Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 141–150 of 286

141

تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

That is a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤١ ] ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ فَلا يُسْألُونَ عَنْ أعْمالِكم ﴿ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لِما ذَكَرَ تَعالى حُسْنَ طَرِيقَةِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، ولَمْ يَدَعْ لَهم مُتَمَسِّكًا مِن جِهَتِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ الإشارَةَ إلى أنَّ الدِّينَ دائِرٌ مَعَ أمْرِهِ في كُلِّ زَمانٍ. وأنَّهُ لا يَنْفَعُهم إلّا ما يَسْتَجِدُّونَهُ بِحُكْمِ ما تَجَدَّدَ مِنَ المُنْزَلِ المُعْجِزِ لِكافَّةِ أهْلِ الأرْضِ، أحْمَرُهم وأسْوَدُهم. . أيْ فَعَلَيْكم بِتَرْكِ الكَلامِ في تِلْكَ الأُمَّةِ. فَلَها ما كَسَبَتْ. وانْظُرُوا فِيما دَعاكم إلَيْهِ خاتَمُ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٌ ﷺ فَإنَّ ذَلِكَ أنْفَعُ لَكم وأعْوَدُ عَلَيْكم. ولا تُسْألُونَ إلّا عَنْ عَمَلِكم.

قالَ الرّاغِبُ: إعادَةُ هَذِهِ الآيَةِ مِن أجْلِ أنَّ العادَةَ مُسْتَحْكَمَةٌ في النّاسِ، صالِحِهِمْ وطالِحِهِمْ أنْ يَفْتَخِرُوا بِآبائِهِمْ ويَقْتَدُوا بِهِمْ في مُتَحَرِّياتِهِمْ. سِيَّما في أُمُورِ دِينِهِمْ.

ولِهَذا حَكى عَنِ الكُفّارِ قَوْلَهم: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] فَأكَّدَ اللَّهُ تَعالى القَوْلَ في إنْزالِهِمْ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ. وذَكَرَ في أثَرِ ما حَكى مِن وصِيَّةِ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ بَنِيهِ بِذَلِكَ، تَنْبِيهًا أنَّ الأمْرَ سَواءٌ عَلى ما قُلْتَ أوْ لَمْ يَكُنْ. فَلَيْسَ لَكم ثَوابُ فِعْلِهِمْ ولا عَلَيْكم عِقابُهُ، وفي الثّانِي لَمّا ذَكَرَ ادِّعاءَهُمُ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ لِآبائِهِمْ أعادَ أيْضًا تَأْكِيدًا عَلَيْهِمْ تَنْبِيهًا عَلى نَحْوِ ما قالَ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] وقَوْلُهُ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [فاطر: ١٨] ولِما جَرَتْ بِهِ عادَتُهم وتَفَرَّدَتْ بِهِ مَعْرِفَتُهم: كُلُّ شاةٍ تُناطُ بِرِجْلَيْها.

Al-Baqara 2:141Listen in Qur'an →
142

۞ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا۟ عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

The foolish among the people will say, "What has turned them away from their qiblah, which they used to face?" Say, "To Allah belongs the east and the west. He guides whom He wills to a straight path."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٢ ] ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ رَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ أنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وأنَّهُ صَلّى أوَّلَ صَلاةٍ صَلّاها، صَلاةَ العَصْرِ وصَلّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ صَلّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلى أهْلِ المَسْجِدِ وهم راكِعُونَ فَقالَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدارُوا كَما هم قِبَلَ البَيْتِ».

ورَوى مُسْلِمٌ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ ولَفْظُهُ: «صَلَّيْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صَرَفَنا نَحْوَ الكَعْبَةِ» .

ورَوى الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «بَيْنا النّاسُ بِقُباءٍ في صَلاةِ الصُّبْحِ إذْ جاءَهم آتٍ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ. وقَدْ أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فاسْتَقْبِلُوها، وكانَتْ وُجُوهُهم إلى الشّامِ فاسْتَدارُوا إلى الكَعْبَةِ». (اللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ)

والأحادِيثُ في تَحْوِيلِ القِبْلَةِ مِنَ القُدْسِ إلى الكَعْبَةِ مُتَوافِرَةٌ، وفِيما ذَكَرْنا كِفايَةٌ.

وقَدْ أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ أنَّ فَرِيقًا مِنَ النّاسِ سَيُنْكِرُونَ تَغْيِيرَ القِبْلَةِ وسَمّاهم سُفَهاءَ، جَمْعُ سَفِيهٍ، وهو الخَفِيفُ الحِلْمِ والأحْمَقُ والجاهِلُ. قالَ أبُو السُّعُودِ: أيِ الَّذِينَ خَفَّتْ أحْلامُهم واسْتَمْهَنُوها بِالتَّقْلِيدِ والإعْراضِ عَنِ التَّدَبُّرِ والنَّظَرِ. انْتَهى.

