظَلَّكم مِن شَطْرِ ثَغْرِكم ∗∗∗ هَوْلٌ لَهُ ظُلَمٌ تَغْشاكُمُ قِطْعًا

وقالَ غَيْرُهُ:

؎ ألا مِن مُبَلِّغٍ عَمْرًا رَسُولًا ∗∗∗ وما تُغْنِي الرِسالَةُ شَطْرَ عَمْرِو

﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا﴾ أمْرٌ لِلْأُمَّةِ ناسِخٌ. وقالَ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدَ: إنَّ في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَوَلِّ وجْهَكَ تِلْقاءَ المَسْجِدِ الحَرامِ"، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ: إنَّ فِيهِ: "فَوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَهُ"، …

Al-Baqara 2:144Listen in Qur'an →
145

وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍۢ مَّا تَبِعُوا۟ قِبْلَتَكَ ۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍۢ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍۢ قِبْلَةَ بَعْضٍۢ ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And if you brought to those who were given the Scripture every sign, they would not follow your qiblah. Nor will you be a follower of their qiblah. Nor would they be followers of one another's qiblah. So if you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, indeed, you would then be among the wrongdoers.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهِكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَلَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهم وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ولَئِنْ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظالِمِينَ﴾

المَقْصِدُ تَقَلُّبُ البَصَرِ، وذُكِرَ الوَجْهُ لِأنَّهُ أعَمُّ وأشْرَفُ، وهو المُسْتَعْمَلُ في طَلَبِ الرَغائِبِ، تَقُولُ: بَذَلْتُ وجْهِي في كَذا، وفَعَلْتُ لِوَجْهِ فُلانٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ رَجَعْتُ بِما أبْغِي ووَجْهِي بِمائِهِ.................

وأيْضًا فالوَجْهُ يَتَقَلَّبُ بِتَقَلُّبِ البَصَرِ، وقالَ قَتادَةُ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُما: «كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقَلِّبُ وجْهَهُ في الدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى، أنْ يُحَوِّلَهُ إلى قِبْلَةِ مَكَّةَ، وقِيلَ: كانَ يُقَلِّبُ لِيُؤْذَنَ لَهُ في الدُعاءِ».

ومَعْنى التَقَلُّبِ نَحْوَ السَماءِ أنَّ السَماءَ جِهَةٌ قَدْ تَعَوَّدَ العالِمُ مِنها الرَحْمَةَ كالمَطَرِ والأنْوارِ والوَحْيِ، فَهم يَجْعَلُونَ رَغْبَتَهم حَيْثُ تَوالَتِ النِعَمُ. و"تَرْضاها" مَعْناهُ: تُحِبُّها وتَقَرُّ بِها عَيْنُكَ.

وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ الكَعْبَةَ والتَحَوُّلَ عن بَيْتِ المَقْدِسِ لِوُجُوهٍ ثَلاثَةٍ رُوِيَتْ، فَقالَ مُجاهِدٌ: لِقَوْلِ اليَهُودِ: ما عَلِمَ مُحَمَّدٌ دِينَهُ حَتّى اتَّبَعَنا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولِيُصِيبَ قِبْلَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ الرَبِيعُ، والسُدِّيُّ: ولِيَسْتَأْلِفَ العَرَبَ لِمَحَبَّتِها في الكَعْبَةِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: إنَّما وجَّهَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وأُمَّتَهُ حِيالَ مِيزابِ الكَعْبَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: بَلْ وُجِّهَ إلى البَيْتِ كُلِّهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والمِيزابُ: هو قِبْلَةُ المَدِينَةِ والشامِ، وهُنالِكَ قِبْلَةُ أهْلِ الأنْدَلُسِ بِلا رَيْبٍ، ولا خِلافَ أنَّ الكَعْبَةَ قِبْلَةٌ مِن كُلِّ أُفُقٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ الآيَةُ، أمْرٌ بِالتَحَوُّلِ ونَسْخٌ لِقِبْلَةِ الشامِ.

