Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib

Ayahs 141–150 of 286

141

تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

That is a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.

قوله ﴿قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ إلى قوله ﴿عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ معناه: قولوا أيها المؤمنون لهؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لكم كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا: "آمنا بالله"، أي: صدقنا به، وصدقنا بما أنزل إلينا وهو القرآن، وبما أنزل إلى إبراهيم وإلى إسماعيل وإلى إسحاق وإلى يعقوب وإلى الأسباط، وهم اثنا عشر ولداً ليعقوب أنبياء كلهم، ولد كل واحد منهم أمة من الناس فسموا الأسباط.

والسبط في اللغة الشجرة. أي: هم في الكثرة مثل الشجر.

قال ابن عباس: "كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وصالح ولوط وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد ﷺ وعيسى صلى الله عليهم أجمعين".

* *

ثم قال: ﴿وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ﴾.

أي: وصدقنا بما أوتي موسى وعيسى، يعني: التوراة والإنجيل، وصدقنا بما أوتي النبيون من ربهم يعني: من [الكتب، كل ذلك حق] ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ أي: لا نفرق بين أحد من النبيين فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، بل نؤمن بالكل وبما جاء به الكل.

وقال ابن عباس ووهب بن منبه: "الأنبياء كلهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي كلهم من بني إسرائيل إلا عشرين نبياً. وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات الله عليهم أجمعين. وعدد الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر كلهم من بني يعقوب إلا عشرين رسولاً".

وقال غير ابن عباس مثل قوله وزاد، فقال: "عدد الأنبياء صلوات الله عليهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، أولهم آدم وآخرهم محمد ﷺ وعليهم أجمعين. والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً، ذكر الله منهم في القرآن ستة وعشرين وهم: آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون والأسباط واليسع وإلياس ويونس وأيوب وداود وسليمان وزكرياء وعزير ويحيى وعيسى ومحمد ﷺ وعليهم أجمعين. ومنهم خمسة لم تذكر أسماؤهم وذكروا بغير أسمائهم وهم:

الذي مرّ على القرية قيل هو أرميا، وصاحب موسى وهو الخضر، وقيل إنه ليس بنبي، وثلاثة ذكرهم الله في سورة "يس" ولم يذكر أسماؤهم، فأما ذو القرنين، فأكثر الناس على أنه ليس بنبي. وكذلك اختلف في ذي الكفل.

* *

ثم قال ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.

أي: خاضعون بالطاعة لله.

وروى ابن عباس أن النبي [عليه السلام] سأله نفر من اليهود: بمن تؤمن من الرسل؟ فقرأ عليهم الآية. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوّته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى ولا بمن آمن بعيسى، فأنزل الله جل ذكره: ﴿قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] إلى ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩].

[ثم قال]: ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ﴾.

إي: إن صدقوا بجميع الأنبياء وبجميع الكتب التي أنزلها الله كما آمنتم فقد اهتدوا إلى الحق، يعني به اليهود والنصارى.

﴿وَّإِن تَوَلَّوْاْ﴾: أي: إن لم يؤمنوا بذلك وأعرضوا، ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾: أي: في مشاقة ومباعدة من الحق وفراق له ومحاربة له.

وقيل: المعنى: قد صاروا في شق غير شق المسلمين.

والمماثلة في الآية إنما وقعت بين التصديقين، أي: إن صدقوا بمثل تصديقكم وأقروا بمثل إقراركم. ولم يقع التمثيل بين المؤمن به وهو الله عز وجل وسبحانه وتعالى؛ هذا كفر لا يجوز.

فإن قيل: وهل للإيمان مثل، هو غير الإيمان فتصح المماثلة به؟

فالجواب: أنه محمول على المعنى، والتقدير: فإن أتوا بتصديق مثل تصديقكم فقد اهتدوا: أي: صاروا مسلمين. وهذا من كلام العرب، يقول الرجل لمن يتلقاه: "بشر استقبل مثلي بهذا". وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وتقول: "ليس كربنا شيء"، "وليس كمثل ربنا شيء". والمعنى سواء. هذا قول أبي حاتم وغيره.

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ﴾ .

أي: فسيكفيك …

Al-Baqara 2:141Listen in Qur'an →
142

۞ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا۟ عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

The foolish among the people will say, "What has turned them away from their qiblah, which they used to face?" Say, "To Allah belongs the east and the west. He guides whom He wills to a straight path."

قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.

أي: سيقول الجهّال من الناس وهم اليهود والمنافقون: ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، أي: ما حملهم على [ترك التوجه إلى بيت المقدس وما صرفهم] عن ذلك، وذلك حين ترك النبي عليه السلام التوجه نحو بيت المقدس وتوجه إلى الكعبة.

وقيل: هم كفار أهل مكة أعلم الله تعالى نبيه ﷺ ما هم قائلون عند تحويل القبلة إلى الكعبة، وأعلمه ما يقول لهم وما يجاوبهم به، فقال: قل يا محمد [إذا قالوا ذلك]: ﴿للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، وذلك أن النبي ﷺ صلّى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهراً، وكان يتمنى أن يصرف إلى الكعبة ثم أراد الله جل ذكره صرف قبلته إلى نحو المسجد الحرام فأخبره عما سيقول المنافقون واليهود وأخبره [ما الذي] ينبغي أن يرد عليهم من الجواب. فلما رده الله تعالى إليها، أتاه نفر من اليهود فقالوا: "يا محمد، ما ولاّك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملّة إبراهيم ودينه، ارجع إلى قبلتك ونصدقك" يريدون فتنته عن دينه.

وقيل: إنه صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم صرف إلى الكعبة قبل بدر بشهرين. قاله ابن المسيب.