ومَعْنى قَوْلِهِ "ما ولّاهُمْ" أيْ أيُّ شَيْءٍ صَرَفَهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، أيْ ثابِتِينَ عَلى التَّوَجُّهِ إلَيْها، وهي بَيْتُ المَقْدِسِ. ومَدارُ الإنْكارِ، إنْ كانَ القائِلُونَ هُمُ اليَهُودَ، كَراهَتُهم لِلتَّحْوِيلِ عَنْها لِأنَّها قَبِلَتَهم، وإنْ كانَ غَيْرُهم، فَمُجَرَّدُ القَصْدِ إلى الطَّعْنِ في الدِّينِ والقَدْحِ في أحْكامِهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ القائِلِينَ هُمُ اليَهُودُ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهم مُشْرِكُو العَرَبِ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُمُ المُنافِقُونَ.

قالَ الرّاغِبُ: ولا تَنافِيَ بَيْنَ أقْوالِهِمْ فَكُلٌّ قَدْ عابُوا، وكُلٌّ سُفَهاءُ.

(تَنْبِيهٌ): ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى "سَيَقُولُ السُّفَهاءُ" إلَخْ، أنَّهُ إخْبارٌ بِقَوْلِهِمُ المَذْكُورِ، ثُمَّ إنَّ الإخْبارَ قَبْلَ وُقُوعِهِ. وفائِدَتُهُ تَوْطِينُ النَّفْسِ وإعْدادُ ما يُبَكِّتُهم، فَإنَّ مُفاجَأةَ المَكْرُوهِ عَلى النَّفْسِ أشَقُّ وأشَدُّ، والجَوابُ العَتِيدُ لِشَغَبِ الخَصْمِ الألَدِّ أرَدُّ، مَعَ ما فِيهِ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ حَيْثُ يَكُونُ إخْبارًا عَنْ غَيْبٍ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ جَوابٌ عَنْ شُبْهَتِهِمْ. وتَقْرِيرُهُ أنَّ الجِهاتِ كُلَّها لِلَّهِ مِلْكًا، فَلا يَسْتَحِقُّ شَيْءٌ مِنها لِذاتِهِ أنْ يَكُونَ قِبْلَةً. بَلْ إنَّما تَصِيرُ قِبْلَةً لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَها قِبْلَةً، فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ بِالتَّحْوِيلِ مِن جِهَةٍ إلى أُخْرى، وما أمَرَ بِهِ فَهو الحَقُّ: ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ …

Al-Baqara 2:142Listen in Qur'an →
143

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًۭا ۗ وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

And thus we have made you a just community that you will be witnesses over the people and the Messenger will be a witness over you. And We did not make the qiblah which you used to face except that We might make evident who would follow the Messenger from who would turn back on his heels. And indeed, it is difficult except for those whom Allah has guided. And never would Allah have caused you to lose your faith. Indeed Allah is, to the people, Kind and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٣ ] ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

"وكَذَلِكَ" أيْ كَما هَدَيْناكم إلى قِبْلَةٍ هي أوْسَطُ القِبَلِ وأفْضَلُها "جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا" أيْ عُدُولًا خِيارًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجَعْلِ المُنَوَّهِ بِهِ الَّذِي تَمَّتِ المِنَّةُ بِهِ عَلَيْهِمْ. واعْلَمْ أنَّ أصْلَ الشُّهُودِ والشَّهادَةِ الحُضُورُ مَعَ المُشاهَدَةِ. إمّا بِالبَصَرِ أوْ بِالبَصِيرَةِ. قالَ الرّازِيُّ: الشَّهادَةُ والمُشاهَدَةُ والشُّهُودُ هو الرُّؤْيَةُ، يُقالُ شاهَدْتُ كَذا إذا رَأيْتَهُ وأبْصَرْتَهُ، ولَمّا كانَ بَيْنَ الإبْصارِ بِالعَيْنِ، وبَيْنَ المَعْرِفَةِ بِالقَلْبِ مُناسَبَةٌ شَدِيدَةٌ، لا جَرَمَ قَدْ تُسَمّى المَعْرِفَةُ الَّتِي في القَلْبِ مُشاهَدَةً وشُهُودًا، والعارِفُ بِالشَّيْءِ شاهِدًا ومُشاهِدًا، ثُمَّ سُمِّيَتِ الدَّلالَةُ عَلى الشَّيْءِ شاهِدًا عَلى الشَّيْءِ لِأنَّها هي الَّتِي بِها صارَ الشّاهِدُ شاهِدًا. ولِما كانَ المُخْبِرُ عَنِ الشَّيْءِ والمُبَيِّنُ لِحالِهِ جارِيًا مَجْرى الدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ، سُمِّيَ ذَلِكَ المُخْبِرُ أيْضًا شاهِدًا. وبِالجُمْلَةِ، فَكُلُّ مَن عَرَفَ حالَ شَيْءٍ، وكَشَفَ عَنْهُ كانَ شاهِدًا عَلَيْهِ. انْتَهى.