وقِيلَ: «نَزَلَ ذَلِكَ عَلى النَبِيِّ ﷺ وهو في صَلاةِ الظُهْرِ بَعْدَ رَكْعَتَيْنِ مِنها فَتَحَوَّلَ في الصَلاةِ». وذَكَرَ أبُو الفَرَجِ أنَّ عَبّادَ بْنَ نَهْيِكٍ كانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في هَذِهِ الصَلاةِ. وقِيلَ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في غَيْرِ صَلاةٍ وكانَتْ أوَّلَ صَلاةٍ إلى الكَعْبَةِ العَصْرُ، و"شَطْرَ" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، ويُشْبِهُ المَفْعُولَ بِهِ لِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْهِ، ومَعْناهُ: نَحْوَ وتِلْقاءَ.

قالَ ابْنُ أحْمَرَ:

؎ تَعْدُو بِنا شَطْرَ جَمْعٍ وهي عاقِدَةٌ ∗∗∗ قَدْ كارَبَ العَقْدُ مِن إيفادِها الحُقَبا

وقالَ غَيْرُهُ:

؎ أقُولُ لِأُمِّ زِنْباعَ أقِيمِي ∗∗∗ صُدُورَ العِيسِ شَطْرَ بَنِي تَمِيمٍ

وقالَ لَقِيطُ:

؎ وقَدْ أظَلَّكم مِن شَطْرِ ثَغْرِكم ∗∗∗ هَوْلٌ لَهُ ظُلَمٌ تَغْشاكُمُ قِطْعًا

وقالَ غَيْرُهُ:

؎ ألا مِن مُبَلِّغٍ عَمْرًا رَسُولًا ∗∗∗ وما تُغْنِي الرِسالَةُ شَطْرَ عَمْرِو

﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا﴾ أمْرٌ لِلْأُمَّةِ ناسِخٌ. وقالَ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدَ: إنَّ في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَوَلِّ وجْهَكَ تِلْقاءَ المَسْجِدِ الحَرامِ"، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ: إنَّ فِيهِ: "فَوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَهُ"، …

Al-Baqara 2:145Listen in Qur'an →
146

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًۭا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

Those to whom We gave the Scripture know him as they know their own sons. But indeed, a party of them conceal the truth while they know [it].

قوله عزّ وجلّ:

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِن المُمْتَرِينَ﴾ ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إنَّ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

"الَّذِينَ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ "يَعْرِفُونَهُ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ نَعْتًا لِلظّالِمِينَ، و"يَعْرِفُونَهُ" في مَوْضِعِ الحالِ.

وخُصَّ الأبْناءُ دُونَ الأنْفُسِ وهي ألْصَقُ، لِأنَّ الإنْسانَ يَمُرُّ عَلَيْهِ مِن زَمَنِهِ بُرْهَةً لا يَعْرِفُ فِيها نَفْسَهُ، ولا يَمُرُّ عَلَيْهِ وقْتٌ لا يَعْرِفُ فِيهِ ابْنَهُ. والمُرادُ هُنا مَعْرِفَةُ الوَجْهِ ومَيْزُهُ لا مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ النَسَبِ، ولِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في هَذا المَوْضِعِ كَلامٌ مُعْتَرِضٌ يَأْتِي مَوْضِعُهُ إنْ شاءَ اللهُ.

والضَمِيرُ في "يَعْرِفُونَهُ" عائِدٌ عَلى الحَقِّ في القِبْلَةِ والتَحَوُّلِ بِأمْرِ اللهِ إلى الكَعْبَةِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والرَبِيعُ.

وقالَ قَتادَةُ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: هو عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ يَعْرِفُونَ صِدْقَهُ ونُبُوَّتَهُ.

والفَرِيقُ: الجَماعَةُ، وخُصَّ لِأنَّ مِنهم مَن أسْلَمَ ولَمْ يَكْتُمْ، والإشارَةُ بِالحَقِّ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الخِلافِ في ضَمِيرِ "يَعْرِفُونَهُ"، فَعَمَّ الحَقَّ مُبالَغَةً في ذَمِّهِمْ. ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ ظاهِرٌ في صِحَّةِ الكُفْرِ عِنادًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾، الحَقُّ رُفِعَ عَلى إضْمارِ الِابْتِداءِ، والتَقْدِيرُ هو الحَقُّ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً والخَبَرُ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "الحَقَّ" بِالنَصْبِ عَلى أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "يَعْلَمُونَ"، ويَصِحُّ نَصْبُهُ عَلى تَقْدِيرِ: الزَمِ الحَقَّ.

﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾، الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ أُمَّتُهُ. وامْتَرى في الشَيْءِ إذا شَكَّ فِيهِ، ومِنهُ المِراءُ لِأنَّ هَذا يَشُكُّ في قَوْلِ هَذا، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ شاهِدًا عَلى أنَّ المُمْتَرِينَ الشاكُونَ: قَوْلُ الأعْشى:

؎ تَدُرُّ عَلى أسْؤُقِ المُمْتَرِينَ رَكَضًا إذا ما السَرابُ ارْجَحَنْ

ووَهِمَ في ذَلِكَ لِأنَّ أبا عُبَيْدَةَ وغَيْرَهُ قالُوا: المُمْتَرُونَ في البَيْتِ هُمُ الَّذِينَ يَمُرُّونَ الخَيْلَ بِأرْجُلِهِمْ هَمْزًا لِتَجْرِيَ، كَأنَّهم يَحْتَلِبُونَ الجَرْيَ مِنها، فَلَيْسَ في البَيْتِ مَعْنًى مِنَ الشَكِّ كَما قالَ الطَبَرِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾، الوِجْهَةُ: فِعْلَةٌ مِنَ المُواجَهَةِ، كالقِبْلَةِ، وقَوْلُهُ: "هُوَ" عائِدٌ عَلى اللَفْظِ المُفْرَدِ في "كُلٍّ"، والمُرادُ بِهِ الجَماعاتُ، المَعْنى: لِكُلِّ صاحِبِ مِلَّةٍ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها نَفْسَهُ. قالَهُالرَبِيعُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "هُوَ مَوْلاها". وقالَتْ طائِفَةٌ: الضَمِيرُ في "هُوَ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، والمَعْنى: اللهُ مُوَلِّيها إيّاهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى في الآيَةِ أنَّ لِلْكُلٍّ دِينًا وشَرْعًا وهو دِينُ اللهِ ومِلَّةُ مُحَمَّدٍ، وهو مُوَلِّيها إيّاهُمُ، اتَّبَعَها مَنِ اتَّبَعَها، وتَرَكَها مَن تَرَكَها. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالآيَةِ أنَّ الصَلاةَ إلى …

Al-Baqara 2:146Listen in Qur'an →
147

ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

The truth is from your Lord, so never be among the doubters.

قوله عزّ وجلّ:

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِن المُمْتَرِينَ﴾ ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إنَّ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

"الَّذِينَ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ "يَعْرِفُونَهُ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ نَعْتًا لِلظّالِمِينَ، و"يَعْرِفُونَهُ" في مَوْضِعِ الحالِ.

وخُصَّ الأبْناءُ دُونَ الأنْفُسِ وهي ألْصَقُ، لِأنَّ الإنْسانَ يَمُرُّ عَلَيْهِ مِن زَمَنِهِ بُرْهَةً لا يَعْرِفُ فِيها نَفْسَهُ، ولا يَمُرُّ عَلَيْهِ وقْتٌ لا يَعْرِفُ فِيهِ ابْنَهُ. والمُرادُ هُنا مَعْرِفَةُ الوَجْهِ ومَيْزُهُ لا مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ النَسَبِ، ولِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في هَذا المَوْضِعِ كَلامٌ مُعْتَرِضٌ يَأْتِي مَوْضِعُهُ إنْ شاءَ اللهُ.

والضَمِيرُ في "يَعْرِفُونَهُ" عائِدٌ عَلى الحَقِّ في القِبْلَةِ والتَحَوُّلِ بِأمْرِ اللهِ إلى الكَعْبَةِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والرَبِيعُ.

وقالَ قَتادَةُ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: هو عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ يَعْرِفُونَ صِدْقَهُ ونُبُوَّتَهُ.