وكان أول صلاة صرف فيها إلى الكعبة العصر، فلما صلاها إلى الكعبة خرج من عنده رجل، فمرّ بقوم يصلون فقال: أشهد، لقد صليت مع رسول الله ﷺ قِِبَلَ مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت.

وروى أنس بن مالك "أن النبي [عليه السلام] صلّى نحو بيت المقدس تسعة أشهر وعشرة أيام بعد هجرته. قال: فبينما هو قائم يصلي الظهر بالمدينة وقد صلى ركعتين نحو بيت المقدس، اُنصرف بوجهه إلى الكعبة فقال السفهاء: ﴿مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾.

وقال معاذ بن جبل: "صلّى نحو بيت المقدس ثلاثة عشر شهراً".

وروي عن الحسن وعكرمة أنهما قالا: "صلّى النبي ﷺ بعد هجرته نحو بيت المقدس اختياراً منه من غير أن يفرض ذلك عليه طمعاً من أن يستميل اليهود إذ هي قبلتهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].

وقال أبو العالية: "ان [نبي الله عليه السلام] خُيِّر أن يُوجِّه وجهه حيث يشاء، فاختار بيت المقدس لكي يتألف أهل الكتابيين [وهو في ذلك يقلب وجهه في السماء، ثم وجّهه الله عز وجل إلى البيت] الحرام".

وروي أنه صرف في رجب بعد مقدمه المدينة لسبعة عشر شهراً وكان بمكة والمدينة يصلي نحو بيت المقدس. فلما رجع سأله اليهود أن يرجع إلى قبلتهم يريدون فتنته، وقال كفار مكة: قد برد أمر محمد وهو راجع إلى دينكم عاجلاً. فأنزل الله في الجميع: ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ﴾، الآيات إلى قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وروي "أن الأنصار صلّت قبل قدوم النبي عليه السلام إلى المدينة نحو بيت المقدس حولين. فلما قدم النبي ﷺ المدينة صلّى معهم نحو بيت المقدس بضعة عشر شهراً، ثم نقله الله عز وجل إلى الكعبة.

وقال ابن عباس: "لما هاجر [النبي عليه السلام إلى المدينة وكان أكثر أهلها] اليهود، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها بضعة عشر شهراً. وكان ﷺ يحب قبلة إبراهيم ﷺ، وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله جلّ ذكره: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ الآية. ورجع النبي ﷺ يصلي إلى الكعبة فارتاب [من ذلك اليهود]. وقالوا: ﴿مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾، فأنزل الله عز وجل: ﴿قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ الآية.

وقال ابن جريج: كان النبي عليه السلام يصلي إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس، وصلّت الأنصار نحو بيت المقدس قبل قدومه المدينة بثلاث سنين، وصلّى بعد قدومه ستة عشر شهراً، ثم صرف إلى الكعبة.

* *

ثم قال: ﴿وَكَذَلِكَ …

Al-Baqara 2:142Listen in Qur'an →
143

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًۭا ۗ وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

And thus we have made you a just community that you will be witnesses over the people and the Messenger will be a witness over you. And We did not make the qiblah which you used to face except that We might make evident who would follow the Messenger from who would turn back on his heels. And indeed, it is difficult except for those whom Allah has guided. And never would Allah have caused you to lose your faith. Indeed Allah is, to the people, Kind and Merciful.

قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.

أي: سيقول الجهّال من الناس وهم اليهود والمنافقون: ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، أي: ما حملهم على [ترك التوجه إلى بيت المقدس وما صرفهم] عن ذلك، وذلك حين ترك النبي عليه السلام التوجه نحو بيت المقدس وتوجه إلى الكعبة.

وقيل: هم كفار أهل مكة أعلم الله تعالى نبيه ﷺ ما هم قائلون عند تحويل القبلة إلى الكعبة، وأعلمه ما يقول لهم وما يجاوبهم به، فقال: قل يا محمد [إذا قالوا ذلك]: ﴿للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، وذلك أن النبي ﷺ صلّى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهراً، وكان يتمنى أن يصرف إلى الكعبة ثم أراد الله جل ذكره صرف قبلته إلى نحو المسجد الحرام فأخبره عما سيقول المنافقون واليهود وأخبره [ما الذي] ينبغي أن يرد عليهم من الجواب. فلما رده الله تعالى إليها، أتاه نفر من اليهود فقالوا: "يا محمد، ما ولاّك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملّة إبراهيم ودينه، ارجع إلى قبلتك ونصدقك" يريدون فتنته عن دينه.

وقيل: إنه صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم صرف إلى الكعبة قبل بدر بشهرين. قاله ابن المسيب.

وكان أول صلاة صرف فيها إلى الكعبة العصر، فلما صلاها إلى الكعبة خرج من عنده رجل، فمرّ بقوم يصلون فقال: أشهد، لقد صليت مع رسول الله ﷺ قِِبَلَ مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت.

وروى أنس بن مالك "أن النبي [عليه السلام] صلّى نحو بيت المقدس تسعة أشهر وعشرة أيام بعد هجرته. قال: فبينما هو قائم يصلي الظهر بالمدينة وقد صلى ركعتين نحو بيت المقدس، اُنصرف بوجهه إلى الكعبة فقال السفهاء: ﴿مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾.

وقال معاذ بن جبل: "صلّى نحو بيت المقدس ثلاثة عشر شهراً".

وروي عن الحسن وعكرمة أنهما قالا: "صلّى النبي ﷺ بعد هجرته نحو بيت المقدس اختياراً منه من غير أن يفرض ذلك عليه طمعاً من أن يستميل اليهود إذ هي قبلتهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].