والشَّهِيدُ أصْلُهُ الشّاهِدُ والمُشاهِدُ لِلشَّيْءِ والمُخْبِرُ عَنْ عِلْمٍ حَصَلَ بِمُشاهَدَةِ بَصَرٍ أوْ بَصِيرَةٍ. وهو، بِالمَعْنى الثّالِثِ، مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ. ولِذَلِكَ وُصِفَ بِهِ النَّبِيُّونَ والسّادَةُ والأئِمَّةُ. كَما تَرى في هَذِهِ الآيَةِ وفي آيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] وآيَةِ ﴿وادْعُوا شُهَداءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣] ﴿والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] ثُمَّ إنَّ في اللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ وجْهَيْنِ (الأوَّلُ) إنَّها لامُ الصَّيْرُورَةِ والعاقِبَةِ. أيْ فَآلَ الأمْرُ بِهِدايَتِكم وجَعْلِكم وسَطًا أنْ كُنْتُمْ شُهَداءَ عَلى النّاسِ، وهم أهْلُ الأدْيانِ الأُخَرِ. أيْ بُصَراءُ عَلى كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وما غَيَّرُوا وبَدَّلُوا وأشْرَكُوا وألْحَدُوا. مِمّا قَصَّ عَلَيْكم في الآياتِ قَبْلُ، حَتّى أحَطْتُمْ بِهِ خُبَرًا. فَعَرَفْتُمْ حَقَّ دِينِهِمْ مِن باطِلِهِ، ووَحْيِهِ مِن مُخْتَرَعِهِ. يَعْنِي: وإذا شَهِدْتُمْ ذَلِكَ مِنهم وأبْصَرْتُمْ فاشْكُرُوا مَوْلاكم عَلى ما أوْلاكم، وعافاكم مِمّا ابْتَلى بِهِ سِواكم، حَيْثُ وفَّقَكم لِلْمَنهَجِ السَّوِيِّ وهَداكم لِلْمَهِيعِ الرَّضِيِّ، وكَذَلِكَ صارَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا بِأنَّكم عَرَفْتُمُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، والهُدى مِنَ الضَّلالِ، والنُّورَ مِنَ الظُّلُماتِ، بِما بَلَغَكم مِن وحْيِهِ وأراكم مِن آياتِهِ. فَعَظُمَتِ المِنَّةُ لِلَّهِ عَلَيْكم؛ إذْ أصْبَحْتُمْ مُهْتَدِينَ بَعْدَ الضَّلالَةِ، عُلَماءَ بَعْدَ الجَهالَةِ. فَفِيهِ إشارَةٌ إلى تَحْذِيرِ المُؤْمِنِينَ مِن أنْ يَزِيغُوا بَعْدَ الهُدى، كَما زاغَ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَعى عَلَيْهِمْ ضَلالَتَهم، فَتَقُومُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ كَما قامَتْ مِن أُولَئِكَ.

(الوَجْهُ الثّانِي) أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، عَلى …

Al-Baqara 2:143Listen in Qur'an →
144

قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةًۭ تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ

We have certainly seen the turning of your face, [O Muhammad], toward the heaven, and We will surely turn you to a qiblah with which you will be pleased. So turn your face toward al-Masjid al-Haram. And wherever you [believers] are, turn your faces toward it [in prayer]. Indeed, those who have been given the Scripture well know that it is the truth from their Lord. And Allah is not unaware of what they do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٤ ] ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾

﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ أيْ تَرَدُّدَ وجْهِكَ وتَصَرُّفَ نَظَرِكَ في جِهَةِ السَّماءِ تَشَوُّفًا لِنُزُولِ الوَحْيِ بِالتَّحْوِيلِ.