والفَرِيقُ: الجَماعَةُ، وخُصَّ لِأنَّ مِنهم مَن أسْلَمَ ولَمْ يَكْتُمْ، والإشارَةُ بِالحَقِّ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الخِلافِ في ضَمِيرِ "يَعْرِفُونَهُ"، فَعَمَّ الحَقَّ مُبالَغَةً في ذَمِّهِمْ. ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ ظاهِرٌ في صِحَّةِ الكُفْرِ عِنادًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾، الحَقُّ رُفِعَ عَلى إضْمارِ الِابْتِداءِ، والتَقْدِيرُ هو الحَقُّ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً والخَبَرُ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "الحَقَّ" بِالنَصْبِ عَلى أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "يَعْلَمُونَ"، ويَصِحُّ نَصْبُهُ عَلى تَقْدِيرِ: الزَمِ الحَقَّ.

﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾، الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ أُمَّتُهُ. وامْتَرى في الشَيْءِ إذا شَكَّ فِيهِ، ومِنهُ المِراءُ لِأنَّ هَذا يَشُكُّ في قَوْلِ هَذا، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ شاهِدًا عَلى أنَّ المُمْتَرِينَ الشاكُونَ: قَوْلُ الأعْشى:

؎ تَدُرُّ عَلى أسْؤُقِ المُمْتَرِينَ رَكَضًا إذا ما السَرابُ ارْجَحَنْ

ووَهِمَ في ذَلِكَ لِأنَّ أبا عُبَيْدَةَ وغَيْرَهُ قالُوا: المُمْتَرُونَ في البَيْتِ هُمُ الَّذِينَ يَمُرُّونَ الخَيْلَ بِأرْجُلِهِمْ هَمْزًا لِتَجْرِيَ، كَأنَّهم يَحْتَلِبُونَ الجَرْيَ مِنها، فَلَيْسَ في البَيْتِ مَعْنًى مِنَ الشَكِّ كَما قالَ الطَبَرِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾، الوِجْهَةُ: فِعْلَةٌ مِنَ المُواجَهَةِ، كالقِبْلَةِ، وقَوْلُهُ: "هُوَ" عائِدٌ عَلى اللَفْظِ المُفْرَدِ في "كُلٍّ"، والمُرادُ بِهِ الجَماعاتُ، المَعْنى: لِكُلِّ صاحِبِ مِلَّةٍ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها نَفْسَهُ. قالَهُالرَبِيعُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "هُوَ مَوْلاها". وقالَتْ طائِفَةٌ: الضَمِيرُ في "هُوَ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، والمَعْنى: اللهُ مُوَلِّيها إيّاهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى في الآيَةِ أنَّ لِلْكُلٍّ دِينًا وشَرْعًا وهو دِينُ اللهِ ومِلَّةُ مُحَمَّدٍ، وهو مُوَلِّيها إيّاهُمُ، اتَّبَعَها مَنِ اتَّبَعَها، وتَرَكَها مَن تَرَكَها. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالآيَةِ أنَّ الصَلاةَ إلى …

Al-Baqara 2:147Listen in Qur'an →
148

وَلِكُلٍّۢ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا۟ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

For each [religious following] is a direction toward which it faces. So race to [all that is] good. Wherever you may be, Allah will bring you forth [for judgement] all together. Indeed, Allah is over all things competent.

قوله عزّ وجلّ:

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِن المُمْتَرِينَ﴾ ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إنَّ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

"الَّذِينَ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ "يَعْرِفُونَهُ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ نَعْتًا لِلظّالِمِينَ، و"يَعْرِفُونَهُ" في مَوْضِعِ الحالِ.

وخُصَّ الأبْناءُ دُونَ الأنْفُسِ وهي ألْصَقُ، لِأنَّ الإنْسانَ يَمُرُّ عَلَيْهِ مِن زَمَنِهِ بُرْهَةً لا يَعْرِفُ فِيها نَفْسَهُ، ولا يَمُرُّ عَلَيْهِ وقْتٌ لا يَعْرِفُ فِيهِ ابْنَهُ. والمُرادُ هُنا مَعْرِفَةُ الوَجْهِ ومَيْزُهُ لا مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ النَسَبِ، ولِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في هَذا المَوْضِعِ كَلامٌ مُعْتَرِضٌ يَأْتِي مَوْضِعُهُ إنْ شاءَ اللهُ.