وقال أبو العالية: "ان [نبي الله عليه السلام] خُيِّر أن يُوجِّه وجهه حيث يشاء، فاختار بيت المقدس لكي يتألف أهل الكتابيين [وهو في ذلك يقلب وجهه في السماء، ثم وجّهه الله عز وجل إلى البيت] الحرام".

وروي أنه صرف في رجب بعد مقدمه المدينة لسبعة عشر شهراً وكان بمكة والمدينة يصلي نحو بيت المقدس. فلما رجع سأله اليهود أن يرجع إلى قبلتهم يريدون فتنته، وقال كفار مكة: قد برد أمر محمد وهو راجع إلى دينكم عاجلاً. فأنزل الله في الجميع: ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ﴾، الآيات إلى قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وروي "أن الأنصار صلّت قبل قدوم النبي عليه السلام إلى المدينة نحو بيت المقدس حولين. فلما قدم النبي ﷺ المدينة صلّى معهم نحو بيت المقدس بضعة عشر شهراً، ثم نقله الله عز وجل إلى الكعبة.

وقال ابن عباس: "لما هاجر [النبي عليه السلام إلى المدينة وكان أكثر أهلها] اليهود، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها بضعة عشر شهراً. وكان ﷺ يحب قبلة إبراهيم ﷺ، وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله جلّ ذكره: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ الآية. ورجع النبي ﷺ يصلي إلى الكعبة فارتاب [من ذلك اليهود]. وقالوا: ﴿مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾، فأنزل الله عز وجل: ﴿قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ الآية.

وقال ابن جريج: كان النبي عليه السلام يصلي إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس، وصلّت الأنصار نحو بيت المقدس قبل قدومه المدينة بثلاث سنين، وصلّى بعد قدومه ستة عشر شهراً، ثم صرف إلى الكعبة.

* *

ثم قال: ﴿وَكَذَلِكَ …

Al-Baqara 2:143Listen in Qur'an →
144

قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةًۭ تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ

We have certainly seen the turning of your face, [O Muhammad], toward the heaven, and We will surely turn you to a qiblah with which you will be pleased. So turn your face toward al-Masjid al-Haram. And wherever you [believers] are, turn your faces toward it [in prayer]. Indeed, those who have been given the Scripture well know that it is the truth from their Lord. And Allah is not unaware of what they do.

قوله: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾.

إلى قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.

أي: قد نرى يا محمد تصرف نظرك نحو السماء.

روي أنه ﷺ كان قبل تحويل قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة يرفع بصره إلى السماء ينتظر من الله الأمر بالتحويل إلى الكعبة.

قال قتادة: "كان النبي [ﷺ] يقلّب وجهه إلى السماء، يحب أن يصرفه الله تعالى إلى الكعبة حتى صرفه الله عز وجل إليها".

وهذا يدل على أنه لم يصلِّ إلى بيت المقدس إلا بوحي، فكان ينتظر متى يؤمر بترك ما أمر به. ولو كان إنما صلّى إلى بيت المقدس باختياره لم ينتظر الأمر فيه، ولرجع إلى الكعبة باختياره أيضاً. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ [النجم: ٣]. فكيف يأمرهم بالصلاة إلى بيت المقدس من عند نفسه. هذا بعيد.

وقال بعض العلماء: "إنما أحب النبي [عليه السلام] أن يُرَدَّ إلى الكعبة لأن اليهود كانوا يقولون: يتبع قبلتنا ويخالفنا في ديننا! فلما ردّه الله إلى الكعبة انقطع قول اليهود".

وقال ابن زيد: "قال الله عز وجل لنبيه ﷺ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ فقال النبي [عليه السلام] "هَؤُلاَءِ قَوْمٌ يَهُودٌ يَسْتَقبلُونَ بَيْتاً مِنْ بُيُوتِ الله عز وجل، فَلَوْ أَنَّا اسْتَقْبَلْنَاهَا" فَاسْتَقْبَلَ النبي [عليه السلام] معهم بيت المقدس ستة عشر شهراً، فبلغه أن اليهود تقول: والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم. فكره ذلك النبي ﷺ، ورفع وجهه إلى السماء. فأنزل الله عليه ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ الآية

فهذا يدل على أنه استقبل بيت المقدس من غير أمر أتاه من عند الله، وأنه إنما أتاه من الله الإباحة باستقبال أي موضع شاء. ثم نسخ الله فعله لأنه كان ﷺ يتبع آثار الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، فلذلك صلّى نحو بيت المقدس مع ما طمع به من استمالة اليهود أن يؤمنوا به.

وقال ابن عباس: "كان النبي عليه السلام لما هاجر إلى المدينة - وكان أكثر أهلها اليهود - أمره الله [جلَّ وعزَّ] أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهراً. فكان رسول الله ﷺ يحب قبلة أبيه إبراهيم وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله عز وجل: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ إلى ﴿صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. فهذا يدل على أن الله سبحانه أمره باستقبال بيت المقدس ثم نسخها بالكعبة.