قالُوا: وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى حُسْنِ أدَبِهِ حَيْثُ انْتَظَرَ ولَمْ يَسْألْ. وهَذا ألْطَفُ مِمّا قِيلَ: إنَّ تَقَلُّبَ وجْهِهِ كِنايَةٌ عَنْ دُعائِهِ، ولا مانِعَ أنْ يُرادَ بِتَقَلُّبِ وجْهِهِ ﷺ بِالتَّحْوِيلِ، فَفِيهِ إعْلامٌ بِما جَعَلَهُ تَعالى مِنِ اخْتِصاصِ السَّماءِ بِوَجْهِ الدّاعِي. وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ مُتَأخِّرَةً في التِّلاوَةِ، فَهي مُتَقَدِّمَةٌ في المَعْنى، فَإنَّها رَأْسُ القِصَّةِ ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ أيْ: لَنُعْطِيَنَّكَ أوْ لَنُوَجِّهَنَّكَ إلى قِبْلَةٍ تُحِبُّها وتَمِيلُ إلَيْها. ودَلَّ عَلى أنَّ مَرْضِيَّهُ الكَعْبَةُ، بِفاءِ السَّبَبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ نَحْوَهُ وجِهَتَهُ. والتَّعْبِيرُ عَنِ الكَعْبَةِ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ إشارَةٌ إلى أنَّ الواجِبَ مُراعاةُ الجِهَةِ دُونَ العَيْنِ: ﴿وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ أيْ حَيْثُما كُنْتُمْ في بَرٍّ أوْ بَحْرٍ فَوَلُّوا وُجُوهَكم في الصَّلاةِ تِلْقاءَ المَسْجِدِ. وأمّا سِرُّ الأمْرِ بِالتَّوْلِيَةِ خاصًّا وعامًّا، فَقالَ الرّاغِبُ: أمّا خِطابُهُ الخاصُّ فَتَشْرِيفًا لَهُ وإيجابًا لِرَغْبَتِهِ. وأمّا خِطابُهُ العامُّ بَعْدَهُ، فَلِأنَّهُ كانَ يَجُوزُ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ هَذا أمْرٌ قَدْ خُصَّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ. كَما خُصَّ في قَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] ولِأنَّهُ لَمّا كانَ تَحْوِيلُ القِبْلَةِ أمْرًا لَهُ خَطَرَ، خَصَّهم بِخِطابٍ مُفْرَدٍ لِيَكُونَ ذَلِكَ أبْلَغَ ولِيَكُونَ لَهم في ذَلِكَ تَشْرِيفٌ. ولِأنَّ في الخِطابِ العامِّ تَعْلِيقَ حُكْمٍ آخَرَ بِهِ. وهو أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ القُرْبِ والبُعْدِ في وُجُوبِ التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ.

﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ قالَ الفَخْرُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ "أنَّهُ الحَقُّ" راجِعٌ إلى مَذْكُورٍ سابِقٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الرَّسُولِ، كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُ القِبْلَةِ. فَجازَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ القَوْمَ يَعْلَمُونَ أنَّ الرَّسُولَ مَعَ شَرْعِهِ ونُبُوَّتِهِ حَقٌّ، فَيَشْتَمِلُ ذَلِكَ عَلى أمْرِ القِبْلَةِ وغَيْرِها، ويَحْتَمِلُ أنْ يَرْجِعَ إلى هَذا التَّكْلِيفِ الخاصِّ بِالقِبْلَةِ، وأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ. وهَذا الِاحْتِمالُ الأخِيرُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ ألْيَقُ بِالمَساقِ.

ثُمَّ ذَكَرَ مِن وُجُوهِ عِلْمِهِمْ لِذَلِكَ: أنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ الكَعْبَةَ هي البَيْتُ العَتِيقُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى قِبْلَةً لِإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ. وأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لِما ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ. ومَتى عَلِمُوا نُبُوَّتَهُ فَقَدْ عَلِمُوا لا مَحالَةَ أنَّ كُلَّ ما أتى بِهِ فَهو حَقٌّ. فَكانَ هَذا التَّحْوِيلُ حَقًّا.

قُلْتُ: وثَمَّ وجْهٌ آخَرُ أدَقُّ مِمّا ذَكَرَهُ الفَخْرُ في عِلْمِهِمْ حَقِّيَّةَ ذَلِكَ التَّحْوِيلِ وأنَّهُ مِن أعْلامِ نُبُوَّتِهِ ﷺ . وبَيانُهُ أنَّ أمْرَهُ تَعالى لِلنَّبِيِّ ﷺ، ولِكافَّةِ مَنِ …

Al-Baqara 2:144Listen in Qur'an →
145

وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍۢ مَّا تَبِعُوا۟ قِبْلَتَكَ ۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍۢ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍۢ قِبْلَةَ بَعْضٍۢ ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And if you brought to those who were given the Scripture every sign, they would not follow your qiblah. Nor will you be a follower of their qiblah. Nor would they be followers of one another's qiblah. So if you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, indeed, you would then be among the wrongdoers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٥ ] ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهم وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾

﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى "بِكُلِّ آيَةٍ" أيْ بُرْهانٍ قاطِعٍ أنَّ التَّوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ هو الحَقُّ "ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ" أيْ هَذِهِ الَّتِي حَوَّلَتْ إلَيْها. لِأنَّ تَرْكَهُمُ اتِّباعَكَ لَيْسَ عَنْ شُبْهَةٍ تُزِيلُها بِإيرادِ الحُجَّةِ. إنَّما هو عَنْ مُكابَرَةٍ وعِنادٍ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِما في كُتُبِهِمْ مِن نَعْتِكَ أنَّكَ عَلى الحَقِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ هَذا حَسْمٌ لِأطْماعِهِمْ في العَوْدِ إلَيْها. أوْ لِلْمُقابَلَةِ. يَعْنِي ما هم بِتارِكِي باطِلِهِمْ وما أنْتَ بِتارِكِ حَقِّكَ ﴿وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ فَلا اتِّفاقَ بَيْنَ فَرِيقَيْهِمْ، مَعَ كَوْنِ الكُلِّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أخْبَرَ تَعالى عَنْ تَصَلُّبِ كُلِّ حِزْبٍ فِيما هو فِيهِ وثَباتِهِ عَلَيْهِ. فالمُحِقُّ مِنهم لا يَزِلُّ عَنْ مَذْهَبِهِ لِتَمَسُّكِهِ بِالبُرْهانِ. والمُبْطِلُ لا يُقْلِعُ عَنْ باطِلِهِ لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِ في عِنادِهِ. وفِيهِ إراحَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ التَّطَلُّعِ إلى هُدى بَعْضِهِمْ.

فَوائِدُ

الأُولى: قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ كَيْفَ أُعْلِمَ بِأنَّهم لا يَتَّبِعُونَ قِبْلَتَهُ وقَدْ آمَنَ مِنهم فَرِيقٌ ؟ قِيلَ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ هَذا حُكْمٌ عَلى الكُلِّ دُونَ الأبْعاضِ. وهَذا صَحِيحٌ. بِدَلالَةِ أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ما آمَنُوا ولَكِنْ آمَنَ بَعْضُهم، لَمْ يَكُنْ مُنافِيًا. وقِيلَ: عُنِيَ بِهِ أقْوامٌ مَخْصُوصُونَ.

الثّانِيَةُ: قالَ الرّاغِبُ: في قَوْلِهِ تَعالى "وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ" إشارَةٌ عَلى أنَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، فَمِنَ المُحالِ أنْ يَرْتَدَّ. ولِذا قِيلَ: ما رَجَعَ مَن رَجَعَ إلّا مِنَ الطَّرِيقِ: أيْ ما أخَلَّ بِالإيمانِ إلّا مَن لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ حَقَّ الوُصُولِ.

إنْ قِيلَ: فَقَدْ يُوجَدُ مَن يَحْصُلُ لَهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ ثُمَّ يَرْتَدُّ ! . (قِيلَ) إنَّ الَّذِي يُقَدِّرُ أنَّهُ مَعْرِفَةٌ، هو ظَنٌّ مُتَصَوَّرٌ بِصُورَةِ العِلْمِ. فَأمّا أنْ يَحْصُلَ لَهُ العِلْمُ الحَقِيقِيُّ ثُمَّ يَعْقُبُهُ الِارْتِدادُ فَبَعِيدٌ، ولَمْ يَعْنِ بِهَذِهِ المَعْرِفَةِ ما جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإنْسانِ بِالفِطْنَةِ، فَإنَّ تِلْكَ كَشَرَرَةٍ تَخْمَدُ إذا لَمْ تَتَوَقَّدْ.

الثّالِثَةُ: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، في بَدائِعِ الفَوائِدِ: قِبْلَةُ أهْلِ الكِتابِ لَيْسَتْ بِوَحْيٍ وتَوْقِيفٍ مِنَ اللَّهِ. بَلْ بِمَشُورَةٍ واجْتِهادٍ مِنهم. أمّا النَّصارى فَلا رَيْبَ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْهم في الإنْجِيلِ ولا في غَيْرِهِ بِاسْتِقْبالِ المَشْرِقِ. وهم يُقِرُّونَ بِأنَّ قِبْلَةَ المَسِيحِ قِبْلَةُ بَنِي إسْرائِيلَ. وهي الصَّخْرَةُ، وإنَّما وضَعَ لَهم أشْياخُهم هَذِهِ القِبْلَةَ. فَهم مَعَ اليَهُودِ، مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يُشَرِّعِ اسْتِقْبالَ بَيْتِ المَقْدِسِ عَلى رَسُولِهِ أبَدًا. والمُسْلِمُونَ شاهِدُونَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الأمْرِ. وأمّا اليَهُودُ فَلَيْسَ في التَّوْراةِ الأمْرُ بِاسْتِقْبالِ الصَّخْرَةِ البَتَّةَ. وإنَّما كانُوا يَنْصِبُونَ التّابُوتَ ويُصَلُّونَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ خَرَجُوا. فَإذا قَدِمُوا نَصَبُوهُ عَلى الصَّخْرَةِ وصَلَّوْا إلَيْهِ. …