والضَمِيرُ في "يَعْرِفُونَهُ" عائِدٌ عَلى الحَقِّ في القِبْلَةِ والتَحَوُّلِ بِأمْرِ اللهِ إلى الكَعْبَةِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والرَبِيعُ.

وقالَ قَتادَةُ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: هو عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ يَعْرِفُونَ صِدْقَهُ ونُبُوَّتَهُ.

والفَرِيقُ: الجَماعَةُ، وخُصَّ لِأنَّ مِنهم مَن أسْلَمَ ولَمْ يَكْتُمْ، والإشارَةُ بِالحَقِّ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الخِلافِ في ضَمِيرِ "يَعْرِفُونَهُ"، فَعَمَّ الحَقَّ مُبالَغَةً في ذَمِّهِمْ. ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ ظاهِرٌ في صِحَّةِ الكُفْرِ عِنادًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾، الحَقُّ رُفِعَ عَلى إضْمارِ الِابْتِداءِ، والتَقْدِيرُ هو الحَقُّ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً والخَبَرُ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "الحَقَّ" بِالنَصْبِ عَلى أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "يَعْلَمُونَ"، ويَصِحُّ نَصْبُهُ عَلى تَقْدِيرِ: الزَمِ الحَقَّ.

﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾، الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ أُمَّتُهُ. وامْتَرى في الشَيْءِ إذا شَكَّ فِيهِ، ومِنهُ المِراءُ لِأنَّ هَذا يَشُكُّ في قَوْلِ هَذا، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ شاهِدًا عَلى أنَّ المُمْتَرِينَ الشاكُونَ: قَوْلُ الأعْشى:

؎ تَدُرُّ عَلى أسْؤُقِ المُمْتَرِينَ رَكَضًا إذا ما السَرابُ ارْجَحَنْ

ووَهِمَ في ذَلِكَ لِأنَّ أبا عُبَيْدَةَ وغَيْرَهُ قالُوا: المُمْتَرُونَ في البَيْتِ هُمُ الَّذِينَ يَمُرُّونَ الخَيْلَ بِأرْجُلِهِمْ هَمْزًا لِتَجْرِيَ، كَأنَّهم يَحْتَلِبُونَ الجَرْيَ مِنها، فَلَيْسَ في البَيْتِ مَعْنًى مِنَ الشَكِّ كَما قالَ الطَبَرِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾، الوِجْهَةُ: فِعْلَةٌ مِنَ المُواجَهَةِ، كالقِبْلَةِ، وقَوْلُهُ: "هُوَ" عائِدٌ عَلى اللَفْظِ المُفْرَدِ في "كُلٍّ"، والمُرادُ بِهِ الجَماعاتُ، المَعْنى: لِكُلِّ صاحِبِ مِلَّةٍ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها نَفْسَهُ. قالَهُالرَبِيعُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "هُوَ مَوْلاها". وقالَتْ طائِفَةٌ: الضَمِيرُ في "هُوَ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، والمَعْنى: اللهُ مُوَلِّيها إيّاهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى في الآيَةِ أنَّ لِلْكُلٍّ دِينًا وشَرْعًا وهو دِينُ اللهِ ومِلَّةُ مُحَمَّدٍ، وهو مُوَلِّيها إيّاهُمُ، اتَّبَعَها مَنِ اتَّبَعَها، وتَرَكَها مَن تَرَكَها. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالآيَةِ أنَّ الصَلاةَ إلى …

Al-Baqara 2:148Listen in Qur'an →
149

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَإِنَّهُۥ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

So from wherever you go out [for prayer, O Muhammad] turn your face toward al- Masjid al-Haram, and indeed, it is the truth from your Lord. And Allah is not unaware of what you do.

قوله عزّ وجلّ:

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِن المُمْتَرِينَ﴾ ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إنَّ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

"الَّذِينَ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ "يَعْرِفُونَهُ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ نَعْتًا لِلظّالِمِينَ، و"يَعْرِفُونَهُ" في مَوْضِعِ الحالِ.