وروي أن النبي [عليه السلام] كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس مع استقباله الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة صلى نحو بيت المقدس أيضاً سبعة عشر شهراً، ووقع في نفسه الصلاة نحو الكعبة، فأقبل يقلّب وجهه إلى السماء كيف يستقبل الكعبة. فأتاه جبريل عليه السلام، فقال له النبي ﷺ: "لَوَدِدْتُ يَا جِبْريلُ أَنَّ اللهَ صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ اليَهُودِ إِلَى غَيْرِهَا"، فقال له جبريل عليه السلام: إنما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على الله، فادعه وسله، ثم ارتفع جبريل، وجعل النبي يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل، فأنزل الله جل ذكره: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ الآية

وقال إبراهيم بن اسحاق: "أول أَمْر الصلاة أنها فرضت ركعتين بمكة في أول النهار، وركعتين في آخره. فلما كانت ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، أسري به ﷺ وفرض عليه خمسون صلاة، ثم نقصت إلى خمس صلوات، فأتاه جبريل ﷺ فأمَّهُ عند البيت، فأول ما صلّى به الظهر نحو بيت المقدس مع استقبال الكعبة. ثم قدم المدينة في شهر ربيع الأول، فصلى إلى بيت المقدس تمام سنة إحدى عشرة وصلى من سنة اثنتين ستة أشهر ثم حوّلت القبلة في رجب.

وروى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن القبلة صرفت في جمادى.

وقال الواقدي: "في النصف من شعبان صرفت". فوقع الاختلاف على مقدار اختلافهم في عدة الأشهر التي صلى في المدينة إلى …

Al-Baqara 2:144Listen in Qur'an →
145

وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍۢ مَّا تَبِعُوا۟ قِبْلَتَكَ ۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍۢ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍۢ قِبْلَةَ بَعْضٍۢ ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And if you brought to those who were given the Scripture every sign, they would not follow your qiblah. Nor will you be a follower of their qiblah. Nor would they be followers of one another's qiblah. So if you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, indeed, you would then be among the wrongdoers.

قوله: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾.

إلى قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.

أي: قد نرى يا محمد تصرف نظرك نحو السماء.

روي أنه ﷺ كان قبل تحويل قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة يرفع بصره إلى السماء ينتظر من الله الأمر بالتحويل إلى الكعبة.

قال قتادة: "كان النبي [ﷺ] يقلّب وجهه إلى السماء، يحب أن يصرفه الله تعالى إلى الكعبة حتى صرفه الله عز وجل إليها".

وهذا يدل على أنه لم يصلِّ إلى بيت المقدس إلا بوحي، فكان ينتظر متى يؤمر بترك ما أمر به. ولو كان إنما صلّى إلى بيت المقدس باختياره لم ينتظر الأمر فيه، ولرجع إلى الكعبة باختياره أيضاً. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ [النجم: ٣]. فكيف يأمرهم بالصلاة إلى بيت المقدس من عند نفسه. هذا بعيد.

وقال بعض العلماء: "إنما أحب النبي [عليه السلام] أن يُرَدَّ إلى الكعبة لأن اليهود كانوا يقولون: يتبع قبلتنا ويخالفنا في ديننا! فلما ردّه الله إلى الكعبة انقطع قول اليهود".

وقال ابن زيد: "قال الله عز وجل لنبيه ﷺ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ فقال النبي [عليه السلام] "هَؤُلاَءِ قَوْمٌ يَهُودٌ يَسْتَقبلُونَ بَيْتاً مِنْ بُيُوتِ الله عز وجل، فَلَوْ أَنَّا اسْتَقْبَلْنَاهَا" فَاسْتَقْبَلَ النبي [عليه السلام] معهم بيت المقدس ستة عشر شهراً، فبلغه أن اليهود تقول: والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم. فكره ذلك النبي ﷺ، ورفع وجهه إلى السماء. فأنزل الله عليه ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ الآية

فهذا يدل على أنه استقبل بيت المقدس من غير أمر أتاه من عند الله، وأنه إنما أتاه من الله الإباحة باستقبال أي موضع شاء. ثم نسخ الله فعله لأنه كان ﷺ يتبع آثار الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، فلذلك صلّى نحو بيت المقدس مع ما طمع به من استمالة اليهود أن يؤمنوا به.

وقال ابن عباس: "كان النبي عليه السلام لما هاجر إلى المدينة - وكان أكثر أهلها اليهود - أمره الله [جلَّ وعزَّ] أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهراً. فكان رسول الله ﷺ يحب قبلة أبيه إبراهيم وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله عز وجل: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ إلى ﴿صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. فهذا يدل على أن الله سبحانه أمره باستقبال بيت المقدس ثم نسخها بالكعبة.

وروي أن النبي [عليه السلام] كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس مع استقباله الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة صلى نحو بيت المقدس أيضاً سبعة عشر شهراً، ووقع في نفسه الصلاة نحو الكعبة، فأقبل يقلّب وجهه إلى السماء كيف يستقبل الكعبة. فأتاه جبريل عليه السلام، فقال له النبي ﷺ: "لَوَدِدْتُ يَا جِبْريلُ أَنَّ اللهَ صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ اليَهُودِ إِلَى غَيْرِهَا"، فقال له جبريل عليه السلام: إنما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على الله، فادعه وسله، ثم ارتفع جبريل، وجعل النبي يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل، فأنزل الله جل ذكره: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ الآية

وقال إبراهيم بن اسحاق: "أول أَمْر الصلاة أنها فرضت ركعتين بمكة في أول النهار، وركعتين في آخره. فلما كانت ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، أسري به ﷺ وفرض عليه خمسون صلاة، ثم نقصت إلى خمس صلوات، فأتاه جبريل ﷺ فأمَّهُ عند البيت، فأول ما صلّى به الظهر نحو بيت المقدس مع استقبال الكعبة. ثم قدم المدينة في شهر ربيع الأول، فصلى إلى بيت المقدس تمام سنة إحدى عشرة وصلى من سنة اثنتين ستة أشهر ثم حوّلت القبلة في رجب.

وروى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن القبلة صرفت في جمادى.