Al-Baqara 2:145Listen in Qur'an →
146

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًۭا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

Those to whom We gave the Scripture know him as they know their own sons. But indeed, a party of them conceal the truth while they know [it].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٦ ] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ أيْ يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعْرِفَةً لا امْتِراءَ فِيها، كَما لا يَمْتَرُونَ في مَعْرِفَةِ أوْلادِهِمْ مِن بَيْنِ أوْلادِ النّاسِ. وهَذِهِ المَعْرِفَةُ مُسْتَفادَةٌ مِنَ الكِتابِ. كَما أخْبَرَ تَعالى عَنْ نَعْتِهِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] يَعْنِي يَعْرِفُونَهُ بِالأوْصافِ المَذْكُورَةِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِأنَّهُ هو النَّبِيُّ المَوْعُودُ بِحَيْثُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ. كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، ولا تَلْتَبِسُ أشْخاصُهم بِغَيْرِهِمْ. فَهو تَشْبِيهٌ لِلْمَعْرِفَةِ العَقْلِيَّةِ الحاصِلَةِ مِن مُطالَعَةِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، بِالمَعْرِفَةِ الحِسِّيَّةِ في أنَّ كُلًّا مِنهُما يَقِينِيٌّ، لا اشْتِباهَ فِيهِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمْرَ أنَّهُ قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: أتَعْرِفُ مُحَمَّدًا كَما تَعْرِفُ ولَدَكَ ؟ قالَ: نَعَمْ وأكْثَرُ؛ نَزَلَ الأمِينُ مِنَ السَّماءِ عَلى الأمِينِ في الأرْضِ بِنَعْتِهِ فَعَرَفْتُهُ، وإنِّي لا أدْرِي ما كانَ مِن أُمِّهِ. فَقَبَّلَ عُمَرُ رَأْسَهُ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهُمْ﴾ أيْ أهْلَ الكِتابِ، مَعَ ذَلِكَ التَّحَقُّقِ والإيقانِ العِلْمِيِّ ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ أيْ يُخْفُونَهُ ولا يُعْلِنُونَهُ ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ أيِ الحَقَّ، أوْ عِقابَ الكِتْمانِ، أوْ أنَّهم يَكْتُمُونَ. قالَ الرّاغِبُ: لَمْ يَقُلْ يَكْتُمُونَهُ. لِأنَّ في كِتْمانِ أمْرِهِ كِتْمانَ الحَقِّ جُمْلَةً. وزادَ في ذَمِّهِمْ بِقَوْلِهِ "وهم يَعْلَمُونَ" فَإنَّهُ لَيْسَ المُرْتَكِبُ ذَنْبًا عَنْ جَهْلٍ، كَمَن يَرْتَكِبُهُ عَنْ عِلْمٍ.

Al-Baqara 2:146Listen in Qur'an →
147

ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

The truth is from your Lord, so never be among the doubters.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٧ ] ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾

"الحَقُّ مِن رَبِّكَ" أيِ الحَقُّ مِنَ اللَّهِ، لا مِن غَيْرِهِ. يَعْنِي أنَّ الحَقَّ ما ثَبَتَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، كالَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ. وما لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، كالَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ، فَهو الباطِلُ. أيْ: هَذا الَّذِي يَكْتُمُونَهُ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ. وقَرَأ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "الحَقَّ"، بِالنَّصْبِ عَلى الإبْدالِ مِنَ الأوَّلِ، كَما في الكَشّافِ. أوِ المَفْعُولِيَّةِ لِـ "يَعْلَمُونَ" . كَما قالَهُ أبُو البَقاءِ. "فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ" الشّاكِّينَ في كِتْمانِهِمُ الحَقَّ مَعَ عِلْمِهِمْ، أوْ في الحَقِّ الَّذِي جاءَكَ مِن رَبِّكَ، وهو ما أنْتَ عَلَيْهِ. ومَعْلُومٌ أنَّ الشَّكَّ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ مِنهُ. فَفِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْأُمَّةِ. وقالَ الرّاغِبُ: لَيْسَ هَذا بِنَهْيٍ عَنِ الشَّكِّ لِأنَّهُ لا يَكُونُ بِقَصْدٍ مِنَ الشّاكِّ، بَلْ هو حَثٌّ عَلى اكْتِسابِ المَعارِفِ المُزِيلَةِ لِلشَّكِّ واسْتِعْمالِها. وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]