وخُصَّ الأبْناءُ دُونَ الأنْفُسِ وهي ألْصَقُ، لِأنَّ الإنْسانَ يَمُرُّ عَلَيْهِ مِن زَمَنِهِ بُرْهَةً لا يَعْرِفُ فِيها نَفْسَهُ، ولا يَمُرُّ عَلَيْهِ وقْتٌ لا يَعْرِفُ فِيهِ ابْنَهُ. والمُرادُ هُنا مَعْرِفَةُ الوَجْهِ ومَيْزُهُ لا مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ النَسَبِ، ولِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في هَذا المَوْضِعِ كَلامٌ مُعْتَرِضٌ يَأْتِي مَوْضِعُهُ إنْ شاءَ اللهُ.

والضَمِيرُ في "يَعْرِفُونَهُ" عائِدٌ عَلى الحَقِّ في القِبْلَةِ والتَحَوُّلِ بِأمْرِ اللهِ إلى الكَعْبَةِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والرَبِيعُ.

وقالَ قَتادَةُ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: هو عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ يَعْرِفُونَ صِدْقَهُ ونُبُوَّتَهُ.

والفَرِيقُ: الجَماعَةُ، وخُصَّ لِأنَّ مِنهم مَن أسْلَمَ ولَمْ يَكْتُمْ، والإشارَةُ بِالحَقِّ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الخِلافِ في ضَمِيرِ "يَعْرِفُونَهُ"، فَعَمَّ الحَقَّ مُبالَغَةً في ذَمِّهِمْ. ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ ظاهِرٌ في صِحَّةِ الكُفْرِ عِنادًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾، الحَقُّ رُفِعَ عَلى إضْمارِ الِابْتِداءِ، والتَقْدِيرُ هو الحَقُّ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً والخَبَرُ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "الحَقَّ" بِالنَصْبِ عَلى أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "يَعْلَمُونَ"، ويَصِحُّ نَصْبُهُ عَلى تَقْدِيرِ: الزَمِ الحَقَّ.

﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾، الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ أُمَّتُهُ. وامْتَرى في الشَيْءِ إذا شَكَّ فِيهِ، ومِنهُ المِراءُ لِأنَّ هَذا يَشُكُّ في قَوْلِ هَذا، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ شاهِدًا عَلى أنَّ المُمْتَرِينَ الشاكُونَ: قَوْلُ الأعْشى:

؎ تَدُرُّ عَلى أسْؤُقِ المُمْتَرِينَ رَكَضًا إذا ما السَرابُ ارْجَحَنْ

ووَهِمَ في ذَلِكَ لِأنَّ أبا عُبَيْدَةَ وغَيْرَهُ قالُوا: المُمْتَرُونَ في البَيْتِ هُمُ الَّذِينَ يَمُرُّونَ الخَيْلَ بِأرْجُلِهِمْ هَمْزًا لِتَجْرِيَ، كَأنَّهم يَحْتَلِبُونَ الجَرْيَ مِنها، فَلَيْسَ في البَيْتِ مَعْنًى مِنَ الشَكِّ كَما قالَ الطَبَرِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾، الوِجْهَةُ: فِعْلَةٌ مِنَ المُواجَهَةِ، كالقِبْلَةِ، وقَوْلُهُ: "هُوَ" عائِدٌ عَلى اللَفْظِ المُفْرَدِ في "كُلٍّ"، والمُرادُ بِهِ الجَماعاتُ، المَعْنى: لِكُلِّ صاحِبِ مِلَّةٍ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها نَفْسَهُ. قالَهُالرَبِيعُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "هُوَ مَوْلاها". وقالَتْ طائِفَةٌ: الضَمِيرُ في "هُوَ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، والمَعْنى: اللهُ مُوَلِّيها إيّاهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى في الآيَةِ أنَّ لِلْكُلٍّ دِينًا وشَرْعًا وهو دِينُ اللهِ ومِلَّةُ مُحَمَّدٍ، وهو مُوَلِّيها إيّاهُمُ، اتَّبَعَها مَنِ اتَّبَعَها، وتَرَكَها مَن تَرَكَها. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالآيَةِ أنَّ الصَلاةَ إلى …