وقال الواقدي: "في النصف من شعبان صرفت". فوقع الاختلاف على مقدار اختلافهم في عدة الأشهر التي صلى في المدينة إلى …

Al-Baqara 2:145Listen in Qur'an →
146

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًۭا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

Those to whom We gave the Scripture know him as they know their own sons. But indeed, a party of them conceal the truth while they know [it].

قوله: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾.

إلى قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.

أي: قد نرى يا محمد تصرف نظرك نحو السماء.

روي أنه ﷺ كان قبل تحويل قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة يرفع بصره إلى السماء ينتظر من الله الأمر بالتحويل إلى الكعبة.

قال قتادة: "كان النبي [ﷺ] يقلّب وجهه إلى السماء، يحب أن يصرفه الله تعالى إلى الكعبة حتى صرفه الله عز وجل إليها".

وهذا يدل على أنه لم يصلِّ إلى بيت المقدس إلا بوحي، فكان ينتظر متى يؤمر بترك ما أمر به. ولو كان إنما صلّى إلى بيت المقدس باختياره لم ينتظر الأمر فيه، ولرجع إلى الكعبة باختياره أيضاً. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ [النجم: ٣]. فكيف يأمرهم بالصلاة إلى بيت المقدس من عند نفسه. هذا بعيد.

وقال بعض العلماء: "إنما أحب النبي [عليه السلام] أن يُرَدَّ إلى الكعبة لأن اليهود كانوا يقولون: يتبع قبلتنا ويخالفنا في ديننا! فلما ردّه الله إلى الكعبة انقطع قول اليهود".

وقال ابن زيد: "قال الله عز وجل لنبيه ﷺ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ فقال النبي [عليه السلام] "هَؤُلاَءِ قَوْمٌ يَهُودٌ يَسْتَقبلُونَ بَيْتاً مِنْ بُيُوتِ الله عز وجل، فَلَوْ أَنَّا اسْتَقْبَلْنَاهَا" فَاسْتَقْبَلَ النبي [عليه السلام] معهم بيت المقدس ستة عشر شهراً، فبلغه أن اليهود تقول: والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم. فكره ذلك النبي ﷺ، ورفع وجهه إلى السماء. فأنزل الله عليه ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ الآية

فهذا يدل على أنه استقبل بيت المقدس من غير أمر أتاه من عند الله، وأنه إنما أتاه من الله الإباحة باستقبال أي موضع شاء. ثم نسخ الله فعله لأنه كان ﷺ يتبع آثار الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، فلذلك صلّى نحو بيت المقدس مع ما طمع به من استمالة اليهود أن يؤمنوا به.

وقال ابن عباس: "كان النبي عليه السلام لما هاجر إلى المدينة - وكان أكثر أهلها اليهود - أمره الله [جلَّ وعزَّ] أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهراً. فكان رسول الله ﷺ يحب قبلة أبيه إبراهيم وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله عز وجل: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ إلى ﴿صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. فهذا يدل على أن الله سبحانه أمره باستقبال بيت المقدس ثم نسخها بالكعبة.

وروي أن النبي [عليه السلام] كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس مع استقباله الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة صلى نحو بيت المقدس أيضاً سبعة عشر شهراً، ووقع في نفسه الصلاة نحو الكعبة، فأقبل يقلّب وجهه إلى السماء كيف يستقبل الكعبة. فأتاه جبريل عليه السلام، فقال له النبي ﷺ: "لَوَدِدْتُ يَا جِبْريلُ أَنَّ اللهَ صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ اليَهُودِ إِلَى غَيْرِهَا"، فقال له جبريل عليه السلام: إنما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على الله، فادعه وسله، ثم ارتفع جبريل، وجعل النبي يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل، فأنزل الله جل ذكره: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ الآية

وقال إبراهيم بن اسحاق: "أول أَمْر الصلاة أنها فرضت ركعتين بمكة في أول النهار، وركعتين في آخره. فلما كانت ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، أسري به ﷺ وفرض عليه خمسون صلاة، ثم نقصت إلى خمس صلوات، فأتاه جبريل ﷺ فأمَّهُ عند البيت، فأول ما صلّى به الظهر نحو بيت المقدس مع استقبال الكعبة. ثم قدم المدينة في شهر ربيع الأول، فصلى إلى بيت المقدس تمام سنة إحدى عشرة وصلى من سنة اثنتين ستة أشهر ثم حوّلت القبلة في رجب.

وروى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن القبلة صرفت في جمادى.

وقال الواقدي: "في النصف من شعبان صرفت". فوقع الاختلاف على مقدار اختلافهم في عدة الأشهر التي صلى في المدينة إلى …

Al-Baqara 2:146Listen in Qur'an →
147

ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

The truth is from your Lord, so never be among the doubters.

قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ * ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.

أي: هذا الحق من ربك.

﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: لا تكونن من الشاكين أن القبلة التي وجهت إليها هي الحق وهي قبلة إبراهيم والأنبياء غيره صلوات الله عليهم.

وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] والمراد به أمته.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.

"هو" يرجع إلى "كُلٍّ". والهاء في "مُوَلِّيها" ترجع إلى القبلة. وقيل: "هُوَ" يرجع إلى الله جل ذكره.

فأما من قرأ "هو مُوَلاَّها"، فهو يرجع إلى "كُلٍّ" لا غير.

قال مجاهد: "معناه: ولكل صاحب ملة قبلة". يعني لليهود قبلة وللنصارى قبلة.

قال ابن عباس: "يعني بذلك أهل الأديان؛ لكل أهل دين قبلة يرضونها. ووجهة الله عز وجل حيث توجه المؤمنون".

وقال الضحاك: "معناه ولكل صاحب ملة قبلة، وصاحب القبلة يولِّيها وجهه".