Al-Baqara 2:147Listen in Qur'an →
148

وَلِكُلٍّۢ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا۟ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

For each [religious following] is a direction toward which it faces. So race to [all that is] good. Wherever you may be, Allah will bring you forth [for judgement] all together. Indeed, Allah is over all things competent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٨ ] ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

"ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ" أيْ لِكُلِّ أُمَّةٍ، أوْ لِكُلِّ نَبِيٍّ قِبْلَةٌ أوْ شِرْعَةٌ ومِنهاجٌ "هُوَ مُوَلِّيها" وجْهَهُ. أيْ مائِلٌ إلَيْها بِوَجْهِهِ، تابِعٌ لَها. لِأنَّها حُبِّبَتْ إلَيْهِ، وزُيِّنَتْ لَهُ. وقالَ أبُو مُعاذٍ: مُوَلِّيها بِمَعْنى مُتَوَلِّيها. أيْ تَوَلّاها ورَضِيَها واتَّبَعَها "فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ" أيِ ابْتَدِرُوها بِالمُسابَقَةِ إلَيْها. وهَذا أبْلَغُ مِنَ الأمْرِ بِالمُسارَعَةِ، لِما فِيهِ مِنَ الحَثِّ عَلى إحْرازِ قَصَبِ السَّبْقِ، والمُرادُ بِالخَيْراتِ جَمِيعُ أنْواعِها مِمّا يَنالُ بِهِ سَعادَةَ الدّارَيْنِ: ﴿أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ قالَ الرّاغِبُ: أيْ أيُّ شُغْلٍ تَحَرَّيْتُمْ، وحَيْثُما تَصَرَّفْتُمْ، وأيَّ مَعْبُودٍ اتَّخَذْتُمْ، فَإنَّكم مَجْمُوعُونَ ومُحاسَبُونَ عَلَيْها: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ. أيْ هو قادِرٌ عَلى جَمْعِكم مِنَ الأرْضِ، وإنْ تَفَرَّقَتْ أجْسادُكم وأبْدانُكم.

(تَنْبِيهٌ) تُشِيرُ الآيَةُ إلى أنَّ النّاسَ عَلى مَذاهِبَ عَدِيدَةٍ وأدْيانٍ مُتَنَوِّعَةٍ. وأنَّ عَلى العاقِلِ أنْ يَسْتَبِقَ إلى ما كانَ خَيْرَها وأرْقاها. وقَدِ اتَّفَقَ العُقَلاءُ قاطِبَةً والفَلاسِفَةُ أنَّ دِينَ الإسْلامِ أرْقى الأدْيانِ كُلِّها لِما حَوى مِن حاجِيّاتِ الكَمالِ البَشَرِيِّ، ووَفى بِشُؤُونِ الِاجْتِماعِ، وأسْبابِ العُمْرانِ، وذَرائِعِ الرُّقِيِّ وطُرُقِ السَّعادَتَيْنِ. وهَذِهِ الآيَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧] وقَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨]

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ حُكْمَ التَّحْوِيلِ وبَيَّنَ عَدَمَ تَفاوُتِ أمْرِ الِاسْتِقْبالِ في حالَتَيِ السَّفَرِ والحَضَرِ بِقَوْلِهِ:

Al-Baqara 2:148Listen in Qur'an →
149

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَإِنَّهُۥ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

So from wherever you go out [for prayer, O Muhammad] turn your face toward al- Masjid al-Haram, and indeed, it is the truth from your Lord. And Allah is not unaware of what you do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٩ ] ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

"ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ" أيْ: ومِن أيِّ بَلَدٍ خَرَجْتَ لِلسَّفَرِ "فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ" إذا صَلَّيْتَ "وإنَّهُ" أيْ هَذا الأمْرَ "لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ" قُرِئَ بِالياءِ فَهو وعِيدٌ لِلْكافِرِينَ، وبِالتّاءِ فَهو وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. ولِما عَظُمَ في شَأْنِ القِبْلَةِ انْتِشارُ أقْوالِ السُّفَهاءِ وتَنَوُّعُ شَغَبِهِمْ وجِدالِهِمْ، كانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِمَزِيدِ تَأْكِيدٍ لِأمْرِها، تَعْظِيمًا لِشَأْنِها وتَوْهِيَةً لِشُبَهِهِمْ، فَقالَ تَعالى:

Al-Baqara 2:149Listen in Qur'an →
150

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

And from wherever you go out [for prayer], turn your face toward al-Masjid al-Haram. And wherever you [believers] may be, turn your faces toward it in order that the people will not have any argument against you, except for those of them who commit wrong; so fear them not but fear Me. And [it is] so I may complete My favor upon you and that you may be guided.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٠ ] ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي ولأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾

﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ أيْ لِئَلّا يَحْتَجَّ عَلَيْكم أحَدٌ في التَّوَلِّي إلى غَيْرِهِ، ولِتَنْتَفِيَ مُجادَلَتُهم لَكم، كَقَوْلِ اليَهُودِ مَثَلًا: يَجْحَدُ دِينَنا ويَتَّبِعُ قِبْلَتَنا ! وقَوْلُ غَيْرِهِمْ: يَدَّعِي مِلَّةَ إبْراهِيمَ ويُخالِفُ قِبْلَتَهُ ! فَإذا صَلَّيْتُمْ إلَيْهِ لا تَكُونُ لَهم عَلَيْكم حُجَّةٌ.

قالَ الرّاغِبُ: وأشارَ بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩] إلى تَحْقِيقِ ما قَدَّمَهُ، فَبَيَّنَ أنَّهُ إذا كانَتِ الحِكْمَةُ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِكُلِّ صاحِبِ شَرْعٍ قِبْلَةٌ يَخْتَصُّ بِها، وأنْتَ صاحِبُ شَرْعٍ، فَتَغْيِيرُ القِبْلَةِ لَكَ حَقٌّ مِن رَبِّكَ. (ثُمَّ قالَ): إنْ قِيلَ: لِمَ كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ ؟ قِيلَ: حَثٌّ بِإحْداهُما عَلى التَّوَجُّهِ نَحْوَ القِبْلَةِ بِالقَلْبِ والبَدَنِ في أيْ مَكانٍ حَصَلَ لِلْإنْسانِ، نائِيًا كانَ عَنْها أوْ دانِيًا مِنها. وذَلِكَ مَآلُ الِاخْتِيارِ والتَّمَكُّنِ، وحَثَّ بِالآخَرِ عَلى التَّمَكُّنِ بِالقَلْبِ وحْدَهُ عِنْدَ اشْتِباهِ القِبْلَةِ، وفي النّافِلَةِ في حالِ اليُسْرِ عَلى الرّاحِلَةِ والسَّفَرِ. ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ فَإنَّهم يُظْهِرُونَ فُجُورًا ولَدَدًا في ذَلِكَ، بِالعِنادِ. وهم: إمّا اليَهُودُ المُعَبِّرُ عَنْهم بِأهْلِ الكِتابِ قَبْلُ، أوِ المُنافِقُونَ أوِ المُشْرِكُونَ كَما حَكى قَبْلُ في "السُّفَهاءِ"، وكانَ مِن قَوْلِ اليَهُودِ، فِيما حَكاهُ قَتادَةُ: اشْتاقَ الرَّجُلُ إلى بَيْتِ أبِيهِ ودِينِ قَوْمِهِ. ومِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ، فِيما حَكاهُ مُجاهِدٌ: قَدْ رَجَعَ إلى قِبْلَتِكم فَيُوشِكُ أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِكم. وتَقَدَّمَ قَوْلُ المُنافِقِينَ. وبِالجُمْلَةِ فالكُلُّ عابُوا وخاضُوا ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ تَخافُوا جِدالَهم ﴿واخْشَوْنِي﴾ فَلا تُخالِفُوا أمْرِي ﴿ولأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ بِالتَّوَجُّهِ إلى أكْمَلِ الجِهاتِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْآياتِ البَيِّناتِ والأمْنِ "ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ" لِلصِّراطِ المُسْتَقِيمِ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْها، فَتَهْتَدُونَ بِهَذِهِ القِبْلَةِ هِدايَةً كامِلَةً.

قالَ الحُرّالِيُّ: وفي طَيِّهِ بُشْرى بِفَتْحِ مَكَّةَ، واسْتِيلائِهِ عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ كُلِّها، وتَمْكِينُهُ بِذَلِكَ مِن سائِرِ أهْلِ الأرْضِ، لِاسْتِغْراقِ الإسْلامِ لِكافَّةِ العَرَبِ الَّذِينَ فَتَحَ اللَّهُ بِهِمْ لَهُ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، الَّتِي انْتَهى إلَيْها مُلْكُ أُمَّتِهِ.

Al-Baqara 2:150Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.