Al-Baqara 2:149Listen in Qur'an →
150

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

And from wherever you go out [for prayer], turn your face toward al-Masjid al-Haram. And wherever you [believers] may be, turn your faces toward it in order that the people will not have any argument against you, except for those of them who commit wrong; so fear them not but fear Me. And [it is] so I may complete My favor upon you and that you may be guided.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي ولأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكُمُ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾، هو فَرْضُ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ عَلى المُصَلِّينَ، وفَرْضُ المُصَلِّي ما دامَ يَرى الكَعْبَةَ أنْ يُصادِفَها بِاسْتِقْبالِهِ، فَإذا غابَتْ عنهُ فَفَرْضُهُ الِاجْتِهادُ في مُصادَفَتِها، فَإنِ اجْتَهَدَ ثُمَّ كَشَفَ الغَيْبَ أنَّهُ أخْطَأ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ، ورَأى مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ أنْ يُعِيدَ في الوَقْتِ إحْرازًا لِفَضِيلَةِ القِبْلَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ الآيَةُ، قَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الباقُونَ "لِئَلّا" بِالهَمْزِ. والمَعْنى: عَرَّفْتُكم وجْهَ الصَوابِ في قِبْلَتِكم والحُجَّةُ في ذَلِكَ "لِئَلّا" وقَوْلُهُ: "لِلنّاسِ" عُمُومٌ في اليَهُودِ والعَرَبِ وغَيْرِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالناسِ اليَهُودُ، ثُمَّ اسْتَثْنى كُفّارَ العَرَبِ، وقَوْلُهُ: "مِنهُمْ" يَرُدُّ هَذا التَأْوِيلَ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: "إلّا الَّذِينَ" اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وهَذا مَعَ كَوْنِ الناسِ اليَهُودُ فَقَطْ، وقَدْ ذَكَرْنا ضِعْفَ هَذا القَوْلِ، والمَعْنى: لَكِنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: رَجَعَ مُحَمَّدٌ إلى قِبْلَتِنا وسَيَرْجِعُ إلى دِينِنا كُلِّهِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مَن تَكَلَّمَ في النازِلَةِ مِن غَيْرِ اليَهُودِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ زَيْدٍ: "ألا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللامِ عَلى مَعْنى اسْتِفْتاحٍ لِكَلامٍ، فَيَكُونُ "الَّذِينَ" ابْتِداءً، أو عَلى مَعْنى الإغْراءِ بِهِمْ فَيَكُونُ "الَّذِينَ" نَصْبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي﴾ الآيَةُ، تَحْقِيرٌ لِشَأْنِهِمْ، وأمْرٌ بِاطِّراحِ أمْرِهِمْ ومُراعاةِ أمْرِهِ، وقَوْلَهُ: "وَلِأُتِمَّ" عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: "لِئَلّا"، وقِيلَ: هو مَقْطُوعٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُضْمَرٌ بَعْدَ ذَلِكَ، والتَقْدِيرُ: لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم عَرَّفْتُكم قِبْلَتِي ونَحْوَهُ. ﴿وَلَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ، والكافُ في قَوْلِهِ "كَما" رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ: "لِأُتِمَّ" أيْ إتْمامًا كَما، وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ، أيْ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم في بَيانِ سُنَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكُمْ﴾ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] الآيَةُ، وقِيلَ: الكافُ مِن "كَما" رَدٌّ عَلى "تَهْتَدُونَ" أيِ اهْتِداءً كَما، وقِيلَ هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقِيلَ: هو في مَعْنى التَأْخِيرِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "فاذْكُرُونِي".

وهَذِهِ الآيَةُ خِطابٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿رَسُولا مِنكُمْ﴾، و"يَتْلُوا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الصِفَةِ، والآياتُ: القُرْآنُ، و"يُزَكِّيكُمْ": يُطَهِّرُكم مِنَ الكُفْرِ ويُنَمِّيكم بِالطاعَةِ، و"الكِتابَ" القُرْآنُ، و"الحِكْمَةَ" ما يُتَلَقّى عنهُ عَلَيْهِ السَلامُ مِن سُنَّةٍ وفِقْهٍ في دِينٍ.

و﴿ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ قِصَصُ مَن سَلَفَ، …

Al-Baqara 2:150Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.