وقال السدي: "المعنى ولكل قوم قبلة قد ولّوها".

والمعنى عند أهل العربية، هو موليها نفسه أو وجهه.

فأما من قرأ: "مُوَلاَّهَا" فالضمير على هذه القراءة لواحد، أي: ولكل واحد من الناس قبلة، الواحد مولاها، أي: مصروف إليها.

وقال الأخفش: "المعنى: موليها الله إياه على ما يزعمون" يريد على قراءة موليها.

وقال علي بن سليمان: "المعنى هو متوليها، والوجهة والجهة والوجه واحد".

وعن قتادة في قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، قال: "هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة".

فيكون التقدير على هذا: ولكل ناحية وَجَّهَكَ إليها ربُّك يا محمد قبلةُ الله مولِّيها عباده". وهو قول الأخفش الذي تقدم.

ومعنى "مولِّيها" مول وجهه إليها ومستقبلها.

وقال الطبري: "التولية في الآية للكل، ووُجدت للفظ "كل"، قال: "فمعنى الكلام: ولكل أهل ملة وجهة، الكل موليها وجوههم. قال: وأما قراءة ابن عامر فمعناه: هو موجَّه نحوها، ويكون الكل حينئذ غير مسمى فاعله، ولو سمي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة، الله موليها إياه بمعنى موجهه إليها.

ورويت قراءة شاذة بإضافة "كل" إلى "وجهة"، وهي قراءة لا تجوز لأنه لا فائدة في الكلام إذا لم يتم الخبر".

ولو ثَنيتَ على قراءة الجماعة لقلت: "هُمَا مُوَلِّياهَا"، وفي الجمع [هُمْ مَوَلُّوهَا] وعلى قراءة ابن عباس في التثنية "هُمَا مُوَلَّياهَا". وفي الجمع [هُمْ مُوَلَّوْهَا]. فإن جئت بالمفعول الثاني في قراءة الجماعة، قلت في التثنية: "هُمَا [مُوَلِّياهَا هُمَا] وفي الجمع: "هُمْ مُوَلُّوهَا هُمْ".

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ﴾.

أي: بادروا إلى عمل الصالحات واستقبال ما أمركم الله عز وجل باستقباله وهو المسجد الحرام.

* *

ثم قال: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً﴾.

أي: في أي مكان تكونون بعد موتكم يأت بكم الله جميعاً يوم القيامة.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: على جمعكم بعد مماتكم وغير ذلك قدير.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الآية.

وقد تقدم شرحه ووقع التكرير للإفهام، ولئلا يصل ذلك إلى بعض دون بعض فكرر الله التأكيد ليصل إلى الجميع.

* *

ثم قال: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.

الناس هنا: مشركو العرب. والمعنى: عرفناكم أن لكل وجهة موليها لئلا يكون لمشركي العرب حجة أي: خصومة ودعوى باطل [إلا لمشركي] قريش فإن [لهم عليكم] دعوى باطلة وخصومة بغير حق لقولهم لكم: رجع [محمد إلى] قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. هذا معنى قول مجاهد.

وقال قتادة: "هم مشركوا العرب، قالوا لمشركي قريش حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم".

قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.

وعن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي [عليه السلام] أنه لما صرفت القبلة نحو الكعبة …

Al-Baqara 2:147Listen in Qur'an →
148

وَلِكُلٍّۢ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا۟ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

For each [religious following] is a direction toward which it faces. So race to [all that is] good. Wherever you may be, Allah will bring you forth [for judgement] all together. Indeed, Allah is over all things competent.

قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ * ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.

أي: هذا الحق من ربك.

﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: لا تكونن من الشاكين أن القبلة التي وجهت إليها هي الحق وهي قبلة إبراهيم والأنبياء غيره صلوات الله عليهم.

وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] والمراد به أمته.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.

"هو" يرجع إلى "كُلٍّ". والهاء في "مُوَلِّيها" ترجع إلى القبلة. وقيل: "هُوَ" يرجع إلى الله جل ذكره.

فأما من قرأ "هو مُوَلاَّها"، فهو يرجع إلى "كُلٍّ" لا غير.

قال مجاهد: "معناه: ولكل صاحب ملة قبلة". يعني لليهود قبلة وللنصارى قبلة.

قال ابن عباس: "يعني بذلك أهل الأديان؛ لكل أهل دين قبلة يرضونها. ووجهة الله عز وجل حيث توجه المؤمنون".

وقال الضحاك: "معناه ولكل صاحب ملة قبلة، وصاحب القبلة يولِّيها وجهه".

وقال السدي: "المعنى ولكل قوم قبلة قد ولّوها".

والمعنى عند أهل العربية، هو موليها نفسه أو وجهه.

فأما من قرأ: "مُوَلاَّهَا" فالضمير على هذه القراءة لواحد، أي: ولكل واحد من الناس قبلة، الواحد مولاها، أي: مصروف إليها.

وقال الأخفش: "المعنى: موليها الله إياه على ما يزعمون" يريد على قراءة موليها.

وقال علي بن سليمان: "المعنى هو متوليها، والوجهة والجهة والوجه واحد".

وعن قتادة في قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، قال: "هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة".

فيكون التقدير على هذا: ولكل ناحية وَجَّهَكَ إليها ربُّك يا محمد قبلةُ الله مولِّيها عباده". وهو قول الأخفش الذي تقدم.

ومعنى "مولِّيها" مول وجهه إليها ومستقبلها.

وقال الطبري: "التولية في الآية للكل، ووُجدت للفظ "كل"، قال: "فمعنى الكلام: ولكل أهل ملة وجهة، الكل موليها وجوههم. قال: وأما قراءة ابن عامر فمعناه: هو موجَّه نحوها، ويكون الكل حينئذ غير مسمى فاعله، ولو سمي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة، الله موليها إياه بمعنى موجهه إليها.

ورويت قراءة شاذة بإضافة "كل" إلى "وجهة"، وهي قراءة لا تجوز لأنه لا فائدة في الكلام إذا لم يتم الخبر".

ولو ثَنيتَ على قراءة الجماعة لقلت: "هُمَا مُوَلِّياهَا"، وفي الجمع [هُمْ مَوَلُّوهَا] وعلى قراءة ابن عباس في التثنية "هُمَا مُوَلَّياهَا". وفي الجمع [هُمْ مُوَلَّوْهَا]. فإن جئت بالمفعول الثاني في قراءة الجماعة، قلت في التثنية: "هُمَا [مُوَلِّياهَا هُمَا] وفي الجمع: "هُمْ مُوَلُّوهَا هُمْ".

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ﴾.

أي: بادروا إلى عمل الصالحات واستقبال ما أمركم الله عز وجل باستقباله وهو المسجد الحرام.

* *

ثم قال: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً﴾.

أي: في أي مكان تكونون بعد موتكم يأت بكم الله جميعاً يوم القيامة.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: على جمعكم بعد مماتكم وغير ذلك قدير.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الآية.

وقد تقدم شرحه ووقع التكرير للإفهام، ولئلا يصل ذلك إلى بعض دون بعض فكرر الله التأكيد ليصل إلى الجميع.

* *

ثم قال: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.

الناس هنا: مشركو العرب. والمعنى: عرفناكم أن لكل وجهة موليها لئلا يكون لمشركي العرب حجة أي: خصومة ودعوى باطل [إلا لمشركي] قريش فإن [لهم عليكم] دعوى باطلة وخصومة بغير حق لقولهم لكم: رجع [محمد إلى] قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. هذا معنى قول مجاهد.

وقال قتادة: "هم مشركوا العرب، قالوا لمشركي قريش حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم".

قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.

وعن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي [عليه السلام] أنه لما صرفت القبلة نحو الكعبة …

Al-Baqara 2:148Listen in Qur'an →
149

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَإِنَّهُۥ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

So from wherever you go out [for prayer, O Muhammad] turn your face toward al- Masjid al-Haram, and indeed, it is the truth from your Lord. And Allah is not unaware of what you do.

قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ * ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.

أي: هذا الحق من ربك.

﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: لا تكونن من الشاكين أن القبلة التي وجهت إليها هي الحق وهي قبلة إبراهيم والأنبياء غيره صلوات الله عليهم.

وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] والمراد به أمته.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.

"هو" يرجع إلى "كُلٍّ". والهاء في "مُوَلِّيها" ترجع إلى القبلة. وقيل: "هُوَ" يرجع إلى الله جل ذكره.

فأما من قرأ "هو مُوَلاَّها"، فهو يرجع إلى "كُلٍّ" لا غير.

قال مجاهد: "معناه: ولكل صاحب ملة قبلة". يعني لليهود قبلة وللنصارى قبلة.

قال ابن عباس: "يعني بذلك أهل الأديان؛ لكل أهل دين قبلة يرضونها. ووجهة الله عز وجل حيث توجه المؤمنون".

وقال الضحاك: "معناه ولكل صاحب ملة قبلة، وصاحب القبلة يولِّيها وجهه".

وقال السدي: "المعنى ولكل قوم قبلة قد ولّوها".

والمعنى عند أهل العربية، هو موليها نفسه أو وجهه.

فأما من قرأ: "مُوَلاَّهَا" فالضمير على هذه القراءة لواحد، أي: ولكل واحد من الناس قبلة، الواحد مولاها، أي: مصروف إليها.

وقال الأخفش: "المعنى: موليها الله إياه على ما يزعمون" يريد على قراءة موليها.

وقال علي بن سليمان: "المعنى هو متوليها، والوجهة والجهة والوجه واحد".

وعن قتادة في قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، قال: "هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة".

فيكون التقدير على هذا: ولكل ناحية وَجَّهَكَ إليها ربُّك يا محمد قبلةُ الله مولِّيها عباده". وهو قول الأخفش الذي تقدم.

ومعنى "مولِّيها" مول وجهه إليها ومستقبلها.

وقال الطبري: "التولية في الآية للكل، ووُجدت للفظ "كل"، قال: "فمعنى الكلام: ولكل أهل ملة وجهة، الكل موليها وجوههم. قال: وأما قراءة ابن عامر فمعناه: هو موجَّه نحوها، ويكون الكل حينئذ غير مسمى فاعله، ولو سمي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة، الله موليها إياه بمعنى موجهه إليها.

ورويت قراءة شاذة بإضافة "كل" إلى "وجهة"، وهي قراءة لا تجوز لأنه لا فائدة في الكلام إذا لم يتم الخبر".

ولو ثَنيتَ على قراءة الجماعة لقلت: "هُمَا مُوَلِّياهَا"، وفي الجمع [هُمْ مَوَلُّوهَا] وعلى قراءة ابن عباس في التثنية "هُمَا مُوَلَّياهَا". وفي الجمع [هُمْ مُوَلَّوْهَا]. فإن جئت بالمفعول الثاني في قراءة الجماعة، قلت في التثنية: "هُمَا [مُوَلِّياهَا هُمَا] وفي الجمع: "هُمْ مُوَلُّوهَا هُمْ".

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ﴾.

أي: بادروا إلى عمل الصالحات واستقبال ما أمركم الله عز وجل باستقباله وهو المسجد الحرام.

* *

ثم قال: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً﴾.

أي: في أي مكان تكونون بعد موتكم يأت بكم الله جميعاً يوم القيامة.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: على جمعكم بعد مماتكم وغير ذلك قدير.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الآية.

وقد تقدم شرحه ووقع التكرير للإفهام، ولئلا يصل ذلك إلى بعض دون بعض فكرر الله التأكيد ليصل إلى الجميع.

* *

ثم قال: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.

الناس هنا: مشركو العرب. والمعنى: عرفناكم أن لكل وجهة موليها لئلا يكون لمشركي العرب حجة أي: خصومة ودعوى باطل [إلا لمشركي] قريش فإن [لهم عليكم] دعوى باطلة وخصومة بغير حق لقولهم لكم: رجع [محمد إلى] قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. هذا معنى قول مجاهد.

وقال قتادة: "هم مشركوا العرب، قالوا لمشركي قريش حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم".

قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.

وعن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي [عليه السلام] أنه لما صرفت القبلة نحو الكعبة …

Al-Baqara 2:149Listen in Qur'an →
150

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

And from wherever you go out [for prayer], turn your face toward al-Masjid al-Haram. And wherever you [believers] may be, turn your faces toward it in order that the people will not have any argument against you, except for those of them who commit wrong; so fear them not but fear Me. And [it is] so I may complete My favor upon you and that you may be guided.

قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ * ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾.

أي: هذا الحق من ربك.

﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: لا تكونن من الشاكين أن القبلة التي وجهت إليها هي الحق وهي قبلة إبراهيم والأنبياء غيره صلوات الله عليهم.

وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] والمراد به أمته.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.

"هو" يرجع إلى "كُلٍّ". والهاء في "مُوَلِّيها" ترجع إلى القبلة. وقيل: "هُوَ" يرجع إلى الله جل ذكره.

فأما من قرأ "هو مُوَلاَّها"، فهو يرجع إلى "كُلٍّ" لا غير.

قال مجاهد: "معناه: ولكل صاحب ملة قبلة". يعني لليهود قبلة وللنصارى قبلة.

قال ابن عباس: "يعني بذلك أهل الأديان؛ لكل أهل دين قبلة يرضونها. ووجهة الله عز وجل حيث توجه المؤمنون".

وقال الضحاك: "معناه ولكل صاحب ملة قبلة، وصاحب القبلة يولِّيها وجهه".

وقال السدي: "المعنى ولكل قوم قبلة قد ولّوها".

والمعنى عند أهل العربية، هو موليها نفسه أو وجهه.

فأما من قرأ: "مُوَلاَّهَا" فالضمير على هذه القراءة لواحد، أي: ولكل واحد من الناس قبلة، الواحد مولاها، أي: مصروف إليها.

وقال الأخفش: "المعنى: موليها الله إياه على ما يزعمون" يريد على قراءة موليها.

وقال علي بن سليمان: "المعنى هو متوليها، والوجهة والجهة والوجه واحد".

وعن قتادة في قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، قال: "هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة".

فيكون التقدير على هذا: ولكل ناحية وَجَّهَكَ إليها ربُّك يا محمد قبلةُ الله مولِّيها عباده". وهو قول الأخفش الذي تقدم.

ومعنى "مولِّيها" مول وجهه إليها ومستقبلها.

وقال الطبري: "التولية في الآية للكل، ووُجدت للفظ "كل"، قال: "فمعنى الكلام: ولكل أهل ملة وجهة، الكل موليها وجوههم. قال: وأما قراءة ابن عامر فمعناه: هو موجَّه نحوها، ويكون الكل حينئذ غير مسمى فاعله، ولو سمي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة، الله موليها إياه بمعنى موجهه إليها.

ورويت قراءة شاذة بإضافة "كل" إلى "وجهة"، وهي قراءة لا تجوز لأنه لا فائدة في الكلام إذا لم يتم الخبر".

ولو ثَنيتَ على قراءة الجماعة لقلت: "هُمَا مُوَلِّياهَا"، وفي الجمع [هُمْ مَوَلُّوهَا] وعلى قراءة ابن عباس في التثنية "هُمَا مُوَلَّياهَا". وفي الجمع [هُمْ مُوَلَّوْهَا]. فإن جئت بالمفعول الثاني في قراءة الجماعة، قلت في التثنية: "هُمَا [مُوَلِّياهَا هُمَا] وفي الجمع: "هُمْ مُوَلُّوهَا هُمْ".

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ﴾.

أي: بادروا إلى عمل الصالحات واستقبال ما أمركم الله عز وجل باستقباله وهو المسجد الحرام.

* *

ثم قال: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً﴾.

أي: في أي مكان تكونون بعد موتكم يأت بكم الله جميعاً يوم القيامة.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: على جمعكم بعد مماتكم وغير ذلك قدير.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الآية.

وقد تقدم شرحه ووقع التكرير للإفهام، ولئلا يصل ذلك إلى بعض دون بعض فكرر الله التأكيد ليصل إلى الجميع.

* *

ثم قال: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.

الناس هنا: مشركو العرب. والمعنى: عرفناكم أن لكل وجهة موليها لئلا يكون لمشركي العرب حجة أي: خصومة ودعوى باطل [إلا لمشركي] قريش فإن [لهم عليكم] دعوى باطلة وخصومة بغير حق لقولهم لكم: رجع [محمد إلى] قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. هذا معنى قول مجاهد.

وقال قتادة: "هم مشركوا العرب، قالوا لمشركي قريش حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم".

قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي﴾.

وعن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي [عليه السلام] أنه لما صرفت القبلة نحو الكعبة …

Al-Baqara 2:150Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.